الشعر الديني في معركة الصراع بين الحقيقة والوهم

امحمد ياقوته نور
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

لقد جاء الإسلام ليملأ نفوس العرب والبشرية جمعاء بالعقيدة الصحيحة القائمة على توحيد الله عز وجل بالعبادة، والإيمان بالبعث والحساب، وليمحو ما فيها من عقيدة فاسدة باهتة تشوبها الخرافات والأساطير، وليبدد أوهام عبدة الأوثان والذهب والجاه. فقد زلزل ظهور الإسلام سلطان سادة قريش الديني والاقتصادي المتوارث في شبه جزيرة العرب، وأفقد اليهود شعب الله المختار الأمل في أن يكون النبي منهم، وزعزع وجودهم السياسي والاقتصادي وسط العرب. كما تلاشت أماني شاعر ثقيف أمية بن أبي الصلت الذي ظن أن علمه بالأديان وتعبده سيكفلان له النبوة. وأقحم الشعر العربي في معركة الصراع من أجل البقاء، وانقسم على نفسه انقساما ذا صبغة قيمية دينية بين شعر مناصر للدعوة الإسلامية، وشعر معاد لها.

الكلمات الدالة:

الإسلام، الشعر العربي، الدعوة الإسلامية، التوحيد، الأدب الديني.

***
Religious poetry in the battle between truth and illusion

M'hamed Yaqouta Nour
University of Mostaganem, Algeria

Abstract:

Islam came to fill the souls of the Arabs and all humankind with the correct belief based on the unification of God Almighty with worship, belief in resurrection and reckoning, and to erase the corrupt and fading beliefs tainted by myths and legends, and to dispel the delusions of worshipers of idols, gold and prestige. The emergence of Islam shook the religious and economic heritage of the Quraish masters in the Arabian Peninsula, and the Jews lost the chosen people of God hope that the Prophet would be among them, and undermined their political and economic presence among the Arabs. The aspirations of the poet of "Thaqif" Umayya ibn Abi al Salt, who thought that his knowledge of religions and his worship would guarantee his prophethood, and he entered Arab poetry in the struggle for survival, and divided itself into a divide with a religious value character between poetry supporting the Islamic call and poetry hostile to it.

Keywords:

Islam, Arabic poetry, Islamic daâwa, monotheism, religious literature.

***

النص:

ورد في لسان العرب أن "الوهم من خطرات القلب، والجمع أوهام، وللقلب وهم. وتوهم الشيء: تخيله وتمثله، كان في الوجود أم لم يكن... والله عز وجل لا تدركه أوهام العباد"(1). ومن هذا المنطلق، فما يتوهمه الإنسان هو من اختراعه هو سواء أوافق الخبرة الموضوعية أم لم يوافقها. ولذا يرى سيجموند فرويد (Sigmund Freud) أننا "نسمي توهما كل اعتقاد تكون الغلبة في حوافزه ومعللاته لتحقيق رغبة من الرغبات، ونحن لا نقيم اعتبارا في ذلك لعلاقات ذلك الاعتقاد بالواقع، تماما كما أن التوهم عينه ينكص عن أن يجد في الواقع توكيدا له"(2).

وقد يتم إنتاج الوهم بالاستسلام للأهواء على مستوى الفرد أو الجماعة لتحقيق غاية من الغايات. ويمكننا تصور صياغة أعضاء الجماعة للوهم بتلقائية على الشكل الآتي: "نحن متضامنون معا، نحن نكون جماعة صالحة، زعيمنا أو موجهنا هو زعيم صالح أو موجه صالح"(3).

وعلى أساس الإيمان بالوهم، يكون التشبث به وتوقع تحقيقه في الواقع لدى الفرد أو الجماعة، ذلك "أن الترقب (التوقع) هو عنصر أساسي لكل أمل. لكن الإنسان يحيا في الأمل الوهمي، على اطمئنان ويقين بأن الحدث الذي يصبو إليه أصبح وشيك الوقوع بالفعل، فهو لا يحسب في ترقبه أي حساب للعوامل الواقعية التي يتطلبها تحقيق الترقب، بل يحيا على الإيمان بهذا التحقق. وعنصر الإيمان هو العامل الحاسم في تقرير موقفه وتعيين ما يترتب عليه من تضحيات وخوض صراعات، لكي يبلغ مرامه، ويصل إلى أهداف حنينه المنشودة. إن هذا الإيمان وما يرافقه من استعداد للتضحية والبذل، هو بالتالي عامل واقعي بارز في تكوين كل العلاقات الإنسانية"(4).

