إنشائية الحضور

د. عبد الحفيظ بورديم
جامعة تلمسان، الجزائر

الملخص:

تجربة الحضور معرفة تحقق الانسجام بين حركة الوجدان الداخلي وبين حركة المتغيرات الخارجية، فيمتلك منطق الاطمئنان لفك المعادلة الصعبة، معادلة الثابت والمتغير. لأنه ينشئ مركبا بينهما هو الخبرة الانتقائية وتتشكل الخبرة الانتقائية من جمع التراكمات المعرفية التي يكون الوحي أعلاها ثم غيره من الخبرات الفردية والإنسانية. فإذا كان طغيان الثابت على المتغير ينشئ جمودا وإذا كان طغيان المتغير على الثابت ينشئ الضياع فإن توازنها وحده يحقق الحضور المعرفي والشعري. وإنشائية الحضور تفجر الشعر من قلب الإنسان وعقله، فسما به في مدارج الجمال والكمال حين رأى بالبصيرة ما لم يره غيره بالأبصار. رأى الحياة فأقبل عليها إقبال الصدي الظمآن، ورأى الموت فهرع إلى ظلمات النفس يباكيها في صمت العويل ونوح الأصيل، ثم رأى ضيق المكان ورعب الزمان فحاول إدراك المطلق اللامتناهي.

الكلمات الدالة:

تجربة الحضور، الوجدان، المعرفة، الشعر، الإنشائية.

***
Structural attendance

Abstract:

The experience of the audience is a knowledge of achieving harmony between the movement of inner consciousness and the movement of external variables, so it has the logic of reassurance to decipher the difficult equation, the equation of the constant and the variable. Because it creates a compound between them, which is selective experience, and selective experience is formed from the collection of accumulations of knowledge, the revelation of which is the highest, and then other individual and human experiences. If the superiority of the constant over the variable creates inertia, and if the superiority of the variable over the constant creates loss, then its equilibrium alone achieves the cognitive and poetic presence. And the construction of the presence exploded poetry from the human heart and mind, so he named it in the runways of beauty and perfection when he saw with insight what no one else had seen with sight. He saw life and came upon it as the thirsty echo came, and he saw death, and he rushed to the darkness of the soul, mourning it in the silence of the wailing and the pure mourning, then he saw the lack of space and the horror of time, so he tried to realize the infinite absolute.

Key words:

experience of attendance, conscience, knowledge, poetry, construction.

***

النص:

أضفى الفيلسوف محمد إقبال قيمة إسلامية على مفهوم الحضور، فعاد إلى صفاء المثاني القرآنية التي تعيد للإنسان الفرص المفقودة والطهارة المغتصبة. إن بداية الوعي يتشكل بتأسيس صواب فلسفة الذات التي يصوغ هدفها الرئيسي القرآن حين "يوقظ في نفس الإنسان شعورا أسمى بما بينه وبين الخالق وبين الكون من علاقات متعددة"(1). هذه الرؤيا الشمولية تعيد ترتيب المفاهيم وتصحيحها فلا تنحرف أو تزل إلى سحيق. القرآن، إذن يمنح محمد إقبال تحديد مفهوم الحضور انطلاقا من الوعي بضرورة الدين "ليس أمرا جزئيا، ليس فكرا مجردا فحسب، ولا شعورا مجردا، ولا عملا مجردا؛ بل هو تعبير عن الإنسان كله"(2) الدين حينئذ هو الذي يمنح الإنسان فرصة الإسراء الأرضي والمعراج السماوي، لذلك "يسمو فوق الشعر، فهو يتخطى الفرد إلى الجماعة؛ وفي موقف من الحقيقة الكلية يتعارض مع عجز الإنسان وقصوره، فهو يفسح مطالبه، ويستمسك بأمل لا يقل في شيء عن شهود الحق شهودا مباشرا"(3) وحركة الفكر لا تصبح ممكنة إلا بحضور اللامتناهي حضورا ضمنيا.

فماذا نقصد بتجربة الحضور؟

إنه معرفة تحقق الانسجام بين حركة الوجدان الداخلي وبين حركة المتغيرات الخارجية، فيمتلك منطق الاطمئنان لفك المعادلة الصعبة، معادلة الثابت والمتغير. لأنه ينشئ مركبا بينهما هو الخبرة الانتقائية وتتشكل الخبرة الانتقائية من جماع التراكمات المعرفية التي يكون الوحي أعلاها ثم غيره من الخبرات الفردية والإنسانية. فإذا كان طغيان الثابت على المتغير ينشئ جمودا وإذا كان طغيان المتغير على الثابت ينشئ الضياع فإن توازنها وحده يحقق الحضور المعرفي والشعري.

