الأساس الواقعي لجماليات اللون في شعر الأغربة الجاهليين

خالد زغريت
جامعة حمص، سورية

الملخص:

شكل اللون هاجساً ذاتيا عميقا عند الأغربة، فوظفوه في أشعارهم، كاشفين دلالاته المعرفية والجمالية. أعاد الأغربة ناءها ومتطلبات موقفهم الشعوري إزاء المجتمع الذي صنف قيم أبنائه حسب ألوانهم، فخلعهم من إنائه بسبب لونهم الخارج على قوانينه. لقد تراءى لنا في حالات كثيرة أن الشعراء الأغربة يتعرفون إلى الأشياء بألوانها، فهي التي تعطيها قيمتها، ومعيارها الاجتماعي، فكان اللون الأبيض عندهم - على سبيل المثال - يجسد مظاهر قيم الجميل، والجليل، والبطولي، والسامي، لأنهم ربطوا اللون بجذر أسطوري، تستند إليه القيم العليا في مجتمعهم، وفيما يلي سندرس طرق تناول الشعراء الأغربة اللون في أشعارهم وفق المنهج الجمالي، وكون هذا الجزء من البحث يهدف إلى الكشف عن الأساس الواقعي للقيم الجمالية التي درسناها في شعر الأغربة فإنه سيعتمد على الاستقراء.

الكلمات الدالة:

اللون، الأغربة، الجمال الشعري، الأسطورة، الأدب العربي.

***
The realistic basis for color aesthetics in the poetry of pre-Islamic blacks

Khaled Zaghrit
University of Homs, Syria

Abstract:

Color formed a deep self-obsession among strangers, so they employed it in their poems, revealing its cognitive and aesthetic connotations. The strangers returned their remoteness and the requirements of their emotional attitude towards the society that classified the values of its children according to their colors, so they removed them from its vessels because of their color outside its laws. In many cases it appeared to us that foreign poets recognize things by their colors, for it is they that give them their value and their social standard, so the white color for them - for example - embodied the manifestations of the values of the beautiful, the majestic, the heroic, and the sublime, because they linked the color to a mythical root on which they are based the highest values in their community. In what follows, we will study the ways in which foreign poets dealt with color in their poetry according to the aesthetic approach, and the fact that this part of the research aims to reveal the realistic basis for the aesthetic values that we studied in the poetry of the strangers, it will depend on induction.

Keywords:

color, blacks, poetic beauty, myth, Arabic literature.

***

النص:

تأسست القيم الجمالية للون في شعر الأغربة(1) الجاهليين على أبعاد واقعية، تجلت في مظهره الحسي، كونه هيئة(2) مادة بصرية، محسوسة، استحضره الأغربة في أشعارهم بطريقة مباشرة من عالم الطبيعة، وجسدوا به الجمال الحسي، فانفعلوا به وتفاعلوا معه في فهم الطبيعة التي توحدوا معها واستثمروا عناصرها في تشخيص أحاسيسهم ورؤاهم، فغذوا واقعية القيم الجمالية المختلفة للون بخصوصيات إبداعية، تولدت من انعكاس تجاربهم الذاتية وتمايز مكوناتهم الشخصية التي تأصل فيها الخيال الشعري والتفرد الشعوري.

شكل اللون هاجسا ذاتيا عميقا عند الأغربة، فوظفوه في أشعارهم، كاشفين دلالاته المعرفية والجمالية، فالألوان - بالإضافة إلى كونها "مظهرا من مظاهر الواقعية في الصورة الشعرية - كانت حاملة إرث ثقافي، حيث تتوضع في الألوان جملة من البنى الأسطورية والحضارية المؤسسة لثقافات الشعوب، فكانت ذات دلالات جمالية"(3). أعاد الأغربة ناءها ومتطلبات موقفهم الشعوري إزاء المجتمع الذي صنف قيم أبنائه حسب ألوانهم، فخلعهم من إنائه بسبب لونهم الخارج على قوانينه.

لقد شكل الأثر الذاتي للون عندهم دوافع متناقضة أسهمت في تركيب شخصياتهم وفق نوعية القلق الذي تحمله، بسبب اللون، فأعلوه في أشعارهم كونه صفة لحقيقة ما، وتعبيرا مباشرا عن حالة بعينها، حتى تراءى لنا في حالات كثيرة أن الشعراء الأغربة يتعرفون إلى الأشياء بألوانها، فهي التي تعطيها قيمتها، ومعيارها الاجتماعي، فكان اللون الأبيض عندهم - على سبيل المثال - يجسد مظاهر قيم الجميل، والجليل، والبطولي، والسامي، لأنهم ربطوا اللون بجذر أسطوري، تستند إليه القيم العليا في مجتمعهم، وفيما يلي سندرس طرق تناول الشعراء الأغربة اللون في أشعارهم وفق المنهج الجمالي، وكون هذا الجزء من البحث يهدف إلى الكشف عن الأساس الواقعي للقيم الجمالية التي درسناها في شعر الأغربة فإنه سيعتمد على الاستقراء:

1 - اللون الأبيض:

يمثل اللون الأبيض الضوء الذي بدونه ما كان يمكن رؤية لون(4)، فهو أول الألوان الموسومة بالفئة الباردة التي تثير الشعور بالهدوء والطمأنينة(5). يحتل المرتبة الثانية بعد الأسود حسب تمييز الألوان عند الشعوب المختلفة(6). عني العرب القدماء بتمييزه بألفاظ خاصة، تحدد درجاته وصفاته، وتشعب دلالاته، فقد رتب درجاته الثعالبي على النحو التالي: أبيض، ثم يقق، ثم لهق، ثم واضح، ثم ناصع، ثم هجان وخالص. أما الألفاظ التي تدل على البياض فهي كثيرة في العربية، فقالوا: يلق ولياح ووابص ومشرق وبراق ودلامص وهجان وحر، وقالوا للأبيض الخالص: الأزهر والأغر والأبلج والأقمر والنعج والصرح، وللأبيض يخالطه شيء من الشقرة قالوا: أقهب وأعيس، وللأبيض يعلوه سواد: أملح وأشهب وللأبيض يضرب للخضرة أبغث، وللأبيض القبيح: أمقه وأمهق ومغرب وأبرص وأمره وقهد. وقالوا فيما وصفوه بالبياض: رجل أزهر، وامرأة رعبوبة، وبرهرهة، خرعوبة وزهراء وشعر أشمط وأشيب وأغثم "الغثنة: أن يغلب بياض الشعر سواده" وفرس أشهب وأغر وأقرح "القرحة في الفرس دون الغرة" وبعير أعيس، وثور لهق، وبقرة لياح، وكبش أملح، وظبي آدم، وثوب أبيض، وجبل أعبل وفضة يقق، وخبز حواري، وسراب أمره وماء صاف وثوب خالص والسحل: الثوب الأبيض والصبير: السحاب الأبيض واليرمع: الحجر الأبيض، والوثير: الورد الأبيض، والقضيم: الجلد الأبيض(7).

