تحولات المكون الديني في الشعر العربي

د. عباس بن يحيى
جامعة المسيلة، الجزائر

الملخص:

يقترح هذا البحث متابعة تحولات العنصر الديني المشكل للشعر الديني العربي القديم. فبعد الإسلام، لم يظهر على سلم الأغراض الشعرية موضوع تخصص للشعر الديني، بل إن النخبة لم تميزه إلا من حيث الموقع في المواجهة، لأن تداخله بالصراع مع منظومة فكرية أخرى جعله يرمز في صدر الإسلام إلى الهوية والانتماء، لكنه تحول إلى شعر الزهد الذي نشأ وتطور في ظل ظروف التباعد عن القيم الجديدة والثورة أيضا. فتركز على مدخل الوعظ والحكم الذي احتل البناء العقلي في نسقه المركز، مما انتهى به إلى نزعة النظم والتعليم.

الكلمات الدالة:

شعر الزهد، الإسلام، الهوية والانتماء، القيم، والوعظ والحكم.

***
Transformations of the religious component in Arabic poetry

Dr Abbas Benyahia
University of M'sila, Algeria

Abstract:

This research proposes to follow the transformations of the religious component that formed the ancient Arab religious poetry. After Islam, no subject of specialization for religious poetry appeared on the ladder of poetic purposes. Rather, the elite distinguished it only in terms of its position in confrontation, because its interference with the conflict with another intellectual system made it a symbol in the beginning of Islam to identity and belonging. But he turned into the poetry of asceticism that arose and developed under conditions of estrangement from the new values and the revolution as well. It focuses on the introduction of preaching and judgment, which occupied the mental structure in its central order, which ended with the tendency of systems and education.

Keywords:

poetry of asceticism, Islam, identity, values, preaching and judgment.

***

النص:

تبحث هذه المداخلة المتواضعة، تحسس المفاهيم التأسيسية الأولى التي أدت بعد مساق زمني طويل بالشعر الديني إلى الصورة التي سنقرؤها في مدونة بيئات كثيرة شكلت تراثنا الشعري الديني في تمظهرات مكانية وزمانية عديدة، ومن ثم سنحاول متابعة تحولات العنصر الديني المشكل للشعر العربي الديني القديم، من خلال أداءات متباينة في تكويناتها الفنية، وفي المنظومات الفكرية التي توجهها.

لا يبدو عنصر الدين للوهلة الأولى حاضرا بقوة في الشعر الجاهلي، فقد غاب عن سلم الأغراض الشعرية المعروفة والموروثة، والمتأصلة في صورة منظومات وأنساق، سيرسخها النقد العباسي بعقلانيته وتصنيفيته. لكن بعض القراءات الحديثة التي راضت النص الشعري الجاهلي بمقاربات حديثة، أولت في بحثها داخل طبقات النص أهمية ملفتة للدين، فقد لا تكون الوثنية مجرد طقوس وشعائر ساذجة لم تؤطر حياة الجاهلي وتنظمها، بل ربما انبثقت الممارسة الفنية في الأصل عنها كما يلاحظه عدد من الباحثين(1).

فالفن والدين أو الطقوس عموما، مرتبطان ببعضهما في النشأة، فالدين - كما يقول دني هويسمان - "هو ألف الجمالية وياؤها، فالفن يبدأ وينتهي بالمقدس... وهو درجة من درجات الصعود نحو المطلق، غير أنه قد يكون المرحلة الأوفر ثبوتا والوسيلة الأشد صلابة التي وقع عليها الإنسان لتجسيد المثالي في الواقعي، والإلهي في الإنساني"(2)، وكان الشاعر الفرنسي رونسار يقول: "الشعر لم يكن أول عهده سوى لاهوت رمزي"(3).

وقد تكون بقايا الممارسة الدينية في الشعر العربي القديم حسب النتائج التي توصل إليها علي البطل(4)، واسعة الحضور في جسد النص، عن طريق بقاياها التي شكلت الصورة الفنية بالخصوص وكونتها. وقد تم - انطلاقا من هذا المنظور - الوقوف عند الصورة الدينية التي أسست صورة الإنسان في المدح والهجاء والحرب(5) بل والمرأة في الشعر الجاهلي، فهي صورة المرأة-الأم، أو الأم-المعبودة التي أخذت صورة البدانة، لتحقيق الشرط المثالي في نظرهم لوظيفة الأمومة والخصوبة الجنسية(6)، وقد عمد الشاعر إلى بناء الصورة في شكل نحت لتمثال متكامل للمرأة، بل كثيرا ما ربط بينها وبين التمثال والدمية الموضوعة في المحراب، مما يزيد في تقريب المسافة بين الحادث الفني وبين الأصل الديني، كما قال الأعشى(7):

وقد أراها وسط أترابها في الحي ذي البهجة والسامر
كدمية صور محرابها بمذهب من مرمر مائر

فالصورة التي وصلت أواخر العصر الجاهلي إلى الشعراء مفرغة مما يتبعها من عقيدة وممارسات، ظلت تضمر المكونات الأساسية لصورة المرأة الإلهة في المعتقدات الوثنية. فالمرأة هنا صنم مصور في المحراب، ورغم أنها قريبة جدا من المدلول الديني، إلا أن التحليل ينصب في الأصل على معادل المعبودة في صور الطبيعة التي لازمت الشعر القديم بعد نقلها من العبادة والأسطورة، مثل النخلة والمهاة والغزالة وما إليها.

