القصة البطولية بين الأدبين العربي والماليزي

د. روسني بن سامه
جامعة العلوم الإسلامية الماليزية بنيلاي، ماليزيا

الملخص:

يعنى بهذه الدراسة دراسة القصة البطولية العربية المشبعة بالروح الإسلامية التي انتقلت إلى الأدب الماليزي القديم. وبعد الاطلاع على الأدب الماليزي القديم عثر على ثلاث قصص عربية انتقلت إليه، وفي مقدمتها قصة ذي القرنين وقصة الأمير حمزة البهلوان وسيرة سيف بن ذي يزن. وتهدف هذه الدراسة إلى بحث علاقة التأثير والتأثر بينهما، وأوجه التأثير العربي في القصة الماليزية، لجلاء صورة التأثير والتأثر بين الأدبين. وأول ما ظهر في الأدب الماليزي من القصة البطولية العربية قصة ذي القرنين، وكانت شخصيته تظفر باهتمام شعوب العالم أجمع، وليس غريبا أن يمتلك كل شعب من شعوب العالم على وجه التقريب حكاية شعبية تروى سيرة ذي القرنين الذي هو الإسكندر بطريقة أو أخرى.

الكلمات الدالة:

القصة العربية، الأدب الإسلامي، الأدب الماليزي، التأثير والتأثر، ذو القرنين.

***
The heroic tale of Arabic and Malaysian literature

Dr Rosni bin Samah
USIM of Nilay, Malaysia

Abstract:

This research deals with the study of the Arab heroic story imbued with the Islamic spirit that was transferred to the ancient Malaysian literature. After examining the ancient Malaysian literature, he found three Arabic stories that were transferred to it, foremost of which is the story of Dhul-Qarnayn, the story of Prince Hamzah al-Bahlawan and the biography of Saif bin Dhi Yazan. This study aims to examine the influence relationship between them, and the aspects of Arab influence in the Malaysian story, in order to clarify the picture of influence between the literature. The first thing that appeared in the Malaysian literature of the Arab heroic story was the story of Dhu al-Qarnayn, and his character won the attention of the peoples of the whole world, and it is not strange that almost every people of the world owns a folk tale that narrates the biography of Dhul-Qarnayn who is Alexander in one way or another.

Keywords:

Arabic story, Islam, Malaysian literature, Influence, Dhul Qarnayn.

***

النص:

1 - القصة البطولية:

قصة ذي القرنين هي أول قصة بطولية عربية ظهرت في الأدب الماليزي، وكانت شخصيته تظفر باهتمام شعوب العالم أجمع، وليس غريبا أن يمتلك كل شعب من شعوب العالم على وجه التقريب حكاية شعبية تروى سيرة ذي القرنين. إذا حاولنا أن نحصى الكتب العربية القديمة التاريخية منها، والأدبية التي أوردت أخبارا عن الإسكندر فإننا نجدها كثيرة، منها ما ذكره المؤرخون مثل الطبري واليعقوبي وابن فقيه عن هذه الشخصية التاريخية.

وعن الروايات الشعبية بتفصيلاتها الجزئية نجد أن هذه الشخصية وردت في كتاب التيجان من رواية ابن هشام عن وهب منبه، وهي من قصص أهل الجنوب، فهي قصة ذي القرنين الذي هو الصعب بن الحارث الرائش الحميري، حيث يقدم وهب أسطورة متكاملة عنه، وتسير إلى مدلول درامي له أهميته(1). كما وردت هذه الشخصية في مخطوط مغربي حققه أميليو غرسية غومز المعيد بجامعة مدريد سنة (1929م)(2).

ومن خصائص هذه القصة أنها تتحدث عن ذي القرنين بوصفه ملكا عربيا مسلما تتلخص مهمته في هداية البشر إلى الإسلام، وكسر شوكة الطغاة والجبابرة الذين يرفضون أن يتخذوا الإسلام دينا لهم. ومن هنا يتجلى أن للقصة طابعين رئيسيين أحدهما بطولي والآخر ديني.

فمن البطولي وصف قوته وبطولته في القتال ونفوذ قدرته العسكرية في تغلب أهل الأرض، ومملكته الواسعة حيث كان ملكا لا يستوي مستواه أحد من ملوك الدنيا، وهم يخضعون تحت حكمه، وصاروا من أتباعه ويزداد عدد أتباعه بكثرة القتال.

ومن الطابع الديني وصف شخصيته بأنه ملك عربي مسلم يبذل قصارى جهده في دعوة الناس وهدايتهم إلى الإسلام، ومحو الكفر والشرك في الدنيا، وكان قتاله جهادا في سبيل الله لإعلاء كلمته، حيثما التقى بملوك الدنيا يطالب منهم أن يختاروا الإسلام أو المعركة، فمن استقبل دعوته سلم هو وشعبه وصاروا من أتباعه، فمن رفض طلبه هاجمه أشد القتال، ولا يترك البشر إلا أن يعتنق الإسلام أو يلقى مصرعه.

وكان الطابعان دافعا أساسيا يدفع القصة إلى الانتقال إلى الأدب الماليزي، ويؤثر على عقول العشب، ويظهر ذلك الأثر جليا حيث تلقب بعض ملوكها بلقب الإسكندر تباركا بهذا الاسم. وأول من تلقب بهذه اللقب من الملوك الملك السلطان مجت إسكندر شاه، الذي حكم البلاد من عام (1414م) حتى عام (1424م)، وكان منهم من يعتنق الإسلام وينشره للشعب. ومن هنا تجلى رمز كلمة الإسكندر الذي يتلخص في القوة البطولية والدينية.

ومن ناحية انتشار القصة في ماليزيا نجد أن المجتمع الماليزي تعرف عليها منذ عصر انتشار الإسلام فيها وذلك في القرن الثاني عشر للميلاد على الأقل، وذلك من خلال قصة ذي القرنين التي ورد ذكرها في القرآن الكريم. ولم يعثر على قصته مكتوبة إلا في القرن الخامس عشر الميلادي حيث ورد ذكرها في الفصل الأول من كتاب تاريخ الملايو الذي كان يعد من أقدم ما ألف، كما ذكرت هذه القصة في كتاب تاج السلاطين عام (1604م)، وفي كتاب بستان السلاطين عام (1638م)، وذكرها ورندلى (Wrendly) في قائمته عن الأعمال الأدبية الملايوية القديمة قبل عام (1736م)(3).

