الصوفية من خطاب الفتنة إلى فتنة الخطاب

نصيرة صوالح
جامعة تلمسان، الجزائر

الملخص:

لا شك أن الخطاب الصوفي قد لاقى الكثير من الرفض من متلقيه القدامى ذلك أنه يحمل في طياته أفكارا ومعان تتقاطع جملة وتفصيلا مع أفق الانتظار الأيديولوجي الذي ألفه المتلقي آنذاك حيث اتهم الصوفي بالكفر والزندقة والمروق لأن خطابه العرفاني اعتمد الرمز والإشارة والتلميح لغة له، لا يفهمها إلا العارف بالتجربة الصوفية. وبناء لذلك سيكون موضوع المحاضرة يدور حول هذه الفكرة من أجل الإجابة عن بعض إشكاليات الخطاب الصوفي وكيف استطاع أن يفرض نفسه نمطا كتابيا قائما بذاته. وكيف انتمى رسميا إلى مؤسسة الإبداع الأدبية من بابها الواسع.

الكلمات الدالة:

الخطاب الصوفي، العرفان، الرمز، اللغة الصوفية، التجربة.

***
Sufism from discourse of discord to discord of discourse

Abstract:

There is no doubt that the Sufi discourse met with a lot of rejection from its old recipients, because it carries in its folds ideas and meanings that intersect altogether with the horizon of ideological waiting that the recipient at the time composed, as he accused the Sufi of blasphemy, heresy, and infidelity because his mystical discourse adopted the symbol, sign and allusion as his language, only the one who knows the mystical experience can understand it. Accordingly, the topic of the lecture will revolve around this idea in order to answer some of the problems of the Sufi discourse and how he was able to impose himself as a stand-alone writing style, and how he officially belonged to the Foundation for Literary Creativity, from its wide door.

Key words:

Sufi discourse, Sufism, symbol, Sufi language, experience.

***

النص:

كيف استطاع الخطاب الصوفي أن يفرض وجوده أدبيا؟ وكيف تمكن من تحقيق التواصل مع جمهور المتلقين بعد ما كان خطابا أيديولوجيا فرض عليه حضر القراءة مع العنف؟ كيف ارتقى هذا الخطاب من خطاب فتنوي إلى خطاب فاتن؟ وهل نجح في تغيير وجهة التلقي بتأسيس مساحة جديدة للترقب والانتظار؟

الحمد لله القائم بذاته، والدائم بصفاته، والحروف بعظيم آياته، والموصوف بكريم هباته، والعادل الحكيم في تصرفاته، عم جوده أهل أرضه وسماواته، واعترف بوجوده كل ناطق وصامت من مخلوقاته.

الخطاب الصوفي شكل من أشكال التعبير اللغوي عن تجارب عرفانية وجدانية، كما أنه ضرب من الكتابة الإبداعية له خصوصياته الفنية والجمالية التي تثبت له - بما لا يدع مجالا للشك - انتماءه الأدبي بغض النظر عن خلفياته الدينية وتوجهاته الإيديولوجية ومضامينه الفلسفية، فالشروط اللغوية والبلاغية والأسلوبية هي التي تضمن الوظيفة الأدبية للخطاب - أيا كان نوع الخطاب - وقد عانى الخطاب الصوفي من الإقصاء زمنا طويلا كان الموقف منه موقفا مصادراتيا إلغائيا، حيث اصطدم بجدار التلقي واستحال تحقق العملية التواصلية، والاتفاق بين أفق ألفه المتلقي وآخر في طور الإنجاز، ذلك أن الخطاب الصوفي "نشأ في مناخ ثقافي ينهض على الإيمان بأن هناك حقيقة واحدة، وحيدة، نهائية، وكل ما عداها باطل وهي إلى ذلك مجسدة في شريعة يستند إليها ويحرسها نظام سياسي وكل قول آخر إما أنه يتطابق معها وحينئذ يكون نافلا، وإما أنه يتناقض معها وحينئذ يجب رفضه ونبذه"(1).