ونجد في شعر ما قبل الإسلام ألفاظا نلمح فيها ظلال هذا اللون مثل: القمر، البدر، الشهاب، الربرب، الصبح، العاج، الدمقس، الفضة، الأقحوان، الريم، النقا، الإغريض، الجمان، المرو أي: الحصى الأبيض(8). يبدو لمتتبع استخدام اللون في شعر الجاهليين أن الغنى الذي مثله قاموسه في اللغة العربية لم يحل دون تداخله عندهم مع اللون الأصفر، ولا سيما في جانبي الإضاءة والإشراق، وفي مصدريهما الشمس والقمر، إذ ارتبط اللون الأبيض عندهم بأسطورتيها الحيتين في ذاكرتهم الثقافية، فاستمد الأغربة هذه الدلالة الأسطورية للون الأبيض ليجسدوا مثالهم الأعلى للرجولة، سائرين على نهج الشعراء الأحرار في تصوير قيم البطولة والجلال، أما حين يرتدون إلى ذواتهم في ظل الواقع، فإنهم كانوا يجعلونه حلما يستريحون تحت أطيافه، إذ كان اللون الأبيض غايتهم الضائعة التي أفقدهم غيابها حصانة وجودهم، على الرغم من ذلك نجدهم يقتفون أثر الجاهليين في تشبيه المرأة الجميلة (بالشمس، والقمر، والبيضة، والريم، والدرة)، يقول سحيم(9) مشبها المرأة ببيضة الظليم(10):

فما بيضة بات الظليم يحفها ويرفع عنها جؤجؤا متجافيا

قرن الأغربة صورة الرجل السامي، الجليل، البطل باللون الأبيض، نتيجة خضوعهم للقيم الاجتماعية الجاهلية التي نشأ فيها هذا الاقتران عبر الربط الأسطوري للرجل الجليل، السيد بالقمر الذي عبد عند قدمائهم والإله (ود) بوصفه أبا للإنسان والآلهة حسب معتقداتهم(11). انتقل هذا الأثر الأسطوري إلى صورة الرجل المثال ي الجاهلية، فعدوا بياض وجه الرجل قيمة سيادية بذاتها،وهو تقليد أصيل في الجاهلية سار على نهجه الشعراء الأغربة، فها هو عنترة(12). يحدد مظاهر جلال الفرسان ببياض وجوههم، مشبها واحدهم بالظبي الناصع البياض(13):

كم من فتى فيهم أخي ثقةٍ حر أغر كغرة الرئم

صور الأغربة باللون الأبيض صميم حياتهم الذاتية والموضوعية، فكشفوا أحاسيسهم بتحولاتها، كما في حديثهم عن الشيب وأثره في بيان المتغيرات الجسدية والنفسية للإنسان، فهو رادع لانفعالات الشباب ومدعاة للتأمل كما يرى خفاف بن ندبة(14) في قوله(15):

فإما تريني أقصر اليوم باطلي ولاح بياض الشيب في كل مفرق

فإذا كان بياض الرأس مجالا للتأمل في فلسفة الزمن عند خفاف فهو في جسم ناقته سبيله لتأمل جلال الطبيعة في إطارها الحي(16):

صعل أتاه بياض من شواكله جون السراة أجش الصوت صلصال

أكثر الأغربة من ذكر اللون الأبيض في وصف أسلحتهم التي حملوها صفات تدلل على ما يجسدونه من قيم، فتغنوا بسيوفهم معينين بياضها مباشرة أو مشيرين إليه بالملح، جمع الشنفرى(17) ذلك في قوله(18):

إذا فزعوا طارت بأبيض صارم ورامت بما في جفرها ثم سلت
حسام كلون الملح صافٍ حديده جراز كأقطاع الغدير المنعت

كان التغني ببياض السيوف والأخلاق - عند الشعراء الأغربة - سبيلهم المعنوي في التغلب على مأساة لونهم، فألحوا بألم على ذكر بياض أفعالهم وأخلاقهم لعلها تحد من غياب وضاعة لونهم، جسد سحيم هذه الرغبة في دعوته بتقديم بياض الفعل على بياض الشكل مستجيبا لمعاناته الذاتية وحلمه في نسف التقليد الاجتماعي السائد في عصره(19):

إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما أو أسود اللون إني أبيض الخلق

إذا كان اللون الأبيض قد مثل عند الشعراء الأغربة واقع قيمة الإنسان الذي يتصف به، فإن هذا التمثيل يكشف حالات امتثالهم القاهر للمعايير الاجتماعية التي تمردوا عليها، فأبرزوا من خلاله صورهم النفسية وما يعتمل في أتونها من رغبات ذاتية وأحلام عزيزة للتحرر من قيد ألوانهم. لقد جسد الأغربة باستخدام هذا اللون وعيهم الجمالي، دون أن يفارقوا الأس الواقعي له حتى حين غالوا في تمجيده، أو حلقوا في فضاءات الخيال.

