الرؤيا الصوفية للعالم والحياة الإنسانية في "النبي" لجبران خليل

سعيد المكروم
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

تتناول مداخلتي هذه منهج جبران الصوفي في رؤية الخلاص من أزمته المزدوجة، أزمة ذاته أولا، وأزمة الإنسان في ظل الحضارة المادية المعاصرة ثانيا. على مستوى الذات يصل جبران إلى خلاصة الفردي عبر ممارسة تأثيريته الإبداعية في التوفيق بين فرديته بوصفه فنانا مبدعا وبين أناه الاجتماعية بوصفه كائنا اجتماعيا ينبغي عليه التواصل مع المجتمع. أما على مستوى المجتمعي، فإنه يطرح مشروعا روحيا أساسه المحبة الشاملة، وطائفة من الفضائل المسيحية الأخرى، لكنها تستند في النهاية إلى معتقدات شرقية غير مسيحية، كاعتقاده بالتقمص والتناسخ ووحدة الوجود. ومن هذه الوجهة يرى أن مسألة النقص الإنساني هي مسألة عرضية في الوجود، سرعان ما تزول مع تحقيق الإنسان لذاته الكبرى في اللانهاية الكونية، كما أن قبول الإنسان بالألم ضروري لتجاوز نقصه البشري ريثما يحقق كماله في الأدب.

الكلمات الدالة:

المحبة، المعتقدات الشرقية، وحدة الوجود، التصوف، المجتمع.

***
Sufi vision of the world and human life in the "Prophet" of Gibran Khalil

Abstract:

My intervention deals with Gibran's Sufi approach to seeing salvation from his double crisis, the crisis of himself first, and the crisis of man in light of contemporary material civilization secondly. At the level of the self, Gibran arrives to the essence of the individual through the exercise of his creative influence in reconciling his individuality as a creative artist with his social self as a social being who should communicate with society. On the societal level, he proposes a spiritual project based on universal love, and a host of other Christian virtues, but ultimately based on non-Christian Eastern beliefs, such as his belief in reincarnation, reincarnation and unity of existence. From this point of view, he believes that the issue of human imperfection is an accidental matter in existence, which will soon disappear with the realization of man’s greater self in the cosmic infinity, and that man’s acceptance of pain is necessary to overcome his human deficiency until he achieves his perfection in literature.

Key words:

love, oriental beliefs, pantheism, mysticism, society.

***

النص:

لا شك أن كتاب "النبي" الذي ألفه جبران باللغة الإنجليزية هو رائعته الخالدة إلا أن روعته هذه لا تكمن في أسلوب تعبيره بقدر ما تكمن في مضمونه الديني أي أن قيمته ليست فنية بقدر ما هي دينية. ويعزو ذلك خليل حاوي إلى "استرسال لا ضابط له يفسح المجال للوعظ وإبداء الملاحظات"(1).

وإذن فما يهما من كتاب النبي هو أسلوب رؤياه للإنسان والحياة والكون. ولقد أبدى فيه جبران نزعة توكيدية شديدة للحياة فتجاوز فرديته الضيقة إلى انفتاح واسع على الحياة الإنسانية. فقد صار الآن يمتلك "منتهى القوة على الضبط الذاتي"(2). وهي القدرة التي مكنته من الانتصار على نظرته التشاؤمية القاتمة التي كانت تعيقه من قبل عن فهم ذاته الجوهرية. وانتقل بذلك إلى رؤيا أكثر شمولا ونضجا وحيوية تجاه العالم. ويعتبر هذا الإنجاز الجبراني على صعيد معرفة الذات والعالم منتهى الجهد الروحي الطموح إلى الخلاص الشامل. وهو مجهود روحي ضخم أكسبه تلك القدرات الإدراكية العليا التي يمتلكها الصوفي، ذلك الإنسان الذي تجاوز مستويات المعرفة الدنيا من حسية وعقلية إلى مستوى روحي سام. وكان من نتائج ذلك كرزه بالمحبة الإنسانية الشاملة.

ولا يعني ذلك ضمور الإحساس الفردي عنده بل إن كفاحه من أجل الحياة كان يتطلب منه التوفيق بين نزعته الفردية وانتمائه الإنساني، وهو ما فرض عنده تأزما فكريا طوال مراحله السابقة جسدته رؤياه اللاانتمائية، لكنه بوصفه فنانا مبدعا استطاع تجاوز هذا المأزق الفكري (الاغتراب) بفضل صوفيته الرؤيوية التي غدت عنده دافعا روحيا فعالا على السمو والارتقاء. وتساعدنا نظرية (أوتو رانك) في "القوة من أجل النمو" على فهم النحو الجبراني في الخلاص إذ يعتبر "أن الصراع الأساسي في الإنسان هو بين الرغبة في الوحدة الاجتماعية والحاجة لأن يصبح مستقلا أو منفردا. فالشخص الأكثر نجاحا في تجميع هاتين النزعتين المتعارضتين معا هو (الفنان) لأنه من المفروض أن يشارك في العمل المبدع الذي يكون فيه واحدا مع الناس الآخرين ويظل في نفس الوقت فردا مستقلا متميزا"(3).

