صورة الإسلام في الآداب الغربية

ميلود عبيد منقور
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

لقد أظهرت التجربة الإنسانية ومآسي الحروب مدى خطورة الأفكار والنظريات القائمة على التفوق الثقافي والعرقي والتاريخي، الأمر الذي أدى إلى تكريس التصادم الذي دام ردحا من الزمان ولا يزال بدءا من العصور الوسطى حتى العصر الحديث، من هنا انطلقت، فكانت لنا وقفات في العصور الوسطى عند المسرح الديني، والملحمة الشهيرة الموسومة "أغنية رولاند" والكوميديا الإلهية لدانتي، والمسرحية التراجيدية "ماهومي" لفولتير، وفي خضم هذه الحملة الشرسة التي تنضح بألوان التحامل والأفكار المسبقة والتصورات المشوهة عن الإسلام والمسلمين التي تنم عن مواقف مشحونة بالقوالب الدوغماتية، وجب علينا أن ندعو إلى حوار جاد ومثمر ومتكامل يفضي إلى نظرية الإنسانية "فكل الشعوب جماعة واحدة، ولها أصل واحد". وفي هذا المضمار وجدنا أنفسنا ملزمين بتصحيح الأخطاء التاريخية ورفض مقولة ادعاء احتكار الحقيقة، أو حمل صكوك الجنة، لأن المجتمع غدا سيكون تعدديا أكثر مما هو عليه، ويعيش بقرية صغيرة.

الكلمات الدالة:

الصورائية، الأدب الأوربي، الإسلام، الحوار، العصور الوسطى.

***
Image of Islam in Western literature

Miloud Abid Mankour
University of Mostaganem, Algeria

Abstract:

The human experience and the tragedies of wars have shown the extent of the danger of ideas and theories based on cultural, ethnic and historical superiority, which led to the perpetuation of the collision that lasted for a long period of time and continues from the Middle Ages until the modern era, from here I started, and we had pauses in the Middle Ages at the theater Religious, the famous epic "The Song of Roland" and Dante's Divine Comedy, and the tragic play "Mahomet" by Voltaire. In the midst of this fierce campaign that is littered with prejudices, preconceptions and distorted perceptions of Islam and Muslims that denote positions charged with dogmatic molds, we must call for a serious, fruitful and integrated dialogue that leads to the theory of humanity, "for all peoples are one group and have one origin." In this regard, we found ourselves obligated to correct historical errors and reject the statement claiming to monopolize the truth, or to carry the instruments of Paradise, because tomorrow society will be more pluralistic than it is and live in a small village.

Keywords:

imagology, European literature, Islam, dialogue, Middle Ages.

***

النص:

بات واضحا - منذ زمن بعيد - أن الغرب نظر ولا يزال ينظر إلى الشرق بعين الحذر والتقزز والإهانة، لأن الصراع بين الغرب والشرق صنعه التاريخ وغذته السياسة، فالشعور بالعظمة والتفوق الحضاري قاد الغرب إلى فكرة نمطية شكلت التربة المناسبة لظهور أفكار تركز على التعارض والتصادم بوصف الإسلام تحديا يقتضي ردا وصدا وتدميرا.

ضمن هذا المنحى صور التاريخ العالمي على أنه صراع بين الغرب الديناميكي والمتحرك والمتجدد والمبدع والحر، وبين الشرق الاستبدادي والمتعصب والراكد والمتخلف.