وقد يكون الأنسب لو وقف الباحث عند شعر يمكن اعتباره دينيا خالصا، والحق أننا لو استبعدنا بعض النصوص وبعض القطع المشكوك في صحة نسبتها أحيانا لدى أمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل وعدي بن زيد العبادي وغيرهم(8)، فإنه سيبقى أمامنا في الأساس مقطوعات استعملت في الممارسة الدينية نفسها، وعلى رأسها (التلبيات)، وهي ابتهالات وضراعات، تؤدى جماعيا غالبا لطلب العون أو في موسم الحج، مثل(9):

لبيك يا معطي الأمر لبيك عن بني النمر
جئناك في العام الزمر نأمل غيثا ينهمر
يطرق بالسيل الخمر

وقد تذكرنا التلبية بالهيكل العام للقصيدة الجاهلية، وللمدحة خاصة، كقولهم(10):

لبيك رب همدان من شاحط ومن دان
جئناك نبغي الإحسان بكل حرف مذعان
نطوي إليك الغيطان نأمل فضل الغفران

فالخطاب يتمحور حول التلبية التي تعني الاستجابة اللامشروطة وترمز إلى الخضوع، ويتمحور أيضا حول إبراز المعاناة من أجل الوصول إلى المعبود، مما يستوجب حقوقا لديه، سواء تعلقت بالغيث الذي يعيد الحياة من جديد أو بالإحسان والغفران، فهي كلها ممارسة روحية للتعبد أمام ما يفترض أنه قوة أعظم، ومحاولة للظهور أمامه بمظهر التقى والتسليم والأمل أيضا.

فإذا كان الشعر الديني لم يظهر على سلم الأغراض الشعرية في العصر الجاهلي وصدر الإسلام بالصورة التي انبثق عليها فيما بعد، فإن ذلك قد يجد تفسيره في مثل مستخلصات النقاد القدماء الذين فصلوا في الغالب بين مباشرة المعنى أو المفهوم الذهني الديني في صورته النثرية الذهنية (حتى ولو كانت في الشعر) وبين التناول الشعري البحت لها(11).

1 - المكون الديني والهوية:

يبدو أنه كان للقدماء تصور صحيح عن حركة المذاهب الفنية، فهم لا يرون العصر الإسلامي يبدأ إلا مع فترة بني أمية، أما فترة صدر الإسلام، فهي عصر المخضرمين، وربما كانت الفترة مخصصة لاستيعاب الدين الجديد؛ ولذا لم يظهر أدب ديني خالص (بل وإسلامي)، وربما كان ذلك أيضا بسبب ربط الأدب أساسا بوظيفة رسمت مسبقا تتمحور حول الدفاع عنه وعن الدعوة. فوجود المعاني الإسلامية الجديدة في المقطوعات الموروثة عن تلك الفترة، لا يبرر التسليم بوجود أدب ديني مستقل كغرض، بل يشير فقط إلى توجه نحو التفاعل مع المنظومة العقائدية الجديدة ومدونتها الفكرية واللغوية والنصية. فليس غريبا إذن ألا يظهر شعر وعظي ديني مثل الذي سنلقاه لدى شعراء الزهد، رغم وجود تجارب بسيطة لكنها جد متواضعة فنيا، كقول النابغة الجعدي(12):

الحمد لله لا شريك له من لم يقلها فنفسه ظلما
المولج الليل في النهار وفي الليل نهارا يفرج الظلما
الخافض الرافع السماء على الأرض ولم يبن تحتها دعما

فهذا نظم ذهني لمجموعة من النصوص، هي في الأصل عناصر من المنظومة الاعتقادية الإسلامية، ويغيب فيها العنصر الشعري أو التأملي ولا يبقى إلا النظم. إلا أن الوعظ هو الخيط الرفيع الذي تأسست حوله، وسيدور عليه المقطع الأخير، وحوله أيضا، ومن أجله، سيتأسس شعر الزهد فيما بعد.

لكن المكون الديني لم يكن غائبا تماما داخل التشريع الفني الجاهلي الذي استمر سائدا، بل إن تأثيرات المنظومة الفكرية والعقائدية الجديدة على بعض تشكلات المعنى وعلى اللغة كانت واضحة، لكن عنصر الدين في بداية الإسلام ارتبط بالهوية وسط الصراع بين ضفتين أو معسكرين، فإذا كان تمايز الهويتين من الناحية الفنية غير ممكن، فإن الدين سيشكل الهوية الجديدة لمجموعة تقاتل من أجل الوجود، فالمسألة السياسية لا تجد تعبيرا ممكنا لها إلا في نطاق الصراع الديني، ومن ثم يأخذ أهمية خاصة في النص الشعري.

لقد كتب حسان بن ثابت يقول بعد مقدمة في وصف الأطلال والمرأة(13):

عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء
يبارين الأسنة مصعدات على أكنافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخمر النساء
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء

فالنص مكون من التقابل بين ضدين، يرمز حسان بضمير الجمع المتكلمين (نا) وحتى من خلال نفسه إلى الجماعة والهوية الجديدة، ويختصر بضمائر المخاطب الهوية المناوئة، فهما يكونان في النهاية طرفي الصراع. ولكن النص ينبني على شحن العناصر الجديدة الدالة على مضمون فخري ومدحي وهجائي جديد، يستند إلى الدين ويتعالق مع نصوصه، فنسبة العون إلى الله وتأييده لهم بالجند، ووجود جبريل الذي لا كفاء له إلى جنبهم، يضمر تساميا عن الطرف الآخر الذي لا ملاذ له إلا العباد الضعفاء الذين ثبتت هزيمتهم رغم عددهم وعدتهم.