لكن إذا كان هذا النوع من التوافق يحدث تلقائيا عند كل فنان مبدع بغض النظر عن موقفه الفلسفي من المجتمع، فإنه عند جبران مرتبط فضلا عن ذلك بقابليته على قول "نعم" للحياة الإنسانية. وهو يعترف في رسالته إلى "ميّ" بأن كتاب النبي ما كان ليعرف النور لو بقي هو سجين ذاته الفردية، سجين مشاعره السلبية تجاه الواقع الإنساني، وإنما "النبي" هو حصيلة نظرة جديدة إلى الحياة الإنسانية، قوامها الحب والرغبة في الاتصال بالآخرين من أجل الخير العام إذ يقول: "إنما النبي يا ميّ أول حرف من كلمة... توهمت في الماضي أن هذه الكلمة لي وفيّ ومني، لذلك لم استطع تهجئة أول حرف من حروفها، وكان عدم استطاعتي سبب مرضي بل وكان سبب ألم وحرقة في روحي. وبعد ذلك شاء الله وفتح عيني فرأيت النور ثم شاء الله وفتح أذني فسمعت الناس يلفظون هذا الحرف الأول، شاء الله وفتح شفتي فرددت لفظ الحرف: رددته مبتهجا فرحا لأنني عرفت للمرة الأولى أن الناس هم كل شيء وأنني بذاتي المنفصلة لست شيئا"(4). ذلك أن النبوة في بعدها الرسالي لا معنى لها بدون قبول الآخر والاتصال به بوصفه طرفا وموضوعا للخطاب، فمن يسمعه من أهل الأرض يا ترى لو صرخ في السماء؟! لذلك لم يستطع من قبل أن يترنم بأول حرف من النبي وهو متعلق بالماوراء أو ساكن في ظل وادي الحياة إذ ينطوي هذا الاتجاه على رفض للبشر.

أما وقد طور قدراته الإدراكية فقد أصبح قادرا على محبة الإنسان. هذا الإنسان الذي يغدو محورا لتعاليم النبي. وعلى هذا النحو فـ"الجبرانية هي جوهريا نبوة إنسانية. وجبران، بهذا المعنى، يطرح نفسه كنبي للحياة الإنسانية بوجهيها الطبيعي والغيبي، لكن دون تبليغ رسالة إلهية معينة. والفرق بين النبوة الإلهية والنبوة الجبرانية هي أن النبي في الأولى ينفذ إرادة الله المسبقة، الموحاة، ويعلم الناس ما أوحي له ويقنعهم به. أما جبران، فيحاول على العكس أن يفرض رؤياه الخاصة على الأحداث والأشياء أي وحيه الخاص"(5). فالنبي كان مخاضا صامتا في النفس الجبرانية قبل أن تلفظه شفتاه. كانت توحيه إليه نفسه، المكتنفة بأسرار الظواهر، فهذه النفس قد بلغت عظمتها حين أدركت توحدها بالكون فغدت تسمع في قاعها ما أوحاه إليها الضمير الكلي السرمدي (الله)، لكن الله عنده ليس إلا ذاته الكبرى الساكنة في الأبدية، التي ينطوي عليها وجوده الأصيل الجوهري، وليس ذاتا منفصلة عن ذاته. ومن هذه الوجهة، فالبشر بالنسبة إلى جبران ليسوا إلا صورته الأخرى التي لم تدرك بعد جوهرها الإلهي. ولذا فمهمته الرسالية هي حملهم على إدراك حقيقتهم المتعالية تلك. وهذا هو جوهر دعوة النبي.