2 - اللون الأسود:

الأسود أشد الألوان عتمة وأغمقها، وهو نقيض الأبيض في كل خصائصه، يمثل "الظلام التام وانعدام الرؤية ورمزوا به للحزن والشؤم والعدم، كما دللوا به على الموت والفراق والخوف، والفناء، وقد وضعه علماء الألوان في المرتبة الأولى في قائمة الألوان عند مختلف الشعوب"(20)، أما في العربية فجاء في المرتبة الثانية بعد الأبيض عند النمري(21). دللت عليه اللغة العربية بألفاظ تدل على كل ما هو ضد الجمال والحياة، أو ما هو مناف للاطمئنان والسلام. كما خصته بمفردات تصفه وتحدد درجاته "فقالوا: أسود حالك وأحم وفاحم وقاتم وغربيب وخداري ودجوجي وديجور ومصلخم وغرابي وأدجن وأدخن وأدعج وأدلم وأدغم وأدهم وأسحم وأبخس وبهيم وأسحمان وحانك ومسحنكك ودغمان وحلبوب وسحكوك، وأحتم، وغدافي وحمحم"(22).

حمل اللون الأسود عند الأغربة جملة دلالات مناقضة لما مثله اللون الأبيض، تركز جلها حول دائرة الخراب، والموت، والظلام، والفناء. وشعور الأغربة بالفجيعة التي يمثلها اللون الأسود صادر عن ذاكرتهم الأسطورية، "فسواد الليل، يعيد لا شعوريا إلى ما قبل الخلق إلى عالم العماء حيث لا حياة ولا نور ولا بشر"(23). وفق هذا الشعور استخدم الأغربة اللون الأسود، للتعبير عن حالات الفراق والحزن والرحيل، والموت فبنوا به قيم القبيح، والوضيع والداني، والمأساوي. كما بينا في الفصول السابقة، ووظفوه للتعبير عن واقعهم الغارق بصور حالكة، تجسد قيمتي الوضيع والقبيح اللتين عبر عنهما السليك بن السلكة(24) في وصف خالاته ومعاناتهن من سوادهن(25)، وذكر العبيد في موضع آخر للدلالة على هوان الحي الذي يسهل غزوه(26):

يا صاحبي ألا لا حي بالوادي إلا عبيد وآم بين أذواد

نقل الأغربة اللون الأسود عن صور الواقع المحسوس بطريقة مباشرة، ليضمنوه معاناتهم الذاتية ومواقفهم الرافضة سنن المجتمع الجاهلي التي سلبتهم الحرية، فكشف عنترة عن معاناته بسواد بشرته التي حتمت إقصاءه عن المجتمع الحر، على الرغم مما يملكه من مقومات السادة ومظاهرها التي تجلت في مهاراته المتفردة في الفروسية(27):

لئن أك أسودا، فالمسك لوني وما لسواد جلدي من دواء

أكثر الأغربة من استحضار الغراب لوصف فاجعة الفراق ورحيل الأحبة، متطيرين منه، رابطين صورته بجذرها الأسطوري الذي يرمز لما يذهب ولا يعود(28)، حتى صار عندهم رمزا للتشاؤم والغربة والضياع والموت، ندبوا به الأحبة وتوجعوا على رحيلهم(29):

ظعن الذين فراقهم أتوقع وجرى ببينهم الغراب الأبقع

برز اللون الأسود في شعر الأغربة عبر صورة الأفعى التي تشبهوا بها للتدليل على فتكهم بالأعداء وإرعابهم الناس، فقد وصف الشنفرى نفسه بالأرقم(30) وهو من أخبث الحيات،كما شبه تأبط شرا(31) سلاحه بنيوب الأساويد(32):

فإن أك لم أخضبك فيها فإنها نيوب أساويد وشول عقارب

عبر الأغربة الصعاليك باللون الأسود عن انسجامهم مع بيئتهم الخاصة فتمثلوا، ودللوا به على توحدهم مع الطبيعة في تجاربهم الحياتية، متمثلين بحيواناتها لإظهار قواهم الخاصة وشراستهم فشبه الشنفرى نفسه بالذئب الأطحل وبالسمع المذلل قسوة البيئة(33):

أنا السمع الأزل فلا أبالي ولو صعبت شناخيب العقاب

صار اللون الأسود أداة الشاعر الغراب لوصفه تفاصيل الطبيعة التي عاش وحشتها، فصور عناصرها التي يدلل من خلالها على مقدراته الفردية ومغامراته، كما فعل حاجز بن عوف34 في تصوير الجبال السود، واصطباغ أقدامه بالسواد لكثرة وطئه التراب حافيا(35):

وأعرضت الجبال السود خلفي وخينف عن شمالي والبهيم
تراها من وثام الأرض سودا كأن أصابع القدمين شيم

على الرغم من ظلمة حياة الأغربة وتماسها المستمر مع التوحش والدماء، كان اللون الأسود - عندما يحضر للتعبير عن الموت المادي - يردد صدى هاجس القلق والرعب في نفوسهم من النهاية الأبدية، فقد تحدث عبدة بن الطبيب عن ظلمة القبر كاشفا قلقه من هذه النهاية(36):

ولقد علمت بأن قصري حفرة غبراء يحملني إليها شرجع

يؤكد الشنفرى دلالة اللون الأسود على الفناء في تناوله حتمية مآل كل إنسان إلى ظلمة القبر(37):

وكل فتى عاش في غبطةٍ يصير إلى الجدث الأسفع

دخل اللون الأسود شعر الأغربة من صلب حياتهم وصميم بيئتهم، فتحدثوا عن صوره في كل ما تعرفوا إليه في محيطهم، كاشفين عن صلاتهم الحياتية به، محملينه دلالاتٍ، تعبر عن حالاتهم النفسية، فولدوا عبر صوره القيم الجمالية السلبية التي درسناها وكانت: القبيح والوضيع والهزلي والجبان والمأساوي.

3 - اللون الأحمر:

هو أول الألوان التي عرفها الإنسان في الطبيعة، ينتمي إلى مجموعة الألوان الساخنة المستمدة "من وهج الشمس، واشتعال النار، والحرارة، وهو من أطول الموجات الضوئية المرئية"(38).