من هنا تنبغي الإشارة إلى حقيقة مفادها أن الغرب لم يتوان لحظة في إهانة مشاعر المسلمين الدينية، ولما يتلكأ قيد أنملة عن الاستفزاز بمعتقداتهم وحياتهم السلوكية. لقد أظهرت التجربة الإنسانية ومآسي الحروب مدى خطورة الأفكار والنظريات القائمة على التفوق الثقافي والعرقي والتاريخي، الأمر الذي أدى إلى تكريس التصادم الذي دام ردحا من الزمان ولا يزال بدءا من العصور الوسطى حتى العصر الحديث، من هنا انطلقت، فكانت لنا وقفات في العصور الوسطى عند المسرح الديني، والملحمة الشهيرة الموسومة "أغنية رولاند" (La chanson de Roland) والكوميديا الإلهية لدانتي (Dante)، والمسرحية التراجيدية "ماهومي" لفولتير (Voltaire)، وفي خضم هذه الحملة الشرسة التي تنضح بألوان التحامل والأفكار المسبقة والتصورات المشوهة عن الإسلام والمسلمين التي تنم عن مواقف مشحونة بالقوالب الدوغماتية، وجب علينا أن ندعو إلى حوار جاد ومثمر ومتكامل يفضي إلى نظرية الإنسانية "فكل الشعوب جماعة واحدة، ولها أصل واحد". مصداقا لقوله تعالى: "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم"(1)، حتى يدرك كل إنسان، مهما كان نوعه أو لونه، وأينما كان موقعه، أنه عضو في أسرة عظيمة.

وفي هذا المضمار وجدنا أنفسنا ملزمين بتصحيح الأخطاء التاريخية ورفض مقولة ادعاء احتكار الحقيقة، أو حمل صكوك الجنة، لأن المجتمع غدا سيكون تعدديا أكثر مما هو عليه، ويعيش بقرية صغيرة.

حول هذا الموضوع يقول "هرمان هيتشه" بغية الوصول إلى ثقافة إنسانية من نوع جديد: "التفاهم الجدي والمثمر بين الشرق والغرب مسألة عظيمة... ليس التحويل من أي عقيدة كانت، ولكن الغاية الأساسية تكمن في مزيد من الاكتشافات والاختراعات لصالح الإنسانية، ففي حكمتي الشرق والغرب، لا يرى قوى متعادية ومعسكرين متضادين متصارعين، ولكن قطبين تتحرك بينهما الحياة"(2).

هنا تجدر الإشارة إلى التركيز على تكريس جسور التواصل والالتقاء بين الشرق والغرب وتفعيل الرابطة الروحية المشتركة أي الأرومة الإبراهيمية التوحيدية. فالحوار الذي ندعو إليه، ليس تشابها مع الآخر، وليس إلغاء له، بل هو اختلاف وتعدد.

1 - العصور الوسطى:

المسرح الديني: لم تلبث الحروب الصليبية مع تطاولها إلى نهاية القرن الثالث عشر أن تركت طابعها على الفنون وامتدت روحها الدينية إلى الأدب التمثيلي بشكل خاص(3)، فظهرت على الأثر التمثيليات المنقولة عن الكتاب المقدس ثم المؤلفة بمعرفة رجال الدين، وأخيرا تناول غير رجال الدين تأليف هذه التمثيليات(4).

وكانت هذه العروض تقدم مع القداس في أيام الآحاد، وفي أيام الأعياد الدينية، كما كان المؤلفون يحتفلون بالقديسين بعرض كراماتهم إكراما لهم واحتفاء بهم، ومن ذلك ما جاء عن الاحتفالات بعيد القديس نقولا، لقد روت الأساطير المسيحية عنه الكثير من الكرامات(5)، واستجدت بعد انتصار الحملة الصليبية الأولى من وحيها أسطورة جاء في عرضها: "في الليلة الخامسة من شهر ديسمبر كان رجال الكنيسة يستعدون لتقديم عرض الاحتفال، فينقلون تمثال القديس من المحراب قبل دخول الناس لحضور القداس، ويحل مكانه كاهن اتخذ جهد استطاعته هيئة التمثال في وقفته وملبسه وسماته وشارته، وبعد هذا الاستعداد يبدأ القداس، يتوقف الكلام وينفتح باب الكنيسة على مصرعيه، ويدخل منه كاهن يمثل دور الغريب القادم من بعيد، وهو في ثوب عربي، وعلى هامته عمامة محلاة بالجواهر، يتقدم الأمير العربي إلى محراب القديس نقولا وينحني له مسلما ثم يعطيه كنزا نفيسا يضعه عند قدميه ليحفظه له وديعة عنده، فهو عازم على رحلة طويلة، وما إن انصرف الأمير حتى دخل بعض الكهنة في هيئة لصوص يحملون الكنز ويفرون بالغنيمة، غير أن الأمير العربي يعود بعد هنيهة وقد عاوده القلق والخوف للاطمئنان على الوديعة، فيجدها قد اختفت.