وقد تتلبس الأوهام بالإيمان الديني في شكل أوهام منظمة تقوم على "مجموعة من المعتقدات الزائفة لكنها متسقة داخليا"(5) كما عند اليهود، أو قد تتجسد هذه الأوهام في شكل وثن أو صنم (Idol) يعبد كإله(6)، يتوارثه الأبناء عن آبائهم الأقدمين وفق تقاليد مطردة وتسليم أعمى، كما كان حال قريش والعرب قبل الإسلام.

وقد ينغمس شخص ما في أجواء من التدين حتى لتوهمه نفسه أنه سيكون مبعوث العناية الإلهية لهداية الناس، كما كان أمل أمية بن أبي الصلت. وسأوضح تلك الأوهام التي استبدت بهؤلاء أفرادا وجماعات، ورافقتهم طويلا حتى جاء داعي الحق بالإسلام. وسنرى ما آلت إليه أوهامهم تلك في حلبات الصراع من أجل البقاء.

1 - أوهام الأفراد:

يعد شاعر ثقيف أمية بن أبي الصلت مثالا جيدا لمن يخلط التدين بأطماع النفس حتى ليوهمها بالنبوة، إذ كان "قد نظر في الكتب وقرأها، ولبس المسوح تعبدا، وكان ممن ذكر إبراهيم وإسماعيل والحنيفية، وحرم الخمر وشك في الأوثان، وكان محققا، والتمس الدين وطمع في النبوة، لأنه قرأ في الكتب أن نبيا يبعث من العرب، فكان يرجو أن يكونه"(7). ولما بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ونهض بالدعوة، حسده وكفر برسالته، وقال: "إنما كنت أرجو أن أكونه"(8)، فأنزل الله عز وجل فيه: "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين"(9)، ثم أخذ أمية يحرض قريشا بعد وقعة بدر، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رواية شعره في ذلك(10)، ولكن إذا أنشد شعره في التوحيد:

الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا
رب الحنيفة لم تنفد خزائنها مملوءة طبق الآفاق سلطانا
ألا نبي لنا منا فيخبرنا ما بعد غايتنا من رأس محيانا
بينا يربينا آباؤنا هلكوا وبينما نقتني الأولاد أفنانا
وقد علمنا لو أن العلم ينفعنا أن سوف يلحق أخرانا بأولانا

قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "إن كاد أمية ليسلم"(11).

غير أن داعية الطهر والتوحيد لم يسلم ومات كافرا عام (7هـ - 629م)، لأنه غلبته أوهامه في حصول النبوة له، إذ كان يحسبها مجدا وسلطانا لثقيف على العرب.

2 - أوهام الجماعات:

لقد توهم اليهود دوما أنهم ما زالوا شعب الله المختار، على الرغم من تكذيبهم الأنبياء والرسل وإيذائهم لهم، وكانوا يأملون أن يكون النبي الذي يقرأون عن مبعثه في كتبهم منهم، حتى يستعيدوا سيطرتهم على المدينة وعلى العرب في شبه الجزيرة، وكانوا ينتظرون هذا النبي ويتوقعون ظهوره، ويلقبونه بلقب "المسيح"(12)، وكانوا إذا لحقهم أذى من أهل المدينة قالوا لهم: "إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وأرم"(13).

وروي عن حسان بن ثابت أنه قال: "إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، إذا بيهودي بيثرب يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود؛ فلما اجتمعوا إليه قالوا: ويلك! ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يولد به في هذه الليلة. قال: ثم أدركه اليهودي ولم يؤمن به"(14). وكذلك لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم أغلب اليهود حسدا وحقدا واستسلاما لأوهامهم في إذلال الأمم الأخرى بسلطان النبوة ومجدها، بل تعاونوا مع قريش وبعض قبائل العرب على حربه واستئصال دعوته.