ومن ناحية مصادرها يتضح لنا أن نواتها الأصلية مستقاة من المصادر العربية لوجود مواطن الاتفاق بينهما.

والقصة الثانية من القصص البطولية قصة الأمير حمزة البهلوان التي تعد من أحدث السير الملحمية الشعبية التي وصلت إلى قرائها، وطبعت لأول مرة في مصر بمطبعة عبد الحميد أحمد حنفي سنة (1948م). وكانت الطبعة الثانية سنة (1962م).

وترتبط هذه السيرة بالجزيرة العربية نفسها. وتدور أحداثها في بيئة هذه الجزيرة، وتختار أبطالها من أبنائها، وارتبطت شخصية البطل فيها بمعنى الفتوة العربية، وأخذت مُثُلها وقيمها من مُثل وقيم الجزيرة بالدرجة الأولى. وأضيفت إليها المبادئ الإسلامية والخلق الإسلامي، إلا أن الجذور العربية ظلت واضحة في خلق بطلها وسلوكه، بل إنها ما كان يمكن أن يوجد لها أصل إلا بارتباطها بقضايا شبه الجزيرة، وهي قضية العلاقة بين الفرس والعرب.

وتكاملت الصياغة الأولى لها في فترة مبكرة من نشأة النثر القصصي الإسلامي، وذلك في أواخر العصر العباسي الأول وأوائل العصر العباسي الثاني. وازدهرت في بيئة القصاصين الإسلاميين بالاعتماد على الخصائص الأسلوبية والفنية التي قامت على أساسها الملحمة، وعلى موضوعها الذي هو وليد موقف قومي من تيار شعوبي جارف آنذاك(4).

ويتضح من ذلك أن للقصة طابعين بطولي وديني وبهذين الطابعين انتقلت هذه القصة إلى الأدب الماليزي لتناسب الجو السياسي والديني في ذلك الوقت، فمن الناحية السياسية نجد أن أبناء الملايو يضطرون للدفاع ضد المستعمرين، ولأجل ذلك يسهل تسرب القصص البطولي إليهم لتشجيعهم أو لإيقاظ حماستهم.

ومن الناحية الدينية نجد أن الإسلام في عصر التحول، بدأ ينتشر انتشارا واسعا فاضطربت عملية الانتقال من الأثر الهندي إلى الإسلام خاصة في مجال الأدب، ومن هنا تسرب قصص ذو طابع ديني بسهولة إلى الأدب الماليزي، وخاصة القصص الذي اجتمع فيه طابع بطولي وديني للتفوق على الحكايات الهندية، وبعد الانتقال تغير عنوانها إلى حكاية الأمير حمزة، وتصور القصة بطلها بأنه من نسب أشراف مكة وهو عبد المطلب عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا تغير بعض شخصياتها وأحداثها حتى أصبحت ملائمة لمتطلبات الشعب الماليزي.

وهي من أقدم ما وصل إلى الأدب الماليزي من القصص العربية الإسلامية، وانتشرت وسادت أوساط الشعب الماليزي، وفي كتاب تاريخ الملايو أن الجنود عندما احترسوا من هجوم المستعمرين سنة (1511م) طلبوا قراءة هذه القصة عليهم لتشجيعهم ضد المستعمرين(5).

ويرى وينستد (Winsted)(6) أنها مكتوبة في القرن الخامس عشر الميلادي أو أوائل القرن السادس عشر الميلادي بدليل أنها معروفة قبل سنة (1511م)، كما أنها مذكورة في قائمة المؤلفات الماليزية الأدبية للورينلى سنة (1736م). ونشأت في أول أمرها شفهية وتداولت بين الناس عبر العصور المختلفة، فلا غرو أن يكون لها عدد غير قليل من المخطوطات منتشرة في المكتبات العالمية المختلفة، وفي سنة (1987م) أعاد كتابتها بالخط اللاتيني عبد الصمد أحمد، وقام بجمع وتنسيق بين المخطوطات. وقام بطبعها ونشرها مجمع اللغة والأدب بكوالا لمبور ماليزيا.

والثالثة من القصص البطولية العربية سيرة سيف بن ذي يزن البطل الكرار والفارس المغوار صاحب البطش والاقتدار المعروف بالغزوات المشهورة. وهي سيرة شعبية عربية طويلة، تعرض بطولة سيف بن ذي يزن سليل ملوك حمير الذي عاش في الفترة ما بين سنتي (516-574م)، وتصور الصراع بين العرب والأحباش في أواخر العصر الجاهلي، وكيف طردهم سيف بن ذي يزن من الجزيرة العربية بعد أن كانوا قد سيطروا على اليمن، وهي في تسعة عشر جزءا وتتكون من أربعة مجلدات، وبها كثير من الأساطير والعجائب ومغامرات سيف بن ذي يزن في سبيل استقلال بلاده، وتباشر الأحداث القوى الغيبية والخارقة من الجان والأعوان، وما صاحب ذلك من الكنوز والذخائر، فنتيجة ذلك أن تأخذ السيرة مكانة مرموقة في التاريخ القومي العربي. كما تحتل مكانا مرموقا بين السير الشعبية التي حظيت بشهرة ضخمة في مجال التلقي الشعبي.

وتعد واحدة من أشهر وأهم السير التي حملها لجمهور القراء الضمير الأدبي، والتي ظلت تعيش في خيال وقلوب المتلقين من أبناء الشعب العربي في مختلف أنحائه رغم ما حفلت به من أحداث تجاوزت حد المعقول ضاربة في عالم الأسطورة المليء بالغرائب والعجائب، وكانت هذه السمة المميزة لهذه السيرة من أهم أسباب انتشارها بين المتلقين من أبناء الشعب العربي، إذ وجدوا فيها غذاء لا ينضب يغنيهم عما يحسونه في واقعهم من جدب وضيق(7).