وليس غريبا أن يولد "النبي" في قلب الحضارة الغربية، ذلك أن هذه الحضارة بماديتها الحيوانية هي التي حرضت ولادته. فالشوق العظيم إلى الله لا ينمو إلا في الصحراء حيث تاهت آمنة العلوية ووجدت المدينة المباركة المحجوبة، أو في الغاب حيث انصرفت إلى العبادة. أما المدينة الغريبة، فهي بما تعنيه وترمز غليه، حجاب على البصيرة يحول دون انطلاق الشوق في النفس إلى اللانهائي. وإذن فدور النبي هو أن يكشف هذا الحجاب الأسود الكثيف الذي يرين على الروح البشرية، حتى تشف وتصفو، ويسكنها الشوق، فتستعد للإبحار. لذلك لا يسره أن يغادر أهل مدينة أورفليس لمعانقة بحره الأعظم، قبل أن يقول لهم كلمته المجنحة. ولذلك يستأذن أبناء البحر القادمين إليه في موكب عظيم احتفاء بعودته المباركة إلى الرحم الأولى التي انفصل عنها إذ يقول: "إنني على أتم الأهبة للإبحار، وفي أعماقي شوق عظيم يترقب هبوب الريح على القلوع بفارغ الصبر. ولكنني أود أن أتنفس مرة واحدة في هذا الجو الهادئ وأن ابعث بنظرة عطف إلى الوراء"(6). وليست نظرة العطف هذه التي يريد أن يلقيها إلا كلمته المجنحة تلك. وليس الوراء إلا الحياة الإنسانية التي تبرقع بها دهرا. وليس أهل أورفليس إلا المجتمع البديل الذي سيرث رسالته المقدسة. أما البحر التي تترجح أصداء ندائه المبهمة في نفس النبي، فليس إلا ذاته الكبرى التي يحن إلى الالتحام بها، لأنها الرحم الأولى التي انفصل عنها أول مرة. وبذلك فالبحر قد يغدو أيضا رمزا "إلى بداءة الحياة، عهد كان البحر أمّ الحياة الأرضية كلها"(7). ولذلك فمشروع النبي هو العودة بالإنسان إلى لحظة ولادته الأولى، إلى عهد الفطرة والبراءة حيث كان يعيش حالة "العري" من كل ما يمت إلى نظام المدينة بصلة.

وجبران لا يخفي رفضه للإنسان "الصناعي"، وحنينه إلى الإنسان "الطبيعي" إذ يتمنى زوال الحضارة التي فصلت الإنسان عن نبعه الروحي الأول: الطبيعة، لكنها تبقى مجرد أمنية لم تحن ساعتها بعد إذ يقول نبيه المسمى "المصطفى" لأهل أورفليس: "أواه لو أتستطيع أن أجمع بيوتكم بيدي فأبددها في الإحراج والرياض كما يبذر الزارع زرعه في الحقول. أود لو كانت الأودية شوارع لكم، ومسالك التلال الخضراء أزقة تطرقها أقدامكم عوضا عن أزقتكم وشوارعكم القذرة... ولكنها هذه جميعها تمنيات لم تحن ساعتها بعد"(8). لكنه مع ذلك، يدعو أهل المدينة إلى تمثل نموذج الطبيعة في تصورهم للحياة، إذا كان لابد أن يعيشوا بين أسوار المدينة قائلا: "اِبن من خيالك مظلة في الصحراء قبل أن تبني بيتا في داخل أسوار المدينة"(9).

وإذا كان خليل حاوي قد لاحظ بأن جبران "يذم... حياة الحضارة في "النبي"، بينما يغدق بركاته على الحياة عامة"(10). وأرجع ذلك إلى افتقار جبران إلى المسؤولية الثقافية والاجتماعية الصحيحة، مما جعل النبي عملا مترديا ينقصه النضوج(11)، معتمدا على أقوال نقلتها سكرتيرة جيران "بربارة يونغ"(12)، وعلى معاينة للواقع الاغترابي الذي عاشه بعض المعجبين بأفكاره(13)، فإننا نرى عكس ذلك، فمن حق الفنان أن يحلم شعريا بواقع مثالي، عقلي، مجهول على أنقاض واقع موضوعي معلوم، ذلك أن الحقيقة الشعرية هي حقيقة رمزية لا حرفية. وعلى هذا النحو يحب فهم خطاب النبي، فكثير من مقاطعه شعري. وإذ يتمنى جبران زوال الحضارة لتقوم مقامها حياة بدائية، فإنما يبتغي بذلك ما تنطوي عليه هذه الحياة من معان روحية، لا الارتداد إلى عهد الطفولة الإنسانية. وهو الغرض نفسه الذي من أجله أشاد "جان جاك روسو" بحياة المتوحش البدائي، ومن أجله حلم "ماركس" بقيام مجتمع شيوعي طوباوي في نهاية التاريخ.

