مرجعية النص الأدبي الوسيطي من المقدس إلى المدنس

د. محمد قادة
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

فالحديث عن الإضافات التي أدخلت على نصوص الصلوات والعنصر الغنائي الذي أصبح يحتل مكانا هاما في الطقس الديني متناوبا الدور مع تلاوة النصوص والذي ينتهي إلى تشكيل جوقات على النمط التقليدي الخاص بالأدب الغنائي القديم. وعادة الإنشاد الشعري الفردي اللاتيني الذي اتخذها الشعر المسيحي نموذجا له طوال قرون عديدة والتي خلصت في نهاية المطاف إلى حوارات تؤدي فعلا. والتطور الذي عرفته اللهجات قبل نهوض اللغات الرسمية في أوربا إلى جانب عناصر أخرى، كل هذه العناصر مجتمعة شكلت طرفا مناقضا لتدخلات الكنيسة بإقرارها قوانين الحصار والتحريم لكافة الآداب الخارجة عن نطاق الرؤية والتعاليم المسيحية لأسباب عدة، ذلك وفي نهاية المطاف أخذت الكنيسة تشجع المؤلفات التي رأت فيها تشابها من حيث الأسلوب الشكلي، فهل هذا يؤكد أن النهضة الأدبية للأجناس والأشكال قامت بفضل الكنيسة أم على أنقاضها بعد عراك طويل؟

الكلمات الدالة:

الطقس الديني، الأدب الغنائي، الكنيسة، النهضة، الأجناس الأدبية.

***
Reference of medieval literary text from sacred to profane

Abstract:

Talking about the additions made to the texts of prayers and the lyrical component, which has become an important place in the religious ritual, alternating in turn with the recitation of texts, which ends up forming choirs in the traditional style of ancient lyric literature. The custom of the singular Latin poetic chanting that Christian poetry has taken as its model for many centuries and which ultimately resulted in conversations that lead to action. And the development of dialects before the rise of the official languages in Europe along with other elements, all of these elements together formed a party opposing the Church’s interventions by approving the laws of siege and prohibition of all morals outside the scope of Christian vision and teachings for several reasons. In the end, the church began to encourage the literature in which it saw similarity in terms of the formal style, so does this confirm that the literary renaissance of the genres and forms was achieved thanks to the church, or was it ruines after a long struggle?

Key words:

religious ritual, lyric literature, church, renaissance, literary genres.

***

النص:

1 - المعتقد والخلفية التاريخية:

استطاعت الكنيسة وخاصة المذهب الكاثوليكي منها وعلى طيلة قرون عديدة أن تؤثر تأثيرا عظيما في كلّ الحياة الفكرية وليس غريبا أن يمتدّ هذا التأثير على تطور الفن والأدب بشكل عام انطلاقا من مبدأ أنّ الحياة الأرضية ليست إلا ومضة من ومضات الحياة السماوية، ومن هنا جاء عدم الاهتمام بالعالم المحسوس وسادت الكنايات والرموز الغامضة والأوهام على الفن عموما وكان هذا هو الطابع المميّز لفن العصور الوسطى. فظهر الأدب الكنسي في أناشيد وأشعار روحية وسير حياة القديسين والمسرحية الكنسية (الدراما) وكان يلاحظ الشيء نفسه في الرسم والهندسة المعمارية والموسيقى، واصطبغت هذه الأنواع من الفنون بالصبغة الكنسية (الدينية المحضة).

ففي بداية الأمر لم تعتبر موضوعات الفن والأدب في بداية العصور الوسطى إلا مقدمات عارضة منعزلة. ولم تشكل أحداثا بارزة في تطور الآداب عموما. وكان أحد الأسباب المباشرة في ظهور بعض هذه الملامح الأدبية في العرض الديني الكنسي وبطريقة غير مباشرة. ورغم قوانين الحصار والتحريم لم تنقطع هذه الممارسات في مجتمعات القرون الوسطى بفضل فرق المنشدين والجوّالين (التروبادور) والرواة والبانتوميم.

فبالنسبة للأدب الدرامي مثلا، فالمسيحية كانت تعتني أكثر من غيرها بإظهار الدراما، العالم والضمير البشري. إذ إنّ تاريخ البشرية في نظرها ليس مأساة تنتهي بالصليب وآلامه، والعالم عبارة عن مسرح لثلاثة مناظر، السماء (الفردوس) والأرض (ما بعد الخطيئة) والجحيم. أمّا الضمير البشري فموطن النزاع متجدد دائما بين الإنسان القديم الذي يحيا على الخطيئة الأولى والإنسان الجديد الذي خلقه التعميد خلقا آخر. فالكنيسة هي التي وجدت فيها البشرية هذا النوع من القلق الذي تبحث عنه في الدراما.