لم يتمالك وكاد أن يصفع التمثال، فإذا به يتحرك ثم يهبط من المحراب وينطلق في أثر اللصوص الذين اختفوا غير بعيد عن الكنيسة، فلما بوغتوا بالتمثال وهو يتقدم نحوه - ولم يكن إلا حجرا حين سرقوا الكنز - أخذ منهم الفزع مأخذه فهرولوا وراء القداس داخل الكنيسة، وردوا الكنز إلى موضعه، فإذا بالعربي مأخوذ بهذه المعجزة، وقد غلبه السرور، فيلقي بنفسه عند قدمي القديس الذي دعاه إلى النصرانية وعبادة الإله الحق على دين المسيح، ففعل على الفور"(6). وتنتهي هذه التمثيلية على هذا الأمل الذي طالما راود الكنيسة المسيحية في تحويل المسلمين عن دينهم في البلاد التي تمت لهم فيها الغلبة(7)، وتصف المسلم وهو في أعلى هرم السلطة كأنه غر مأخوذ اللب ساذج يسلس القياد للمسيحية بسهولة.

2 - الملحمة:

أغنية رولاند: تعد أنشودة "رولان" من الملاحم التي تدل على أصدق تعبير عن الروح التي سادت أوروبا إزاء المسلمين في العصور الوسطى، فهي تتغنى بالبطولات الخارقة لـ "رولان" ابن أخ "شارلمان" إمبراطور فرنسا، وأوروبا من بعد، أي نهاية القرن الثامن، وهي بطولات تجسدت في موقعه "رونسيفو" عام (778م) التي دارت رحاها بين مؤخرة جيش "شارلمان" العائد من إسبانيا بعد فشله في الاستيلاء على مدينة "سرقسطة" الإسلامية آنذاك، وبين مجموعة من المسلمين كمنوا لمؤخرة الجيش في القمم الصخرية لجبال "البيرينية"، واستطاعوا التغلب عليها وعلى قائدها "رولاند" (Roland) الذي رفض أن ينفخ في بوق الاستغاثة، وآثر أن يتولى بنفسه قتال المسلمين(8).

وأباد منهم المئات قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة مصحوبة بنفخة ضعيفة من بوق الاستغاثة نبهت "شارلمان"، فعاد مسرعا لكي يثأر لابن أخيه ويقضي على من بقي من جيوش المسلمين، فيفتح مدائنهم ويخترق حصونهم(9).

إذا كانت "أنشودة رولان" أكثر قدرة على التعبير عن روح الأمة الفرنسية، يكفيها دلالة على صدق هذا التصور المتمثل في رأي مؤرخ الأدب الفرنسي "أدموند أوب" (Edmond Aube) الذي يقول في ختام مقدمته لإحدى الطباعات الحديثة للملحمة سنة (1923م).

"إن الشعوب الثلاثة التي حملت على التوالي شعلة الحضارة وأسلمها كل منها لمن يليه، استطاع كل شعب منها أن يقدم للعالم نموذجا أدبيا للمحارب في شكل بطل ملحمي، فقدمت الهند شخصية "راما" في ملحمتها الشهيرة، وقدم الإغريق شخصية "أخيل" الذي تغنى "هوميروس" ببطولاته في "الإلياذة" أجمل عمل شعري أنتجته الروح الإنسانية، وأخيرا قدمت فرنسا كنموذج مثالي للفارس المسيحي "رولان" الذي يجسد حب الله وحب الوطن"(10).