وهي ذات صبغة قومية لاستفاضتها في الحروب التي دارت بين الساميين والحاميين أو بين عرب جنوب الجزيرة في اليمن والجنوب العربي ومتاخميهم الأفريقيين في الحبشة والسودان وأفريقيا عامة(8)، بالإضافة إلى رسم صورة للوحدة العربية متمثلة ببطلها اليمنى الذي حارب من أجل الإسلام حربا دينية ضد عبدة النجوم من الأحباش وتغلب على أعدائه بمساعدة الملك الفارسي كسرى، وقد جعله الوجدان الشعبي يدين بالإسلام وينشر الدين بحد السيف مقتحما معاقل الشرك والشر وهو يقول: لا إله إلا الله إبراهيم خليل الله(9).

ومن أحداث السيرة ما يشير إلى أنها انعكاس روائي لأحداث وقعت فعلا في العصر المملوكي من قصة الصراع بين العرب والصليبيين من خلال الحكم المملوكي إذ إن أحداث السيرة تنبئ عن حرب حقيقية بين الأحباش والعرب يدخل فيها عنصر التعصب الديني. فالأحباش يدافعون عن عبادة النجوم في حين يدافع العرب عن عبادة الله ويحس الأحباش أن انتصار سيف هزيمة لدينهم وقضاء على عبادتهم. فيتصدى له إلى جوار الجيوش كهنة المعابد مثل سقرديوس وسقرديون وهما يمثلان التشبث بزحل النجم المعبود عندهم(10).

ويتضح مما سبق أن السيرة اتسمت بطابعين طابع بطولي وطابع ديني وبهذين الطابعين انتقلت السيرة إلى الأدب الماليزي بمناسبة الأوضاع التي واجهها أبناء الملايو، أولا من ناحية اضطهادهم من المستعمرين وثانيا من ظروف تحول الأديان إلى الإسلام، وقد جمع أبناء الملايو القوى تحت لواء الإسلام لمقاومة المستعمرين ولأجل ذلك ولعوا باستماع القصص الإسلامية البطولية لشحذ حماستهم وشجاعتهم ضد المستعمرين أو الاقتداء بشخصية البطل في الجراءة حتى تمكنوا من طرد المستعمرين.

ومن هنا احتلت القصص الإسلامية البطولية مكانا رفيعا لديهم حتى أصبحت سائدة في أوساط المجتمع، وفي أول عهدها شفهية انتقلت من راو إلى آخر حتى دونت. ثم تغير عنوانها من سيرة الملك سيف بن ذي يزن إلى "حكاية الملك سيف بن ذي الليزان". وفي بعض النسخ تغير عنوانها إلى "حكاية قمرية". ولم يعرف تاريخ وصولها بالضبط لأن الحقائق التاريخية لا تفصح عن ذلك، بالإضافة إلى أنها لم تذكر في قائمة أسماء المؤلفات الملايوية الأدبية القديمة لورندلي سنة 1736م ويرى بعض المؤرخين أنها وصلت قبل هذا التاريخ، ولكنها لم تذكر في هذه القائمة. ويرى آخر أنها وصلت بعد هذا التاريخ أو قبيل هذا التاريخ، ولذلك لم تدرج في تلك القائمة. وتدل عدة نسخ على أن مؤلفها عربي المولد يجيد اللغتين العربية والماليزية(11).

وبالرغم من طول المصادر العربية التي تصل إلى أربعة مجلدات فإن الحكاية الماليزية جاءت مختصرة متوسطة الحجم، بالكتابة اللاتينية بعد إعادتها من الكتابة الجاوية المرسومة بالحروف العربية. وهي مكونة من تسعة أجزاء قصيرة، ويكتشف من ذلك أن الحكاية الماليزية لم تكتمل أحداثها بالمقارنة إلى السيرة العربية، وربما وقع هذا لأنها انتقلت إلى الأدب الماليزي ناقصة هكذا، أو أنها انتقلت إلى الأدب الماليزي مكتملة ولكن كتابتها لم تكتمل، وعلى الرغم من ذلك يبدو أن نهايتها نهاية طبيعية سعيدة للبطل، إذ تنتهي أحداثها بخروج سيف بن ذي الليزان من مدينة حمراء اليمن بحثا عن زوجته منية النفوس وابنه مصر اللذين هربا عائدين إلى بلاد منية النفوس في جزيرة البنات، واستطاع سيف إعادتهما إلى بلاده بمساعدة عاقصة وعيراض، وعند الوصول احتفل أهل البلاد وفرحوا وغمر هذه البلاد الفرح والسعادة. وتم هذا الحدث في آخر الجزء السادس وهو بداية المجلد الثاني بالمقارنة إلى سيرة الملك سيف بن ذي يزن العربية(12).

2 - التأثير العربي في نصوص القصة الماليزية:

كان للقصة العربية تأثيرها الكبير في نشأة القصة الماليزية، ويتجلى هذا التأثير واضحا في العناصر الأساسية للقصة. وتتمثل هذه العناصر في الإطار العام للقصة، والأحداث الأساسية، والشخصيات، والمهاد المكاني والزماني، والطابع الذي دفع القصة إلى الانتقال.

وفي الإطار العام لقصة ذي القرنين بين الأدبين نجد أنه يدور حول رحلة ذي القرنين في مغارب الأرض ومشارقها في سبيل هداية الناس إلى الإسلام بمصاحبة مساعده الحضر(13). ويتجلى من هنا أن القصة الماليزية تأثرت بالقصة العربية في جميع أحداثها الأساسية. وذلك بتصوير رحلة ذي القرنين إلى مغرب الشمس ومعه الخضر، وهو يطأ الأرض بالجنود يقتل ويسبى، وينقل الناس من أرض إلى أرض.