ويعد الخطاب الصوفي من جانبه الظاهري خطابا مناقضا للحقيقة الشرعية، من وجهة نظر التلقي السلبي، لذلك نبذ هذا الخطاب وأقصي من دائرة الكتابة الأدبية لأنه خاطب الناس بغير ما ألفوه، فتعطل تمام العملية التواصلية لانبهام المرجع وخضع الخطاب الصوفي للقراءة الجامدة، لذلك عمد الصوفية إلى الاجتماعات السرية يقول محي الدين ابن عربي: "هذا الفن من الكشف والعلم يجب ستره عن أكثر الخلق لما فيه من العلو فغوره بعيد والتلف فيه قريب فإن من لا معرفة له بالحقائق ولا بامتداد الرقائق ويقف على هذا المشهد من لسان صاحبه المتحقق به وهو لم يذقه ربما قال أنا من أهوى ومن أهوى أنا لهذا نستره ونكتمه"(2).

ويقول السهروردي في هذا الشأن(3):

وارحمتا للعاشقين تكلفوا ستر المحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم وكذا دماء العاشقين تباح
وإذا هم كتموا تحدث عنهم عند الوشاة المدمع الساح
وبدت شواهد للسقام عليهم فيها لمشكل أمرهم إيضاح

وقد ذكر أن الجنيد البغدادي، إمام الصوفية الحقيقية، أنه لم يكن يبدأ درسه الصوفي، إلا إذا تأكد من إحكام إقفال الباب ومن خلو المجلس ممن يخشى منهم الأذى، ويعد المحاسبي "أول صوفي يرسي قواعد المعرفة الصوفية على أساس ثقافي يتمثل في حلقات درس سرية تعقد في غرف مقفلة لا يقبل فيها إلا من يوثق به"(4).

إن هذه الأجواء الاستسرارية المحيطة بهذا النوع من الخطابات قد فرضتها خصوصية المعاني المعبرة عنها، فكيف يمكن تجسيد معاني مجردة غيبية مجهولة هي من صميم الباطن الخفي في لغة محسوسة؟

لقد استعاذ الصوفية بالرمز من قصور اللغة الوضعية الاصطلاحية ذلك أن "اللغة الإنسانية هيئت للإدراك الحسي بالأساس أما ما يمكنها أن تحققه في مجال التعبير التجريدي فليس إلا جهدا مضنيا بذله العقل ليتخطى عالم الحسية، من هنا يظل انقهار الإنسان متى ما طمح إلى الكشف عن الكليات والمغيبات بلغة أرضية تعيينية ومن هنا أيضا تظل وسيلته لتجاوز بعض قصوره أن يصطنع الشعر وأن يركب موج الانزياح الخطير"(5) فلا يمكن التعبير عن عوالم غير عادية بلغة عادية ولا يمكن القبض على معان مائعة غائمة تجل عن التشكل في قوالب لغوية جاهزة لذلك عمل الصوفي على خرق البناء المعتاد وطمس بنية المعيار والقضاء على نوع القراءة التي تنسب إليه.

إن تجربة الكشف عند الصوفي تفترض لغة كشفية تتجاوز الشائع من التعابير وتضرب بلغة الفلاسفة والمناطقة عرض الحائط ذلك أن لغة الفلسفة هي نتاج العقل فيما لغة المتصوفة هي لغة القلب والحلم والماوراء، لغة كسرت النمط وخرقت المألوف وغاصت في الغرابة والغموض والحيرة والتناقض والتشويش لأنها عبرت عن عالم غريب وغامض ومحير ومتناقض ومشوش فبدت غاية في الإلغاز والإبهام تشير ولا تعبر، تلمح ولا تصرح، توهم ولا تري. "فالألفاظ في رحاب الله... أستار وحجب، والكلمة حائل، والعبارة عائق، والاصطلاح عقبة"(6).

إن البناء الرمزي للغة الصوفية قد شكل حاجزا بين القارئ وبين النص الصوفي فنتجت عن ذلك إشكالات عويصة باعتبار الرمز قد تسبب في كثير من التشوهات التي لحقت فهم القارئ للنص وبالتالي شوهت الرؤية الفكرية للتصوف ككل ومن هنا كان من الضروري التوسل بآليات فهم النص الصوفي كي لا نقع في المزالق، لأن "النص الصوفي ينطوي على توجه ضمني يفترض أن وضعية الإنتاج في صورته المنجزة تحقق وضعية تواصلية، وفي حقيقة الأمر أن التواصل ينعدم إلا في ظل تلك الإحالات التي تعري اللغة من طابعها الرمزي أولا ثم تجعل المعنى في سياقه العام ثانيا، يؤدي انكشاف هذه الأوضاع إلى معرفة القيمة الحقيقية لنص يندرج في إطار نصوص التخيل"(7).