ومن أمثلة أوهام الجماعات ما كان من شأن قريش وهم ورثة دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وسدنة بيت الله الحرام لحجاجه من العرب، مع النبي القرشي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، حين دعاهم إلى توحيد الله تعالى بالعبادة وهم قوم مشركون قد ورثوا أصنامهم وأوثانهم عن آبائهم المبجلين عندهم. وقد روى ابن هشام أن أول من غير دين إسماعيل عليه السلام، ونصب الأوثان في الكعبة عمرو بن لحي الخزاعي، حين خرج إلى الشام، فرأى قوما من العماليق بالبلقاء يعبدون الأصنام، فلما سألهم عنها، قالوا: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فطلب إليهم أن يعطوه منها، فأعطوه صنما يقال له "هبل"، فقدم به مكة، فنصبه بالكعبة، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه(15).

ثم إن العرب - بعد ذلك - استسلموا لأوهامهم ومنافعهم، وملأوا بيت الله الحرام بالأصنام، واتخذوا في قبائلهم وبيوتهم أوثانا يعبدونها مع الله جل وعلا، قال تبارك وتعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"(16)، ولذلك لما بعث الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد، قالت قريش: "أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب"(17).

وكيف لا يعجبون، وقد ألفوا الحياة الوادعة الآمنة في ظل بيت الله الحرام، يمارسون حريتهم المطلقة في التجارة والتملك والسلوك، دون أن تحاسبهم آلهتهم المتعددة أو تعاقبهم. فلما جاءهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم بمجد الدنيا والخلود في الآخرة، لم ترتفع بهم أوهامهم إلى إدراك ما يعرض عليهم من حياة جديدة فاتت آباءهم الأقدمين، فحاربه سادة قريش حرب بقاء، ولم يألوا جهدا لاستئصال دعوته.

3 - بدء معركة الصراع من أجل البقاء:

وهكذا قضت سنة الله عز وعلا في الأرض بالتدافع والصراع حتى يظهر أمر الإسلام، قال تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز"(18).

إذن، بدأت معركة الصراع في مكة بين عبدة الأوهام والمؤمنين بالله تعالى. ولما كثر الأذى على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وطالت المعاناة، وفرغ الصبر، أذن الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة المنورة، حيث كان أهلها من الأوس والخزرج أنصاره الجدد في انتظاره، فبنى مسجده، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وبدأ المجتمع الجديد يتشكل أمام أعين اليهود الذين فقدوا الأمل في أن يكون النبي منهم، وتزعزع وجودهم السياسي والاقتصادي، فبدأوا يكيدون للإسلام، ويحرضون سادة مكة للقضاء عليه. وأخذت قريش تناوش الرسول صلى الله عليه وسلم في معقله الجديد، وتسلط عليه شعراءها ينهشون عرضه، حتى ضاق بهم ذرعا، فاستنجد بشعرائه ليقولوا لهم مثل ما يقولون لهم، فهذه حرب كلامية شعراء، ونار متقدة، تحرق الأنساب والأمجاد التي يغار عليها كل عربي، فلا تطفئها إلا نار مثلها أشد تأججا وضراوة.

وهكذا وقف حسان بن ثابت وإلى جانبه كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، وكلهم من الخزرج من الأنصار، ينافحون عن الدعوة الإسلامية، ويقارعون شعراء المشركين أمثال عبد الله بن الزبعرى وضرار بن الخطاب وأبي سفيان بن الحارث من شعراء قريش في مكة، وكعب بن الأشرف من شعراء اليهود في المدينة(19). وقد نزلت آيات من الذكر الحكيم لتميز بين هاتين الفئتين المتناقضتين من الشعراء، ولتشد من أزر الفئة المؤمنة، ولتحث الشاعر المؤمن على الدفاع عن الدين، وعلى تصوير الحياة الجديدة في ظل الفضيلة والحق والعدل بين الناس، قال الله عز وجل: "والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"(20). إن انتماء الشاعر إلى عقيدة الإسلام وعمله بتعاليمه في حياته اليومية، يدفعانه - في قرارة نفسه - إلى الالتزام بالذود عن الدعوة الإسلامية، وبخاصة إذا كانت في أحلك أوقاتها، يتآمر عليها أعداؤها من المشركين واليهود للقضاء عليها، ولا يدخرون وسيلة ما دامت تحقق غايتهم المنشودة.

