ترجمة تفسير القرآن الكريم بين الإجازة والامتناع

د. عبد القادر سلاّمي
جامعة تلمسان، الجزائر

الملخص:

يكاد يجمع المسلمون على جواز ترجمة تفسير القرآن الكريم لأنها بمنزلة ولا تختلف عنه إلا أنها لغة أخرى فليس فيها دعوى المحافظة على نظم الأصل وترتيبه ولا دعوى شمول جميع معانيه ومحاكاة بلاغته وأساليبه، فكل هذا خارج عن طاقة البشر. والترجمة هنا لا تتناول في الحقيقة إلا رأي المفسر وفهمه لمراد الله على قدر طاقته، خطأ كان فهمه أو صواب، ولم تتناول كل مراد الله من كلامه قطعا، فكأن هذا المفسر وضع أولا تفسيراً عربياً ثم ترجم هذا التفسير الذي وضعه. وإن ترجمة القرآن الكريم من ناحية الدلالات الأصلية ما هو في الحقيقة إلا ترجمة لتفسيره.

الكلمات الدالة:

الترجمة، التفسير، القرآن الكريم، الأسلوب، الدين.

***
Translation of the interpretation of the Holy Quran
between approval and abstinence

Dr Abdelkader Sellami
University of Tlemcen, Algeria

Abstract:

Muslims are almost unanimously agreed that it is permissible to translate the interpretation of the Noble Qur’an because it is like it and does not differ from it except that it is another language, so there is no case for preserving the original order and arrangement, nor the case for including all its meanings and simulating its rhetoric and methods, all of this is outside the power of human beings. The translation here does not in fact deal with anything but the interpreter’s opinion and his understanding of God’s intentions according to his capacity, wrongly his understanding or correctness, and it has not dealt with absolutely all what God wants from his words, as if this interpreter first developed an Arabic interpretation and then translated this interpretation that he put. The translation of the Noble Qur’an in terms of its original connotations is really nothing but a translation of its interpretation.

Keywords:

translation, interpretation, Quran, style, religion.

***

النص:

ارتبط مصطلح الترجمة عموما بمعنيين لغويين، الأول: سيرة فرد من الناس أو تاريخ حياته، والثاني: تفسير الكلام، أو شرحه، أو نقله من لغة إلى أخرى جاء في لسان العرب "والتُرجُمان والتَرجَمان: المفسر، وقد ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر ومنه الترجمان والجمع التراجم"(1). وجاء في القاموس المحيط "الترجمان: وهو المفسر للسان. وقد ترجمه وترجم عنه، والفعل يدل على أصالة الفاء"(2). وجاء في المعجم الوسيط "ترجم الكلام: بينه ووضحه. وترجم كلام غيره وعنه، نقله من لغة إلى أخرى. وترجم لفلان: ذكر ترجمته، والترجمان: المترجم وجمعه تراجم، وتراجمة، وترجمة فلان: سيرته وحياته، وجمعها تراجم (مولدة)"(3) وورد في الصحاح" يقال: ترجمان ولك أن تضم التاء لضمة الجيم، فتقول ترجمان"(4).

والجدير بالذكر أن ابن النديم (ت 438هـ)، استخدم كلمة الترجمة للدلالة على نقل الكلام من لغة إلى أخرى. فابن المقفع (ت 142هـ) عنده "أحد النقلة من الفارسي إلى العربي"(5). أما بخصوص البنية الصرفية للفعل (ترجم) فيرى بعض دارسي اللغات الشرقية أن أصلها (رجم) الوارد في العربية والآرامية، وأن التاء الزائدة وسبب زيادتها يحتاج إلى بحث لغوي في تاريخ الكلمة(6)، وعلى عكس ما أورده صاحب القاموس المحيط من أن الفعل يدل على أصالة التاء.

ويؤكد هؤلاء الدارسين ندرة وجود لفظي (ترجم) و(ترجمة) المتعارف عليهما حديثا في النصوص العربية القديمة. ولعل ما دعاهم إلى مثل هذا الحكم، هو أن المعاجم العربية لا تقدم تأريخا عاما، أو مفصلا لتطور معاني تلك الكلمات، ودلالاته على غرار بعض المعاجم الأجنبية(7)، يضاف إلى ذلك أن كلمة (ترجمة) في اللغات الشرقية القديمة الموجودة بالمنطقة العربية كالسريانية والآرامية والعبرية والحبشة تعني: (تفسير الكلام)(8).