أكثر الشعراء القدماء من استخدامهم هذا اللون نتيجة وعيهم الجمالي والمعرفي لدوره في أصل الوجود والواقع، لذلك نجد تقدم ذكره في الأدب العربي وتنوع ألفاظه التي كثرت" لتعبر عن ماهيته وقيمته، ومدى نقائه، ودرجة تشعبه وهي: الحدود الوضعية العلمية للون"(39) من ذلك قولهم: أحمر، أحمر قانئ، وأرجوان، ونكع، وناكع، وورد ومدمى، وكرك وعاتك، وباحر، وبحراني، وذريحي، وثقيب، وحانط، وغضب، وعبروا عن الحمرة الصافية الخالصة المشرقة بقولهم: أحمر ناصع، ويافع، وزاهر، ويانع، وغير ذلك، وقالوا لكل أحمر: إضريج وجريال، وعندم، وقالوا للأحمر القاتم القريب للسواد: أسفع، وأحسب وأدبس، وكميت، وأصبح، وأجأى، والأحمر المختلط بصفرة قيل له: أخطب، وأصهب، وأكهب، كما قالوا للأحمر المائل للبياض: أشقر، وأعقر.

ونعت العرب أيضا اللون الأحمر بلون اللهب بالألهب كما قالوا للرجل الأحمر: أشقر، أما إذا كان الجبل أحمر فهو: هضبة وإذا كانت الأرض حمراء الحصى فهي خشرمة، وقالوا: أقشر للأحمر الذي ينقشر وجهه(40).

تظهر السمات الواقعية للون الأحمر في شعر الأغربة عبر ارتباطه بالدم، وتكوين الحياة. فقد نقلوا هذا الارتباط إلى أشعارهم، ليعبروا عن علاقته بتجاربهم الذاتية وأحاسيسهم، ولاسيما أن هذا اللون "يثير روح الهجوم، والغزو، والثأر، ويخلق نوعا من التوتر العضلي، كما أنه مثير للمخ وله خواصه العدوانية"(41) هذه الخواص التي تنسجم مع حياة الأغربة الذين ربطوا بين الدم واللون الأحمر في أشعارهم ليحملوه ما تمتعوا به من قوة وعدوانية، وشراسة، تمثل أهم مقومات شخصية الشاعر الغراب الذي ألح على تصوير بطولته من خلال تأثير دمويتها(42):

سبقت يداي له بعاجل طعنةٍ ورشاش نافذةٍ كلون العندم

وقد نسب الأغربة الأشياء إلى ألوانها، فسموا السيف الأبيض، والقوس الحمراء، والدرع الأصفر على نحو ما تكرر في قول الشنفرى(43):

وحمراء من نبع أبي ظهيرة ترن كإرنان الشجي وتهتف
وقوله(44):
أركبها في كل أحمر غاتر وأقذف منهن الذي هو مقرف
وقوله(45):
وباضعةٍ حمر القسي بعثتها ومن يغز يغنم مرة ويشمت

على الرغم من كثرة استخدام الشعراء الأغربة اللون الأحمر، بقي مرتبطا بصورته المادية الواقعية "الدم"، كونه يحقق للإنسان الجاهلي مظهرا من مظاهر العزة، ودلالة من دلالات القوة، فهو "أعز الألوان في لعبة الحب والحرب"(46)؛ ويبدو ذلك جليا في حالة عنترة الذي يمعن في تقديم نفسه لعبلة مسربلا بدم الأعداء، كما يقرن حصانه بصورة مشابهة، ليلفت قلب عبلة نحوه، حاثا إياها على تقدير بطولته الحمراء، لعل صخب لون الدم يخفي تحت ركامه سواد بشرته، يقول عنترة عن إقحام حصانه في القتال ليخضب بالدم، فيرى كأنه لابس قطيفة حمراء(47):

وأكرهه على الأبطال حتى يرى كالأرجواني المجوب

بات الدم عند عنترة الهدية المثلى التي يستهوي بها عبلة، فهو دائما يخصها في السؤال عن استجمال لباسه من دم الأعداء، طامعا بحظوة عندها عبر الدم الذي صار وردته المحببة التي يقدمها قربان عشقه لعبلة المسرفة في الغنج والتمنع(48):

سلي يا عبل قومك عن فعالي ومن حضر الوقيعة والطرادا
وعدت مخضبا بدم الأعادي وكرب الركض قد خضب الجوادا

لطالما وحد عنترة في شعره عالم الحب وعالم الحرب، بانيا مقوماته الشخصية في هذا المشترك من هذين العالمين، فكان يذكر الدم وعدة الحرب في مقام الغزل ليصف أعضاء الحبيبة بها(49):

فولت حياء ثم أرخت لثامها وقد نثرت من خدها رطب الورد
وسلت حساما من سواجي جفونها كسيف أبيها القاطع المرهف الحد

وهكذا قد شكل اللون الأحمر عنصرا أساسيا في ألوان لوحة الشعر الجاهلي، فكان أشدها كثافة في التعبير عن إرادة الشاعر الغراب، وأحلامه، ونفسيته وحقيقة ارتباطه الأصيل بالواقع والحياة.

4 - اللون الأصفر:

اللون الأصفر هو أحد الألوان الساخنة، فهو "يمثل قمة التوهج والإشراق ويعد أكثر الألوان إضاءة ونورانية، لأنه لون الشمس ومصدر الضوء، واهبة الحرارة والحياة والنشاط والغبطة والسرور"(50)، وقد أشار القرآن الكريم إلى أثره النفسي فهو يسر الناظرين: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين)(51).

عبر العرب عن اللون الأصفر بألفاظ متعددة للدلالة على صفات هذا اللون ودرجاته. فقالوا: أصفر، وأكدوه بقولهم: أصفر فاقع وللتعبير عن اختلاطه بغيره من الألوان، قالوا: أصهب وأكهب وألهب للصفرة تخالطها الحمرة، وقالوا: أسفع وأصحم للصفرة يخالطها سواد(52). حفل قاموس اللغة العربية بألفاظ كثيرة توحي بهذا اللون مثل الذهب الذي تسميه العرب: الصفراء، والورس، والعسجد، والحصى، والزعفران، والرمل واللهب.