إن عنصر الدين في فترة الصراع الأولى بين المسلمين وغير المسلمين، كان يشكل تجسيدا للهوية، ويرتبط بها، وقد تكون أبيات نهار بن توسعة أكثر وضوحا للتعبير عن مكانة المكون الديني في تشكيل الهوية، وهي قوله(14):

أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا هتفوا ببكر أو تميم
دعي القوم ينصر مدعيه فيلحقه بذي النسب الصميم
وما كرم ولو شرفت جدود ولكن التقي هو الكريم

إن هذه القطعة لشديدة الدلالة على رفض الهوية الجاهلية وتأسيس هوية جديدة، فالفكر والمجتمع الإنساني يؤسس الانتماء طبقا للأبوة، وعليها يكون النسب، ومنه يرفض حصر هويته في قومه بكر، بل يضعها في مقابل هوية أكثر شمولا وحيوية، وهي الإسلام، وهي أكبر من النسب والادعاء والولاء، والشرف يتنزل في أبياته من خلال النص الذي تداخل معها، وهو الذي يحصر تفاوت الناس انطلاقا من معيار التقوى. إن هذه الأبيات يختصرها بيت آخر، أنشده أحد شعراء الخوارج، وهو عمران بن حطان، يقول فيه(15):

فنحن بنو الإسلام والله ربنا وأولى عباد الله بالله من شكر

وإذا كان الأصل الذي انبنى عليه مدلول العنصر الديني كمشكل للهوية واحدا لا يختلف عما ذكره نهار بن توسعة، وكذلك النص القرآني الذي تداخل مع البيت، فإن السياق جد مختلف؛ إذ ابتعد تم حصر دلالة ضمير المجموعة (نحن) في فئة خاصة، لا يدخل ضمنها المجموع الموحد بل فقط أصحاب منظور معين للمقصود من الاعتراف بالربوبية.

إن المسألة هنا أكبر من مجرد فرق تختلف وتتصارع، فهي منقولة من النزاع السياسي إلى تمايه مع هوية مؤسسة على العنصر الديني، ومنه لا تختلف الفرقة المناوئة عن المعسكر الذي كان يناوئ الإسلام في عهده الأول، والنص الشعري هنا يتقاطع مع نفس النصوص الدينية التي كانت تحضر في نصوص شعراء صدر الإسلام، يقول عيسى بن فاتك الخارجي(16):

أألفا مؤمن فيما زعمتم ويهزمكم بآسك أربعونا؟
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ولكن الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة غير شك على الفئة الكثيرة ينصرونا
أطعتم أمر جبار عنيد وما من طاعة للظالمينا

إن هذا النص مهم جدا؛ إذ يرسم انتقال خط المنحنى البياني إلى مؤشر آخر في مؤشرات دلالة العنصر الديني على الهوية، لكن الغريب أنها نفس الهوية التي يتبناها الطرف المناوئ، إلا أن تأويل الشاعر للعناصر العقائدية الأساسية جعله يحصرها في فئة الخوارج فقط، فهم المؤمنون، وحادثة ثبات أربعين رجلا من الخوارج أمام ألف من جنود الخلافة الأموية، تنقله إلى حالة يعيش فيها الماضي المضيء والمثالي حين ثبتت الفئة القليلة في بدر أمام الكثرة المشركة، وينفتح المقطع على النص القرآني "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" (البقرة، 249)، بل وكذلك مع مفهوم الطاعة، وصورة الجبار العنيد في القرآن الكريم وهو يجر إلى النار "واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد" (إبراهيم، 15)، كما يحضر نص مركزي قد يشرح نواة الأبيات كلها، وهو الحديث الذي يمنع من طاعة الظالم؛ ذلك أن الموقف حول من محض المنظور أو الاختيار السياسي إلى التوجه الديني.

فرغم أن مذهبهم سياسي في حقيقته "إلا أنه مؤسس على فكرة دينية"(17)، وقد لاحظ أحمد أمين أهمية العنصر الديني في أدب الخوارج عموما(18)، لكنهم لم يتمثلوا فيه العنصر الديني على نحو المذاهب الأخرى؛ إذ لم يكن شعورهم الديني "شعور المفكرين المتفلسفين، وإنما كان شعور أعراب سذج لم يدرسوا ويبحثوا، أو يعللوا ويحللوا، ولهذا لا نجد في أدبهم جدالا أو دفاعا بالحجج والبراهين، وإنما نجد نغما دينيا قويا في إيمانه"(19).

فنصوص الخوارج تعاملت مع العنصر الديني انطلاقا، لا من التركيز على المرسل بل على الرسالة نفسها، ومن ثم لم يعنهم الجدل والنقاش العقائدي أو السياسي الدائر بين الفرقاء، وإنما من خلال دلالاته الأساسية التي تفترض منظورا شاملا للواقع، ومنه الغربة التامة التي يصورها شعرهم والانقطاع الكبير بينهم وبين الآخرين، وهو ما أفضى إلى رفض للهوية التي لم يعودوا يعرفون فيها المنظومة العقائدية التي شكلتها في البداية، فبرز مضمون آخر، يلح على هوية جديدة، هي هوية الخارجي أو المؤمن كما يسمونه.

لقد قال أحد الخوارج (الأصم الضبي) يرثى قتلى إحدى المواقع(20):

إني أدين بما دان الشراة به يوم النخيلة عند الجوسق الخرب
النافرين على منهاج أولهم من الخوارج قبل الشك والريب
قوما إذا ذكروا بالله أو ذكروا خروا من الخوف للأذقان والركب
ساروا إلى الله حتى أنزلوا غرفا من الأرائك في بيت من الذهب

إن المكونات الأساسية لهذا المقطع تشرح الصورة التي تحول إليها المكون الديني في هذا الشعر، ولفظ (الديانة) و(المنهاج) معادل تام وشديد الدلالة على الهوية؛ لأن المسكوت عنه فيه، إنما هو ما يفصل بينه وبين ما يدين به الآخر، وليست الصورة المرسومة للخارجي في شدة التعبد إلا ربطا للهوية بأصولها في مدونة المنظومة العقائدية الإسلامية؛ فكأنهم هم المقصودون بالصورة القرآنية للمؤمنين "قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا. ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا" (الإسراء، 107، 108 و109)، فالتكثير من العبادة والخشوع يميز المجموعة وكذلك الموت في سبيل الله، ولهذا ازدحم متنهم الشعري بطلب الموت والإقبال عليه.