وعند فحصنا لهذه المقطوعة المنقولة عن المؤرخ الفرنسي "أدموند أوب" تستوقفنا ملاحظتان:
أولا: وصف "رولان" بالمسيحية التي تجسد حب الله.
ثانيا: فرنسا تحمل شعلة الحضارة بعد الهند والإغريق وكأني به - المؤرخ - يتعمد تلفيقا وبهتانا تجاهل الحضارة الإسلامية ودورها الريادي في انتشال أوروبا من عصور الجهل والهمجية.

هذا الرأي يدل بشكل سافر وصريح على الافتراء والزيف وينم عن موقف مشحون بالحقد الدفين، وتكفي الإشارة في هذا المضمار إلى حقائق ثابتة لا يمكن نسيانها أو تجاهلها.

إن الإسلام منح أوروبا معارف جديدة وغرس فيها الحياة الجميلة، والإطلاع المعرفي الأكثر شمولية. كيف يتجاهل الدور الفعال الذي لعبه الإسلام بعناصره الثقافية وتجاربه الروحية في نشوء أوروبا وتطورها، ألم يكن الشرق هو المنبع؟ أضف إلى ذلك تلك المفارقة العجيبة التي تسوغ له وصف الفارس المسيحي "رولان" بحب الله دون غيره من المسلمين. وكأن الذي يدافع عن حوضه ويرفض الولاء لـ"شارلمان" يعبد الشيطان ولا يحب الله.

ومهما يكن من أمر، فإن ملحمة "أغنية رولان" حولت موقعة "رونسوفو" إلى حملة صليبية قبل الأوان، وجعلت "شارلمان" الإمبراطور أبا للمسيحية بتصديه للمسلمين وببنائه الكنيسة "سان ماري لاتيني" في "بيت المقدس"، ولتحقيق هذا الهدف جعلت منه الملحمة شيخا خاض الكثير من المواقع وانتصر في كثير من الحروب، وحولت شخصية "رولان" إلى فارس مسيحي يقاتل أعداء الله الملحدين(11).

وفي هذا السياق وصفت الملحمة في أبياتها الأولى المسلمين بأنهم كفار يعبدون محمد ولا يحبون الله(12).

الكوميديا الإلهية: يعد "دانتي أليغييري" من أعظم شعراء إيطاليا قاطبة، ومن مشاهير الأدب العالمي عرف بملحمته الرائعة "الكوميديا الإلهية" التي وصف فيها طبقات "الجحيم" والمطهر والفردوس في رحلة خيالية ذهنية، قام بها بقيادة فيرجيليوس وحبيبته "بياتريس"(13).

إن الغرب أدرك منذ العصور الوسطى أهمية الإسلام لذلك اتخذ منه موقفا مزدوجا:
أولا: ضرورة التعلم منه باعتباره الأقوى والأعلم.
ثانيا: محاربته لأنه عقيدة غربية ومعادية(14) في نظرهم ولا مشاحة في الأمر، إذا كان "دانتي" قد أفرد للفيلسوفين: ابن سينا وابن رشد مكانا في اللمبو(15). واللمبو في الكوميديا الإلهية هي ميناء جهنم أو المدخل إليها، وهي مقر عظماء العالم القديم الذين ماتوا ولم ينالوا التعميد المسيحي(16).

جمع "دانتي" في جحيمه كل الخيرين من غير المسيحيين، فقد وضع نبي الإسلام محمد - صلى الله عليه وسلم - وابن عمه الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - في الخندق التاسع من الحلقة الثامنة في الجحيم الذي يضم مثيري الصدمات والانقسامات الدينية والسياسية "الذين يزرعون الفتن فيحصدون الأوزار"(17).

لقد ظهر "محمد" - صلى الله عليه وسلم - فكان، حسب زعمه، السبب في انقسام العالم انقساما جديدا، أما "علي" ففي عهده انقسم الإسلام إلى ثلاثة أجنحة متعادية، ولهذا فهو المذنب - عند دانتي - في تقسيم الإسلام وشق صفوفه، فشبهه بـ"جذع مقطوع الرأس"(18).