يمكن أن نتبين من قراءة شعر الأغربة سمات الوعي الجمالي والثقافي في تعاملهم مع هذا اللون، وتدرجه، وخواصه الفنية - إلا أننا نجدهم قد داخلوا بينه وبين الأبيض بإسراف، يظهر ذلك عبر تركيزهم على إبراز الإشراق والإضاءة، والسطوع، فكان يحمل في أغلب الأحيان معنى اللون الأبيض، فقد وصفوا المرأة البيضاء بالشمس، رابطين بين الصورة الواقعية لها من خلال اللون، والإشراق، والإضاءة والدائرية، وصورتها المثالية المرتبطة بالأسطورة (الشمس الإلهة) لقد كانت الأسطورة إحدى وسائلهم المعرفية في إدراك الظواهر الحياتية والطبيعية "فقد كان تقديس الشمس، كإلهة أنثى، أو بوصفها رمزا أعلى للأنوثة والخصوبة موحيا للقدماء بالربط بينها وبين ممثلاتٍ أرضية، اعتقدوا أنها بدائل مقدسة للشمس - الأنثى - الأم، فوحدت العقلية القديمة بين الشمس، والمرأة، والمهاة، والفرس والغزالة، والدرة والبيضة، والنخلة"(53).

مزج الشعراء الأغربة في شعرهم الصورة الواقعية للون الأصفر مع تداعياته الأسطورية في قاع ثقافتهم، متخذين المخيلة مطية لذلك، كشأن عنترة الذي مزج بين قدسية الشمس والمرأة من خلال لونيهما(54).

شمس إذا طلعت سجدت جلالة لجمالها وجلا الظلام طلوعها

يفسر إسراف الأغربة - في وصفهم المرأة بكل ما هو منير مضيء، وإلحاحهم على إضاءة ملامحها في أشعارهم - خلط هؤلاء الشعراء بين اللونين الأبيض والأصفر الذي نشأ من تداخل إدراكهم الحسي للون مع إدراكهم المعرفي. أما لو عرضنا للصور التي أسسها الشعراء الأغربة على اللون الأصفر، فإننا سنحظى بحالة واقعية ولدتها بيئتهم وحياتهم، من ذلك أنهم نسبوا القوس إلى لونها، يقول الشنفرى(55):

ثلاثة أصحابٍ: فؤاد مشيع وأبيض إصليت وصفراء عيطل

لا شك أن نسبة الأغربة القوس إلى اللون الأصفر، جاء من تلوين الشمس لها، فبدا ربطهم بين القوس والشمس واقعيا، لكن ذلك لم يحل دون ارتباط هذا الاستمداد الواقعي بدلالات أسطورية مترسبة في وعيهم الثقافي، لأنهم كانوا يستجيبون إلى ما يعتمل في أنفسهم من رغبة بتمثل المثل الأسطورية التي تظهر في التوحيد، بين القوس، والشمس، والمرأة، نتيجة اشتراكها بأسطورة الشمس (الإلهة)، وهذا يلبي ثورة الشاعر في بناء قوة سحرية إضافية للقوس الحاملة لصفات إلهية يوحي بها اللون الأصفر المنتسب إلى الشمس. لا شك أن صفات القوس هذه ستنتقل إلى حاملها، وتضفي عليه سمات أسطورية، يحتاج إليها الشاعر الغراب في داخله، ليضيء سواده الخارجي المرفوض اجتماعيا، مما يتيح له تعويض ما ينقصه من هوية اجتماعية بالانتماء إلى الفردية المتجسدة بالقوة الخارقة، لذلك قرن الشاعر الغراب السلاح والموت باللون الأصفر، كما ذهب تأبط شرا في وصف القتلى(56):

دنوت له حتى كأن قميصه تشرب من نضح الأخادع عصفر

تسرب اللون الأصفر إلى شعر الأغربة من مدركاتهم الحسية المضيئة في البيئة الصحراوية، فأولعوا بالألوان البراقة حتى ازدهت قصائدهم بأنوارها، لكن ذلك لم يحل دون تنبههم إلى موجودات أخرى في البيئة، تحمل المادة الجامدة للون، فقد ذكر خفاف بن ندبة اللون الأصفر في وصف حصانه الذي لون أرجله النبات الأصفر (العروق)(57):

قد خضب الكعب من نسف العروق به من الرخامى بجنبي حزم أورال

واستخدم عنترة اللون الأصفر في حديثه عن شرب الخمرة(58):

بزجاجةٍ صفراء ذات أسرةٍ قرنت بأزهر في الشمال مفدم

تكشف لنا هذه الصور - التي قامت على اللون الأصفر عند الأغربة - عن مدى إسهام هذا اللون في تشكيل واقعية الرؤية الجمالية عندهم، فقد نقلوا من خلاله مشاهداتهم في الطبيعة، ورؤاهم للحياة، رابطين عالم المحسوس بثقافة أسطورية، كانت وسيلتهم في تفسير الطبيعة والحياة، ولأنها شكلت أصالة شخصياتهم بقيت رواسبها في أفقهم المعرفي الثقافي، تحلق بهم نحو مخيلتها الأولى دون أن تنفك عن الواقع، إذ قام الواقع عند هؤلاء الشعراء - في جانب من جوانبه - على بنية أسطورية، فسروا بها وجودهم، فشكلت قوام ثقافتهم الحسية، ورؤيتهم الغيبية، وحملت سمات عصرهم، وفكرهم ورؤاهم وتساؤلاتهم.

5 - اللون الأخضر:

عد علماء الألوان الأخضر في المرتبة الأخيرة عند الشعوب، كما هو آخر لفظ في سلسلة الألوان عند النمري الذي عد الزرقة درجة من درجات الخضرة(59).