وقد لخص صورة عامة لأدب الخوارج وبعبارة وجيزة، المرحوم إحسان عباس، الذي رأى أنه(21): "لون من الشعر زهدي ثوري جامح، يكبر الإنسان الخارجي إكبارا شديدا، لأن كل إنسان ذهب في سبيل العقيدة يعد شهيدا، فهو المثل الأعلى في نظر أصحابه بعد استشهاده، وهو الذي يستحق الرثاء والبكاء، مثلما أن الجماعة الخارجية هي العصبة المثالية التي تمثل الحق، فهي إذن تستحق المدح والثناء؛ ومن ثم كان موضوع هذا الشعر هو الإنسان - الإنسان الخارجي على وجه التحديد، والمحرك الداخلي فيه هو روح التقوى المتطرفة، فهو لذلك أدب قوي يزيد في قوته شدة التلازم بين المذهب الأدبي والحياة العملية". ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن ثورية هذا الشعر تختلف كثيرا عن المواقف الثورية التي عاصرته؛ إذ أفضت إلى القتال ولكن انطلاقا من عقيدة ترفض مشاركة الآخرين في هوية انتهوا إلى كفر أصحابها، أي أن حماستهم على حد تعبير شوقي ضيف "لا تحركها العصبيات القديمة، عصبيات القبيلة التي كانت تقوم على الأخذ بالثأر، وإنما تحركها عصبية حديثة لعقيدتهم السياسية التي تعمقتهم مؤمنين بأنها تطابق تعاليم الدين الحنيف"(22)، وهذه العصبية الحديثة للعقيدة السياسية التي تمظهرت في خطاب شعري ديني كان يرمز إليها شعارهم الشهير (الحكم لله).

لكن إحسان عباس أضاف في عبارته السالفة وصف أدبهم بالزهدي، والحق أن مدلول الزهد مختلف كثيرا عن المتوسل الوعظي والحكمي الذي انتهى إليه شعر الزهد؛ لأن مدلوله الأساسي مرتبط بموقف الرفض والتماهي السياسي مع المذهب والهوية الجديدة. فرفض الدنيا ليس للتركيز على العبادة بصورة مطلقة أو ذاتية تأملية، وإنما رفضها لأنها أيقونة دالة على الهوية المناوئة الظالمة والحاكمة في الغالب. لقد قال عمران بن حطان للفرزدق لما سمعه يمدح(23):

أيها المادح العباد ليعطى إن لله ما بأيدي العباد
فاسأل الله ما طلبت إليهم وارج فضل المقسم العواد
لا تقل في الجواد ما ليس فيه وتسمي البخيل باسم الجواد

فمدح العباد ليس إلا تزلفا يخفي الاستجداء والمسألة، التي تعني في ذهنه طلب دنيا وعطاء لا يملكه الممدوح أصلا، وإنما هو خضوع لا طائل منه؛ بل قد يعتبره كفرا كما قال أحدهم (مسلم بن جبير)(24):

خالفت قومي في دينهم خلاف صبا الريح جاءت جنوبا
أرجي الإله وغفرانه ويرجون درهمهم والجريبا

وهكذا تحول في عقيدته طلب الدنيا إلى دين، وهو مناقض تماما لدين آخر؛ أي دينه هو، لا يتطلع إلا إلى الله والآخرة.

2 - تشكل الشعر الديني (التفاف المكون الديني على ذاته):

إن مقطعوعة النابغة الجعدي المذكورة آنفا لا تعكس تيارا أو حركة شعرية رافقت الإسلام في عهده الأول، فرغم وجود الأساس النظري في القرآن الكريم والسنة بل وفي نماذج الرسول (ص) والزهاد الأوائل كعمر وأبي ذر، إلا أن الشعر لم يتبن خطابا زهديا واضحا وملحا حتى يكتسي مستوى الظاهرة، وكأن الاهتمام به انصب على السلوك والفعل وانصرف عنه في الشعر. لقد كان كارلو نالينو يرى(25) أن شعر الزهد ابتدأ منذ العصر الجاهلي لدى عدي بن زيد العبادي المسيحي، الذي ترك لنا بعض قصائد في الاعتبار والموعظة، أحيطت ببعض الخرافات كتلك القطعة التي أكد أبو الفرج أنها لم تكن سببا في تحول النعمان بن المنذر إلى النصرانية كما يشاع، وهي قوله على لسان القبور(26):

من رآنا فليحدث نفسه أنه موف على قرن زوال
وصروف الدهر لا يبقي لها ولما تأتي به صم الجبال
رب ركب قد أناخوا عندنا يشربون الخمر بالماء الزلال
عمروا دهرا بعيش حسن آمني دهرهم غير عجال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم وكذاك الدهر يودي بالرجال

والفرق واضح جدا بين هذا النص الذي يستند إلى فعل حركة الزمن في الإنسان وتركيزه على صورة وضرورة وقسوة الفناء فقط، حيث لا يبرز مضمون ديني محدد أو مطلق، وبين أبيات النابغة الجعدي السالفة التي تؤسس خطابا وعظيا يستند إلى عظمة الإله وقدرته على البعث انطلاقا من قدرته على الخلق الأول، وإن النص القرآني الذي كثيرا ما قاس بين الخلقين، وأوضح مراحل الخلق ليحضر بقوة في الأبيات، بل يمكن القول إن صورة الرجل (عزير) الذي أعيد إلى الحياة بعد موته مائة عام، لهو النص الذي انبنى عليه تأمل النابغة.

لكن شوقي ضيف يوضح(27) أن الحركية الفكرية والسياق الثقافي الذي توفر في العصر الأموي، وعلى رأسه حركة الزهد والوعظ وعلى رأسها الحسن البصري وبعض الخوارج هي ما أدى إلى اتجاه الشعر إلى استعادة العنصر الديني، "فالشعر الأموي كتب في ظلال نفسية جديدة... وطبيعي أن هؤلاء الشعراء الأمويين الذين حفظوا القرآن الكريم وكانوا يتلونه كل يوم في صلاتهم، ومن حولهم الوعاظ والقصاص يعظونهم، ويوجهونهم إلى ربهم، ويلقون الفزع في قلوبهم من عذابه وعقابه، لا بد أن يتأثروا بذلك"(28).