ومن خلال رحلاته مر بأقوام غرباء، منهم قوم بكم لا ينطقون، وقوم زرق الأعين وقوم آذانهم كبار من أعلى رأس أحدهم إلى ذقنه، وهو عند كل قوم يقتل من كفر ويعفو عمن آمن. ويستمر في رحلته إلى أن يبلغ الأندلس، ثم انتهى إلى عين الشمس فوجدها تغرب في عين حمئة في البحر المحيط(14).

ثم تمضى الرحلة بذي القرنين حتى يبلغ الظلمة فصار ليله ونهاره واحدا. وعين الشمس تسقط خلفه. ثم سار في واد تزلق فيه الخيل والجمال وهو واد الياقوت. ثم سار إلى الصخرة البيضاء ليرقى عليها فانفضت وارتعدت فرجع عنها فسكتت، ثم دنا منها الخضر فرقى عليها وشرب ماء عين الحياة في رأسها. ثم تتجه رحلته نحو مشارق الأرض، فسار يريد مطلع الشمس، وفي طريقه يحمل الناس على الإيمان، ثم دخل أرض يأجوج ومأجوج وبنى سدا بين الناس وبين يأجوج ومأجوج. وانتهت رحلته إلى أرض الهند وسمرقند، ثم سار يريد تهامه وتوفي في رمل العراق(15).

وبعد الاطلاع على أحداث القصة الماليزية يتحقق لنا أنها تتأثر بالقصة العربية، فلا بد أن تكون شخصيتها كذلك تتأثر بها، فكان بطلها ذي القرنين الذي ورد وصفه في القصة العربية، فهو الملك الحميري وتجبر تجبرا لم يكن في التبابعة متجبر مثله، ولا أعظم سلطانا ولا أشد سطوة وبلغ من العز والجاه ما لم يبلغه أحد من الملوك، فكرس كل قوته في نشر الإيمان به والتصديق له حتى بلغ أطراف الأرض جميعا، واحتل منها كل ما على سطحها، وبسط سيفه في كل أجناسها يدعوهم إلى الإيمان، وقتل من كفر حتى يبلغ مغرب الشمس، ثم يعود ليبلغ مطلع الشمس.

كما تجلى التأثير العربي في اختيار شخصية مساعده، فهو الخضر عليه السلام يسير إلى جواره ويفسره له ما غمض عليه من أمر، ويسهم معه في تحقيق رسالته، ويذلل له كل صعب.

وفي بيئاتها أيضا تأتى من القصة العربية حيث صورت رحلات ذي القرنين في الأرض العربية والأجنبية ممتدة من الأندلس إلى الهند.

وكذا ساهم التأثير العربي من الإطار العام لقصة الأمير حمزة البهلوان في رسم القصة الماليزية، فهو يدور حول الحروب التي دارت بين العرب الساميين والفرس الإيرانيين في عصر ما قبل الإسلام. أو الصراع بين عبدة إله واحد وعبدة النار. وقد قاد العرب الأمير حمزة الذي نشأ في مكة. وذاع صيته إلى أن دعاه كسرى لمساعدته على طرد الأعداء.

وبدأ الصراع بين الملك كسرى وبين حمزة بعد انتصار حمزة على الأعداء وذلك بتدبير بختك، وكذا عندما طلب الملك مهر ابنته وخاض حمزة المغامرات للحصول عليه وعلى الأموال من كل الملوك تحت حكم كسرى. وقاد الفرس الملك كسرى أنوشروان الذي يعتمد على رأى وزيره الشرير، وهو بختك. وكان سوء تفكيره يؤدى إلى نشوء الخلاف والقتال بين الفريقين. فقد قاتلهم العرب أو قاتل العرب غيرهم بسبب لجوئهم إلى الغير أو استعانتهم بهم. وظل القتال يندلع بين الفريقين حتى نهاية القصة.

وفي شخصية البطل هو حمزة الذي نشأ في مكة من نسب أشراف مكة، وهو الذي يحرك أحداث القصة ويطورها. فقد خرج من مكة لإخضاع الملك النعمان الذي يذل الفرس واستطاع إعادته إلى عبادة الله الواحد وترك الخضوع للفرس وخرج إلى المدائن لإنقاذ الملك كسرى من أعدائه وإعادة مملكته إليه، وتزوج بابنة الملك كسرى بعد أن خاض المعارك للحصول على مهرها ولإقناع الوزير بختك بجمع الأموال من كل الملوك تحت حكم الملك كسرى، وكلما باشر القتال أسر أعداءه وأقنعهم بالإسلام حتى أصبحوا من أتباعه، وقتل من غدره من الأعداء، وخاض المعركة في جبل قاف مع الجان وله زوجات متعددة منهن الجنية أسما برى وأبناؤه وأحفاده كثيرون وهم قواد جنوده وجاءوا إليه في حالة التوتر يباشرون القتال لمساعدته(16).

وهو حريص على تنفيذ الأوامر، كما شرع في تنفيذ أوامر بختك للحصول على مهر ابنة الملك وللحصول على الأموال من الملوك تحت حكم الملك كسرى، ولا يبالي الهلاك الذي قد يتعرض له. وحاد الطباع سريع الغضب إلى درجة الحمق كما طرد زوجته من قصرها وطرد عمر منه. ويبلغ به الفرح مداه إن فرح كما يبلغ به الحزن مداه إن ألمّ به الحزن كما حزن بعد موت زوجته ابنة الملك كسرى.

وفي شخصيات مساعد البطل وأبنائه، هم عمر الذي يباشر شخصية البطل منذ الولادة وهو دليله في تصرفاته وفي حروبه، وكانت بطولته قائمة على التوسل بالمكر والحيل والتنكر واستخدام البنج وضده والأشياء المطلسمة إلى جانب المهارات الفردية، مثل سرعة الجري والشجاعة وسرعة البديهة وسرعة النكتة والطبيعة المرحة ولم يخل من الحمق، وكذا عثر على التشابه في شخصية أبناء البطل اسما وصفة ووظيفة مثل قباط ورستم وبديع الزمان.

