القيم الأخلاقية في شعر الزهد عند أبي العتاهية

ميلود عبيد منقور
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

ليس ثمة شك في أن الشاعر أبا العتاهية أعطى صورة أخرى مشرفة ومضيئة عن عصره، إذ يعود له الفضل في تأسيس فن مستقل بذاته يعرف بشعر الزهد. فلا غرو في ذلك، حيث عزف عن منادمة الخلفاء وامتنع عن الخوض في الغزل والهجاء، وانصرف إلى الزهد والتصوف مستمدا المعاني من القرآن والسنة. سأحاول في هذه المداخلة رصد أبرز القيم الأخلاقية والنبيلة والسامية التي تضمنها شعره والوقوف عند منحاه الزهدي.

الكلمات الدالة:

الزهد، الأخلاق، القرآن، السنة، أبو العتاهية.

***
Moral values in Abu al Ataheya's poetry of asceticism

Abstract:

There is no doubt that the poet Abu al-Atahiya gave another honorable and luminous image of his era, as he is credited with establishing an independent art in itself known as ascetic poetry. There is no surprise in that, as he abstained from the sitting of the caliphs and refrained from delving into love and satire, and devoted himself to asceticism and mysticism, drawing on the meanings of the Qur’an and the Sunnah. In this intervention, I will try to observe the most important moral, noble and sublime values contained in his poetry, and to stand up to his asceticism.

Key words:

Asceticism, morality, Quran, Sunnah, Abu al Ataheya.

***

النص:

يقف الإنسان بمقتضى الفطرة، بين نزعتين، تدفعه إحداهما إلى الشر بما جبل عليه من هوى ونزق، وقد يشتط في طلب الدنيا والركض وراء الشهوات. وتدفعه الأخرى، بما ركب فيه من عقل يعرف به الهدى من الضلال، والرشد من الغي، إلى الخير. ولكن المرء ببريق الدنيا وبهرجتها، وشهواتها ومغرياتها يميل إلى الشر، سادرا في غلوائه، سابحا في أهوائه، يرتد إليه بصره وهو حسير، وينكمش عقله وهو كليل. "إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي"(1).

وبفضل العقل تظهر حكمة خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض، إذ ينهض برسالة التعمير والبناء والتربية، وينشرح روح الأمن والدعة والاستقرار، ويتنسم نسمات الروحية الفاضلة التي تعصم المرء من التبذل في نفسه، وتقيه الارتكاس في حمأة الإباحية الضالة والمادية المظلمة. من هنا يعرف الإنسان معنى الحياة الشريفة التي يتمتع في ظلها بما منحه الله من حرية الفكر والإرادة والعمل.

وبالاعتماد على العقل واللجوء إلى الله يغار الإنسان على الحدود والشرع، مترفعا عن الدنايا ومدركا قبح الآثام وسوء مغبتها، فيقرع سن الندم ويقبل مسرعا إلى التوبة. وعلى هدي القرآن والسنة، ظهر في العصر العباسي مجموعة من الشعراء تبنت الاتجاه الديني من خلال المعجم الإسلامي، حتى تحول الزاهد إلى واعظ في الوقت الذي أصبح فيه الزهد رد فعل لشيوع تيارات المجون والزندقة التي أوشكت أن تدمر الجانب الأخلاقي.

من أولئك الشعراء الزهاد الذين عبروا عن زهدهم شعرا، من خلال الأحاديث التي نظمت حول التنفير من زخرف الدنيا، ووجوب التنافس في العمل للآخرة: الشاعر أبو العتاهية الذي وصف منهج حياته زاهدا يخشى ربه ويحرص على التقوى والتقوى وإقامة الفرائض، وينشغل بقضية المصير والاستعداد ليوم الرحيل بالعمل الصالح، وتجنب الآثام، والانقطاع إلى العبادة، وتأمل درجات العقاب.