وما يدفعنا إلى ترجيح وجهة النظر هذه من الغرض الجبراني هو دعوته إلى عدم الفصل بين الحياة والدين. فالدين في نظره ليس رهين الطقوس والدعوات، بل إنه يشمل جميع مجالات الحياة إذ هو معاملة أخلاقية وحضارية. ففي الفصل الخاص بالدين يقول جبران على لسان النبي: "إن حياتكم اليومية هي هيكلكم وهي ديانتكم. فخذوا معكم كل ما لكم عندما تدخلون هيكلها. خذوا السكة والكور والطنبور، وكل ما لديكم من الآلات التي صنعتموها رغبة في قضاء حاجاتكم أو سعيا وراء مسراتكم ولذاتكم"(14). فلو كان جبران مبطلا لمنجزات الحضارة، لما طلب من البشر أن يستخدموا آلاتهم المخترعة لأنه يفهم أنها ضرورية للتخفيف من أعباء الكفاح في الحياة.

وعلى هذا النحو، يجب فهم دعوة النبي على أنها دعوة إلى إقامة حضارة على أساس روحي، حضارة يصبح فيها الإنسان عظيما "كالسنديانة الجبارة المغطاة ببراعم التفاح الجميلة، فقدرته تقيدكم بالأرض، وشذاه يرفعكم إلى أعالي الفضاء، وفي عزمه وصيره على عواصف الطبيعة أنتم خالدون"(15). هكذا يقول النبي لأهل أورفليس مشيدا بالإنسان البالغ العظمة، الكامن في ذواتهم. وهو ما يعني تأليه الإنسان، ذلك أن ألوهيته كامنة فيه بالقوة، وهو يدركها في الأبد، لكن دون اجتثاث جذوره من الأرض التي أنبتته لأنه عظيم بجسده وروحه معا، فالجوهر والعرض كلاهما واحد في نظر جبران. وإذ يكتشف هذه الحقيقة التي ينطوي عليها الوجود البشري كله، فإنه يبدي محبته الكلية للبشر، واعتزازه بالانتماء إليهم قائلا: "وأنتم لا تعرفون العظمة إلا بهذا الإنسان العظيم الذي فيكم، وعندما رأيته رأيت حقيقتكم وأحببتكم"(16) فلولاهم لما تملكه الحب الشديد للحياة إذ يقول على لسان النبي: "فقد أعطيتموني تعطشي الشديد للحياة"(17). وهي العطية التي جعلته يتحرق شوقا إلى الينبوع الذي انبثقت منه جميع المخلوقات، ألا وهو الروح الكلي الخالد، ضمير كل شيء. وهو ما يترجمه قول النبي: "إنه ما من عطية في هذا العالم أجزل فائدة للإنسان من العطية التي تحول كل ما في كيانه من الميول والرغبات إلى شفتين محترقتين عطشا وتجعل حياته جميعها ينبوعا حيا باقيا"(18). ذلك أن غاية هذا العطش أو الشوق هو بلوغ الوحدة الشاملة، ومنها التوحد بالإنسان في كل زمان ومكان، حيث يبلغ الفرد الجبراني ذروة ارتقائه، ومعه ترتقي الحياة الإنسانية وتحقق كمالها النهائي. و"النبي" هو درجة في هذا الارتقاء التي جعلت أهل أورفليس يغدون له أنصارا وأتباعا، ينشدون مثاله الأخلاقي.

وقد نتساءل كيف يتم هذا الارتقاء الروحي للإنسان في الأبد، وهو بطبعه ناقص، يجترح الشرور والآثام؟ فـ"من الواجب أن ينظر إليه بصفته مقيدا وممنوعا من تحقيق الكمال بسبب آثام البشر الناقصين جميعا"(19). والجواب "أن الخلاص لا يمكن إلا أن يكون كونيا لا فرديا. وعلى هذا يجب أن تكون عجلة التقمص هي نهاية الجميع، حتى الذين بلغوا حالة الكمال الروحي، فهؤلاء أيضا لا يخلصون ما لم يخلص جميع البشر ويبلغوا تلك الحالة بالفعل لا بالقوة"(20). وهنا تطرح بالفعل مسألة الحرية في التصور الجبراني لها، في سياق المرحلة الجديدة التي أصبح "النبي" رمزا لها. فإذا لم يكن للإرادة الفردية أثر في تغيير الوضع الشخصي والإنساني عبر كفاح الإرادة تلك، لتحقيق الخلاص الشامل، فإن الأمر إذن هو موكول إلى الإرادة الكونية، إرادة الروح الكلي. ومعنى هذا قبول جبران أخرا بالعذاب الإنساني إلى حين تبدده نهائيا مع بلوغ الإنسان حالة كماله المطلق باتحاد الإراديتين: إرادة الذات الصغرى (الذات الفردية) مع إرادة الذات الكبرى (الإرادة الإلهية). ولن يتحقق هذا إلا عبر دوامة التناسخ الأبدية. وما دام الأمر كذلك، فما على الإنسان إلا أن يحمل صليبه على كاهله مستمرئا عذابه إلى حين تجلى الروح الكلي (الله) على العالم، دون أن تعني حالة الانتظار هذه ارتقاب عودة المسيح الجبار أو قيام ملكوت السماء، ذلك أن العقيدة الجبرانية في وحدة الوجود تتنافر مطلقا مع عقيدة البعث المسيحية.