وفي الشخصيات التاريخية يمثلها كسرى أنو شروان والملك النعمان، وكان الملك النعمان وسطيا بين العرب والفرس، ويخضع للفرس حتى خرج إليه حمزة وأعاد ثقته نحو العرب، وهو الذي يباشر البطل في مغامراته. وكان الملك أنو شروان أحد ملوك الفرس في التاريخ وهو شخصية مهمة في القصة، وتدور الأحداث حوله مع البطل وجاء البطل إليه بعد أن استولى أعداؤه على العرش وأعاد الحكم له بعد أن قتلهم، وكان كسرى يسمع ويطيع كلام وزيره بختك الذي خطط لهلاك العرب، ودار القتال بينه وبين العرب بإشراف وزيره بختك بعد أن طلب حمزة الزواج بابنته جزاء على عمله. واستمر القتال إلى نهاية القصة. وله وزير ذو الرأي والعقل وهو بزر جمهور.

وفي الشخصيات النسائية تمثلها ابنة الملك كسرى، وهي بمثابة منطلق الأحداث التي لعبها البطل بعد أن انتصر على خارتين، وقد دفعت هذه الشخصية إلى تطوير أحداث القصة بأن شجعت البطل إلى خوض المغامرات من أجلها وتعقدت الأحداث بموتها فلازم حمزة قبرها وأمر قواد جنوده بالانصراف إلى بلادهم.

وظل التأثير العربي واضحا في شخصيات الحيوان في القصة والصراع بين البطل والحيوان، ويتمثل في الأسد في كلتا القصتين وانفردت القصة الماليزية بديناصور والصراع بينهما، مثل ما حدث لحمزة في طريقه إلى كسرى بأن يقاتل الأسد الذي اعترض طريقه. وكذا الصراع بين الأسد في قصر كسرى، وفي القصة الماليزية بدأ الصراع بين البطل والأسد منذ صغره عندما خرج للصيد، وفي طريقه إلى المدائن يصارع حيوانا أكبر وأقوى من الأسد وهو ديناصور، وظل هذا الصراع بين الحيوان وأبناء البطل وأحفاده مثل الصراع بين بديع الزمان والأسد وبين قاسم والأسد.

كما عثر على التأثير العربي في توالد أحداث القصة بوصول المساعدة في القتال أو بالتجاء الأعداء أو العرب إلى بلاد معينة بعد الهزيمة، وهذه المساعدة من جهة العرب، كما وصلت المساعدة في حالة التوتر أو عند قرب الهزيمة أو بعد الهزيمة، وقد تكون المساعدة من أبناء البطل مثل وصول رستم ووصول بديع الزمان أو من أحفاده مثل وصول قاسم أو من أبناء قواده أو كانت المساعدة من جهة الأعداء، كما طلب بختك المساعدة ممن تحت حكم الملك كسرى أو من قواد اشتهر صيتهم عندما رأى أن الهزيمة تقترب من جنوده أو بلجوئهم إلى بلاد معينة بعد الهزيمة فقد أدى وصول المساعدة أو اللجوء إلى بلاد معينة إلى تطوير أحداث القصة من جديد بعد أن كادت تتعقد.

ويظهر التأثير العربي واضحا في الصراع المحكم التضاد بين الخير المطلق والشر السالب، ونشأ هذا الصراع من قصر الملك كسرى ومصدره وزيراه أحدهما مصدر الخير وهو بزر جمهور الحكيم، وهو يعبد الله الواحد ويقرأ الكتب القديمة ويرشد الملك إلى طريق الحق ويحب العرب ويسعى دائما إلى مصلحتهم ويرشدهم في تصرفاتهم ويقدم لهم آراءه والدواء للبطل كلما جرح. والآخر مصدر الشر وهو بختك بن قرقيش ويرشد الملك كسرى إلى الوقوع في الهلاك ويحقد على العرب ويسعى دائما إلى هلاكهم ويسبب الخلاف بين الملك والعرب وعندما وافق الملك على زواج ابنته بحمزة اجتمع مع الملك واستطاع إقناع الملك بالعدول عن رأيه وسلم الملك كسرى أمر زواج ابنته له وطلب من حمزة إذلال معقل البهلوان مهرا لها، وكان وراء طلبه هلاك حمزة وبعد أن نجا حمزة من محاولته الأولى شرع في الأخرى ومنها أنه طلب من حمزة جباية الأموال من كل الملوك تحت حكم الملك كسرى، وفي نفس الوقت بعث خطابات لهم يطلب منهم هلاك حمزة. واستمر هذا الصراع بين قوى الخير والشر إلى نهاية القصة.

وظل التأثير العربي واضحا في المهاد المكاني والزماني للقصة، إذ لا يكاد يخرج عن القصة العربية، وتدور معظم الأحداث في الرقعة التي يعرفها الجغرافيون بالشرق الأوسط والأدنى، وفي حوض البحر المتوسط فهي تقع على مسرح مهول شمل سرنديب الهندية في أقصى المشرق وطنجة في أقصى المغرب على ساحل بحر الظلمات وبلاد السودان في أقصى الجنوب وبلاد الظلمة أو الظلمات في أقصى الشمال، والطبيعي أن تدور الأحداث في بعض بلدان هذا المسرح الكبير مثل مكة والحيرة في الجزيرة العربية ومشارقها وحلب ودمشق وبيروت وصيدا وعكا وصور في الشام وقسطنطينية وبلاد فارس ثم مصر والسودان مع عدم مراعاة التناسب بين هذه الأماكن. وأما الزمان الذي يرتبط بالأحداث فهو يشابه الزمان في القصة العربية إذ تدور الأحداث حول الحروب بين الفرس والعرب في أواخر العصر الجاهلي، إلا أن الزمان في القصة الماليزية تجاوز إلى أوائل العصر الإسلامي حيث باشر البطل القتال مع النبي محمد واستشهد في أحد غزواته.