يأخذ اللون الأخضر بعده الواقعي - في شعر الأغربة على قلة استخدامه - من كونه لون الرياض، والخمائل والأشجار، أما سبب قلة استخدامه فيعود إلى أن الشعراء الأغربة كانوا منشغلين بهمومهم الذاتية والموضوعية، ووصف واقعهم الذي نأى بهم عن الوصف المجرد للطبيعة الخضراء الذي يحتاج إلى عوامل الراحة النفسية والجسدية، والمتعة الناشئة عن رخاء لم يعرفه هؤلاء الشعراء. يرد البعض عدم اهتمام العرب القدماء باللون الأخضر "إلى طبيعة البيئة الصحراوية التي عاشوا في كنفها، لأنهم تنبهوا للأصفر قبل الأخضر والأزرق"(60)، لكن الطبيعة المحيطة بحياة الجاهليين ليست السبب الرئيس في غض الطرف عن هذا اللون، فهناك عامل نفسي رئيس عند هم، دفعهم إلى الابتعاد عنه، يكمن في "خواص هذا اللون المسكنة المهدئة للجهاز العصبي، إذ هو لون الربيع، والتجدد، والأمل، ويرتبط - خصوصا النافر منه - بالنماء فيرمز إلى الحياة والوفرة والخيرة"(61)، وتلك حالات تنعدم في حياة الجاهليين عامة والأغربة خاصة، إذ قامت حياتهم على القلق وعدم الاستقرار، فلم يجدوا في رغباتهم صدى لهذا اللون، ويدلنا على ذلك أن القرآن الكريم جاء إلى العرب في نفس المكان والزمان اللذين أهملوا فيهما اللون الأخضر، فقد جاء هذا اللون من حيث وروده في آيات القرآن الكريم بعد الأبيض إذ ذكر في ثمانية مواضع مختلفة(62)، كلها توحي بالجمال والنماء والنعيم والطمأنينة والاستقرار في الدنيا والآخرة، فهو يبسط الأرض بالجمال والنعمة بعد الغيث، يقول تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير)، كما أنه لون ثياب أهل الجنة(63)، ولون أسرتهم في الآخرة، كما في قوله: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهبٍ ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا)(64)، وقوله: (متكئين على رفرفٍ خضر وعبقري حسان)(65).

"فقد خص القرآن الكريم اللون الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر لأن البياض يبدد النظر ويؤلم والسواد يذم والخضرة بين البياض والسواد وذلك يجمع الشعاع"(66) وهكذا نجد أن الأغربة استخدموا الألوان التي تكشف عن خواصهم الذاتية وتنسجم مع مشاعرهم المضطربة القلقة التي لا تعرف الهدوء أو السلام، لذلك عرضوا للون الأخضر باقتضاب، من ذلك ذكر خفاف بن ندبة اللون الأخضر في حديثه عن الماء المكلل بالطحلب(67):

خضرا كسين دوين الشمس عرمضه أو طحلبا بأعالي اللصب أوشال

وتحدث تأبط شرا عن غصن البان الأخضر في بيان حالتي حياته مدللا باللون الأخضر على الراحة(68):

فقلت لها: يومان، يوم إقامةٍ أهز به غصنا من البان أخضرا
ويوم أهز السيف في جيد أغيدٍ له نسوة لم تلق مثلي أنكرا

أسهم انشغال الشعراء الأغربة بالتعبير عن حالات الغزو والبحث عن بديل لحياة التصعلك في استلابهم للألوان التي تحمل قضاياهم، فقل استخدامهم بعض الألوان وكثر لأخرى، استجابة لمتطلبات حياتهم وحاجاتهم النفسية، كما رأينا في تعاملهم مع اللون الأخضر الذي كان في منأى عن اهتماماتهم، وما ورد في شعرهم من ذكره كان يحقق الأساس الواقعي للقيم الجمالية التي شكلها اللون في أشعارهم.

6 - اللون الأزرق:

يرى العلماء أن اللون الأزرق، يمثل آخر الألوان في معظم القوائم العالمية لترتيب إحساس البشر بالألوان، وعلى الرغم من أن الأزرق يمثل لون السماء والبحر باتساعهما، إلا أن العربية لا تقدم تفصيلا لهذا اللون أو درجاته، وربما يعود ذلك لعدم دلالة التسمية على اللون في العربية القديمة إذ يسمي صاحب اللسان الزرقة "البياض أينما كان، أو الزرقة خضرة في سواد العين"، وكذلك النمري يعدها درجة من درجات الخضرة، وهذا يعني أن العرب القدماء لم يستخدموا اللون الأزرق للدلالة على ما نعرفه الآن، فهو عندهم للتعبير عن القسوة والخوف والرعب والخبث، إذ قالوا سم أزرق وناب أزرق، كما وصفوا الأسنة أعين العدو، وقد ورد اللون الأزرق في القرآن الكريم في موضع واحد في قوله تعالى: "يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذٍ زرقا"(69). كما سمى الرسول (ص) السماء الخضرة كناية عن الخير والجمال "ما تقل الغبراء ولا تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق وأوفى من أبي ذر"(70). نستدل من ذلك أن العرب القدماء والأغربة قد استخدموا اللون الأزرق، للدلالة على القسوة، والعنف، والأسنة المرعبة في وغى المعارك، يقول عنترة(71):

عوالي زرقا من رماح ردينةٍ هرير الكلاب يتقين الأفاعيا

أراد عنترة - في قوله هذا - التعبير عن الرعب الذي تبعثه الرماح الزرق في نفس العدو، فأظهر قوله: "يتقين الأفاعيا" مثلا، شاع في التعبير عن الرهبة والخوف، إذ يهر الأعداء لشدة خوفهم كما تهر الكلاب خوفا من الأفاعي. لذلك تستدعي الزرقة عبر وصف الرماح (أسطورة العين الزرقاء ذات اللعنة المدمرة للأعداء)(72)، التي عينها عنترة في قوله:

بنواظر زرق ووجهٍ أسودٍ أظافر يشبهن حد المنجل

هكذا نجد أن الشعراء الأغربة تعاملوا مع اللون الأزرق عبر حضوره الضعيف في أشعارهم بواقعية صارمة، رابطين بين معتقداتهم بدوال هذا اللون وصورته العينية، محلقين في ضفاف مخيلة لا تفصم صلاتها بالواقع المألوف في حياتهم.

جسد الأغربة عبر الألوان مظهرا من مظاهر واقعية الرؤية الجمالية في عصرهم، إذ استثمروا حسيتها في تصوير أفكارهم وحالاتهم، فكشفوا عن وعيهم لجمال الألوان، فنقلوا عبر هذا الوعي أحاسيسهم ورؤاهم في إطار الواقع وبناه الثقافية التي أصبحت عندهم جزءا من مكونات الواقع، مما يعني أن البنى الأسطورية التي توضعت في دلالات الألوان عندهم، لم تأت من خارج واقعهم، مهما جنحت إلى الخيال، إذ وجدنا من خلال الأمثلة التي درسناها عمق ارتباط اللون بحياتهم، فاللونان الأبيض والأصفر ارتبطا بالشمس والقمر والظبي وكل ما وقع تحت أنظارهم من البيئة، كذلك اللون الأسود ارتبط عندهم بالليل وبحيوانات البيئة، أما اللون الأحمر فقد ارتبط بالدم.