إنشائية الحضور: تفجر الشعر من قلب الإنسان وعقله، فسما به في مدارج الجمال والكمال حين رأى بالبصيرة ما لم يره غيره بالأبصار. رأى الحياة فأقبل عليها إقبال الصدي الظمآن، ورأى الموت فهرع إلى ظلمات النفس يباكيها في صمت العويل ونوح الأصيل، ثم رأى ضيق المكان ورعب الزمان فحاول إدراك المطلق اللامتناهي "فبالشعر تتكلم الطبيعة في النفس وتتكلم النفس للحقيقة وتأتي الحقيقة في أظرف أشكالها وأجمل معارضها، أي في البيان الذي تصنعه هذه النفس الملهمة حين تتلقى النور من كل ما حولها وتعكسه في صناعة نورانية متموجة بالألوان في المعاني والكلمات والأنغام"(4) كما يقول الرافعي.

صرخة الشنفرى: ربما لم يستطع طه حسين أن يقنع نفسه بمقولة الانتحال على الرغم من زعمه "أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء"(5) ولعل لامية العرب للشنفرى، يتجلى المعنى الشعري فيها صورة لحياة ملؤها القلق والأرق، وملؤها الرغبة في الاستعلاء وتحقيق التجاوز هي ليست القصيدة المفردة، ولكنها تكاد تكون صوتا للحياة الجاهلية كلها. هي القصيدة التي نعت للإنسان موت المعنى، فموت الإنسان؛ وتمردت على نظام للقيم مغلوط وغير متوازن. إنها القصيدة التي تضعنا "أمام ذات أرهقها المجتمع الإنساني بظلمه وأذاه وبغضه، فإذا هي تخلع انتماءها إلى هذا المجتمع وتؤسس انتماءً جديدا لها إلى المجتمع الحيواني!"(6) حين التفت الباحث رومية إلى معنى الانتماء مركزا دلاليا انبنت عليه التجربة الشعرية والوجودية في اللامية، فقد أصغى لصرخة الشنفرى إصغاء ذكيا(7):

أقيموا بني أمي صدور مطيكم
فإني إلى قوم سواكم لأميل
ولي دونكم أهلون سيد عملس
وأرقط زهلول وعرفاء جيأل
هم الأهل لا مستودع السر ذائع
لديهم ولا الجاني بما جر يخذل

رضي الشنفرى أصعب الطرق لتحقيق حضوره فهو بعد أن رأى الناس وحوشا، ورأى الوحوش أجدر بالمعاشرة، صار الحضور عنده اختيارا يسنده الاغتراب عن الناس والإصغاء للكون. الكون أرحب: ذئابه، ضباعه، نموره، قطاه، أفاعيه، جنه، صحراؤه وليله؛ كلها أهل للشنفرى لا يضيقون به ولا يضيق بهم.

إن البحث عن الحضور هاجس الشعراء، فامرؤ القيس رآه ساعة لهو مع امرأة في الهودج أو الغدير، وطرفة رآه ثلاثة: شربة كميت وكرا كسيد الغضى وتقصيرا ببهكته، ورآه عنترة سماحة إذا لم يظلم وعفافا عند المغنم وملحمة يسترد بها حريته، ورآه عمرو بن كلثوم انتسابا إلى القبيلة التغلبية فهم المطعمون وهم المهلكون وهم العاصمون وهم العارمون، ورآه حكيم العرب زهير سلما واسعا بمال ومعروف، ورآه آخرون كل بعينه. وكل لم يجاوز الأرض وما ارتقى أحدهم إلى الأسمى.

آية الشعراء: "والشعَرَاءُ يَتبعُهُمْ الغَاوُونَ (224) ألمْ ترَى أنهُمْ في كل وَادٍ يَهيمُونَ (225) وَأنهُمْ يَقولونَ ما لا يَفعلونَ (226) إلا الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصالحاتِ وذكروا اللهَ كثيرًا وَانتصَروا منْ بَعْدِ مَا ظلِمُوا وَسَيَعلمُ الذينَ ظلموا أي مُنقلبٍ يَنقلبُونَ (227)"(8).

هذا بيان الشعر، بل بيان الفن كله. إن الشعر لا يكون إلا أحد اثنين: إنجازا جماليا في دائرة الإيمان، أو إنجازا خارج دائرة الإيمان.

إن يكن غواية وهياما تنفصم عراه الواصلة بين القول والفعل ليصير قولا وحسب، ليصير شعرا للضياع والتيه واللاانتماء. هو ساعتها إعلان عن موت المعنى وموت الإنسان، وإعلان عن الدخول في لحظة العدم.

ولا يكون حضورا إلا إذا أشرقت الكلمة بالمعنى وأشار الدال إلى المدلول، في سعة من خفقة القلب المؤمن ورعشة العقل الذاكر. ولأمر ما كان الشعر في لغة العرب إذا قلبت أصواته صار العرش، والعرش هو لله. فكأن العرش أصل وكأن الشعر فرع؛ بل كأن العرش تنزل من السماء إلى الأرض وكأن الشعر صعود من الأرض إلى السماء. هي نظرية الإلهام والاستلهام يفتح القرآن أعيننا عليها. كل شعر لا يخلو منهما.