وكذا ظهر التأثير العربي واضحا في تصوير البيئة العربية وعاداتها ومناظرها، حيث تصور القصة الصحراء والتلال والمسافة البعيدة بين الجبال وركوب الفرس والمدينة المحاصرة بالسور والصيد في الوادي والقتال في الساحة الواسعة البعيدة عن المدينة ودق الطبول للقتال وللانفصال وضرب الخيام في مكان النزول في الساحة وخروج عمر إلى الصحراء والتلال لتطلع الأخبار عن الأعداء.

ولا يقتصر التأثير العربي فيما سبق بل يظهر في الطابع الذي انتقلت به القصة إلى الأدب الماليزي، وهو طابع بطولي وديني يمثله التوحيد. فالطابع البطولي يظهر من خلال القتال بين الفريقين وهذا القتال إما قتال ثنائي إذ يخرج البطل أو أحد قواده إلى الساحة لمقاتلة قائد الأعداء، وينتهي هذا القتال بتغلب أحدهما على الآخر، ومن خلال هذا القتال يظهر مدى قوة البطل أو أحد قواده في تغلبه على أعدائه، وكذا يظهر الطابع البطولي في القتال الجماعي بين الفريقين.

ويظهر الطابع الديني المتمثل في التوحيد من خلال الملحمة التي تدور حول الأمير الذي نشأ في مكة من نسب أشراف مكة يخرج منها يذل القياصرة والأكاسرة، وهو سيد الكلمة البدوية ينشر دين الخليل إبراهيم ويدعو إلى هذا السبيل بالحكمة والموعظة الحسنة وينتصر بسيفه لمبادئه، وكان القتال من أجل هدم الكفر فمن هزمه أو أسره أقنعه بالإيمان بالله الواحد، ومن رفض أكره أو عذب حتى قبل وإلا قتل. وأصبح الأعداء الذين قبلوا الإيمان من أتباعه الكرام.

ومن أظهر التأثير العربي في الحكاية الماليزية أنها تحفل بكثير من الأسطورة، وهذه الأسطورة إما في تداخل الشخصيات الجنية في تطوير أحداث القصة، وإما في الكنوز أو الذخائر التي حصل عليها البطل أو مساعده. فيظهر تداخل الشخصيات الجنية عند ما جاء إلى حمزة الجني من جبل قاف يطلب منه مساعدة على طرد أعدائه، تتعقد الأحداث عندما وقع القتال بين حمزة والجان في جبل قاف، وتتطور بزواج حمزة بأسما برى وإنجابها مولودة وظهور شخصية أسما برى أثناء أحداث القصة تارة واختفائها تارة أخرى حتى نهاية القصة.

كان للقصة العربية - سيرة سيف بن ذي يزن - تأثيرها الكبير في نشأة القصة الملايوية، فتركت أثرها واضحا في صلبها من ناحية الإطار العام والشخصيات والأحداث والمهاد المكاني والزماني والبيئة والعادات والطابع الذي دفعها إلى الانتقال.

ويبدو التأثير العربي ظاهرا في الإطار العام الذي يدور حول الحروب الداهمة بين عرب جنوب الجزيرة في اليمن، والجنوب العربي ومتاخميهم الأفريقيين ذوى البشرة السوداء في الحبشة والسودان وأفريقيا عامة، وكانت العرب تحت قيادة الملك سيف بن ذي يزن في حين الأحباش تحت قيادة الملك سيف أرعد.

كما تطور التأثير العربي إلى رسم الشخصيات، فشخصية البطل هو سيف بن ذي الليزان كما في القصة العربية اسما وصفة ووظيفة إلا تحريفا في اسم أبيه، فهو بطل القصة ومحرك أحداثها، وهو من أم جارية كانت قد قتلت زوجها بالسم قبل ولادة سيف، وبعد الولادة ألقته في الصحراء وأخذت ظبية تغذيه. وسرعان ما يعثر عليه الصياد فيقتاده إلى الملك أفراح وينشأ تحت رعايته ويشب بطلا صنديدا ويلمع اسمه في الحروب الكثيرة. وهو يدير هيكل الأحداث وخاض المغامرات في البحث عن مهر وحلوان الأميرة شامة وخاض المعارك لمقاومة الملك سيف أرعد ملك الحبشة دفاعا عن العرب فوجد التشابه فيما ذكر بين القصتين إلا أن مجرى الأحداث اختلفت في الحكاية الماليزية(17).

والشخصية المساعدة للبطل هو سعد الزنجي الذي ضحى بنفسه مهرا لشامة بعد أن انتصر عليه سيف في المعركة بينهما وخاض المعارك دفاعا عن البطل وباشرها معه أو بنفسه عند تغيبه.

وشخصية الخصم ومساعده، هما الملك سيف أرعد الذي قاومه سيف بن ذي الليزان وتدور وتتطور حوله أحداث الحكاية، وشخصية سقرديون المساعد للملك سيف أرعد الذي اعتمد على ما رآه سقرديون في حكمه.

وفي اختيار شخصية الوزير للملك سيف أرعد وزير خير ووزير شر، وكان الأول بحر قفقان الريف الذي قرأ كتب المتقدمين وعلم علم الأمم الماضين فوجد نبوءة ظهور نبي قرشي يختم به الرسل والأنبياء فآمن به وأسلم وكتم إسلامه، وهو الذي يخطط لمصلحة الملك سيف ذي الليزان وأتباعه والثاني سقرديس الذي اشتهر بغدره وبجانبه سقرديون وهو الذي يخطط الهلاك للملك سيف ذي الليزان وأتباعه.

وفي شخصية ناهد وهي بنت ملك الصين التي اختطفها المارد وأنقذها سيف من قصر المارد، ثم أعاد سيف نظرها وتزوج بها(18). فهي تؤدى نفس الوظيفة في القصتين إلا أن اسمها تغير وهي ناهد في القصة العربية ونهيضة في الماليزية. واتحاد الوظيفة مع اختلاف مجرى الأحداث كثير ومنها الحكيمة عاقلة حينما ساعدت سيف على الدخول إلى بلادها والحصول على كتاب تاريخ النيل، وكذا حينما قتلت جماعة السحرة فهي تؤدى نفس الوظيفة في القصتين إلا أن مجرى الأحداث في الحكاية الماليزية قد تغير تماما عن الأصل العربي.