4 - شعر غزوة بدر "سنة 2هـ":

وقد فرض على هذه الدعوة الجديدة السمحة أن تستعين بالشعر وبالسيف معا لتمكن لنفسها في شبه جزيرة العرب، وتحمي نفسها من فتنة أعدائها. وقادت المناوشات المستمرة بين الطرفين إلى أول لقاء حقيقي بين قوة الإيمان وقوة الكفر في بدر، وشاء الله عز وعلا أن يؤيد المؤمنين بنصره ليظهر الإسلام ويمحق الكفر. فكانت غزوة بدر أول جولة للمؤمنين على الكافرين، وكان لهذا النصر العظيم دلالاته الكثيرة: إذ عدل موازين القوى بين الطرفين، وجعل الله تعالى للمؤمنين شرعة في جهادهم لأعدائهم إلى يوم القيامة، ألا ينتصروا عليهم بعدد ولا عدة، ولكن بفضل اعتصامهم بحبل الله جل وعلا. كما كان هذا النصر قصاصا من قريش على أذاها للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه طيلة خمس عشرة سنة. وقضى العزيز الحكيم أن يكون الموت والحزن والألم في معسكر المشركين لأول مرة، وأن يبكي نساؤهم وشعراؤهم قتلاهم سادتهم قبل سوقتهم المدفونين كلهم في القليب في بدر.

وفي غمرة الحزن على المصاب الجلل، يستسلم ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري للعصبية الجاهلية والانحياز للنسب القرشي، فلا يرى بأسا من الاعتراف بالهزيمة إذا كانت على أيدي الأخيار من قريش محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أبي بكر وحمزة وعلي وعثمان وسعد بن أبي وقاص رضوان الله عليهم، وهذا ليسلب الأوس وبني النجار كل فضل في تحقيق هذا النصر، ويحرمهم من كل فخر بين العرب، ويتوعدهم بالثأر منهم وحدهم لقتلاهم، وإبكاء نسائهم عليهم في أقرب فرصة، فالحرب سجال، يقول(21):

عجبت لفخر الأوس والحين دائر عليهم غدا والدهر فيه بصائر
وفخر بني النجار إن كان معشر أصيبوا ببدر كلهم ثم صابر
وتردي بنا الجرد العناجيج وسطكم بني الأوس يشفي النفس ثائر
ووسط بني النجار سوف نكرها لها بالقنا والدارعين زوافر
فنترك صرعى تعصب الطير حولهم وليس لهم إلا الأماني ناصر
فإن تظفروا، في يم بدر، فإنما بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر

فأجابه كعب بن مالك الأنصاري ناقضا تعجبه الجاهلي من صروف الدهر بتعجب إيماني لقدرة الله تعالى على صرع الطغاة الذين حشدوا جموعهم يوم بدر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولكن المؤمنين توكلوا على ربهم متيقنين من ظهور الحق على الباطل، واستبسلوا في القتال حتى أطاحوا بأئمة الكفر أبي جهل عمرو بن هشام وعتبة وشيبة ابني ربيعة وعمير بن عثمان التميمي وأمية بن خلف وغيرهم، فصاروا وقودا لنار جهنم يصلونها خالدين فيها أبدا، لا يخفف عنهم العذاب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعاهم للإيمان والنجاة، فأبوا إلا الكفر والهلاك، متهمين إياه بالسحر؛ وما كان مستطيعا أن يهديهم وقد قدر الله جل شأنه لهم أن يظلوا على عماهم وضلالهم حتى يهلكوا به، يقول كعب(22):