ففي بعض الأعياد كانت الاحتفالات الدينية تتخذ لها طابعا دينيا بشكل واضح، وكان المصلون يقومون أحيانا ببعض الأدوار مثل عيد الميلاد الذي يصحب بحوار يتلى على باب الكنيسة وبسهرات الصليب التي تقام يوم الجمعة الكبيرة ومباركة شمعة الفصح ويوم السبت المقدس (السبت النور).

استطاع العنصر الغنائي أن يحتلّ مكانا هاما في الطقوس منذ عصر قديم جدّا (القرن الرابع للميلاد) فكان إنشاد المزامير (مزامير داود في التوراة) يتناوب الدور مع تلاوة النصوص، وكان المصلون يرددون الأجزاء الختامية في صورة جوقة، مع الحركات المنتظمة المنسجمة مع اللباس الخاص.

القرن الرابع الميلادي هو الذي أدخل عادة الإنشاد الشعري الفردي، وأناشيده اللاتينية هي التي اتخذها الشعر المسيحي نموذجا له طوال قرون عديدة ثمّ ابتدعت مقطوعات غنائية في صورة حوارات كالتي تقام في افتتاح عيد الفصح.

ومن خلال هذه البراعم الأولى للتمثيليات الصادرة عن الطقوس الدينية يمكننا أن نقول إنّ المسرحية الطقسية المكتوبة باللاتينية ولدت بالأديرة وأخذت تتطور إلى أن بلغت درجة من الارتقاء إلى مسرحيات دينية مثل نص ميلاد المسيح، ونص قيام عازار، ثمّ ظهر بعدهما نصان مهمّان في نهاية القرن 12 الميلادي هما: قطعة من القيامة، وتمثيلية آدم التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الطقوس الدينية الرسمية.

وتوجد هذه الأخيرة كمخطوط في مكتبة (تور) يرجع تاريخها إلى القرن 12 للميلاد، وقد وجدت خصيصا لكي تقدم في أعياد الميلاد في ميدان الكنيسة الخارجي. وتشتمل التمثيلية على ثلاثة أجزاء:
1 - سقوط آدم وحواء.
2 - مقتل هابيل على يد قابيل.
3 - موكب الأنبياء لإعلان قدوم المسيح.

وعلى الرغم من أنّ هذا النص وما شابهه يبدو مفتقرا للوحدة ومفكك الأوصال إلا أنه ينطوي على فكرة تجعل منه وحدة لاهوتية. فهو يبدأ بالخطيئة الأولى وينتهي بالخلاص بعد المرور على مقتل هابيل الذي يعتبر الجريمة الأولى.

وفي السياق نفسه من التطوّر تحوّلت هذه الكتابات المقدسة إلى ما يعرف بالأسرار في فرنسا، والمعجزات في إنجلترا، والمدائحيات في إيطاليا. تغرف موضوعاتها من الكتاب المقدس وسير القديسين، وقد عرفت نوعا من التأثر بالقصائد القصصية في مراحل متأخرة نوعا ما، والتي كان يؤلفها الشعراء المتجوّلون (Troubadours)، وقد تجلى هذا النوع من الكتابة ذات الطابع الشعبي في نصوص "سر الآلام" التي ألفها القس (أرنو جرسيان) عام (1450م)، ويعدّ هذا عملا ضخما - تمثيليا غنائيا - يتضمن مناظر واقعية هزلية أحيانا، يحتوي على 34574 بيتا من الشعر وعلى 224 شخصية، وينقسم إلى أربع مراحل: - الخلاص، - حياة المسيح، - الآلام، - البعث.