إن هذه الإفادة مهمة؛ فمن جهة لم يكن إدراك الشاعر الجاهلي - بسبب ثقافته وعقيدته التي لا تحتل فيها الآخرة موقعا كبيرا - مفتوحا على عالم المطلق، ومن جهة أخرى كان شاعر صدر الإسلام مخضرما في الأساس، يتبع فنيا إلى عصر الجاهلية، ويتلقى العقيدة الجديدة بصفته مشاركا في صنع الحدث، ومن ثم لم تطرح أمامه إلا مشكلة الانتماء، وهي ما حول شعره إليها، عكس الشاعر الأموي الذي حسمت مشكلة الهوية قبل مولده، فقد نشأ في جو إسلامي كامل، ولكنه بعيد عن عهد الصراع الذي يدمجه بصفة قوية في منظومته، فتمكنت وسائل الترف واليسر والخطيئة من استلابه، ومن ثم كانت حركة الزهد محاولة لإعادته إلى حالة مجتمع صدر الإسلام.

وقد سبقت الإشارة إلى ارتباط الزهد في المنظور الخارجي بالمبدأ العام في تعاملهم مع العنصر الديني، فمعظم تأملاتهم الزهدية تتصل صراحة بالثورة والقتال، فرفض الدنيا واحتقارها يفضي مباشرة إلى رفض المقبلين عليها من مترفين ظلمة وجائرين، ومنه تفضي إلى قتالهم، لقد تأمل أحد الخوارج (حسان بن جعدة) ما يبنيه ويشيده هؤلاء، فقال(29):

بنوا مقاصر في الدنيا لتخلدهم فمن لهم بخلود في المقاصير
هيهات لن يخلدوا فيها ولو حرصوا حتى تروع أناسا نفخة الصور
قد كان قبلهم قوم فما خلدوا وأصبحوا بين مقتول ومقبور

إن هذه الصورة أساسية في تكوين الشعر الزهدي؛ فمن جهة تتبنى العمود العام لهوية القصيدة الزهدية؛ أي التهوين من شأن الدنيا وإبراز محدودية خط الزمن، ومن ثم إظهار خطأ الدنيوي من جهة أخرى في فهمه وتعامله مع هذه الحقائق، فامتناع الخلود، وحتمية انقطاع الوجود الزمني للإنسان، لا يعصم منه أكبر إنجاز يحتمي خلفه، ومنه تفد صور وأمثلة العظمة الزائلة. ولكن الشاعر يضمن العناصر المستمدة من منظومة الهوية الخارجية؛ لأن الرسالة يشرحها وضعها طبقا للمخاطب، فالمعنيون هم فئة معينة، رسخت في شعرهم لتدل على الظلمة المناوئين.

لكن العنصر الديني في تحوله إلى مظهر الوعظ، أرسى خطابا شعريا دينيا جديدا، على الأخص منذ القرن الثاني الهجري، ويوضح محمد مصطفى هدارة(30) أن "الزهد في هذا القرن إنما هو مذهب له خصائص معينة وله أصول وعناصر يرتكز عليها، وليس مجرد ميل فطري إلى الزهادة وتقوى الله، أو حالة من حالات الإيمان يصورها الشاعر"، فما مر بنا من شعر للخوارج، وعلى الرغم من تضمنه بعض عناصر النص الديني الزهدي، فإن المسألة تختلف حين يتعلق الأمر باتجاه ثابت، لا يتحول فيه العنصر الديني إلى رامز على الهوية، بل يلتف حول ذاته، وينجز لأهداف مغايرة.

لقد بني تعامل شعر الزهد مع المكون الديني على إحساس قوي بحركة الزمن، وحتمية الفناء، وهي المنطوق الأساس فيه؛ إذ عنه تتفرع سائر المعاني، فالموت حقيقة كبرى يوزن من خلالها وجود الإنسان ويتحدد بناء عليها سلوكه، فنهاية المطاف ماثلة أمام الإنسان، وذلك هو حديث القبور تصوره أبو العتاهية(31):

وعظتك أجداث صمت ونعتك أزمنة خفت
وتكلمت عن أوجه تبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك في القبور وأنت حي لم تمت

وهي تعادل الصورة التي وفدت إلى محمد بن يسير وهو جالس(32):

ويل لمن لم يرحم الله ومن تكون النار مثواه
يا حسرتى في كل يوم مضى يذكرني الموت وأنساه
من طال في الدنيا به عمره وعاش فالموت قصاراه
كأنه قد قيل في مجلس قد كنت آتيه وأغشاه
صار اليسيري إلى ربه يرحمنا الله وإياه

يمكن أن نلحظ قسوة صورتنا وقد متنا، فذكرنا الأصدقاء فترحموا علينا، لقد تم نقل المتلقي إلى بعد زمني آخر، فالماضي ليس الذاكرة بل هو الحي المتكلم نفسه، والصورة يعيشها يوميا أمام جنائز الأصدقاء والجيرة، لكن أبا العتاهية يضع القبور بينه وبين المخاطب، ويمحي من النص، فيتحول الخطاب بين المتلقي والقبور نفسها، وهي موعظة صامتة، لا تتم بالكلمات بل بالصور والرموز. ويمكن أن تفجأ بقسوة خليفة أو حاكما في لحظات متعة وأنس فيبكي ويتأثر، فقد بكى المتوكل ورفع الشراب حين أنشده الحماني(33):

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا أين الأسرة والتيجان والحلل
وأفصح القبر عنهم حين ساءلهم تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما عمروا دورا لتحصنهم ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا

غير أن المسعى الوعظي في هذا النص ترسخ وامتد حتى جر المركب النصي كله تحت ضغط الرغبة في إيصال رسالة جد مبسطة وواضحة إلى منحى مغاير، حول شعر الزهد تماما ونهائيا عن وجهته. فقد أدت النتيجة التي استخلصت من العبرة العامة والأولية إلى الانتقال إلى نتائجها وما ينجر عنها في السلوك، فتحول التركيز من المؤثرات التكوينية الأساسية في العنصر الديني، إلى منظومة عقلية استقرت في إطار تعليمي لا يختلف كثيرا عن الشعر التعليمي المعروف، ولهذا قال أبو العتاهية حين تحدث عن شعر الزهد والأمثال والحكم الذي احترفه فأخرجه من دائرة اهتمام الملوك والمتخصصين في الشعر والغريب، وقال إن أشغف الناس به "الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة"(34). ومنه فقد ضاقت المسافة بسبب التوجه التهذيبي بينه وبين شعر الأمثال، فنظمت قصائد زهدية كثيرة بنيت على التلقي العقلي والذهني لمضمون الرسالة الشعرية، وكانت مثلا أرجوزة مزدوجة طويلة لأبي العتاهية سماها (ذات الأمثال)، قيل إنها أربعة آلاف بيت، مطلعها(35):

حسبك مما تبتغيه القوت ما أكثر القوت لمن يموت
الفقر فيما جاوز الكفافا من اتقى الله رجا وخافا
هي المقادير فلمني أو فذر إن كنت أخطأت فما أخطا القدر
لكل ما يؤذي، وإن قل ألم ما أطول الليل على من لم ينم
ما انتفع المرء بمثل عقله وخير ذخر المرء حسن فعله

وهكذا، فإن التفاف الخطاب الشعري الديني على ذاته، تحول إلى بنية أسلوبية مباشرة، أبعدته من دلالاته التي بدأ عليها، وانتهى في كثير من الأحيان إلى خطبة تهذيبية وعظية.

3 - الاتجاه إلى المطلق والمعرفة المباشرة:

إن الصورة التكوينية المرتبطة بالمعرفة الأساسية والإحساس، وهي مكونات ضرورية في العنصر الديني غابت عن مدونة الشعر الزهدي، ولكنها انتقلت في صورة أخرى، أكثر عمقا وأشد ارتباطا بالإلهي في صورته المطلقة. ففي الوقت الذي كان أبو العتاهية وأضرابه يتوجهون بالنص الديني نحو النظم الزهدي، كان آخرون يؤسسون - بعيدا عن المسار العام والممهد للفن الشعري - تكوينا جديدا لشعر ديني، أعاد عنصره الخام، حتى أن علاقته بالشعر الديني نفسه محل نقاش، كما أن علاقة بشعر الزهد ليست بالقوة التي قد نتصورها دون فحص.

ولننظر في تأريخ القشيري للتصوف، فقد صنف أهل الديانة إلى صحابة ثم تابعين ثم أتباع التابعين، "ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم عناية شديدة بأمر الدين (الزهاد والعباد). ثم ظهرت البدع، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادا، فانفرد خواص أهل السنة، المراعون أنفاسهم مع الله تعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم (التصوف)، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين للهجرة"(36).

ومن السهل أن نستنتج من هذه الإفادة تفرقتهم الواضحة بين تعامل الشعر الزهدي مع المكون الديني وحضوره في النص الصوفي، كما أنه يعتبر الصوفية خواص أهل السنة، وأن مدار الموضوع كله هو القلب لا العقل، وهذا فرق أساسي بين المنحيين؛ لأن الزهد مسار انطلق من النص القرآني نفسه، فكان المتنزهون يحذرون الدنيا بسبب عواقبها، ومنه بنوا تصورا شاملا عقلنوا فيه سلوك الزاهد وخلقه، بينما اتجه الصوفي إلى تأويل إحساسه وباطنه للعلاقة بالذات الإلهية نفسها. وقد أوضح أحمد أمين أن التصوف لم يظهر إلا بعد اختلاط المسلمين بأجناس وثقافات وديانات أخرى، فأبو يزيد البسطامي فارسي أدخل فكرة الفناء في الله، ومعروف الكرخي (ت 200هـ) من أصل مسيحي فارسي كان يقول أقوالا لم يكن مألوفة من قبل، ورابعة العدوية (ت 180هـ) العربية ملأت التصوف بحب لله، وكان أبو سليمان عبد الرحمن الداراني (ت 215هـ) يقول: "لو تمثلت المعرفة رجلا لهلك كل من نظر إليها لفرط جمالها وحسنها ولطفها، ولبدا كل نور ظلاما إلى بهائها"(37).

إن هذه العبارة مهمة؛ فتركيز العنصر الديني في النص الصوفي على الذات الإلهية جعله يجردها من الهوية التي انبثقت عن المنظومة الإسلامية، فالله معبود الإنسان ككل، والفرق - في النهاية - بين تصور المسلمين وغيرهم له، هو فرق لا يكمن في الشعور نحو الله أو تصوره العام، بل في الممارسة والتحديدات التي ضبطتها كل عقيدة للذات الإلهية، ولكن إذا تم تجريد التصور الإنساني للذات الإلهية من هذه التحديدات - وهو ما يحدث في حال التواصل والتأمل - فإن التلقي البشري لشعور الإيمان والاتصال، وبالتالي التصوف واحد. وهاهنا يلتقي النص الصوفي مهما كانت اللغة التي كتب بها، ومهما كانت الديانة التي تكون في إطار نظامها العقائدي؛ لأن الصورة المجردة لمفهوم الألوهية في النهاية واحدة. ويبدو أن هذه المسألة أساسية؛ لأنها تشرح التواصل الذي حدث بين التصوف الإسلامي ومختلف مدونات التصوف في الثقافات الأخرى. لقد كان الحلاج يقول(38): "واعلم أن اليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف". لأن تجاوز الشاعر لأصول والشعائر الخاصة بكل عقيدة أو ديانة وانتقاله إلى ما هو أساسي في الدين كدين، ألقى له جسورا ليلتقي مع الممارسة الدينية في مستواها الداخلي وهو الحقيقي أو المقصود من الدين كله كما قال الحلاج، وقد عبر عن ذلك ابن عربي فقال(39):

لقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني

ورغم أن له تفسيرا مغايرا للنص، إلا أن حضور مركبات مرتبطة بديانات أخرى، كون سياقا صدميا ومناوئا وعلى الخصوص في مجرى ديني بحت. بل إن الحرج يتطرف أكثر في هذه البنية اللامألوفة، فيقول مثلا في السوق(40):

ألا أبلغ أحبائي بأني ركبت البحر وانكسر السفينه
على دين الصليب يكون موتي ولا البطحا أريد ولا المدينه

وتبعه رجل، فوجده في داره يصلي ويقرأ القرآن ويبكي، فسأله عن معنى هذا التناقض، فقال: "أن تقتل هذه الملعونة، وأشار إلى نفسه". فاعتناق دين الحب هو توسيع لظاهرة الإيمان نفسها أينما كانت، والموت على دين الصليب، إشارة إلى شدة التعلق بالمطلق، إلى حد الفناء.

ومنه، فإن المدار كله على الحالة، حالة إدراك المطلق، التي تمنح معرفة لا توفرها الممارسة الدينية العادية بالجوارح الظاهرة، ولا توفرها آليات إنتاج النص العادي، ولا يوفرها النص المقدس أيضا إذا اعتبر ظاهرا فقط. فالنص الأدبي الديني هنا، هو نقل لحالة فريدة ومتميزة، وهي تجربة استبطانية(41)؛ ولهذا لن تكـون إلا شعرية؛ أي أن المسافة التي ستفصل النثر عن الشعر ستكون شبه منعدمة.

إن شعرية هذه التجربة تشرح المنظور العام والأساسي للصوفية، والمتعلق بالمعرفة، فقد التقوا جميعا عند قصور الوسيلة الحسية أو العقلية لإدراك المعرفة المرجوة، ومنه أهمية الوصول إلى وسيلة مباشرة لبلوغها، ويطلق عليها العرفان (Gnose) لأنها نوع أسمى من المعرفة(42)، لقد أوضح أبو علي الدقاق أن: "الناس إما أصحاب النقل والأثر وإما أرباب العقل والفكر، وشيوخ هذه الطائفة الصوفية ارتقوا عن هذه الجملة. فالذي للناس غيب فهو لهم ظهور، والذي للخلق من المعارف مقصود، فلهم من الحق سبحانه موجود، فهم أهل الوصال والناس أهل الاستدلال"(43). والعبارة تؤسس تناقضا بين موقفين مختلفين تماما، على الأخص بين الاستدلال المنطقي وبين الوصال؛ أي الذوق، أو التجربة.

إن تجريد النص الشعري الديني من المستندات الدينية العادية، وتركيزه على المطلق، حوله إلى بنية مختلفة تماما؛ لأن التعبير عن تجربة غامضة ورؤى غير واضحة، أفضى إلى تبني أسلوب صدم الذائقة الأدبية العربية، ولم تتمكن الممارسة النقدية والتشريع الأدبي السائد من مباشرته، بل اكتفت بإقصائه بعيدا عن المدونة الأدبية الموروثة، كما أنه بقي في الوقت نفسه تعاملا مع العنصر الديني مختلفا عن تعامل الشعر الزهدي المعهود، وهي بالتالي تجربة، رغم انتشارها وسيادتها قرونا، إلا أنه لم يكتب لها الاعتراف ضمن الدراسة الأدبية التقليدية.