يرسم "دانتي" صورة لـ"موميتو" ويعني "محمد"، صلى الله عليه وسلم، تجسد تركيبا سلاليا متصلبا من الشرور، مع من يسميهم "ناشري الفضيحة والفتنة"، وعقابهم المصير الأبدي، عقاب يثير الاشمئزاز(19).

يواصل "دانتي" التجديف والقدح، مستمرا في تفصيل العقوبة الفظيعة، ويشير أيضا إلى الإمام "علي" - كرم الله وجهه - فيجعله في صف الآثمين الذين يشقهم الشيطان الحارس إلى نصفين(20)، فيكفي "دانتي" تطاولا وغلظة أنه أنزل أشرف شخصية عرفها التاريخ، الرسول، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه منزلة المجرمين دون حياء ولا وجل مدفوعا بغريزة الشر والأحقاد(21).

3 - عصر النهضة:

مسرحية "ماهوميت" (Mahomet) "لفولتير": لم يغب الإسلام عن اهتمام النوابغ وإعلام القرن الثامن عشر، وعلى رأسهم "فولتير" الذي اهتم بالحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون تدقيق ولا تمحيص، معتمدا في تأليفه لهذا العمل التراجيدي على بعض المؤلفات العلمية والأدبية التي راجت في عصره نحو "حياة محمد" لـ"لكونت دي بولينفيلي" و"سيرة محمد" لـ"جان غرينيه" دون أن يكلف نفسه عناء البحث والتنقيب في الوقائع والأحداث التاريخية الحقيقية في الجزيرة العربية(22).

لقد تمثل "فولتير" الرسول - صلى الله عليه وسلم - نموذج التعصب الديني والطغيان الثيوقراطي الذي يستغل مشاعر الناس لتحقيق مآربه وبلوغ غاياته الشريرة(23). ويضيف فولتير قائلا إلى أحد أصدقائه "إنني أصور محمدا متعصبا، عنيفا، يجسد خطر التعصب"(24).

وفي "رسالة إلى ملك بروسيا" يصف فولتير شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - "محمد ليس عندي سوى مراء بيده سلاح"(25).

وهكذا يتضح بجلاء أن "فولتير" لم يكلف نفسه البحث وفهم ظروف نشأة الإسلام وجوهر العقيدة. محمد - صلى الله عليه وسلم - عند "فولتير" هو شخص سلبي يشبه الأمير لـ"ميكيافيل" (Machiavel) في صفاته وأعماله(26). من هنا نلاحظ أن "الغرب" أو "الآخر" لم يتخلص من المواقف المسبقة الموجهة ضد الإسلام ورجاله.

ولعل المسرحية التي كتبها "فولتير" بعنوان "ماهوميت" ما هي إلا تعبير عن موقف عدائي شعوبي يجهر بالأحقاد، والأنكى في الأمر، أننا نتعجب من رأي "العقاد" الذي حاول أن يجد تبريرا فنيا لـ"فولتير" كونه اصطنع طريقة تعبيرية مغلفة بالرمز للتهجم على رجال الدين في عصره وعلى الكنيسة.

يقول العقاد "لم يشأ "فولتير" أن يهجم على سلطان الدين في الغرب هجمة صريحة، وكان يهمه عند كتابة تلك المسرحية أن يعلن آراءه ولا يتعرض من جرائها للسخط والحرمان، فاتخذ ذلك الأسلوب المنحرف، ولم يكترث لحقائق التاريخ ولا للأدب في الخطاب، ونسب إلى النبي أمورا كان يريد أن ينسبها إلى الجامدين من رجال الدين"(27).

إلا أن هذا التبرير مهزوز ومرفوض، أو لم يجد " فولتير" سوى الرسول، صلى الله عليه وسلم، ليجعل منه مشجبا أو بوقا يصب فيه جام غضبه وحنقه، المسألة - في رأيي - أبلغ وأكثر شمولية، لأنها تعزز اتجاهه الفكري التحرري المناهض للدين بصفة عامة، وفي هذا السياق يقول "أندري مروا" (André Maurois) عن فولتير: "يشتهر بالفلسفة الدينية أو بالأحرى اللادينية". ويضيف أيضا "لقد اشتققنا من اسمه مصطلح "الفولتيرانية" الذي تعرفه القواميس بالزندقة أي السلوك الساخر والاستهتار بالديانات"(28).