وعلى هذا المنهج كان سلوك أبي العتاهية في حياته من عفوه عمن ظلمه، وإحسانه إلى من أساء إليه، واستنكاره سلوك الناس كأنما اطمأنوا إلى الدنيا ونسوا أنها مجرد معبر إلى الحياة الباقية بعد الموت. وكثرة حديثه حول طاعة الله وذمه لسلوك العاصين الذين اغتروا بشبابهم وتناسوا شبح الموت.

والزهد بوصفه الاستعلاء على كثير من الشهوات والإغراءات هو أحد العوامل التي تفضي إلى تهذيب النفس وتزكيتها ورياضتها على طاعة الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد ذكر مادة (زهد) ابن منظور في لسان العرب، وكل ما قاله هو "زهد، الزهد والزهادة في الدنيا ولا يقال الزهد إلا في الدين"(2). والزهد: "ضد الرغبة والحرص على الدنيا، والزهادة في الأشياء كلها ضد الرغبة"(3)، "والتزهيد في الشيء أو عن الشيء: خلاف الترغيب فيه"(4).

وفي حديث الزهري، وسئل عن الزهد في الدنيا فقال: هو ألا يغلب الحلال شكره، ولا الحرام صبره، أراد أن لا يعجز أو يقصر شكره على ما رزقه الله من الحلال، ولا صبره على ترك الحرام(5).

وفي تعريف الزهد قال ابن جلاء: "الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها"(6). وقيل "الزهد عزوف النفس عن الدنيا بدون تكلف"(7). وقال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: "الزهد استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب"(8). وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: "الزهد فراغ القلب من الدنيا، لا فراغ اليد"(9).

فالزهد تفريغ القلب من حب الدنيا، وامتلاؤه بحب الله ومعرفته، وعلى قدر تخلص القلب من تعلقه بزخارف الدنيا يزداد لله تعالى حبا، وله توجها ومراقبة ومعرفة، ولهذا اعتبر العارفون الزهد وسيلة للوصول إلى الله تعالى، وشرطا لنيل حبه ورضاه، وليس غاية مقصودة لذاتها.

هناك من نفى وجود الزهد في الإسلام نفيا قاطعا، وعد الزهد بدعة دخيلة على الدين وفدت إليه عن طريق الرهبنة أو النسك الأعجمي، ومما لا شك فيه، أن هذا الموقف فيه من الإجحاف ما يجعله يتنافى وحقيقة الإسلام، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الزهد صراحة ويعتبره وسيلة لنيل محبة الله تعالى، فقد روي أن رجلا جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال له: "أزهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في يدي الناس يحبوك"(10).

ثم إن من يتصفح كتاب الله يجد الكثير من الآيات التي تصغر من شأن الدنيا وتبين حقارتها وسرعة زوالها وانقضاء نعيمها، وأنها دار غرور، وفتنة الغافلين. والمراد من ذلك أن يزهد الناس فيها بإخراج حبها من قلوبهم حتى لا تشغلهم عما خلقوا له، يقول الله تعالى: "يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور"(11). ويقول أيضا: "وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون"(12).

وإذا استعرضنا سيرة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام نلفيه يوجه أصحابه إلى العزوف عن الدنيا والزهد في زخارفها، وذلك بتصغير شأنها وتحقير مفاتنها حتى لا تشغلهم عن الرسالة التي خلقوا من أجلها، ولا تقطعهم عن الأمانة التي يحملونها. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء"(13). ومرة أخرى، ينبه الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى أن الدنيا ظل زائل ومتعة عابرة، حتى لا يركنوا إليها فتقطعهم عن الله تعالى: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"(14).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: "مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها"(15)، وكتب السيرة طافحة بأخبار زهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم، وسنكتفي بذكر بعض النبذ اليسيرة: فقد خرج أبو بكر رضي الله عنه من ماله كله في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تركت لأهلك؟" قال: "تركت الله ورسوله"(16).

وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو صاحب اليد الطولى في هذا المضمار، وببذله وزهده تضرب الأمثال.