فالخروج عن النصوص الدينية المحضة لم يكن بالشكل القطعي الذي ينفي كلّ مسحة مسيحية عن النصوص الأدبية عامة، فقد أثيرت موضوعات ذات أهمية بالغة في حياة الإنسانية. لأنّ الدّين في هذه الحالة لم تكن وظيفته المثلى إلا تغذية الصراع الميتافيزيقي وبعث الذات الإنسانية للانسحاب إلى قاع ذاتها مؤسسة بذلك وعيا وموقفا متكاملا. فأصبحت موضوعات العزوف، الحب، الشرف، الوفاء والحرية من القضايا التي تعالج بتفاصيلها الدقيقة وإلا كيف يمكن الحديث عن الأدب الرومانسي عند الغربيين؟ أو بالأحرى ما هي مصادره؟

فليس العزوف إلا طورا للتأمّل، طورا حنينيا عابرا، ومن هنا بالضبط نجد أنّ الأدب يبحث عن قفزة نوعية متقدمة آخذا في بحثه عن حرية أرفع من تلك التي انتهت إليها المسيحية، قدره في ذلك ليس الانسلاخ عن الدين بقدر ما هو امتداد وتكملة له. "هذا الصمت الحزين، هل يبشرني بخالقي؟ قاتم غلافه كذاته إذ بعز وفي وحده أستطيع الاحتفاء به" (شيلر). "وهذه الفراغات اللامتناهية تخيفني" (ب. باسكال).

2 - من الحتمية القدرية الوثنية إلى الحتمية القدرية المسيحية:

فإذا كان للفكر الكنسي في الفترة المبكرة من العصور الوسطى موقع مؤثر في التفكير الاجتماعي، لكن الأدب المعبر عن هذا الفكر، أو ما يسمى - بالكتابة المقدسة - وكلّ ما يشبهه من أدب الطقوس الدينية، لم يكن يشكل أدبا قوميا ولا أساس له بالمعنى الحقيقي للأدب القومي، فتلك الكتابة الكنسية لم تكن أدبا فنيّا، بل كان أدب توحيد - قصري- يعرقل التطور الخاص للآداب القومية. ذلك أنّه كان يسعى بكلّ الوسائل إلى تأكيد فكرة الحتمية القدرية للواقع وفكرة ثبات هذا الواقع كقدر لا مهرب منه، وبهذا يكشف ذلك الأدب ليس عن فكرة الكنيسة فقط بل وعن سعيه لتأكيد الواقع الإقطاعي للقرون الوسطى كوضعية حتمية أبدية. يضاف إلى هذا، أنّ هذا الإنتاج قد فرض عليه أن يكتب ليس باللغات القومية، بل بإحدى لغتي الكنيسة في العصور الوسطى: اللاتينية أو البلغارية القديمة (لغة الكنيسة الأرثوذكسية). ولا يستثنى من ذلك إلا بعض الآداب التي وصفت رحلات الحج إلى البيت المقدس والتي تنطوي على بعض ملامح الأدب القومي بالرغم من سيطرة ذهنية الكنيسة الإقطاعية عليه.

ولم يكن ذلك الأدب الوحيد في العصور الوسطى، فقد وجد إزاءه أدب دنيوي - ليس بالمعنى الأخلاقي- يعكس مضمونه العام بعض خصائص الأدب القومي. وكان هذا أدبا بطوليا تاريخيا معبرا عن حركة تكوّن القوميات الحديثة بقيادة الفئات الطليعية من مالكي الأرض. وأغلب ذلك الأدب اتخذ شكل ملاحم لمؤلفين مجهولين، ومن أشهر نماذجه: أغنية "رولاند" الفرنسية، أغنية عن "السيّد" الإسبانية، وحكاية "فوج إيفروف" السلافية. وتشكّل هذه الكتابات الغنائية مصدرا قصصيا يؤسس للكتابات النثرية كالملاحم والروايات...

3 - الخروج عن الإطار الديني:

وفي القرن 12 و13 الميلاديين ظهر أدب مغامراته الحب والفروسية التي تميّزت بأجوائها الدنيوية، وامتاز بعضها بروح مرحة تعكس ذوق وذهنية الفئات الدنيا وميلها إلى نقد الطبقات المسيطرة.

وهذه النماذج الأخيرة تنطوي على ملامح إنسانية مبكرة بل فترة ما قبل تبلور النزعة الإنسانية في عصر النهضة وبعده. كما أنّ هذه النماذج مع الملاحم القومية البطولية تشكّل أساس الآداب القومية التي ستظهر في آخر العصور الوسطى وصدر عصر النهضة في إيطاليا.

ففي مجرى تطور هذا النوع من الإبداع الأدبي ذي المواضيع الواقعية - بهذه الدرجة أو تلك - تبلورت تدريجيا النظرة الإنسانية لدى الأدباء وكان ذلك كله الأساس الذي قامت عليه تشكّل الملامح المميّزة للآداب القومية، ويظهر تنوعها مقابل رتابة الأدب الكنسي.