ومهما يكن من أمر، فإن ما ذهب إليه هؤلاء الباحثون من أن وجود كلمة (ترجمة) بالمعنى المتعارف عليه حديثا، هو النقل من لغة إلى أخرى نادر في النصوص العربية القديمة، لا يستند إلى دليل علمي، فالمصطلح أصيل في العربية وما يدل على أصالته أن العرب استعاروه لقبا للأفراد(9). كان المصطلح عنوانا لبعض مؤلفاتهم. فابن النديم يذكر لأبي عبد الله المفجع البصري (ت 320هـ) كتابا عنوانه (الترجمان في معاني الشعر)(10)، وهو من الكتب المفقودة. كما وردت كلمة (الترجمان) في الشعر العربي القديم مرات عديدة. قال الراجز نقادة الأسدي(11):

فهن يلغطن به إلغاطا كالترجمان لقي الأنباطا
وقال عوف بن معلم الخزاعي(12):
إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
كما وردت كلمة (المترجم) في قول المتنبي(13):
إذكار مثلك ترك إذكاري له إذ لا تريد لما أريد مترجما
فأذكرته بمنزلة ذكرته والمترجم المعبر عن الشيء المترجم مثل الترجمان(14).

وبعد هذا فليس لنا إلا أن نقر بأصالة الفعل (ترجم)، وبالأسماء والصفات (ترجمان) و(مترجم) و(ترجمة) في اللغة العربية أصالتها في اللغات السامية، مبرزين مدى التقارب الحاصل بين معانيها، وعنايتها بنقل الكلام من لغة إلى أخرى، على اعتبار أنها مثلت فعلا حضاريا أصيلا في التراث العربي القديم، وما ندرة دوران الكلمة في لغة العرب، كما يدعي بعض المستشرقين لا يقوم دليلا على أن العرب مارسوا الظاهرة لمسميات ابتدعوها، الأمر الذي لا يعدم الترجمة على تأخرها كمصطلح في شيء.

1 - معاني الترجمة في حاضر اللغة:

يتفق المنظرون والكتاب المترجمون على أن الترجمة: "نقل من لغة إلى أخرى" وللترجمة بهذا المعنى معنيان آخران مختلفان(15):

الأول: "الترجمة نتيجة لعملية محددة"، وتطلق في هذه الحالة على النص المترجم. فإذا قلنا مثلا: "هذه ترجمة ممتازة لرباعيات الخيام"، فإننا نعني بالترجمة هذا النص المترجم. أما الثاني (أي الترجمة باعتبارها العملية بالذات)، فإنها العمل الذي يظهر بنتيجته نص الترجمة بالمعنى الأول. والجدير بالذكر أن المنظرين والكتاب المترجمين غالبا ما يستعملون (الترجمة) بالمعنى الثاني.

على أن النقل من لغة إلى أخرى هو في حقيقة الأمر نقل نص من لغة إلى نص في لغة أخرى، مما يستدعي وجود نصين: نص الأصل أو (الأصل) ونص الترجمة أو (الترجمة) بمعنى النص المترجم. إن اللغة التي يكتب بها نص الأصل، تسمى "لغة الأصل".

واللغة التي ينقل إليها نص الأصل تسمى "لغة الترجمة". وليس أي نقل لنص في لغة إلى نص في لغة أخرى هو الترجمة، إذ أن للنقل قواعد محددة لا بد من أن نراعيها، وإلا فقدنا الحق في تسمية النص المترجم ترجمة. ولكنا نمتلك الحق في أن نسميها كذلك، وفقا للمعنى الأول للكلمة، إذ ينبغي أن نحافظ في أثناء النقل عن ثابت محدد.

ولكن ما الذي يبقى ثابتا في أثناء النقل من لغة إلى أخرى؟ ترتبط الترجمة مباشرة بما يسمى في علم الرموز بطابع الرمز الثنائي، وله جانبان: جانب التعبير أو الشكل وجانب المضمون أو المعنى. وللغة كما هو معلوم، منظومة من الرموز الخاصة ولذلك فإن وحدات اللغة تتصف كذلك بوجود جانبين: جانب الشكل وجانب المضمون.