من التعريفات السابقة وبيان مشروعية الزهد يتضح أن الزهد مرتبة قلبية، إذ هو إخراج حب الدنيا من القلب، بحيث لا يلتفت إليها الزاهد بقلبه، ولا ينشغل عن الغاية التي خلقه الله من أجلها. وليس معنى الزهد أن يتخلى المؤمن عن الدنيا فيفرغ يده من المال، ويترك الكسب الحلال ويكون عالة على غيره. وقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم المقصود الحقيقي من الزهد حين قال: "الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة أن تكون بما في يد الله تعالى أوثق منك بما في يدك"(17).

وهكذا فهم الصوفيون أن الزهد مرتبة قلبية. قال عمرو بن عثمان المكي: "اعلم أن رأس الزهد وأصله في القلوب هو احتقار الدنيا واستصغارها، والنظر إليها بعين القلة، وهذا هو الأصل الذي تكون منه حقيقة الزهد"(18). وفي هذا السياق قال بعض العارفين: "ليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك، وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك"(19). وعرف ابن عجيبة الزهد بقوله: "هو خلو القلب من التعلق بغير الرب"(20).

وكان السلف الصالح يدعو إلى مجاهدة النفس وترويضها على الإخشيشان والصبر والتقشف والتضحية والإيثار ومغالبة الهوى دون أن تستهويهم زخارف الحياة الزائلة فكان شعارهم قول بعضهم(21).

لا تنظرن إلى القصور العامرة واذكر عظامك حين تمسي ناخرة
وإذا ذكرت زخارف الدنيا فقل لبيك إن العيش عيش الآخرة

وقد أوضح العلماء أن ذم الدنيا الوارد في القرآن والسنة ليس ذما لذاتها، وإنما هو تحذير من الانشغال القلبي بها. فنَعمَت الدنيا مطية المؤمن ووسيلة للتقرب إلى الله، وبئست الدنيا إذا كانت معبودة. في هذا المعنى قال العلامة المناوي رحمه الله: "فالدنيا لا تذم لذاتها، فإنها مزرعة الآخرة، فمن أخذ منها مراعيا القوانين الشرعية أعانته على آخرته، ومن ثمة قيل: لا تركن إلى الدنيا فإنها لا تبقي على أحد، ولا تتركها فإن الآخرة لا تنال إلا بها"(22).

وكم من أناس أخطأوا الطريق فجعلوا الزهد غاية. وفيهم قال المناوي رحمه الله تعالى: "فالزهد فراغ القلب من الدنيا، لا فراغ اليد منها، وقد جهل قوم فظنوا أن الزهد تجنب الحلال، فاعتزلوا الناس، وضيعوا الحقوق، وقطعوا الأرحام، وجفوا الأنام، واكفهروا في وجوه الأغنياء، وفي قلوبهم شهوة الغنى أمثال الجبال، ولم يعلموا أن الزهد إنما هو بالقلب، وأن أصله موت الشهوة القلبية"(23).

فالزهد مقام رفيع دعا إليه الكتاب والسنة وأشاد بفضله أئمة الدين. قال الإمام الشافعي رحمه الله: "عليك بالزهد، فإن الزهد على الزاهد أحسن من الحلي على الناهد"(24).

أما أبو العتاهية فقد عدل في أخريات حياته إلى الزهد والتصوف، وقيل أنه ترك منادمة الرشيد، وكان قبل ذلك لا يفارقه. وتاب توبة صادقة وزهد في الدنيا. وأبرز زهدياته دارت حول الترهيب من الدنيا والترغيب في الآخرة، ينشرها في الناس دعوة صادقة للتقرب من الله بالأعمال الصالحة وتذكر الحشر والنشور وأول ما نشير إليه، هو شعوره بالندم على ما فرط في جنب الله وما اجترح من خطايا.