عجبت لأمر الله والله قادر على ما أراد، ليس لله قاهر
قضى يوم بدر أن نلاقي معشرا بغوا وسبيل البغي بالناس جائر
وقد حشدوا واستنفروا من يليهم من الناس حتى جمعهم متكاثر
فلما لقيناهم وكل مجاهد لأصحابه مستبسل النفس صابر
شهدنا بأن الله لا رب غيره وأن رسول الله بالحق ظاهر
فكب أبو جهل صريعا لوجهه وعتبة قد غادرنه وهو عاثر

وتبدو هذه القصيدة متفيئة بظلال من سورة الأنفال، حيث تظهر روح الشاعر مشبعة بنور ربها، إذ يستعيض عن المقدمة الطللية الجاهلية بمقدمة إيمانية إسلامية تشيد بقدرة الله تعالى ومضاء قضائه متى أراد نصرة الحق على الباطل. وما الهدى إلا بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده، قال عز وجل مخاطبا رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم): "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين"(23):

فهذه الهداية حرمها رجل عالم بالأديان، وداعية إلى الطهر والتوحيد كشاعر ثقيف أمية بن أبي الصلت الذي ظن أن علمه وتعبده سيكفلان له النبوة، وما درى أن الله جل وعلا قد دبر في غيبه ألا يكون النبي العربي قارئا ولا شاعرا، لذلك منعته عزة المتبحر في معرفة الأديان أن يتبع نبيا أميا، وسقط به حسده ومقتل ابني خاله عتبة وشيبة إلى رثاء قتلى أعدائه في موقعه بدر، وتحريض قريش على قتاله، يقول(24):

ماذا ببدر فالعقنـ قل من مرازبة جحاجح
ألا بكيت على الكرام بني الكرام أولي الممادح
يبكين حرى مستكي نات يرحن مع الروائح
لله در بني علي أيم منهم وناكح
إن لم يغيروا غارة شعواء تجحر كل نابح
ويلاق قرن قرنه مشي المصافح للمصافح

وهذا كعب بن الأشرف سليل شعب الله المختار يحس الأرض تميد تحت أقدام قومه من يهود، حين تصل البشارة إلى المدينة بقتل سادة قريش، فيخرج إلى مكة بعد أن سمع أن الحارث بن هشام يجمع الجموع للانتقام، ويشرع يبكي أصحاب القليب ويشيد بفضلهم في الناس، ويحرض المشركين على مناجزة المسلمين بدافع الحسد للرسول صلى الله عليه وسلم وبدافع الحفاظ على البقاء، يقول(25):

طحنت رحى بدر لمهلك أهله ولمثل بدر تستهل وتدمع
قتلت سراة الناس حول حياضهم لا تبعدوا، إن الملوك تصرع
ويقول أقوام أسر بسخطهم إن ابن الأشرف ظل كعبا يجزع
نبئت أن الحارث بن هشامهم في الناس يبني الصالحات ويجمع
ليزور يثرب بالجموع وإنما يحمي على الحسب الكريم الأروع

ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة، فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتله، فقتل، ففزعت بنو النضير لقتل زعيمها، وبات كل يهودي بها يخشى على نفسه الغيلة.

5 - شعر غزوة أحد "سنة 3هـ":

ثم التقى المسلمون في سبعمائة مجاهد بالمشركين في ثلاثة آلاف مقاتل يوم أحد في السنة الثالثة للهجرة، وعلى الرغم من ذلك كانت الغلبة لهم، لولا أنهم طمعوا في جمع أسلاب أعدائهم، وتبعهم الرماة الذين وضعهم الرسول صلى الله عليه وسلم على الجبل، فانهزم جيش المسلمين شر هزيمة، وكسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم وشج حتى سال الدم على وجهه الكريم(26)، وقتل أسد الله حمزة رضي الله عنه على يد وحشي بأمر هند بنت عتبة، التي بقرت بطنه عن كبده، فلاكتها، ثم لفظتها(27)؛ فحزن عليه الرسول صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا، ونظمت عدة قصائد في رثائه.