ومن الواضح أن اللغات المختلفة تتضمن وحدات مختلفة في جانب التعبير، أي من حيث الشكل، إلا أنها متطابقة في جانب المضمون، أي من حيث المعنى، وبهذا تعرف الترجمة بأنها: "عملية تحويل إنتاج كلامي في إحدى اللغات إلى إنتاج كلامي في لغة أخرى، مع المحافظة على جانب المضمون الثابت، أي على المعنى"(16)، أو بتعبير آخر: إنها "إعادة إنشاء نص أو قول ما بوسائل لغة أخرى"(17).

وتبقى المحافظة على جانب المضمون الثابت أمر نسبي؛ لأن تطابق نص الترجمة مع النص الأصلي لا يمكن - أحيانا - أن يكون تاما. وعلى هذا فمهمة المترجم تتلخص في جعل هذا التطابق كاملا قدر الإمكان(18). كما أن المحافظة على جانب المضمون الثابت، أي على المعنى، تفترض وجود وحدات متطابقة من حيث المعنى.

ولما كان المعنى جزءا لا يتجزأ من الوحدة اللغوية، أفلا يعني هذا أن لكل لغة معانيها الخاصة بها؟ وأن تحويل نص في لغة إلى نص في لغة أخرى، لا يستدعي تغيير الأشكال اللغوية فحسب، بل والمعاني المعبرة عنها ولو نسبيا. فعلى أي أساس ينبغي أن يبقى المعنى ثابتا أثناء عملية الترجمة؟

إن المترجم لا يتعامل مع اللغات على أنها منظومات، وإنما يتعامل مع الإنتاج الكلامي، أي مع النص. فالتطابق المطلوب بالنسبة للترجمة ليس تطابق الكلمات المنفردة أو الجمل المستقلة. وإنما هو تطابق النص المترجم (الإنتاج الكلامي) بالنسبة إلى نص الترجمة كله. كما أن الاختلافات الدلالية بين لغتين لا يمكن أن تحول دون الترجمة نظرا إلى أن المترجم لا يتعامل مع اللغتين على أنهما منظومتان مجردتان، وإنما مع إنتاجين كلامين ملموسين، أي مع نصين. ويتحقق في نطاق هذين الإنتاجين الكلاميين تعاون الوسائل اللغوية والصيغ الصرفية النحوية التي تنقل بالمجموعات الدلالية اللازمة للمحافظة على جانب المضمون(19).

2 - التفسير بين اللغة والاصطلاح:

ارتبط مصطلح التفسير في المعاجم العربية بمعان منها: البيان، والتأويل، والتوضيح، والشرح. فالفسر في الصحاح واللسان هو البيان، وفسرت الشيء أفسره فسرا وفسره: أبنته، والتفسير مثله. واستفسرته كذا، أي: سألته أن يفسر لي، وكل شيء يعرف به تفسير الشيء ومعناه، فهو تفسرته(20).

وقد ارتبط هذا اللفظ بلفظ آخر، وهو التأويل، وهو في معناه. فقد جاء في اللسان: وأول الكلام وتأوله: دبره وقدره وأوله: فسره... وسئل أبو العباس ثعلب (ت 291هـ) عن التأويل، فقال: التأويل والمعنى والتفسير واحد(21). ويرى ابن الأعرابي (ت 231هـ) أن التفسير والتأويل والمعنى واحد. وقوله عز وجل: (وأحسن تفسيرا)(22)، الفسر: كشف المغطى والتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل: رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر(23).

أما الشرح، فقد ارتبط بمعان، منها: الكشف والتوضيح والبيان، والفتح والتفسير والحفظ. فقد ذكر ابن منظور (ت 711هـ) أن الشرح هو الكشف، يقال: شرح فلان أمره، أي: أوضحه، وشرح مسألة مشكلة: بينها، وشرح الشيء يشرحه شرحا: فتحه وبينه وكشفه. وكل ما فتح من الجواهر، فقد شرح أيضا، تقول: شرحت الغامض: إذا فسرته. ثم ذكر ما قال ابن الأعرابي (ت 231 هـ) في هذه المادة نفسها والشرح: الحفظ، والشرح: الفتح، والشرح البيان، والشرح: الفهم(24).