فنلفيه يتضرع إلى الله، يطلب منه العفو والصفح عنه، وهذا دليل على عاطفة قوية صادقة مفعمة بروح التوبة والندم العميق(25):

إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
فمالي حيلة إلا رجائي بعفوك إن عفوت وحسن ظني
وكم من زلة لي في الخطايا وأنت علي ذو فضل ومن
إذا فكرت في ندمى عليها عضضت أناملي وقرعت سني
أجن بزهرة الدنيا جنونا وأقطع طول عمري بالتمني
ولو أني صدقت الزهد عنها قلبت لها ظهر المجن
يظن الناس بي خيرا وإني لشر الناس إن لم تعف عني

وهكذا نراه بعد أن أحس بالندم، يعلن التوبة ويطلب العفو والغفران. لكن أبا العتاهية، الذي تحامل عليه الناس في حياته كان مقدرا له أن يظلم حيا وميتا. فأما وهو حي، فقد حدث الخليل النوشاني قال(26): أتانا أبو العتاهية إلى منزلنا، فقال زعم الناس أنني زنديق والله ما ديني إلا التوحيد، فقلنا: قل شيئا نتحدث به عنك، فقال(27):

ألا إننا كلنا بائد وأي بني آدم خالد
وبدؤهم كان من ربهم وكل إلى ربه عائد
فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده جاحد
ولله في كل تحريكه علينا وتسكينه شاهد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

وإذا كان أبو العتاهية الذي حظي بمنزلة رفيعة في القصر، وبين الشعراء وعامة الناس، قد تخلى عما كسبه بنبوغه وتفوقه، فلأنه كان يحب الارتقاء إلى مكانة أعلى وأسمى ويتشوق إلى مدارج الكمال والجمال.

قضى أبو العتاهية مدة في عيشة الهناءة والبسط، بين حاشية الخلفاء يحضر مجالسهم. وقيل: إنه اتصل بالمهدي والهادي والرشيد ونادمهم، ولكنه ما لبث أن ترك المنادمة بعدما تنسك، وعدل عن قول الشعر إلى الزهد والتصوف، وطفق يذكر الموت وأهواله، فحبسه الرشيد، ثم رضي عنه فأطلقه، فعاد إلى الشعر، ولكنه ترك الغزل والهجاء، غير مبال في ذلك من أن يفقد مكانته في القصر، وأن يحبس ويعذب. وقيل أيضا: إن الرشيد أمره ذات مرة أن يقول شعرا في الغزل ولكن أبا العتاهية امتنع، فضربه الرشيد وحبسه وحلف ألا يطلق صراحه إلى أن يقول شيئا في الغزل، ووكل به أحدا يكتب إليه ما سمع:

أما والله إن الظلم لؤم وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
قيل: بكى الرشيد وأمر بإخلاء سبيله(28).

ويروى أن المنصور بن عمار جلس يوما في بعض مجالسه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إني أشهدكم أن أبا العتاهية زنديق(29)، فبلغ ذلك أبا العتاهية، فكتب إليه:

إن يوم الحساب يوم عسير ليس للظالمين فيه نصير
فاتخذ عدة لمطلع القبر وهول الصراط يا منصور

فندم المنصور على قوله وقال: أشهدكم أن أبا العتاهية قد اعترف بالموت والبعث، ومن اعترف بذلك فقد بريء مما قذف به(30).

ومما لا شك فيه، أنك تحس في كلماته نبرة الصدق والثبات على المبدأ، فهذه أقوال شديدة ولكنها مغلفة بنسيج الوعظ وموشاة بصياغة التزهيد، ومن أسس الموعظة عند أبي العتاهية أنه يحقر شأن الدنيا، فهي غرارة لا تدوم على حال، تجمح براكبها فيلقى مصرعه(31):

أف للدنيا فليست هي بدار وإنما الراحة في دار القرار
أبت الساعات إلا سرعة في بلى جسمي، بليل ونهار
إنما الدنيا غرور كلها مثل لمع اللآل في الأرض القعار

والواقع أن الدنيا تتقلب، وأنها زيف وخداع، والعجب أن الناس يغفلون عن الوعد المضروب والأجل المحتوم(32):