وعلى هذا النحو، فالحرية بالمعنى الجبراني - كما يخاطب النبي البشر - هي "أن تنطق هموم الحياة وأعمالها أحقاءكم بمنطقة الجهاد والعمل، وتثقل كاهلكم بالمصاعب والمصائب، ولكنكم تنهضون من تحت أثقالها عراة طليقين"(21). فلا معنى للحرية بدون مكابدة الآلام والاستسلام لمشيئة الروح الكلي وحكمته. فالتحرر من نواقص الحياة وأعبائها مرهون بقبول المعاناة المؤقتة لأنها هي في حد ذاتها شكل من التمرد الصامت على عجز الذات البالية العتيقة، ذلك أن ما يقيد مصير الإنسان ليس أشكال العبودية الموجودة خارجه، وإنما هي الأهواء النازفة في داخله. ولن يتحرر منها إلا بتجديد حالة الميلاد الذاتية عبر التناسخ والتقمص، فيتسامى عن تلك الأهواء بارتقاء معرفته الروحية وتصاعد شوقه إلى الوحدة الشاملة، حتى ينحسر الظل ويسود النور العالم كله. وهو ما يفوه به النبي قائلا: "وماذا يجدر بكم طرحه عنكم لكي تصيروا أحرارا سوى كسر صغيرة رثة في ذاتكم البالية؟"(22). وليست هذه الكسر الصغيرة الرثة إلا تلك "الرغبات تتحرك فيكم كالأنوار والظلال، فإذا اضمحل الظل ولم يبق له من أثر أمسى النور المتلألئ ظلا لنور آخر سواه. وهكذا الحال في حريتكم، إذا حلت قيودها أمست هي نفسها قيدا لحرية أعظم منها"(23).

إذن فالغاية من الوجود الإنساني ليست التحرر من النقص الأخلاقي في الإنسان، فهو يولد ناقصا، لكنه يتوق فطريا إلى الامتلاء من النبع الكوني وهو ما سيتحقق له في الأبد عبر الولادة المتجددة. ولكن لا يجب النظر إلى النقص الإنساني باعتباره شرا، إذ من شأن ذلك أن يجزئ كيان الإنسان، الشبيه بالسنديانة الجبارة، فلا يصلح وصفه مرة بالشر ومرة أخرى بالخير، ذلك أن "الثمرة لا تستطيع أن تقول للجذر: كن مثلي ناضجا جميلا جوادا، يبذل كل ما فيه لأجل غيره لأن العطاء حاجة من حاجات الثمرة لا تعيش بدونها، كما أن الأخذ حاجة من حاجات الجذر لا يحيا بغيرها"(24).

فالإنسان هو، في التحليل النهائي، ذات كلية شاملة، مسكونة منذ البدء بالعظمة. أمّا أن أمر إدراكها (العظمة) متفاوت بين الأفراد فهو صحيح، لكنه غير ممنوع إذ تحقيقها هو منال متأت للجميع بسبب الحنين المتأصل في الإنسان إلى ذاته الجبارة. يقول النبي: "أجل، إن الخير الذي فيك إنما هو في حنينك إلى ذاتك الجبارة. وهذا الحنين فيكم جميعكم. غير أنه يشبه في البعض منكم سيلا جارفا يجري بقوة منحدرا إلى البحر، فيحمل معه أسرار التلال والأودية وأناشيد الأحراج والجنان. وهو في غيرهم أشبه بجدول صغير يسير في منبسط من الأرض، يريق ماءه في الزوايا والمنعرجات، ولذلك يطول به الزمان قبل أن يصل إلى الشاطئ"(25). وهكذا، تنتفي ثنائية الخير والشر، ويتوحد كلاهما في ذهن جبران متجاوزا بذلك الحكم الأخلاقي التصنيفي لأشكال الوجود عند الفلاسفة المثاليين، ومفكري اللاهوت المسيحي. وهي نزعة جبرانية تتجه نحو تبرئة ساحة الإنسان من الخطيئة التي ألصقتها به المسيحية. فالحنين إلى التوحد بالله ليس مدفوعا بالشعور بالذنب بل مدفوع بالشوق الخالص الكامن في الذات.