والحق أن أغلب المعاني وتلك معان مشتركة، وإن كانت في الوقت نفسه تتفرد بالدلالات خاصة تميزها عن المعاني الأخرى، إلا أن الشرح ارتبط كثيرا بالتفسير، ولعل هذه المفردة هي التي تؤدي المعنى على أحسن وجه، فالمعاني الأخرى تحوي معنى الشرح ولكنها لا تشمله. فقد جاء في المعجم الوسيط: "شرح الكلام: أوضحه وفسره"(25). وسبب هذا الارتباط الوثيق بين الشرح والتفسير، وجدنا من يسمي شرحه بالفسر، مثل ما فعل ابن جني (ت 392هـ) عندما عنون شرحه المتنبي "بالفسر".

وبعد هذا الذي أوردناه، ألا يوجد فرق بين هذين المصطلحين: "شرح" و"تفسير"؟ فالجواب يكون بالإيجاب. فالتفسير: "بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازا"، وأما الشرح فإنه "يجمع بين بيان وضع اللفظ وبين تفسير باطن اللفظ، أي" التفسير والتأويل(26)، وبذلك خرجت دلالات هذه الألفاظ من معنى المشترك حين دخلت مجال الدراسة العلمية، فاختص التفسير بالدراسة القرآنية(27) والمعجمية، والشرح بالشعر، إلا فيما ندر، وأصبح لكل منها اصطلاح خاص به. فالشرح هو التعليق على مصنف درس من وجهة علوم مختلفة وقد كتب الشروح على معظم الرسائل المشهورة أو الأشعار العربية نحو شرح مقامات الحريري (ت 516هـ) (فقه اللغة)(28)، وشرح مشكل شعر المتنبي. وعلى هذا فالشرح أيضا: "توضيح المعنى البعيد بمعان قريبة معروفة"(29)، ومن هنا اكتسب الشرح معناه الخاص. وأما التفسير، فهو شرح، لكنه من نوع آخر، فهو "شرح لغوي أو مذهبي لنص من النصوص"(30) ومن هنا نجد أن هذا الاختصاص لم يأت اعتباطا، فلكل مصطلح مجاله الذي يتقاطع فيه مع المجال الثاني، لكنه لا يتحد معه رغم من اتحادهما في الأصل اللغوي.

ومما سبق، نخلص إلى القول: إن الشرح لفظ عام، وهو مصطلح ذو شقين: التفسير والتأويل، وقد يتداخل الشقان أثناء عملية الشرح، وقد نضطر إلى التعامل مع التفسير على أنه مرادف للشرح.

3 - ترجمة تفسير القرآن في الميزان:

يكاد يجمع المسلمون على جواز ترجمة تفسير القرآن الكريم لأنها بمنزلة ولا تختلف عنه إلا أنها لغة أخرى فليس فيها دعوى المحافظة على نظم الأصل وترتيبه ولا دعوى شمول جميع معانيه ومحاكاة بلاغته وأساليبه، فكل هذا خارج عن طاقة البشر.

والترجمة هنا لا تتناول في الحقيقة إلا رأي المفسر وفهمه لمراد الله على قدر طاقته، خطأ كان فهمه أو صوابا، ولم تتناول كل مراد الله من كلامه قطعا، فكأن هذا المفسر وضع أولا تفسيرا عربيا ثم ترجم هذا التفسير الذي وضعه(31). وإن ترجمة القرآن الكريم من ناحية الدلالات الأصلية ما هو في الحقيقة إلا ترجمة لتفسيره.

وهذا ما أورده الشاطبي (ت 790هـ) في موافقاته حين قال: "وقد نفى ابن قتيبة إمكان الترجمة في القرآن يعني على هذا الوجه الثاني (ترجمة الدلالات التابعة)، فأما على وجه الأول فهو ممكن ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معناه للعامة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه، وكان ذلك جائز باتفاق أهل الإسلام، فصار الاتفاق حجة الترجمة على المعنى الأصلي"(32).