أنلهو وأيامنا تذهب ونلعب والموت لا يلعب

والغريب أنهم يصرفون كل همهم في الإعداد لدار هم عنها راحلون، فيشيدون القصور ويحشدون فيها أنواع الزينة ويعِدون لها الفرش، وهم يعلمون أنهم ما فارقوا هذا النعيم(33):

يا بَانِيَ الدار المعِد لها ماذا عمِلتَ لدَاِركَ الأخرىَ
ومُمَهدَ الفرْش الوثيرة لا تغفِلْ فِرَاش الرقدة الكبرى

وأبو العتاهية كما يخشى الموت يخشى ما بعدها من مشاهد القيامة وأهوالها ثم القرار في إحدى داريها(34):

فلو كان هول الموت لا شيء بعده لهان علينا الأمر واحتقر الأمر
ولكنه حشر ونشر وجنة ونار وما قد يستطيل به الخبر

طلق أبو العتاهية حياة اللهو والعبث ليعيش حياة الزاهدين، فغدا شعره عظات وتعاليم، ودعوة إلى التنسك والمغالات في فطام النفس وحرمانها. فصار أقرب إلى شعراء الأخلاق والحكمة، وفي هذا السياق يقول الأستاذ محمد خلف الله. "إن شعر أبي العتاهية ذا الصبغة التعليمية أخذ مكانة في تربية الذوق الإسلامي وفي تهذيب الناشئين"(35).

فهو يحض على التخلق بأشرف العادات، والبذل والإنفاق في وجوه الصدقات ويدعو الإنسان إلى أن يراعي حق الجوار، وحرمة الذمم، وأن يخفض جناحه لأخيه الإنسان(36):

أسلك بني مناهج السادات وتخلقن بأشرف العادات
لا تلهينك عن معادك لذة تفنى وتورث دائم الحسرات
وإذا اتسعت برزق ربك فاجعلن منه الأجل لأوجه الصدقات
وارع الحوار لأهله متبرعا بقضاء ما طلبوا من الحاجات
واخفض جناحك إن منحت إمارة وارغب بنفسك عن ردى اللذات

وفي موضع آخر ينصح بعدم الغيبة، وهي خلة قبيحة مذمومة، إذ شر الإخلاء من يزين لك العمل، ويغيرك بارتكابه في صورة الصديق الودود والمخلص الغيور، فإذا توارى عنك نهش لحمك وبرى عرضك مثل بري القلم(37):

وشر الأخلاء من لم يزل يعاتب طورا، وطورا يذم
يريك النصيحة عند اللقاء ويبريك في السر بري القلم

أبو العتاهية يصدر أحكامه في طبائع الناس، ويوصي بخير السلوك حتى يقلع خليل السوء عن الإثم ويثوب إلى الرشاد ويرى أن الصدق في الإخاء قليل بين الناس، والإنسان في حاجة ماسة إلى صديق، فعليه أن يقبل الناس على علاتهم(38):

إن في صحة الإخاء من الناس وفي صحة الوفاء لقلة
فألبس الناس ما استطعت على الصبر وإلا لم تستقم لك خلة
عش وحيدا إن كنت لا تقبل العذر وإن كنت لا تجاوز زلة
ويقول أيضا ناصحا(39):
وإن أنت كافيت من أساء فقد صرت إلى سوء مثل ما فعلا

إن الإنسان لا بد له من صداقة ومؤاخاة، فهو اجتماعي بطبعه ولا يمكن أن يعيش وحيدا منفردا، وهو في سبيل ذلك لابد أن يحمل عنت الأصدقاء وحيف بعضهم. وفي موضع آخر نلفيه يعمق النظرة، فإذا به فيلسوف ينقب في أعماق النفس ويطب لها، مقررا أن الحقد إذا أنشب مخالبه في صدر إنسان ما، فإنه لا يستطيع التخلص منه، فتصدر عنه هذه الصفة القبيحة(40):