وهكذا يتخذ الفكر الجبراني مسارا آخر مغايرا للوجودية الغربية المؤمنة عند كير كجورد، التي تجعل انتقال الفرد من المدرج الحسي إلى الأخلاقي وصولا إلى المدرج الديني انتقالا حرا مشحونا بالانفعال والوعي(26). ذلك أن جبران يعتبر حركة الوجود الإنساني موجهة بالقدر الكوني الذي ينتقل به من حالة إلى أخرى نحو كماله، دونما تدخل للفعل الفردي الخاص، فمآل الصيرورة الكونية هو حتمي نحو ولادة الإنسان الكامل، المزدهي بألوهيته. وتفسير هذا التحول في المعتقد الجبراني من الأسلوب الوجودي الذي ميز مراحله السابقة نحو الاتجاه الصوفي الجبري الخالص هو خروجه من أزمته اللاانتمائية نحو الخلاص النهائي في الانتماء إلى ذاته، إلى الإنسان الكوني الكامن في كل الذوات الإنسانية، فلقد منحه الإيمان بوحدة الوجود شعورا بوحدة الذات وتلاحمها.

أما المركز الروحي الذي صار يستقطب اهتماماتها وميولها ونزعاتها فهو الكينونة الإلهية التي تنطوي عليها. فلم يعد الله وجودا أعلى مفارقا لوجود أدنى بل غدا ضميرا حيا خالدا، مستوطنا الذات. وبالتالي تغدو النفس الإنسانية المتأهلة مصدر القيم جميعا أي أنها هي خالقة الشريعة والنظام. وما دامت هذه النفس الإنسانية متمخضة عن الروح الكلي الشامل الذي يسود الكون، فكل ما يصدر عنها هو متطابق مع الحقيقة. وليست هذه الحقيقة متعالية عن الإنسان بل إنها موجودة في حنينه إلى ذاته الجبارة. وحالما يتحقق له هذا الوجود الأسمى تفيض تلك الحقيقة عن ذاته صورة للوجود الحق الشامل، فيتوحد العالم في النظام العدل المطلق.

غير أن تجلي هذا النظام الشامل هو رهن الولادة المتجددة للذات الصغرى الحالمة بالاتساع. ولذلك يعتقد جبران بالعودة المتجسدة إلى هذا العالم حتى يسهم في تحقيق ذلك المشروع الكوني بإضافة لبنة إلى بنائه الشامخ حتى ينتقل تجسيده من طور الوجود بالقوة إلى طور الوجود بالفعل. وهو ما يعبر عنه النبي قائلا: "قليلا ولا ترونني، وقليلا ترونني، لأن امرأة أخرى ستلدني. أودعكم وأودع الشباب الذي قضيت بينكم، فإننا في الأمس قد اجتمعنا في حلم قد أنشدتم لي في وحدتي، وبنيت لكم من أشواقكم برجا في السماء... فإذا جمعنا شفق الذكرى مرة أخرى فإننا حينئذ نتكلم معا، وحينئذ تنشدون لي أنشودة أوقع في النفس من أنشودة اليوم. وإن اجتمعت أيدينا في حلم ثان فهنالك سنبني برجا آخر في السماء"(27). وهكذا بالعودة المتتالية، يضيف الإنسان درجا آخر إلى سلم ارتقائه حتى يتوحد الحلم بالواقع.

وفي سبيل تحقيق هذا المشروع الجبراني الحضاري، فإن المحبة يجب أن تكون شريعة الإنسان في كل زمان ومكان بأن تفيض ينابيعها فتروي شجرة الإنسان الجبارة. فدوام نموها يحتاج إلى ماء المحبة إذ بدونه لا أمل في خلودها، ومادام وجودها ضروريا واجبا، فحق أن ينقاد لندائها كل قلب بشري لأن حقيقة الكون قائمة بها، فـ "إذا أحببت فلا تقل: إن الله في قلبي، بل قل بالأحرى: أنا في قلب الله"(28). وهكذا تتصدر المحبة بمفهومها الإنساني الشامل نظام الفضائل جميعا عند جبران، فقد "أحس أن الذات لا يمكن أن تتخطى نفسها لتبلغ الذات العظمى مادام فيها كره واحتقار وسخرية ونقمة. فتخطي الذات يشترط محبة تشمل الإنسانية جمعاء والوجود بكامله، مادامت الذات العظمى تجسد الوحدة والحقيقة المطلقة"(29) - كما تقول نازك سابا يارد في مقدمتها لكتاب السابق - وبهذا المعنى، فالمحبة الجبرانية وإن كانت تشكل بعدا مسيحيا في مشروعه، إلا أن الذي اقتضاها فلسفيا عنده هو إيمانه بوحدة الإنسان والوجود معا، ذلك أن صورة الله في ذهنه لا تتطابق لا مع المعتقد المسيحي ولا المعتقدات السماوية الأخرى غير أنه كما تفترض المحبة المسيحية القبول بالقدر المأساوي للإنسان فوق الأرض، فكذلك المحبة الجبرانية. وفي حين تجعل الأولى نهاية العذاب الإنساني مرتبطا بنهاية التاريخ وقيام ملكوت الأبدية، فإن الثانية تربط نهايته باتساع الذات وبلوغ الإنسان حالة كماله في التاريخ أي على هذه الأرض وفي هذا العالم. وحسبُ المحبة أن تسود العالم فتتحقق معها جميع الفضائل الأخرى، ذلك أن هذه تبع لتلك. وهو السبب الذي جعله يقدم الحديث عنها (المحبة) في أول كتاب النبي. أما أخرى الفضائل التي أشاد بها في مشروعه فهي: العطاء، التضحية، التسامح، العمل، الحرية، الجمال. وبها جميعا يقوم صرح الحضارة الشامخ في ظل من توازن العقل والهوى في النفس الإنسانية.