ولذا كان يوم أحد ثأرا مروعا بما ارتوت فيها رماح المشركين من دماء المسلمين، يقول ابن الزبعرى مفتخرا بالنصر(28):

ألا ذرفت من مقلتيك دموع وقد بان من حبل الشباب قطوع
فذر ذا ولكن هل أتى أمالك أحاديث قومي والحديث يشيع
عشية سرنا في لهام يقودنا ضرور الأعادي للصديق نفوع
فغادرن قتلى الأوس عاصبة بهم ضباع وطير يعتفين وقوع
وجمع بني النجار في كل تلعة بأبدانهم من وقعهن نجيع

وهكذا كانت لغة الفخر عند شعراء قريش لغة جاهلية في مضامينها، تعتمد على إبراز القوة المادية بالعدد والعدة وشدة البطش بالأعداء، وإطعام الوحش من ضحاياهم، والرفق بالأصدقاء ودفع الأذى عنهم. كما صور هؤلاء الشعراء حربهم الضروس وكأنها حرب ضد الأوس وبني النجار لا ضد المسلمين جميعا، فهي أيام جديدة بين القريتين مكة ويثرب، تضاف إلى أيام العرب في الجاهلية. وكان على شعراء الدعوة الإسلامية التعويل على المضامين نفسها، والتذكير بالوقائع والأيام لإفحام خصومهم، مع مزجها بمضامين جديدة إسلامية تتمثل في تثبيت الله تعالى ونصره لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وفوز قتلاهم بالخلود في الجنة. يقول الشاعر المؤمن حسان بن ثابت ناقضا قصيدة ابن الزبعرى معنى بمعنى ومدافعا عن ثبات الأوس وبني النجار(29):

وفوا إذ كفرتم يا سخين بربكم ولا يستوي عبد عصى ومطيع
فإن تذكروا قتلى وحمزة فيهم قتيل ثوى لله وهو مطيع
فإن جنان الخلد منزله بها وأمر الذي يقضي الأمور سريع
وقتلاكم في النار أفضل رزقهم حميم معا في جوفها وضريع

هي ذي عقيدة المؤمن وأخلاقه عند الهزيمة، ثبات على الحق حين تزيغ الأبصار، وعزة يحار لها الكفار، سلاحه في ذلك قوله جل شأنه: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"(30).

6 - شعر غزوة الخندق "سنة 5هـ":

لكن المشركين وحلفاءهم - بعد نصرهم في أحد - طمعوا في المسلمين حتى إن بني النضير حاولوا الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أن نجاه وحي من السماء، فأجلاهم عن المدينة(31)، فازداد حقد اليهود عليه، وخوفهم على مقامهم في أرض العرب، فحزبوا الأحزاب من قريش وغطفان ضده، وحاصرت جموع المشركين في عشرة آلاف مقاتل المسلمين وراء الخندق الذي ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم على المدينة برأي من سلمان الفارسي، واشتد هذا الحصار عليهم وزلزلوا زلزالا عنيفا بعد نقض يهود بني قريظة عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، لولا أن فرج الله تعالى كربة المؤمنين، قال عز وعلا: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا"(32).

فلما اطمأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى رجوع الأحزاب إلى بلادهم، غزا بني قريظة، ورد حكمهم إلى سيد الأوس سعد بن معاذ، فحكم بقتل الرجال وتقسيم الأموال، وسبي الذراري والنساء، وهكذا كان حكم الله تعالى عليهم(33).

وكان من خيانة اليهود لله تعالى يوم الخندق أيضا ما شهد به ذلك النفر من اليهود لقريش حين جاؤوا مكة لدعوتها إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستئصاله، قال لهم سادتها: "يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق"(34).