من لزم الحقد لم يزل كمدا تخرقه في بحورها الكرب

ونراه أيضا يدعو إلى مجانبة الشرور، وعدم اجتراح الآثام، والتعلق بأهداب الأخلاق الفاضلة كقوله(41):

ما أكرم الصبر وما أحس ن الصدق وما أزينه للفتى
الخرق شؤم، والتقى جنة والرفق يمن، والقنوع غنى
نافس إذا نافست في حكمة آخ إذا أخيت أهل التقى
ومما ورد عنه(42):
إذا المرء لم يعتق من المال نفسه تملكه المال الذي هو مالكه
ألا إن مالي الذي أنا منفق وليس لي المال الذي أنا تاركه
إذا كنت ذا مال فبادر به الذي يحق وإلا استهلكته مهالكه

فهذه الأبيات فيها حض على الإنفاق وادخار الثواب عند الله تعالى ومعانيها تتفق مع مقاصد الشريعة التي تسعى إلى تحقيق الكفاية الاقتصادية للناس، والأمن الغذائي بالقضاء على الجوع والفقر، مما يحقق تماسك المجتمع وتعاضد أبنائه.

بخلاف ما قيل وما يقال عنه، كان أبو العتاهية مسلما يؤمن بالله ويقر بالبعث والحساب واليوم الآخر. وعلى الرغم من ذلك، أتهم بالكفر والزندقة وإلى غير ذلك من الادعاءات والأقوال الواهية التي تجافي الحقيقة ولا تملك من الصدق نصيبا.

إن أبا العتاهية ليس بحاجة إلى أدلة وبراهين تدل على صدق إيمانه، ففي ديوانه ما يفند ويدحض مزاعم خصومه وشانئيه ببغداد التي كانت تحتضن الكثير من شعراء المجون الذين يشيعون الفسق والرذيلة بين الناس، كان أبو العتاهية دائم التوكل على الله، كثير الحمد له، متخذا من أحداث الزمن وكر الأيام عبرا ومواعظا(43):

أنا بالله وحده وإليه إنما الخير كله في يديه
أحمد الله وهو ألهمني الحمد على المن والمزيد لديه

وهكذا ينطلق أبو العتاهية بإيمانه المطلق، وبكلماته الصادقة وبروح الدعابة يندد بمطامع الإنسان وزخرفة الدنيا(44):

ألا إلى الله تصير الأمور وما أنت يا دنياي إلا غرور
نحن بنو الأرض وسكانها منها خلقنا وإليها نصير

لقد كان في دعوته شديد التأثر بمبادئ الإسلام مقتبسا المعنى من أقواله تعالى: "ألا إلى الله تصير الأمور" و"منها خلقناكم، وفيها نعيدكم". وإذا قرأنا قوله(45):

ويرزق الإنسان من حيث لا يرجو وأحيانا يضل الرجا

تبادر إلى الأذهان قوله سبحانه تعالى: "ويرزقه من حيث لا يحتسب". وقوله(46):

من لم يوال الله والرسل التي نصحت له فوليه الطاغوت

مأخوذ من قوله تعالى: "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت". وقوله(47):

إن أنت لم تهدنا ضللنا يا رب إن الهدى هداكا
فهو من قوله تعالى: "قل إن هدى الله هو الهدى". ومن أقواله أيضا(48):
ليت شعري فإنني لست أدري أي يوم يكون آخر عمري
وبأي بلاد يقبض روحي وبأي البلاد يحفر قبري

ومؤدى البيتين مستوحى من الآية الكريمة: "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما نفس بأي أرض تموت". وإذا كانت هذه المعاني والأساليب المنقولة قد تسربت إلى شعره من مصدر القرآن الكريم، فهو أيضا يكثر الاقتباس من السنة. وفي التحذير من الدنيا وزخرفها يحاول الشاعر الإقناع بأن المال مهما بالغ الإنسان في اكتنازه، فإنه لن يصحبه إلى الآخرة يوم يودع هذه الدنيا، وهذه الفكرة مأخوذة من أحاديث الرسول (صلم)(49).