ويعد هذا التوازن ضروريا لعودة السلام والوحدة إلى النفس وهو يقر برغبته هذه قائلا على لسان النبي: "وإنني أود أن أكون صانع سلام في نفوسكم فأحول ما فيكم من تنافر وخصام إلى وحدة وسلام"(30)، إذ لا يمكن تجسيد مشروع المحبة إذا ظل الاختلاف قائما بين قطبي النفس: العقل والهوى. فالغاية من التوفيق بينهما هي الحفاظ على الجوهر الروحي للطبيعة الإنسانية فلا تجنح نحو قطب دون الآخر لأن في ذلك تأثيرا سلبيا على مسار الحضارة. وإذ يعترف جبران بأن "العقل والنفس هما سكان النفس وشراعها وهي سائرة في بحر العالم"(31)، فإن هذا التحديد لهوية الذات الإنسانية يعني أنه لا ينكر إنجازات العقل ما لم تتعارض مع نظام فضائله سواء أكانت هذه الإنجازات معنوية روحية أم تقنية مادية، كما يعني ذلك إقراره بحق إشباع حاجات النفس وأهوائها ما لم تؤد هي أيضا إلى الإخلال بتلك الفضائل.

فالتوازن بين عناصر النفس ضروري "لأن العقل إذا استقل بالسلطان على الجسد قيد أهواءه. ولكن الأهواء إذا لم يرافقها العقل كانت لهيبا يتأجج ليفني نفسه"(32)، كما يقول النبي. وإذا شئنا توضيحا نقول إن جبران يريد ألا يفصل التقدم الحضاري الإنسان عن فطرته التي جبل عليها أول ما انفصل عن روحه الكلي الذي تتخايل ظلاله في الطبيعة، "لكن هذه الفطرة ليست الانسياق الأعمى وراء الهوى الغريزي بل إنها الفطرة الخلاقة التي تهدم مدينة زائفة لتولد حضورا إنسانيا، مثالي الكيان والقدرة"(33)، ذلك أن المدنية الغربية التي عاش في ظلها لم تكن تقيم ذلك التوازن الحكيم، فأطلقت العنان للعقل والهوى معا، فغدت مادية حيوانية، لا يزعها ضابط من روح الإنسان. وبما أن جبران يؤمن بالطبيعة الروحية للوجود الإنساني والكوني - كما عبرت عنه من قبل آمنة العلوية - فهو يهدف إلى تصحيح مسار الحضارة بأن تجعل البعد الروحي أساسا لها، "فلا يعود العقل مقيدا بحيثيات الواقع الرتيب أو أسيرا للحاضر، كما لا يعود الهوى جارفا للحياة نحو اللامعنى. إنه العقل المتحرك أبدا أمام الفطرة الهاجمة عليه من العالم البراني بكثافته المادية وفواصله وحواجزه"(34).

ولعل هذه النظرة الجبرانية المؤلفة لقوى النفس هي نتيجة للإدراك الحيوي الصوفي للعالم، الذي صار يتمتع به. وهو الإدراك القائم على الجمع بين القوى العقلية التي يمتلكها العالم، والقابلية السلبية التي يمتلكها الشاعر، وبعبارة أخرى، تريد الرؤية الجبرانية التأليف بين العلمي والشعري في الإنسان. وهي صورة الإنسان الكامل، الكوني في مشروعه النبوئي الحالم. وقد ساءه أن يكون اتجاه الحضارة الحديثة قائما على انحسار مجد الروح وتعاظم شأن المادة، فأورثه ذلك قلقا روحيا عظيما. وليس "النبي" في ضوء سيكولوجيا الذات الجبرانية إلا نتيجة هذا القلق الذي سكن نفسه المتعطشة إلى الكمال. ألم يصرح إلى "ماري هاسكل" في إحدى رسائله "أن الطموح الجوهري للشرقي العظيم هو أن يكون نبيا، في حين أن طموح الروسي أن يكون قديسا، والألماني أن يكون فاتحا، والفرنسي أن يكون فنان كبيرا، والإنجليزي أن يكون شاعرا؟"(35).