لذلك، لا نعجب حين نجد الشاعر ضرار بن الخطاب يتخلى عن الهجاء الجاهلي بالوقائع والأيام، وتوعد الأوس وبني النجار من دون المهاجرين، ويستبدل به هجاء عقيديا ضد المسلمين جميعا هذه المرة، فينعتهم بالغواية والخطيئة والسفه، على الرغم مما يدعونه من الحلم والتقوى؛ فقد عد شعراء المشركين حصار جيوش الأحزاب للمسلمين شهرا كاملا وراء خندقهم نصرا مؤزرا يدل على قوة موقفهم وصواب عقيدتهم الوثنية. يقول ضرار(35):

أناس لا نرى فيهم رشيدا وقد قالوا ألسنا راشدينا
فأحجرناهم شهرا كريتا وكنا فوقهم كالقاهرينا
فلولا خندق كانوا لديه لدمرنا عليهم أجمعينا

7 - شرح فتح مكة "رمضان سنة 8هـ":

وفي ذي القعدة من سنة ست للهجرة، خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه سبعمائة من أصحابه معتمرا لا محاربا، فكرهت قريش منه ذلك، وأفضى التفاوض الطويل بينهما إلى عقد صلح الحديبية: على أن يؤمن الناس من الحرب عشر سنين، وأن يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك العام، ويعود في العام المقبل، فتخرج قريش من مكة، ويقيم بها ثلاثا هو وأصحابه(36)، وفيما كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه راجعين بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح، يبشره الله تعالى فيها بالفتح المبين: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا"(37).

وقد استغل الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الهدنة، وفتح حصون خيبر(38)، وبعد أشهر من ذلك حل شهر ذي القعدة من سنة سبع للهجرة، فخرج هو وأصحابه معتمرا عمرة القضاء أو عمرة القصاص. ثم حدث أن نقضت قريش عهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزحف على مكة في عشرة آلاف مجاهد في العاشر من رمضان سنة ثمان للهجرة، فدخلها فاتحا بدون قتال، فأمن أهلها، وحطم الأصنام التي كانت في الكعبة، ولقيه الشاعر أبو سفيان بن الحارث ابن عمه وأخوه من الرضاعة، فأسلم واعتذر إليه قائلا(39):

لعمرك إني يوم أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمد
لك المدلج الحيران أظلم ليله فهذا أواني حين أهدي وأهتدي
هداني هاد غير نفسي ونالني مع الله من طردت كل مطرد
أصد وأنأى جاهدا عن محمد وأدعى وإن لم أنتسب من محمد

وجاء الشاعر ضرار بن الخطاب وعبد الله بن الزبعرى مسلمين معتذرين، قال ابن الزبعرى نادما على ضلاله(40):

يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور
آمن اللحم والعظام لربي ثم قلبي الشهيد أنت النذير

ولما استتب الأمر في مكة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوات ثلاث أخيرة إلى حنين، فالطائف، ثم تبوك، وبعدها استقر في المدينة، فطفقت العرب تأتيه أفرادا وقبائل مسلمة خاضعة من كل أطراف شبه الجزيرة سنة تسع للهجرة، حتى سميت سنة الوفود.

ثم إن الرسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد به المرض أشهرا بعد حجة الوداع سنة عشر للهجرة، حتى توفاه الله عز وجل، فحزن المسلمون لفقده حزنا شديدا، وأحسوا بالضياع دونه، لولا أن ردهم إلى صوابهم صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بموقفه الحازم، حين ذكرهم بقوله تعالى: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين"(41)، ثم قال قولته الفاصلة: "أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت"(42).

وهكذا انتصر الإيمان بالله وحده لا شريك له على الإيمان بالوهم الإنساني، فتبددت أوهام عبدة الأوثان والطامعين في النبوة والجاه والسلطان عبر مراحل الصراع المختلفة. وأخذ صوت الشاعر المؤمن يعلو، وصوت الشاعر الكافر يخفت، بعد أن تشبعت روحه بمعاني الإسلام فمازجت شعره، ونقته من شوائب الجاهلية، وصار يتكلم بلسان وحدة العقيدة والرسالة لتلك الأمة الناشئة المكلفة بتبليغ كلمة الله تعالى إلى العالم أجمع.