إن خلل الفهم الواقع بين النص الصوفي والمتلقي قد أدخل هذا النص في مساحة الفتنة، وخلق أزمة في التواصل أقصت الخطاب الصوفي من الثقافة الرسمية ردها من الزمن للتعارض القائم بين أفق الانتظار الجديد الذي أنشأه الخطاب الصوفي وبين أفق المتلقي، فقد جنب هذا الأخير نفسه عناء هدم موجود قائم متكامل البناء وأبى أن يهيئ نفسه لإعادة تشييد ما لم يألفه بعد، كما رفض أن يقيم عالما من التوقعات والمفاجآت التي تتصالب مع ما رسخ في ذهنه قبل ظهور الخطاب الصوفي.

ورغم ذلك فقد استطاع الخطاب الصوفي أن يحقق نوعا من التواصل بينه وبين المتلقي هذا الذي اتسع أفقه لكل الاحتمالات وتهيئ وعيه لكل المفاجآت.

لقد شرع للخطاب الصوفي أن يتعايش سلميا مع كل أنواع الآفاق بعد أن أصبح قابلا للنفاذ إلى أي وعي، حيث لقي الاستجابة لكل النداءات التي كان محبولا بها وفرض هيمنته على القارئ كبقية النصوص الأخرى خاصة وأنه خاطب فيه موطن التأثير بلفة الجمال.

فعلى القارئ أن يعيد تشكيل ذلك المتصور الذهبي الذي جسده المؤلف في نصه أو على الأقل أن يعيش معه لحظة ولادة النص، فإذا كان المؤلف قد أوجد الخطاب وأضيره في شكل معين، فإن القارئ هو الذي يضمن حياة ذلك الخطاب الصوفي - بوصفه خطابا أدبيا - لم يقص دور الملتقي باعتباره جوهر العملية التوصيلة بل كان هو المنادى الأول عبر كل مراحل الكتابة الإبداعية بما فيها الصوفية.

لقد عني الصوفي أيما عناية "بالمتقبل لأن المهمة تتعدى التأثير الجمالي البحث إلى محاولة التأثير في البنية العقلية والفكرية، فالصوف يعد نفسه صاحب رسالة تقتضي دمج وعي القارئ بوعي النص"(8) ثم إن الميزات البلاغية والأسلوبية للخطاب الصوفي قد أضفت عليه جمالا طوع المتلقي وحرك ذائقه "فالمفردة التي كان نطاقها الدلالي يتحدد بلوني البياض والسواد باتت لها خاصية لها موشورية تمتص نورها من مشكاة الكون الرباني وترسله جدائل وهاجة قزحية"(9).

لقد كتب للخطاب الصوفي الانتساب الرسمي للأدب العربي وأصبح مادة بكرا تتجاذبها الدراسات والتأويل من كل جانب.

الهوامش:
1 - أدونيس: الصوفية والسريالية، دار الساقي، بيروت 1992، ص 187.
2 - محي الدين بن عربي: رسائل ابن عربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1316هـ، كتاب الفناء في المشاهدة، ج1، ص 3.
3 - كامل مصطفى الشيبي: صفحات مكثفة من تاريخ التصوف الإسلامي، دار المناهل، بيروت 1997، ص 152.
4 - المرجع نفسه، ص 115.
5 - سليمان عشراتي: الأمير عبد القادر الشاعر، مدخل إلى تحليل الخطاب الشعري في محطة الما بعد، دار الغرب، وهران 2002، ص 203.
6 - مصطفى محمود: الأعمال الكاملة، الروح والجسد، دار العودة، بيروت 1982، ص 8.
7 - ناظم عودة خضر: الأصول المعرفية لنظرية التلقي، دار الشروق، عمان، الأردن 1997، ص 153.
8 - محمد المبارك: استقبال النص عند العرب، المؤسسة العربية، بيروت 1999، ص 199.
9 - سليمان عشراتي: المصدر السابق، ص 49.
الإحالة إلى المقال:

* نصيرة صوالح: الصوفية من خطاب الفتنة إلى فتنة الخطاب، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثاني 2004. http://annales.univ-mosta.dz

***