أما النبوة فهي أعلى أشكال الوعي تلك، وهي طموح كل شرقي عظيم مثله. ومن شأن الوعي النبوئي أن يجعل الإدراك أكثر عمقا وحدّة، لأنه، بالتفسير الجبراني، متصل بضمير الكون الذي يكشف للروح الفردي الحقائق والأسرار. وبما أن جبران كان يدرك جيدا مأساة الإنسان وضياعه في ظل حضارة اتجهت نحو تأليه المادة وتغييب الروح، فقد أعلن أن مجيئه إلى هذا العالم هو من أجل قول كلمته: "جئت لأقول كلمة وسأقولها"(36). ويبدو "أن هذه الكلمة هي نبوءته، رسالته الواعدة بالخلاص إلى العالم، ولا بد أنه ظن بأنه أداها في النبي"(37).

الهوامش:
1 - خليل حاوي: جبران خليل جبران، تر. سعيد فارس، دار العلم، بيروت 1982، ص 315.
2 - كولن ولسن: سقوط الحضارة، ترجمة أنيس زكي حسن، دار الأدب، ط2، بيروت 1971، ص 305.
3 - ريتشارد لازاروس: الشخصية، تر. سيد محمد غنيم، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص 120.
4 - جبران خليل جبران: المجموعة الكاملة لمؤلفاته، الرسائل، تقديم أنطوان القوال، دار الجيل، بيروت 1994، ص 229.
5 - أدونيس: الثابت والمتحول، دار العودة، ط4، بيروت 1967، ج3، ص 83.
6 - جبران خليل جبران: المجموعة الكاملة لمؤلفاته المعربة، تعريب الأرشمندريت أنطونيوس بشير، مكتبة صادر، بيروت، ص 83.
7 - ينظر، غازي فؤاد براكس، ص 202.
8 - جبران خليل جبران: المجموعة الكاملة لمؤلفاته المعربة، ص 101.
9 - المرجع نفسه، ص 100.
10 - خليل حاوي: المرجع السابق، ص 312.
11 - ينظر، المرجع السابق، ص 313.
12 - من ذلك ما نقلته "بربارة يونغ" عن جبران قوله: "أود لو أرى مدينة عصرية، لا أضواء في شوارعها"، ينظر، المرجع السابق، ص 312.
13 - ينظر، المرجع السابق، ص 313-314.
14 - جبران خليل جبران: المجموعة الكاملة لمؤلفاته المعربة، ص 133.
15 - المرجع نفسه، ص 138-141.
16 - نفسه.
17 - نفسه.
18 - نفسه.
19 - خليل حاوي: المرجع السابق، ص 252.
20 - المرجع نفسه، ص 252-253.
21 - جبران خليل جبران: المجموعة الكاملة لمؤلفاته المعربة، ص 112.
22 - المرجع نفسه، ص 113-125.
23 - نفسه.
24 - نفسه.
25 - نفسه.
26 - ينظر، عبد الرحمن بدوي: دراسات في الفلسفة الوجودية، دار الثقافة، ط3، بيروت 1973، ص 79-80.
27 - جبران خليل جبران: المجموعة الكاملة لمؤلفاته المعربة، ص 88.
28 - نفسه.
29 - جبران خليل جبران: مقدمة ودراسة نازك سابا يارد، مؤسسة نوفل، بيروت، ص 15.
30 - جبران خليل جبران: المجموعة الكاملة لمؤلفاته المعربة، ص 114.
31 - نفسه.
32 - المرجع نفسه، ص 115.
33 - غسان خالد: جبران الفيلسوف، مؤسسة نوفل، ط2، بيروت 1983، ص 195.
34 - نفسه.
35 - أدونيس: المرجع السابق، ص 164.
36 - جبران خليل جبران: المجموعة الكاملة لمؤلفاته العربية، تقديم ميخائيل نعيمة، مكتبة صادر، بيروت، ص 349.
37 - خليل حاوي: المرجع السابق، ص 247.
الإحالة إلى المقال:

* سعيد المكروم: الرؤيا الصوفية للعالم والحياة الإنسانية في "النبي" لجبران خليل، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثاني 2004. http://annales.univ-mosta.dz

***