إن استخدام الأغربة الألوان عبر ارتباطها العميق بأحاسيسهم وذكرياتهم وأحلامهم وقضاياهم، جعلهم يسرفون في ذكر الألوان التي تحقق هذا الارتباط، ويضنون في ذكر تلك الألوان التي تبتعد عن همومهم الذاتية: كالأزرق والأخضر رغم حضورهما في الواقع.

لقد اكتشف الأغربة خصوصيات جمال الألوان، وأدركوا أبعادها النفسية، ومرجعيتها المعرفية، فاستثمروها في قصائدهم بموازاة استثمار المجتمع جمالها في تكوين نسيجه وسنن وجوده، وفق هذا النهج الواقعي بنى الأغربة القيم الجمالية للون وأبرزوا وعيهم بجمالياته.

الهوامش:
1 - الشعراء الأغربة هم الشعراء الذين ورثوا سواد البشرة من أمهاتهم الحبشيات، وفق هذا المعيار تبين لنا في دراستنا أن الأغربة الذين عاشوا في الجاهلية هم: تأبط شرا والسليك بن السلكة والشنفرى وعنترة بن شداد وحاجز بن عوف.
2 - ابن منظور الإفريقي المصري: لسان العرب، دار صادر، بيروت، (د.ت)، مادة: لون.
3 - د. أحمد محمود خليل: في النقد الجمالي، رؤية في الشعر الجاهلي، ط1، دار الفكر-دار الفكر المعاصر، دمشق-بيروت 1996، ص 193.
4 - د. أحمد مختار عمر: اللغة واللون، دار البحوث العلمية، الكويت 1982، ص 10.
5 - انظر، شكري عبد الوهاب: الإضاءة المسرحية، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة 1985، ص 85.
6 - د. أحمد مختار عمر: المرجع السابق، ص 111.
7 - الثعالبي: فقه اللغة وسر العربية، دار إحياء التراث العربي، بيروت 2002، ص 68.
8 - ينظر، د. إبراهيم محمد علي: اللون في الشعر العربي قبل الإسلام، قراءة ميثولوجية، جروس برس، ط1، طرابلس الشرق 2001، ص 129-131. أيضا، أبو عبد الله الحسين بن علي النمري: الملمع، تحقيق، وجيهة السطل، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق 1976، ص 9.
9 - سحيم عبد بني الحسحاس شاعر مخضرم كان عبدا نوبيا لبني الحسحاس، قتله بنو الحسحاس لتغزله بنسائهم 660م. بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، نقله إلى العربية د. عبد الحليم النجار، دار المعارف، ط5، القاهرة، (د.ت)، ج1، ص 171.
10 - ديوان سحيم عبد بني الحسحاس: تحقيق عبد العزيز ميمني، مطبعة دار الكتب المصرية، ط1، القاهرة 1950، ص 18.
11 - د. جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار العلم للملايين، ط3، بيروت 1970، ج6، ص 292-293.
12 - عنترة بن شداد: شاعر جاهلي، جاءه السواد من أمه، توفي نحو 600م. الأغاني، ج8، ص 244.
13 - ديوان عنترة: تحقيق بدر الدين حاضري ومحمد حمامي، دار الشرق العربي، ط1، بيروت - حلب 1992، ص 85.
14 - هو خفاف بن ندبة بن عمير بن الحارث بن الشريد بن رباح السلمي، مخضرم، جاءه السواد من أمه، توفي نحو 640م. ينظر أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة، المكتبة التجارية، القاهرة 1939، ص 502.
15 - شعر خفاف بن ندبة السلمي: حققه نوري حمودي القيسي، مطبعة المعارف، بغداد 1967، ص 29.
16 - شرح ديوان خفاف بن ندبة السلمي: جمع وشرح وتحقيق د. محمد نبيل طريفي، دار الفكر العربي، ط1، بيروت 2002، ص 84.
17 - الشنفرى: شاعر جاهلي، توفي نحو 525م، اختلف المؤرخون في نسبه، يرجح أن يكون اسمه عمرو بن مالك بن الأدرم الأزدي، أما الشنفرى فلقبه، جاءه السواد من أمه وفي ذلك اختلاف. ينظر، الأغاني، ج21، ص 185.
18 - المصدر نفسه، ص 81.
19 - ديوان سحيم، ص 55.
20 - د. أحمد مختار عمر: المرجع السابق، ص107 و186 و195.
21 - ينظر، أبو عبد الله الحسين بن علي النمري: المصدر السابق، ص 1.
22 - أبو منصور الثعالبي: المصدر السابق، ص 71-73.
23 - د. إبراهيم محمد علي: المرجع السابق، ص 167.
24 - هو السليك بن عمر وقيل ابن عمير بن يثربي، شاعر جاهلي صعلوك جاءه السواد من أمه، توفي نحو 605م. ينظر الأغاني: ج20، ص 389.
25 - ديوان الشنفرى ويليه السليك بن السلكة وعمرو بن البراق، إعداد وتقديم طلال حرب، الدار العالمية، ط1، 1993، ص 97.
26 - المصدر نفسه، ص 87.
27 - ديوان عنترة، ص 113.
28 - د. إبراهيم محمد علي: المرجع السابق، ص 178.
29 - ديوان عنترة، ص 65.
30 - شعر الشنفرى، ص 101.
31 - تأبط شرا شاعر جاهلي، جاءه السواد من أمه، توفي نحو 540م. ينظر، الأصفهاني: الأغاني، ج21، ص 138.
32 - ديوان تأبط شرا: إعداد طلال حرب، دار صادر، ط1، بيروت 1996، ص 15.
33 - شعر الشنفرى: المصدر السابق، ص 75.
34 - حاجز بن عوف الأزدي، شاعر جاهلي، لص من أغربة العرب، جاءه السواد من أمه. ينظر، الأغاني، ج13، ص 233.