وشعر الحضور هو الذي يستلهم معاني الإيمان ليلهمها الوجود فيرقى بالإنسان إلى وحدة الشهود. ولولا هذا البيان الذي أدان الشعراء الثرثارين والمتقلبين والغواة، لظل الشعر العربي يخبط خبط عشواء ولما جاوز حدود واد كقفر العير؛ ولما سكب أمثال ابن عربي أسرار قلوبهم وهي المعلقة بالملأ الأعلى في روائع الكلمات(9):

وزاحمني عند استلامي أوانس
أتين إلى التطواف معتجزات
حسرن عن أنوار الشموس وقلن لي:
تورع فموت النفس في اللحظات
ألم تدر أن الحسن يسلب من له
عفاف فيدعى سالب الحسنات
فموعدنا بعد الطواف بزمزم
لدى القبة الوسطى لدى الحجرات

وتضيق الكلمات عن معانيها - فكلما اتسع المعنى ضاقت العبارة وصدق النفري - ويخبئ ظاهر القصيدة الغزلي باطن الوجد الروحي. فالاستلام هو امتداد اليمين المقدسة ليبايعها الشاعر البيعة الإلهية، والأوانس هي الأرواح الحافة بالعرش تطلب البيعة فهي المزاحمة. هذا مثل والأمثال كثيرة.

نداء الشرق: ضاق القيد الكنسي على الإنسان الغربي. وكان لابد للقيد أن ينكسر، وارتضى الإنسان الجديد لنفسه حياة جديدة لكنها بالفوضى أشبه. وسقط المجموع الإنساني في دروب الاغتراب وأسباب الاكتئاب. لم يمنحهم سلطان العقل سكينة القلب، ولم يمنحهم تحرير المكبوت غير السقوط. حينها تضخمت نزوات الشهوة وتقدمت في مساحات المادة. لكن جذوة القلب كادت تخبو لما غلبت الفاوستية، وارتجف الشاعر الألماني غوته فرقا وخوفا. صار بنو جلدته يبيعون الروح للشيطان، بعد أن زعم نيتشه ميلاد الإنسان الكامل. والتفت غوته إلى الشرق نبع صفاء. فإذا الأعلام يحذون حذوه هولدرلين وهيجو وستاندال وفتزجرالد ونوفاليس، وامتلأ قلب ريلكه بالحكمة حين قال في رسالة محمد(10):

لما تبدى الملك الكريم الطاهر
ذو الملامح المعروفة والنور الباهر
تبدى رائعا له خلوته خلع
كل كبرياء وخيلاء، وتوسل
إلى "التاجر"، وقد اضطرب
باطنه إثر أسفاره توسل إليه أن يبقى
لم يكن قارئا، وهاهي ذي كلمة
كلمة عظيمة حتى على حكيم
لكن الملك وجهه بمهاره
إلى ما كان مسطورا في لوح
ولم ييأس، بل ظل يردد
قائلا اقرأ! فقرأ حتى انحنى الملك

إن الشعر نزوع نحو المطلق؛ وليكن هذا المطلق جماليا أو معرفيا. وكل نص شعري هو إحالة إلى رؤيا للوجود ممكنة. وإذا تعددت المذاهب الشعرية فإنما مردها إلى الأصول المعرفية التي تتأسس عليها في فهم المطلق ما هو؟ ومهما يكن من اختلاف الآراء فإن أساس الفن على الإطلاق هو ثورة الخالد في الإنسان على الفاني فيه. ولم يتخلف الشعراء العرب المعاصرون عن محاولة إدراك المطلق، وإن بعدت الشقة ببعضهم واستبانت السبل ببعضهم الآخر. وأن الحضور معرفة تحقق الانسجام بين حركة الوجدان الداخلي وبين حركة المتغيرات الخارجية، فيمتلك منطق الاطمئنان لفك المعادلة الصعبة، معادلة الثابت والمتغير. لأنه ينشئ مركبا (Catalyseur) بينهما هو الخبرة الانتقائية وتتشكل الخبرة الانتقائية من جماع التراكمات المعرفية التي يكون الوحي أعلاها ثم غيره من الخبرات الفردية والقومية والإنسانية.

الهوامش:
1 - محمد إقبال: تحديد التفكير الديني، ترجمة محمود عباس، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1955، ص 15.
2 - المصدر نفسه، ص 7.
3 - المصدر نفسه، ص 5.
4 - مصطفى صادق الرافعي: وحي القلم، ج3، ص 235.
5 - د. طه حسين: في الأدب الجاهلي، دار المعارف، ط4، القاهرة، ص 72.
6 - وهب أحمد رومية: شعرنا القديم والنقد الجديد، ص 265.
7 - ينظر، الزمخشري: أعجب العجب في شرح لامية العرب، جامعة حلب، ط3، (د.ت).
8 - سورة الشعراء، الآيات 224-226.
9 - محي الدين بن عربي: ترجمان الأشواق، دار بيروت، بيروت 1981، ص 32.
10 - انظر، عبد الرحمن بدوي: الأدب الألماني في نصف قرن، عالم المعرفة، الكويت 1994، ص 95-96.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد الحفيظ بورديم: إنشائية الحضور، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث 2005. http://annales.univ-mosta.dz


***