وبهذه الأمثلة تبين سر تلك المعاني الجليلة الواضحة التي تفرد بها أبو العتاهية في شعره، إذ يمكن القول إن شعر الزهد اكتمل على يديه وأصبح فنا له أصوله.

أبو العتاهية نسج على منوال الوعاظ يدعو إلى ترك متاع الدنيا ويحض على الانصراف إلى العبادة وتقوى الله والتذكير بالموت والآخرة. لقد جعل من شعره أداة لتطهير النفس وتحليتها بكل جمال وكمال، وهذا إجماع مكارم الأخلاق.

لقد كرس جل شعره، يحذر اللاهين مما ينتظرهم من سوء العذاب والعقاب، ويحض الناس على الصلاح والتقوى والفوز في الدار الآخرة ونعيمها بدلا من نعيم الدنيا الزائل، ومتاعها الفاني خاصة وأن عصره قد شهد زحاما بتيارات الفوضى الأخلاقية وألوان المجون وصور اللهو.

الهوامش:
1 - سورة يوسف، الآية 55.
2 - ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، م3، ص 196.
3 - نفسه.
4 - المصدر نفسه، ص 197.
5 - نفسه.
6 - عبد القادر عيسى: حقائق عن التصوف، مكتبة دار العرفان، حلب.
7 - نفسه.
8 - نفسه.
9 - نفسه.
10 - سنن ابن ماجه: كتاب الزهد، مطبعة عيسى الحلبي، القاهرة.
11 - سورة الروم، آية 60.
12 - سورة العنكبوت، آية 64.
13 - صحيح مسلم في كتاب الذكر والدعاء، دار الطباعة، القاهرة.
14 - صحيح البخاري، مطبعة بولاق بمصر.
15 - سنن الترمذي: كتاب الزهد، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة.
16 - سنن أبي داوود: كتاب الزهد.
17 - الترمذي: كتاب الزهد.
18 - عبد القادر عيسى: المصدر السابق، ص 353-354.
19 - نفسه.
20 - نفسه.
21 - المصدر نفسه، ص 359.
22 - المصدر نفسه، ص 355.
23 - المصدر نفسه، ص 356.
24 - المصدر نفسه، ص 359.
25 - د. عمر فروق الطباع: ديوان أبى العتاهية، بيروت 1997، ص 319-320.
26 - محمد الصادق عفيفي: ثورة الخمريات - ثورة الزهديات، دار الفكر، ص 142.
27 - أبو العتاهية: الديوان، ص 104.
28 - مجلة الثقافة العربية، عدد 10، 1983، ص 65.
29 - التصوف في الشعر العربي، سنة 1954، ص 205-206.
30 - نفسه.
31 - أبو العتاهية: الديوان، ص 142.
32 - المصدر نفسه، ص 49.
33 - التصوف في الشعر العربي، ص 210.
34 - أبو العتاهية: الديوان، ص 148.
35 - خلف الله محمد: دراسات في الأدب الإسلامي، ص 103.
36 - محمد الصادق عفيفي: المصدر السابق، ص 113.
37 - أبو العتاهية: الديوان، ص 304.
38 - التصوف في الشعر العربي، ص 214.
39 - أبو العتاهية :الديوان، ص 258.
40 - التصوف في الشعر العربي، ص 214.
41 - محمد الصادق عفيفي: المصدر السابق، ص 128.
42 - أبو العتاهية: الديوان، ص 242.
43 - المصدر نفسه، ص 348-349.
44 - المصدر نفسه، ص 154.
45 - التصوف في الشعر العربي، ص 216.
46 - أبو العتاهية: الديوان، ص 64.
47 - المصدر نفسه، ص 232.
48 - المصدر نفسه، ص 137.
49 - محمد الصادق عفيفي: المصدر السابق، ص 127.
الإحالة إلى المقال:

* ميلود عبيد منقور: القيم الأخلاقية في شعر الزهد عند أبي العتاهية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الأول 2004. http://annales.univ-mosta.dz

***