والذي يدقق النظر في هذا القول، لا يرى ترجمة تجوز في القرآن سوى ترجمة تفسيره، وهذا ما لا يخالف فيه أحد من العلماء لأنه شبهة في التفسير أنه قد شمل جميع المعاني المرادة لله من كلامه بخلاف الترجمة الحرفية أو المعنوية، فإنها في الإصلاح متضمنة لهذه الدعوى(33). وهو مضمون ما ذهب إليه الزركشي (ت 792هـ) حين قال: "لا يجوز ترجمة القرآن بالفارسية وغيرها، بل يجب قراءته على هيئة التي يتعلق بها الإعجاز لتقصير الترجمة عنه، ولتقصير غيره من الألسن عن البيان الذي خص به دون سائر الألسن، قال (بلسان عربي مبين)"(34)، هذا لو لم يكن متحدى بنظمه وأسلوبه، وإذا لم تجز قراءته بالتفسير العربي المتحدى بنظمه فأحرى ألا تجوز الترجمة بلسان غيره، ومن هنا قال القفال في فتاويه: "عندي أنه لا يقدر أحد أن يأتي ببعض مراد الله ويعجز عن البعض، أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية، فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله"(35).

وقد عالجت مشيخة الأزهر هذا الموضوع منذ سنة (1929م) في اجتماعات عديدة بإشراف الشيخ مصطفى المراغي، وقد صارت بيانا فيما بعد جاء أنها: قد أنشأت لجنة تعمل على تفسير بعض آيات القرآن الكريم نقلا عن الألوسي والبيضاوي وغيرهما من مشاهير أصحاب التفسير. للقيام بترجمتها على يد أخصائيين في اللغات. وقد اشترطت هذه اللجنة شروطا أخرى في ترجمة هذا التفسير إلى اللغة الأجنبية(36).

وتجدر هنا الإشارة إلى حماسة الشيخ المراغي الشديدة في الدفاع عن ترجمة القرآن الكريم، في أحد أقواله، ولعل هذا الاضطراب في الرأي، وعدم استقامة الحجة لديه، هو الذي دعا الشيخ إلى العدول عن رأيه في إمكان ترجمة القرآن الكريم ترجمة حرفية أو معنوية واستقرار رأيه على جواز ترجمة التفسير فقط. وفي هذا يقول عبد الجليل عبد الرحيم: "والواقع أن كل ما ذكره من أدلة أن تدل أكثر من هذا الذي استقر رأي الشيخ عليه وإذا كان هو أكبر من دافع عن ترجمة القرآن وأجرأ من صرح بها ودعا إليها، قد رجع عنه وبان له ضعفه، فلا يصح الاعتداد به، بما كتبه في رسالته أو ما كتبه أنصاره في تأييد دعوته، فعلم أن الأمر في منع ترجمة حرفية أو معنوية هو ما زال على ما أجمع عليه المسلمون من حين نزول القرآن إلى يومنا هذا، وإن ترجمة تفسير القرآن، التي لم يمنعها أحد من العلماء تكفي في تبليغ معانيه إلى من يتعذر عليهم تعلم اللغة العربية"(37).

وقد انبرى لفكرة ترجمة تفسير القرآن محمد فريد وجدي الذي نادى بوجوب ترجمة القرآن الكريم ترجمة دقيقة صحيحة كاملة لمجابهة المحرفين، على اعتبار أن الاكتفاء بترجمة تفسيره لا يؤدي الغرض المطلوب من نشره، ونعى وجدي على بعض العلماء إصرارهم على حبس الإسلام في الدوائر العربية، التي لا يحسن فهمه غير أهله وتجريده من الأسلحة العالمية هي اللغات الحية، فوضع القيود غير المعقولة في مسألة نقل القرآن الكريم يقضي عليه بهزيمة منكرة، تقع نتائجها علينا وعلى أعقابنا قرونا طويلة ومعناه صده عن الجولان في الدورة الفكرية العالمية مع غيره من الأديان السابقة، وإن تعطيل القرآن الكريم عن الترجمة الحرفية والزج به في معترك الأفهام إلى اليوم، قضى عليه بألا يكسب أنصارا من الأمم الغربية، فصار مقصورا على الأمم الشرقية التي رضيت أن يكون حظها من دينها كحظ الببغاء(38).