الهوامش:
1 - علي البطل: الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري، دراسة في أصولها وتطورها، دار الأندلس، ط2، بيروت 1981، ص 42.
2 - دني هويسمان: علم الجمال، ترجمة ظافر الحسن، ط2، الجزائر 1975، ص 185.
3 - فيليب فان تيغم: المذاهب الأدبية الكبرى في فرنسا، ترجمة فريد أنطونيوس، دار عويدات، ط2، بيروت 1982، ص 12.
4 - علي البطل: الصورة في الشعر العربي، ص 47 وما بعدها.
5 - المرجع نفسه، ص 181 وما بعدها.
6 - المرجع نفسه، ص 58-59.
7 - ديوان الأعشى، دار بيروت، بيروت 1980، ص 92.
8 - ابن قتيبة: الشعر والشعراء، تحقيق مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 227.
9 - أبو العلاء المعري: رسالة الغفران، تحقيق عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، دار المعارف، ط6، مصر 1977، ص 535.
10 - نفسه.
11 - انظر، قدامة بن جعفر: نقد الشعر، تح. كمال مصطفى، مكتبة الخانجي، ط3، القاهرة، ص 21.
12 - ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ص 132.
13 - ديوان حسان بن ثابت الأنصاري، مطبعة الإمام، مصر، (د.ت)، ص 9.
14 - ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ص 271.
15 - إحسان عباس: ديوان شعر الخوارج، دار الشروق، ط4، مصر 1982، ص 183.
16 - المصدر نفسه، ص 68.
17 - محمد مصطفى هدارة: اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري، دار المعارف، ط2، القاهرة، (د.ت)، ص 324.
18 - أحمد أمين: ضحى الإسلام، دار الكتاب العربي، ط10، بيروت، ج3، ص 340 وما بعدها.
19 - سهير القلماوي: أدب الخوارج في العصر الأموي، لجنة التأليف والترجمة، مصر 1945، ص 41.
20 - إحسان عباس: ديوان شعر الخوارج، ص 139.
21 - المصدر نفسه، ص 19.
22 - شوقي ضيف: العصر الإسلامي، دار المعارف، ط8، مصر، (د.ت)، ص 302.
23 - إحسان عباس: ديوان شعر الخوارج، ص 176.
24 - المصدر نفسه، ص 97.
25 - كارلو نالينو: تاريخ الآداب العربية، دار المعارف، مصر 1954، ص 78.
26 - أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، ج2، ص 111-112.
27 - شوقي ضيف: التطور والتجديد في الشعر الأموي، دار المعارف، ط6، مصر، (د.ت)، ص 59.
28 - المصدر نفسه، ص 26-78.
29 - إحسان عباس: ديوان شعر الخوارج، ص 214.
30 - محمد مصطفى هدارة: اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري، ص 284.
31 - ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ص 411.
32 - محمد مصطفى هدارة: المصدر السابق، ص 308.
33 - شوقي ضيف: العصر العباسي الثاني، دار المعارف، مصر، (د.ت)، ج2، ص 474.
34 - أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، ج4، ص 72.
35 - المصدر نفسه، ج4، ص 38.
36 - عبد الكريم القشيري: الرسالة القشيرية في علم التصوف، تحقيق معروف زريق وعلي عبد الحميد بلطه جي، دار الجيل، ط2، بيروت، (د.ت)، ص 389.
37 - أحمد أمين: ظهر الإسلام، دار الكتاب العربي، ط5، بيروت 1969، ج2، ص 58.
38 - الحلاج: أخبار الحلاج مطبوع مع الديوان والطواسين، تحقيق محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 1998، ص 55.
39 - محي الدين بن عربي: ترجمان الأشواق، دار بيروت، بيروت 1981، ص 43.
40 - الحلاج: المصدر السابق، ص 58.
41 - محمد أركون: الفكر العربي، ترجمة عادل العوا، دار عويدات ووكالة المطبوعات الجامعية، ط2، بيروت-الجزائر 1982، ص 118. يقول: "فمن حيث أن التصوف طريق تحقيق روحي، ونظام زهد يتوخى تحويلا جذريا للأنا النفسية إلى (أنا) عليا تستطيع أن ترقى حتى (الاتحاد بالله)".
42 - محمد الجابري: بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط6، بيروت 2000، ص 251.
43 - عبد الكريم القشيري: الرسالة القشيرية، ص 378. وينظر، محمد عابد الجابري: المصدر السابق، ص 251.
References:
1 - Abbās, Iḥsān: Dīwān shi‘r al-Khawārij, Dār al-Shurūq, 4th ed., Cairo 1982.
2 - Al-A‘shā: Dīwān, Dār Beyrout, Beirut 1980.
3 - Al-Baṭal, ‘Alī: As-ṣūra fī ash-shi‘r al-‘arabī ḥattā ākhar al-qarn ath-thānī al-hijrī, Dār al-Andalus, 2nd ed., Beirut 1981.
4 - Al-Ḥallāj: Akhbār al-Ḥallāj, edited by Muḥammad Bāsil ‘Uyūn al-Sūd, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, 1st ed., Beirut 1998.
5 - Al-Jābirī, Muḥammad: Bunyat al-‘aql al-‘arabī, Markaz Dirāsāt al-Waḥda al-‘Arabiyya, 6th ed., Beirut 2000.
6 - Al-Ma‘arrī, Abū al-‘Alā’: Risālat al-ghufrān, edited by ‘Ā’isha ‘Abd al-Raḥmān, Dār al-Ma‘ārif, 6th ed., Cairo 1977.
7 - Al-Qalamawī, Suhayr: Adab al-Khawārij fī al-‘aṣr al-’umawī, Lajnat al-Ta’līf wa al-Tarjama, Cairo 1945.
8 - Al-Qushayrī, ‘Abd al-Karīm: Al-risāla al-qushayriyya fī ‘ilm as-ṣarf, edited by Ma‘rūf Razzīq and ‘Alī ‘Abd al-Ḥamīd, Dār al-Jil, 2nd ed., Beirut (n.d.).
9 - Amīn, Aḥmad: Ḍuḥā al-Islām, Dār al-Kitāb al-‘Arabī, 10th ed., Beirut.
10 - Arkoun, Mohammed: Al-fikr al-‘arabī, (La pensée arabe), translated by ‘Adil al-‘Awwā, Dār Oueidat-OPU, 2nd ed., Beyrouth-Alger 1982.
11 - Ḍayf, Shawkī: Al-‘aṣr al-‘abbāssī ath-thānī, Dār al-Ma‘ārif, Cairo (n.d.).
12 - Ḍayf, Shawkī: Al-‘aṣr al-islāmī, Dār al-Ma‘ārif, 8th ed., Cairo (n.d.).
13 - Ḍayf, Shawkī: At-taṭawwur wa at-tajdīd fī ash-shi‘r al-’umawī, Dār al-Ma‘ārif, 6th ed., Cairo (n.d.).
14 - Haddāra, M. Mustafa: Ittijahāt ash-shi‘r al-‘arabī fī al-qarn ath-thānī al-hijrī, Dār al-Ma‘ārif, 2nd ed., Cairo (n.d.).
15 - Huisman, Denis: ‘Ilm al-jamāl, (L'esthétique), translated by Ẓafar al-Ḥassan, SNED, 2nd ed., Alger 1975.
16 - Ibn ‘Arabī, Muḥyī al-Dīn: Tarjumān al-ashwāq, Dār Beyrout, Beirut 1981.
17 - Ibn Ja‘far, Qudāma: Naqd ash-shi‘r, edited by Kamāl Mustafa, Maktabat al-Khānjī, 3rd ed., Cairo.
18 - Ibn Qutayba: Ash-shi‘r wa ash-shu‘arā’, edited by Mufīd Qumayḥa, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, Beirut.
19 - Ibn Thābit, Ḥassān: Dīwān, Matba‘at al-Imām, Egypt (n.d.).
20 - Nallino, Carlo Alfonso: Tārīkh al-adāb al-‘arabiyya, Dār al-Ma‘ārif, Cairo 1945.
21 - Van Tieghem, Philippe: Al-madhāhib al-adabiyya al-kubra fī Farança, (Les grandes doctrines littéraires en France), translated by Farīd Antonius, Dār Oueidat, 2nd ed., Beirut 1982.
الإحالة إلى المقال:

* د. عباس بن يحيى: تحولات المكون الديني في الشعر العربي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الأول، يونيو 2004. http://annales.univ-mosta.dz

***