وفي رسم شخصية المرأة إذ عمدت الحكاية الماليزية إلى استخدام شخصية المرأة في تطوير أحداثها، فهي إما شخصية خيرية مساعدة ساعدت البطل على الحصول على ما طلبه مثل شخصية الحكيمة عاقلة التي ساعدت سيفا على الحصول على كتاب تاريخ النيل. وكذا ساعدته على إنقاذه من السحر. وإما شخصية عادية دفعت البطل إلى خوض المغامرات من أجلها مثل شخصية شامة التي بذل سيف أقصى جهوده للحصول على مهرها، وكذا شخصية منية النفوس التي أدت إلى مجاهدة سيف نفسه للحصول عليها وسافر سيف إلى بلدها بعد هروبها لأجل إعادتها إلى قصره. وإما شخصية شريرة دفعت البطل إلى تحمل البلاء والمشقة منذ الولادة مثل شخصية قمرية التي ألقت سيفا في الصحراء مذ كان عمره أربعين يوما. وعندما أصبح شابا حاولت إهلاكه بأن سافرت معه إلى مسافة بعيدة محتالة بتسليمه مخزن أبيه ثم قتلته. ودبرت هلاك سيف بعد ما سرقت اللوح بأن أمرت عيروض بإلقائه في المهالك عدة مرات بقصد هلاكه وهذه الشخصيات تتفق مع ما ورد في الأصل العربي.

وفي استخدام شخصية الحيوان في تطوير أحداثها، فمنها التي قامت بمساعدة البطل مثل الغزالة التي رضعته بعدما تركته أمه في مكان مهجور، ودابة البحر التي ساعدت البطل لمجاوزة البحر، والسرطان الذي استخدمه البطل لعلاج عيني ابنة ملك الصين والطير الذي ألهمه إلى استخدام الورق لعلاج جرحه وكذا الفرس الذي ركبه للانتقال من مكان إلى آخر.

وفي المهاد المكاني والزماني ولا يكاد هذا المهاد الزماني يخرج عما في القصة العربية فهي لا تحدد عصرا واضحا تقع فيه أحداثها، وإنما الأمر حرب تاريخية بين الحبشة والعرب تقوم على أساس ديني مرة، وتقوم على أساس عنصري مرة أخرى وتدور أحداثها بين الجزيرة العربية والحبشة والسودان ومصر في العصر الجاهلي رغم إسناد زعامة الحبشة إلى الملك سيف أرعد الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي. ويرى بعض الباحثين أن أحداثها تدور في عصر ما قبل الأديان السماوية الثلاثة(19).

وأما المهاد المكاني فتدور أحداثها في الجزيرة العربية ومصر والسودان والحبشة وكذا تدور في الصين حينما وصل الملك سيف إليها بعد أن طفا في البحر والتقى فيها بابنة ملك الصين وعالج مرضها وتزوج بها(20). وكذا عند ما وصلت قمرية إليها بعد أن هربت من الملك سيف وشكت لملكها من ابنته وتزوج الملك بها(21).

وقد استعارت القصة الماليزية كثيرا من خواص البيئة العربية وعاداتها ومناظرها لكي تضع في قالبها تلك الأحداث التي تكون القصة، وفي البداية تصور أحوال الملك ذي الليزان ورحلاته إلى أن وصل إلى مكة ثم سار إلى يثرب وعمرها ثم اتجه إلى بعلبك وبعد ذلك إلى الحبشة ومكث فيها وكل هذه الأحداث تصور البيئة العربية.

ومن خواص تصوير البيئة إسراف في تصوير الصحراء بأن ترك سيف في الصحراء حتى جاءت إليه الغزالة ترضعه وعندما طرده معلمه خرج وسار في الصحراء، وكذا خرج سيف إلى الصحراء للبحث عن مكان سعدون الزنجي، وكذا في تصوير البراري والآكام والغبار والمدينة حولها سور متين، وكذا ظهرت العادات العربية في تصوير أحوال الملوك وما وقع في قصورهم وفي تصوير أحوال أهل البلاد والجنود وأحوال الحرب.

وفي الطابع الذي حرصت على تصويره وإظهاره وهو طابع بطولي وديني إذ إن أظهر ما حرص الأدب الماليزي على نقله من الأصل العربي للحكاية بطولة سيف، وإيمانه بالله عز وجل، حيث إنه قد استطاع مجاوزة كل ما حدث له أو ما اعترض سبيله من التحديات والقتال، إما ببطولته أو بالمساعدة من الشخصيات الأخرى الصالحة أو الخارقة، وكذا كلما كان في الهم والغم أو في حالة ضعف تضرع إلى الله وسأله المساعدة حتى جاء نصر الله ومساعدته، وبعدما نجا من البلاء خر ساجدا لله وتعبد له في أوقات فراغه. وكلما انتصر على عدوه دعاه إلى الإسلام حتى أصبح جميع أتباعه مسلمين. وقد بقى الحديث عن سيف وبطولته وعبوديته في الأدب الماليزي حديثا عن البطولة القوية المتينة التي لا مثيل لها، وكذا عن العبودية الصالحة الحقيقية.

وفي الأسطورة لتطوير أحداثها، وعلى سبيل المثال أن يتقابل شخصية البطل مع الشخصيات الغريبة والكائنات الأخرى بل يتعامل مع الحيوان ليساعده في تحقيق هدفه. وكما ساعدت الغزالة شخصية البطل - سيف - وهو رضيع عندما ترك وحيدا في الخلاء فأرضعته وحفظته من الموت، كما ساعده حيوان آخر وهو دابة البحر عندما أراد مجاوزة شاطئ البحر إلى الشاطئ الآخر، كما ألهمه الطائر طرق علاج جرحه البليغ بعدما ضربته أمه بالسيف، وكذا يتعامل مع الشخصيات الجنية طوال القصة.