35 - محمد بن مبارك بن ميمون: منتهى الطلب من أشعار العرب، مخطوطة المكتبة السليمانية، الورقتان 129-130.
36 - شعر عبدة بن الطبيب: تحقيق د. يحيى الجبوري، دار التربية، بغداد 1971، ص 50.
37 - شعر الشنفرى، ص 100.
38 - د. إبراهيم محمد علي: المرجع السابق، ص 57-58.
39 - د. أحمد مختار عمر: المرجع السابق، ص 154.
40 - أبو منصور الثعالبي: المصدر السابق، ص 172-174.
41 - د. إبراهيم محمد علي: المرجع السابق، ص 57.
42 - ديوان عنترة، ص 22.
43 - شعر الشنفرى، ص 102.
44 - المصدر نفسه، ص 103.
45 - المصدر نفسه، ص 79.
46 - ول ديورانت: مباهج الفلسفة، ترجمة أحمد فؤاد الأحواني، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1957، ج16، ص 297.
47 - ديوان عنترة، ص 47.
48 - المصدر نفسه، ص 160.
49 - المصدر نفسه، ص 175.
50 - شكري عبد الوهاب: الإضاءة المسرحية، ص 76.
51 - البقرة، الآية 69.
52 - أبو منصور الثعالبي: المصدر السابق، ص 72-74.
53 - د. إبراهيم محمد علي: المرجع السابق، ص 103-104.
54 - ديوان عنترة، ص 212.
55 - شعر الشنفري، ص 110.
56 - ديوان تأبط شرا، ص 28.
57 - شعر خفاف بن ندبة، ص 90.
58 - ديوان عنترة، ص 21.
59 - د. إبراهيم محمد علي: المرجع السابق، ص 211.
60 - نفسه.
61 - نفسه.
62 - سورة يوسف، الآيات 43 و46. وسورة الأنعام، الآية 99. وسورة يس، الآية 80. وسورة الرحمن، الآية 76. وسورة الإنسان، الآية 21. وسورة الكهف، الآية 31. وسورة الحج، الآية 63.
63 - الحج، الآية 63.
64 - الكهف، الآية 31.
65 - الرحمن، الآية 76.
66 - محمد بن فرج القرطبي: تفسير القرطبي، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني، دار الشعب، ط2، القاهرة 1954، ج10، ص 397.
67 - شعر خفاف بن ندبة، ص 90.
68 - ديوان تأبط شرا، ص 26.
69 - طه، الآية 102.
70 - ابن حبان البستي: صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرناؤط، بيروت 1993، ج16، ص 76.
71 - ديوان عنترة، ص 107.
72 - د. إبراهيم محمد علي: المرجع السابق، ص 258.
References:
* - The Holy Quran.
1 - ‘Abd al-Wahhāb, Shukrī: Al-iḍā’a al-masraḥiyya, Al-Hay’a al-Miṣriyya li al-Kitāb, Cairo 1985.
2 - ‘Alī, Ibrāhīm Muḥammad: Al-lawn fī ash-shi‘r al-‘arabī qabla al-Islām, 1st ed., Tripoli, Lebanon 2001.
3 - ‘Alī, Jawād: Al-mufaṣṣal fī tārikh al-‘Arab qabl al-Islām, Dār al-‘Ilm li al-Malāyīn, 3rd ed., Beirut 1970.
4 - ‘Antara: Dīwān, edited by Badr al-Dīn Ḥādhirī and Muḥammad Ḥammāmī, Dār al-Sharq al-‘Arabī, Beirut-Aleppo 1992.
5 - ‘Omar, Aḥmad Mokhtar: Al-lugha wa al-lawn, Kuwait 1982.
6 - Al-Asqalānī, Ibn Ḥijr: Al-iṣāba fī tamyiz̊ as-ṣaḥāba, Al-Maktaba at-Tijāriyya, Cairo 1939.
7 - Al-Namrī, Abū ‘Abdallah: Al-mulamma‘, edited by Wajīha al-Saṭl, Academy of the Arabic Language, Damascus 1976.
8 - Al-Qurṭubī, Muḥammad ibn Faraj: Tafsīr al-Qurṭubī, edited by Aḥmad ‘Abd al-‘Alīm al-Bardūnī, Dār al-Sha‘b, 2nd ed., Cairo 1954.
9 - Al-Salmī, Khaffāf ibn Nudba: Dīwān, edited by Nūrī Ḥammūdī al-Qaysī, Maṭba‘at al-Ma‘ārif, Baghdad 1967.
10 - Al-Tha‘ālibī: Fiqh al-lugha wa sir al-‘arabiyya, Dār Iḥyā’ al-Turāth al-‘Arabī, Beirut 2002.
11 - Ash-Shanfarā: Dīwān, edited by Ṭalāl Ḥarb, Al-Dār al-‘Ālamiyya, 1st ed., 1993.
12 - Brockelmann, Carl: Tārikh al-adab al-‘arabī, (History of Arabic literature), translated by ‘Abd al-Ḥalīm al-Najjār, Dār al-Ma‘ārif, 5th ed., Cairo (n.d.).
13 - Durant, Will: Mabāhij al-falsafa, (The pleasures of philosophy), translated by Aḥmad Fu’ād al-Ahwāni, Maktabat al-Anglo al-Miṣriyya, Cairo 1957.
14 - Ibn al-Ṭabīb, ‘Abdah: Dīwān, edited by Yaḥya al-Jabbūrī, Dār al-Tarbiyya, Baghdad 1971.
15 - Ibn Manẓūr: Lisān al-‘Arab, Dār Ṣādir, Beirut (n.d.).
16 - Khalīl, Aḥmad Maḥmūd: Fī an-naqd al-jamāli, Dār al-Fikr, 1st ed., Damascus-Beirut 1996.
17 - Sahīm: Dīwān, edited by ‘Abd al-‘Azīz Maymanī, Dār al-Kutub al-Miṣriyya, Cairo 1950.
18 - Ta’abbaṭa Sharan̊: Dīwān, edited by Ṭalāl Ḥarb, Dār Ṣādir, 1st ed., Beirut 1996.
الإحالة إلى المقال:

* خالد زغريت: الأساس الواقعي لجماليات اللون في شعر الأغربة الجاهليين، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث، مارس 2005. http://annales.univ-mosta.dz

***