ويقول الشيخ أحمد حميد الله في شأن ترجمة القرآن الكريم: "ومع أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فإنه يحتاج إلى التفاسير، وهذا لبلاغته وعمق معانيه، وبما أن القرآن نزله الله للناس بشيرا ونذيرا، فإن الله سبحانه يهدي به إلى الإسلام كثيرا من غير العرب، وهؤلاء والحمد لله يزداد عددهم كل يوم، وهم يحتاجون قبل إسلامهم وفي بداية إسلامهم إلى أن يقرؤوا القرآن الكريم مترجما إلى لغاتهم. أما ترجمـة معاني القـرآن أو تلخيصها، فعل لا معنى له ولا فائدة"(39).

وفي حوار جرى بين مندوب صحيفة الأهرام وفضيلة الشيخ الأزهر في الأربعينيات بخصوص ترجمة القرآن الكريم بعد أن وجه المندوب هذا السؤال: هل يمكننا - يا مولانا - أن نأخذ من فضيلتكم ما يفيد أن ترجمة القرآن في مثل هذا العصر، عصر العلم والمادة، ضرورية أداة للتعبير عما يزخر به الإسلام من مدينة وحضارة، وعلم ونور؟ فرد عليه شيخ الأزهر بأن: "يجب أن يراعى أن هاهنا شيئين: ترجمة القرآن، وذكر معانيه وتفسيره، فأما الترجمة فهي غير ممكنة وغير جائزة، وأما معاني القرآن الكريم وتفسيره بلغات غير اللغة العربية، فهذا من الأمور المرغوب فيها شرعا، لنشر الإسلام بين الأمم وإني أرى الثاني فيه الكفاية في هذا العصر، وغيره من العصور؛ لأنه إذا كان هذا العصر هو عصر العلم، فالعلم نفسه بين أن هذه الترجمة غير ممكنة، ولا يمكن اتخاذ شيء من أحوال العصر مسوغا لإجازة ما لا يجوز وإمكان ما لا يمكن".

ثم سأل المندوب الشيخ مرة أخرى بخصوص دعوة العلماء المسلمين الذين يحسنون أداء بعض اللغات الأجنبية للقيام بوضع ترجمة للقرآن الكريم أو لتفسيره تحت إشراف مشيخة الأزهر، فرد عليه شيخ الأزهر بما يلي: "أما الترجمة فلا، ولا أقرها مطلقا، لما سبق وأن ذكرته لكم، أما بيان معاني القرآن أو تفسيره، فإني أرحب بهذا العمل كل الترحيب، وأرجو أن أوفق في ذلك إلى شيء نافع"(40).

وفي هذا نقول: إذا كان القصد من ترجمة القرآن الكريم، اطلاع على حقيقته وعظمته، فإن القرآن الكريم هو اللفظ المنزل على رسول الله (ص)، واللفظ الأعجمي ليس الذي أنزل فهو ليس بالقرآن البتة، وأما عظمته وروعته، فإن شيئا من ذلك لا يبقى أو يظهر عند تقديمه مترجما على الناس، بل يظهر منه عند ذلك معان مشوهة غير مفهومة.

وإن كان المقصود من ذلك، أن تطلع الأمم المختلفة على ما تضمنه القرآن الكريم من مبادئ وشرعة وأحكام، فإن ذلك يمكن أن يتم بأجلى مظهر ومن أسير طريق، إذا ما فسر القرآن الكريم تفسيرا واضحا باللغة المطلوبة، فالتفسير هو الذي يفي بهذا الغرض لا الترجمة المزعومة.