في الختام نخلص إلى جملة من النتائج المهمة نذكر منها:
- أن الغرب ابتداء من العصور الوسطى حتى عصر النهضة اتخذ من الإسلام موقفا مناوئا وعدائيا ينضح بالكراهية وينطق بالشعوبية.
- الأدب بمختلف أجناسه كان مطية اتخذها الغرب للدفاع عن مسيحيتهم ونشر تصورات غريبة خطيرة في منتهى الخيالية المرضية والتوهم عن الإسلام.
- الهدف من التجديف هو غرس في الوعي الغربي طائفة من الادعاءات والأضاليل كوصف "محمد" - صلى الله عليه وسلم - بالسحر والخداع والشهوانية، وأنه معاد للمسيح أو أنه الشيطان ذاته ونبي مزيف.
- تصوير الإسلام على أنه لون من الهرطقة.
- تحويل المسلمين وتنصيرهم ومن ثم القضاء على الإسلام فالهوية.
فالصورة التي رسمها الغرب للعرب والمسلمين سلبية تنم عن موقف مشحون بالكراهية والأحقاد وتكشف حقيقة الآخر.

الهوامش:
1 - سورة الحجرات، الآية 13.
2 - أليكسي جورافسكي: الإسلام والمسيحية، ترجمة د. خلف محمود الجراد، عالم المعرفة 215، الكويت، ص 24-25.
3 - عبد الرحمان صدقي: المسرح في العصور الوسطى الديني والهزلي، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، دار الكتاب العربي، ص 95-100.
4 - نفسه.
5 - نفسه.
6 - نفسه.
7 - نفسه.
8 - د. أحمد درويش: نظرية الأدب المقارن وتحليلها في الأدب العربي، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة 2002، ص 119-130.
9 - نفسه.
10 - نفسه.
11 - نفسه.
12 - نفسه.
13 - الإسلام والمسيحية، ص 67-68.
14 - نفسه.
15 - نفسه.
16 - نفسه.
17 - نفسه.
18 - نفسه.
19 - نفسه.
20 - نفسه.
21 - دانتي أليغييري: الكوميديا الإلهية، ترجمة حسن عثمان، دار المعارف، 100-101.
22 - نفسه.
23 - نفسه.
24 - نفسه.
25 - نفسه.
26 - نفسه.
27 - محمود عباس العقاد: الإسلام دعوة عالمية، ص 27.
28 - André Maurois : Les pages immortelles de Voltaire, Ed. Corrêa, Paris, p. 17.
References:
* - The Holy Quran.
1 - Al-‘Aqqād, Maḥmūd ‘Abbās: Al-Islām da‘wa ‘ālamiyya.
2 - Alighieri, Dante: Al-Kumidya al-Ilāhiyya, (The divine comedy), translated by Ḥassan ‘Uthmān, Dār al-Ma‘ārif, Cairo.
3 - Darwīsh, Aḥmad: Naẓariyyat al-adab al-muqāran, Dār Gharīb, Cairo 2002.
4 - Jurafsky, Alexei: Al-Islām wa al-masīḥiyya, (Islam and Christianity), Translated by Khalaf Maḥmūd al-Jarrād, ‘Alim al-Ma‘rifa, N° 215, Kuwait.
5 - Maurois, André: Les pages immortelles de Voltaire, Ed. Corrêa, Paris.
6 - Ṣidqī, ‘Abd al-Raḥmān: Al-masraḥ fī al-‘uṣūr al-wusṭa, Al-Hay’a al-Miṣriyya al-‘Āmma, Dār al-Kitāb al-‘Arabī.
الإحالة إلى المقال:

* ميلود عبيد منقور: صورة الإسلام في الآداب الغربية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث، مارس 2005. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

القيم الأخلاقية في شعر الزهد عند أبي العتاهية
حوليات التراث، العدد 1، 2004.

***