وفي تصوير الرحلات الكثيرة والمغامرات المتعددة التي قام بها الملك سيف بن ذي يزن سواء في عالم الجن أو في عالم الإنس بمساعدة شخصية الجن، وفي مجاوزة الأماكن البعيدة في لمح البصر، وكذلك ظهرت الأسطورة في أحداث حروبه بأن باشر القتال أعوانه وفرسانه من الجن أو السحرة وأعداؤه من الجن والسحرة. وفي تصوير مسرحية السحر وانقسام السحرة إلى أنصار سيف وإلى أشياع أعدائه.

بعد الاطلاع على القصص السابقة بين الأدبين ودراستها نستخلص أن القصص البطولية العربية مصدر لنشأة القصص البطولية الماليزية، ولها دور بارز فعال في تطوير الأدب الماليزي، وانتقلت في العصر المبكر منذ القرن الخامس عشر الميلادي على الأقل، وكان طابعها البطولي والديني دافعا قويا دفعها إلى الانتقال، وبعد الانتقال حدث التغير البسيط الذي لا يبعد القصة عن أصلها العربي.

وكانت قصة الإسكندر ذي القرنين مستقاة من قصة ذي القرنين العربية حتى لا تكون تخرج عنها. وقصة الأمير حمزة نشأت من قصة الأمير حمزة البهلوان العربية، وحدث فيها بعض التغيرات التي لا تبعد القصة عن أصلها العربي. وكانت قصة سيف بن ذي الليزان مستخلصة من سيرة سيف بن ذي يزن العربية، وتأتى مختصرة منها.

وظل التأثير العربي يتبقى في القصة الماليزية رغم طول مدة انتقال القصة العربية إلى الأدب الماليزي، ويسود هذا التأثير في الإطار العام للقصة وفي رسم الشخصيات وفي مسار الأحداث وفي وصف البيئات والطابع، كما أن لها بعض التغيرات البسيطة التي لا تبعد القصة عن أصلها العربي.

الهوامش:
1 - انظر، فاروق خورشيد: في الرواية العربية، دار الشروق، القاهرة 1982، ص 120.
2 - نبيلة إبراهيم: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، مكتبة غريب، القاهرة 1989، ص 140.
3 - See R. O. Winstedt: Malay Works Known, by Wrendy, in 1736 A. D., N° 82, 1920, p. 164.
4 - محمد رجب النجار: البطل في الملاحم الشعبية، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، ص 57.
5 - See W. G. Shellabear: Sejarah Melayu, Fajar Bakti 1995, p. 203.
6 - See R. O. Winstedt: op. cit., p. 164.
7 - فاروق خورشيد: سيف بن ذى يزن، روايات الهلال، العدد 176، سنة 1963، ص 7.
8 - انظر، شوقي عبد الحكيم: التراث الشعبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994، ج1، ص 291.
9 - انظر، سيرة الملك سيف، المجلد الأول، مكتبة الجمهورية العربية، (د.ت)، ص 70.
10 - انظر، فاروق خورشيد: أضواء على السير الشعبية، المكتبة الثقافية، عدد 101، القاهرة 1964، ص 158.
11 - See Liaw Yock Fang: Sejarah Kesusasteraan Melayu Kelasik, Pustaka Nasional, Singapura 1975, p. 162.
12 - انظر، سيرة سيف بن ذي يزن، ص 73 وما بعدها.
13 - See Husain Khalid: Hikayat Iskandar Zulkarnain, DBP, 1967.
14 - انظر، فاروق خورشيد: الرواية العربية، ص 124.
15 - المصدر نفسه، ص 128.
16 - See A. Samad Ahmad: Hikayat Amir Hamzah, DBP, 1987, p. 1.
17 - See Rosmera: Hikayat Saiful Lizan, Malaysia Publications Ltd., Singapura 1965, p. 1.
18 - انظر، سيرة سيف بن ذي يزن، المجلد الأول، ص 97.
19 - انظر، فاروق خورشيد: أضواء على السير الشعبية، ص 158.
20 - انظر، سيرة الملك سيف بن ذي يزن، ص 259 وما بعدها.
21 - المرجع نفسه، ص 366.
References:
1 - ‘Abd al-Ḥakīm, Shawqī: Al-turāth ash-sha‘bi, Al-Hay’a al-Miṣriyya al-‘Āmma li al-Kitāb, 1994.
2 - Aḥmad, A. Samad: Ḥikāyat Amīr Hamzah, DBP, 1987.
3 - An-Najjār, M. Rajab: Al-baṭal fī al-malāḥim ash-sha‘biyya, PhD Thesis, Cairo University.
4 - Fang, Liaw Yock: Sejarah Kesusasteraan Melayu Kelasik, Pustaka Nasional, Singapura 1975.
5 - Ibrāhīm, Nabīla: Ashkāl at-ta‘bīr fī al-adab ash-sha‘bī, Maktabat Gharīb, Cairo 1989.
6 - Khālid, Ḥusayn: Ḥikāyat Iskandar Zulkarnain, DBP, 1967.
7 - Khurshīd, Fārūq: Aḍwā’ ‘alā as-siyyar ash-sha‘biyya, Al-Maktaba al-Thaqāfiyya, N° 101, 1964.
8 - Khurshīd, Fārūq: Fī ar-riwāya al-‘arabiyya, Dār al-Shurūq, Cairo 1982.
9 - Khurshīd, Fārūq: Sayf bin dhī Yazin, Riwāyat al-Hilāl, N° 176, 1963.
10 - Rosmera: Ḥikāyat Saiful Lizan, Malaysia Publications Ltd., Singapura 1965.
11 - Shellabear, W.-G.: Sejarah Melayu, Fajar Bakti 1995.
12 - Winstedt, R. Olaf: Malay works known, by Wrendy, in 1736 A.D., N° 82, 1920.
الإحالة إلى المقال:

* د. روسني بن سامه: القصة البطولية بين الأدبين العربي والماليزي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث، مارس 2005. http://annales.univ-mosta.dz

***