وأحسن نموذج معبر عن هذه السمات القومية والنزعة الإنسانية لآخر العصور الوسطى، عمل دانتي (Dante) "الحياة الجديدة" الذي يقدم لنا في الوقت ذاته نموذجا لتداخل المراحل.

إنّ عمل دانتي "الحياة الجديدة" يكاد يكون مكرّسا لموضوع الحب، لكن دانتي يخطو به إلى الأمام، فهو يستشعر مقاييس الطهر والعفة كصفتين تبدوان في الأدب الكنسي أساس الصورة النموذجية للسيدة العذراء، مسبغا عليها طابع الأنانية (طابعا إنسانيا) يجعل المرأة أقرب إلى صورة حبيبات الفرسان في الشعر البروفانسالي والتروبادور من ناحية، وهو من ناحية أخرى يعنى في عمله هذا عناية شديدة بوصف المشاعر الإنسانية وتحليلها تحليلا على درجة من التركيز تجعل من هذا العمل أحد النماذج المبكرة للرواية النفسية قبل ظهورها في الآداب الأوروبية في عهود لاحقة.

إنّ شدة عناية دانتي بالشخصية الإنسانية ومشاعرها تجعل منه ليس فقط ممثلا لإنسانية العصور الوسطى، بل وممهدا لعصر النهضة المبكر. وبهذا يقدم أدب دانتي نموذجا لتداخل المراحل والعصور الأدبية، ومؤكدا فكرة أنّ جذور أيّة مرحلة تمتد في المرحلة السابقة.

وهنا يجب أن نؤكد حقيقة أنّ دانتي لم يكن حالة شاذة تقع خارج التاريخ الفعلي لمجتمعها، بل إنّ اشتراك دانتي في الصراع السياسي الذي نشب بين سلطة إقطاع العصور الوسطى والبورجوازية التجارية الناشئة، وتعرضه للنفي المؤبد نتيجة مواقفه الراديكالية، إنّ كلّ ذلك يؤكد حقيقة أنّ الظاهرات الأدبية العامة ليست إلا نتاجا مباشرا أو غير مباشر لما يجري في الحياة ذاتها.

ضروري هنا أن نشير إلى سمتين أساسيتين في إنسانية آخر القرون الوسطى وفترة من عصر النهضة من خلال أدبها. أنها كانت فردية ذاتية النظرة. افتقارها وافتقادها النظرة التاريخية. وهي بهذا تتميّز عن آداب القرون اللاحقة التي قامت فيها النظرة الإنسانية على فهم أعمق لوجود الإنسان الاجتماعي، وفهم متطور لتاريخية الوجود الاجتماعي ذاته. أي تطوره المتواصل المادي والروحي، ما منح التيار الإنساني في الأدب مضمونا يتجاوز حدود البلدان والطبقات الاجتماعية.

لكنّ الهام في إنسانية آخر العصور الوسطى هو أنّها مهّدت للاتجاه بالأدب نحو الاهتمام بالحياة الإنسانية المادية والروحية وتنوعها اللامحدود ممّا سنلحظه حتما وبالنتيجة في نماذج عصر النهضة المبكر محافظة بذلك على كثير من ملامحها الروحية التي تتشكّل منها الموضوعات والمضامين الأدبية ذات البعد الإنساني.

ويلاحظ على الأعمال الأدبية المتأتية فيما بعد أنها لم تخلو من التأثيرات المسيحية سواء بالنفي أو الإثبات وحتى النصوص التي مارست الأفكار الفلسفية واعتنت بالقضايا الإنسانية بعيدة عن مراعاة الأسلوب الأدبي الذي تصاغ به هذه الكتابات، وهذا دليل آخر على أن الأثر الرومانسي الناتج عن تفاعل الدين والممارسة الأدبية شكل بدوره خلفية وإطارا فكريا لنهوض مذاهب أدبية كبرى حاولت التغلغل في أعماق الذات البشرية والبحث عن المرتكز الأساسي والصحيح لقيام الروح في أسمى تجلياته، الأمر الذي لا يتحقق إلا بفضل العودة إلى الوازع الديني.

المصادر:
1 - شيلر: دروس في التربية الجمالية.
2 - أغنية رولاند.
3 - ملحمة السيد.
4 - أرنو جرسيان: سر الآلام.
5 - دانتي: الحياة الجديدة.
الإحالة إلى المقال:

* د. محمد قادة: مرجعية النص الأدبي الوسيطي من المقدس إلى المدنس، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثاني 2004. http://annales.univ-mosta.dz

***