الهوامش:
1 - ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت 1968، ج12، مادة (وهم)، ص 643.
2 - محمد سبيلا وعبد السلام بن عبد العالي: دفاتر فلسفية (الحقيقة)، دار توبقال للنشر، ط2، المغرب 1996، ص 45.
3 - المرجع نفسه، ص 47.
4 - المرجع نفسه، ص 86-87.
5 - عبد المنعم الحفني: موسوعة علم النفس، مكتبة مدبولي، ط4، القاهرة 1994، ص 872.
6 - المصدر نفسه، ص 381.
7 - أبو الفرج الأصبهاني: الأغاني، دار الكتب، مصر، ج4، ص 122.
8 - نفسه.
9 - سورة الأعراف، الآية 175.
10 - الأصبهاني: المصدر السابق، ص 122-123.
11 - المصدر نفسه، ص 129.
12 - ابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق محمد علي القطب ومحمد الدالي بلطه، المكتبة العصرية، بيروت 1998، ج1، ص 157.
13 - نفسه.
14 - الأصبهاني: المصدر السابق، ص 135.
15 - ابن هشام: المصدر السابق، ص 60-61.
16 - سورة يوسف، الآية 106.
17 - سورة ص، الآية 5.
18 - سورة الحج، الآية 39-40.
19 - محمد عزام: قضية الالتزام في الشعر العربي، دار طلاس، دمشق 1989، ص 138.
20 - سورة الشعراء، الآيات 224-227.
21 - ابن هشام: السيرة النبوية، ج3، ص 14.
22 - المصدر نفسه، ص 14-15.
23 - سورة القصص، الآية 56.
24 - ابن هشام: المصدر السابق، ص 28-30.
25 - المصدر نفسه، ص 47-48.
26 - المصدر نفسه، ص 73.
27 - المصدر نفسه، ص 83-84.
28 - المصدر نفسه، ص 131.
29 - حسان بن ثابت: الديوان، تحقيق البرقوقي، دار الأندلس، بيروت 1980، ص 314.
30 - سورة آل عمران، الآية 139.
31 - ينظر، ابن هشام: المصدر السابق، ص 172-174.
32 - سورة الأحزاب، الآية 9.
33 - ينظر، ابن هشام: المصدر السابق، ص 212-218.
34 - المصدر نفسه، ص 195.
35 - المصدر نفسه، ص 231.
36 - المصدر نفسه، ص 292.
37 - سورة الفتح، الآيات 1-3.
38 - ينظر، ابن هشام: المصدر السابق، ص 303 وما بعدها.
39 - ابن هشام: السيرة النبوية، ج4، ص 36.
40 - المصدر نفسه، ص 53.
41 - سورة آل عمران، الآية 144.
42 - ابن هشام: المصدر السابق، ص 271.
References:
* - The Holy Quran.
1 - Al-Ḥifnī, ‘Abd al-Mun‘im: Mawsu‘at ‘ilm an-nafs, Maktabat Madboulī, 4th ed., Cairo 1994.
2 - Al-Iṣfahānī, Abū al-Faraj: Al-aghānī, Dār al-Kutub, Cairo.
3 - Azzām, Muḥammad: Qaḍiyyat al-iltizām fī ash-shi‘r al-‘arabī, Dār Ṭalas, Damascus 1989.
4 - Ibn Hishām: As-sīra an-nabawiyya, edited by Muḥammad A. al-Quṭb and Muḥammad D. Balṭah, Al-Maktaba al-‘Aṣriyya, Beirut 1998.
5 - Ibn Manẓūr: Lisān al-‘Arab, Dār Ṣādir, Beirut 1968.
6 - Ibn Thābit, Ḥassān: Dīwān, edited by Al-Barqūqī, Dār al-Andalus, Beirut 1980.
7 - Sabila, Mohamed and Abdessalam ben Abdalali: Dafātir falsafiyya, Dār Toubkal, 2nd ed., Casablanca 1996.
الإحالة إلى المقال:

* امحمد يقوته نور: الشعر الديني في معركة الصراع بين الحقيقة والوهم، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثاني، سبتمبر 2004. http://annales.univ-mosta.dz

***