الهوامش:
1 - ابن منظور: لسان العرب، ج12، ص 229، مادة (رجم).
2 - الفيروز آبادي: القاموس المحيط، ج4، ص 84، مادة ( ترجم).
3 - إبراهيم أنيس وآخرون: المعجم الوسيط، ج1، ص 83، مادة (ترجم).
4 - الجوهري: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، ج5، ص 1928، مادة (رجم).
5 - المصدر نفسه، ص 523.
6 - فؤاد عبد المطلب: الترجمة بين الأصالة والدلالة، ص 13.
7 - Harrap’s : Petit dictionnaire, Anglais-Français, 1998, pp. 354-355.
8 - فؤاد عبد المطلب: المصدر السابق، ص 13.
9 - الفيروز آبادي: القاموس المحيط، ج4، ص 84، مادة (رجم).
10 - ابن النديم: الفهرست، ص 379-380.
11 - ابن منظور: لسان العرب، ج12، ص 230، مادة (رجم).
12 - القالي: الأمالي في لغة العرب، ج1، ص 51.
13 - المتنبي: الديوان، ص 21.
14 - أسعد مظفر الدين حكيم: علم الترجمة النظري، ص 38.
15 - المصدر نفسه، ص 40.
16 - عبد الوهاب مدور: فن الترجمة، ص 19.
17 - علم الترجمة النظري، ص 40.
18 - المصدر نفسه، ص 41.
19 - الجوهري: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، ج2، ص 781، مادة (فسر)، وابن منظور: لسان العرب، ج5، ص 55، مادة (فسر).
20 - المصدر نفسه، ج11، ص 33، مادة (أول).
21 - سورة الفرقان، الآية 33.
22 - ابن منظور: لسان العرب، ج5، ص 55، مادة (فسر).
23 - المصدر نفسه، ج2، ص 497-498، مادة (شرح).
24 - إبراهيم أنيس وآخرون: المعجم الوسيط، ج1، ص 477، مادة (شرح).
25 - وناس بن مصباح: ملاحظات أولية حول الشروح الأدبية، مجلة الحياة الثقافية، العدد 41، ص 36.
26 - أمين الخولي: التفسير، معالم حياته ، منهجه اليوم، ص 68.
27 - دائرة المعارف الإسلامية، ج13، ص 188.
28 - يوسف خياط: معجم المصطلحات العلمية والفنية، ص 351-501.
29 - نفسه.
30 - عبد الجليل عبد الرحيم: لغة القرآن الكريم، ص 536.
31 - عبد العظيم الزرقاوي: مناهل العرفان في علوم القرآن، ص 31.
32 - الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، ص 68، وينظر، ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن، ص 88.
33 - عبد الجليل عبد الرحيم: المصدر السابق، ص 570.
34 - سورة الشعراء، الآية 195.
35 - الزركشي: البحر المحيط، ص 195.
36 - محمد الصالح البنداق: المستشرقون وترجمة القرآن، ص 73.
37 - عبد الجليل عبد الرحيم: المصدر السابق، ص 579.
38 - محمد الصالح البنداق: المصدر السابق، ص 74.
39 - المصدر نفسه، ص 71.
40 - محمد الصالح الصديق: البيان في علوم القرآن، ص 301.
References:
* - The Holy Quran.
1 - ‘Abd al-Muṭṭalib, Fū’ād: At-tarjama bayna al-aṣāla wa ad-dalāla.
2 - A-Jawharī: As-ṣiḥāḥ tāj al-lugha wa ṣiḥāḥ al-‘arabiyya.
3 - Al-Bandāq, M. al-Ṣālah: Al-mustashriqūn wa tarjamat al-Qur’ān.
4 - Al-Firuzabādi: Al-qāmūs al-muḥīṭ.
5 - Al-Mutanabbī: Dīwān.
6 - Al-Qālī: Al-amālī.
7- Al-Shāṭibī: Al-muāfaqāt fī ’uṣūl ash-sharī‘a.
8 - Anīs, Ibrāhīm et al.: Al-mu‘jam al-wasīṭ.
9 - Az-Zarakshī: Al-baḥr al-muḥīṭ.
10 - Benmasbāh, Ouannās: Mulāḥaẓāt awwaliyya ḥawla ash-shurūḥ al-adabiyya, Majallat al-Ḥayāt al-Thaqāfiyya, N° 41.
11 - Harrap’s : Petit dictionnaire, Anglais-Français, 1998.
12 - Ibn al-Nadīm: Al-fahrasat.
13 - Ibn Manẓūr: Lisān al-‘Arab, Dār Ṣādir, Beirut.
14 - Ibn Qutayba: Ta’wīl mushkil al-Qur’ān.
15 - Maddūr, ‘Abd al-Wahhāb: Fan̊ at-tarjama.
16 - The Encyclopaedia of Islam.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد القادر سلامي: ترجمة تفسير القرآن الكريم بين الإجازة والامتناع، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث، مارس 2005. http://annales.univ-mosta.dz

***