الأدب الإسلامي والمنحى النفسي

محمد بلبشير
جامعة تلمسان، الجزائر

الملخص:

لا شك أن العلاقة بين الأدب الإسلامي وعلم النفس وطيدة جدا، ولا تحتاج إلى إثبات، وكل ما قد تدعو الحاجة إليه هو كشف هذه العلاقة وشرح عناصرها، على أي نحو يرتبط الأدب الإسلامي بالنفس؟ على هذا الأساس سوف نتناول موضوع الأدب الإسلامي والمنحى النفسي في إطار النظرة الشمولية عن الأدب الإسلامي وصلته بعلم النفس.

الكلمات الدالة:

الأدب الإسلامي، الاتجاه النفسي، الإبداع الأدبي، الوجدان، الذاتية.

***
Islamic literature and psychological orientation

Mohamed Belbachir
University of Tlemcen, Algeria

Abstract:

There is no doubt that the relationship between Islamic literature and psychology is very close, and does not need to be proven. All that may be needed is to reveal this relationship and explain its elements, in what way Islamic literature relates to the soul? On this basis, we will deal with the topic of Islamic literature and the psychological approach within the framework of a holistic view of Islamic literature and its relationship to psychology.

Keywords:

Islamic literature, psychological trend, creativity, conscience, subjectivity.

***

النص:

1 - مفهوم الأدب الإسلامي:

إن الحديث عن "الأدب الإسلامي" يضعنا أمام إشكالية منهجية ينبغي تجاوزها أولا، كي نتمكن بعد ذلك من إعطاء تعريف "للأدب الإسلامي". فأي علاقة بين الأدب والدين؟ لماذا الأدب الإسلامي؟ نعتقد أن هذه الإشكالية التي ينبغي تجاوزها لتعريف الأدب الإسلامي.

ولاشك أن العلاقة بين الأدب والدين وطيدة جدا ولم تنقطع عبر العصور، فعند العرب لم يحدث الانفصام بين الدين والأدب إلا عند انصرافهم - قليلا - عن قول الشعر في أول الإسلام بسبب الأسلوب المعجز، الذي أدهشهم، والنموذج الأجمل الذي وقفوا معه ورأوا أن كل أسلوب آخر لا يقف إزاءه حيث قال ابن خلدون "ثم انصرف العرب عنه - الشعر - أول الإسلام بما شغلهم من أمر الدين والنبوة والوحي، وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه، فاحرسوا عن ذلك، وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانا، ثم استقر ذلك، وأونس الرشد من الملة، ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وخطره وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وأثاب عليه، فرجعوا حينئذ إلى دينهم منه"(1).

أما في أوربا فقد حدث الانفصام بين الدين والأدب في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر، حين راح الإنسان الأوربي يبحث عن بدائل للدين في الفلسفات البشرية التي اتجهت في أغلبها إلى الماديات، خاصة بعد الكشوفات التي حققها العلم في هذا المجال(2). فمهما يكن من أمر، فإن الأدب مهما ينفصل عن الدين فإنه لم ينفصل عن معتقد أو عقيدة توجهه، أيا كانت هذه العقيدة وأيا كان مصدرها. ويعرف الدين بأنه "وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات، وإلى الخير في السلوك والمعاملات"(3)، فهو تصور شامل للكون والحياة والإنسان ينعكس أثره على الفرد في سلوكه وثقافاته.

أما الأدب فهو "الكلام الإنشائي البليغ الذي يحمل الكثير من الأخيلة والتصويرات والإيحاءات"(4). فالأدب وسيلة لتصوير أحاسيس الإنسان تجاه الطبيعة التي ولد وعاش فيها، كما أنه وسيلة لتسجيل مخاوفه ومباهجه في هذا الوسط، وأداة تعبير عن موقفه من العلاقات الاجتماعية.

ولما كان الدين غريزة فطرية لصيقة بالكيان الإنساني فإنه يجيب عن تساؤلات الإنسان الكبرى، ويرسم تصوره للوجود، ويحدد له علائقه الإنسانية على تفاوت في طبيعة هذا الدين. لذا كان الشعر في المرحلة الأولى من حياة الإنسان، هو الأداة المفضلة للتعبير عن تصوراته الدينية والاجتماعية، حتى كان العرب في جاهليتهم يختارون قصائد من أشعارهم ويكتبونها بماء الذهب ويعلقونها بأستار الكعبة تعظيما منهم لتلك القصائد وإكبارا لها، بينما كانت الأصنام معقد آمالهم - في الجاهلية - ورجاء نفوسهم تنتشر حول الكعبة.

فعلاقة الأشعار المعلقة على أستار الكعبة، والأصنام المنتشرة حولها، علاقة تعظيم وإكبار، وهذا يعني أن الأدب عامة والشعر خاصة، نشأ في أحضان العقيدة. فالأدب شعور وإيمان، وكذلك الدين شعور وإيمان، فالعلاقة بينهما حميمة، لأن الدين طبيعة الشعر، فكلاهما شخصي وعاطفي. وفي هذا يقول دونلي: "إن الشعور في الدين يكون عبادة، وفي الفن يكون مجسدا للمثل... وكلاهما شخصي يتخللها الشعور والإحساس"(5).

فالفن والأدب مسألة شعورية وجدانية تلتقي فيها أصالة الأديب بالدين، كما يرتبط في كل جوانبه بغاية اجتماعية نابعة من تحديد مفهوم العقيدة والسلوك الإنساني، الذي يمثل أرقى ما وصلت إليه الأديان.

وهكذا فالعلاقة بين الأدب والدين علاقة وثيقة جدا، ذلك لأن رسالة الأدب تهذيب السلوك الإنساني، والدين والأدب فعاليتان إنسانيتان من حيث الممارسة والأداء لا سبيل إلى الاستغناء عنهما.

ومما يلاحظ على العلاقة بين الدين والأدب، أن الأدب يقوم بتثبيت أركان المعتقد الديني، وعلى هذا الأساس ظهر مصطلح "الأدب الإسلامي" فما تعريفه؟

إن لمصطلح الأدب الإسلامي جملة من التعريفات سنوفي بعضها هادفين إلى استخلاص تعريف شامل للأدب الإسلامي:

يعرّف محمد قطب الأدب الإسلامي بقوله: "هو التعبير الجميل عن الكون والحياة والإنسان من خلال تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان... فهو الذي يهيئ اللقاء الكامل بين الجمال والحق، فالجمال حقيقة في هذا الكون والحق هو ذروة الجمال، ومن هنا يلتقيان في القمة التي تلتقي عندها كل حقائق الوجود"(6).

ويعرّفه سيد قطب بقوله: "تعبير موح عن قيم حية ينفعل بها ضمير الفنان، هذه القيم تختلف من نفس إلى نفس ومن بيئة إلى بيئة ومن عصر إلى عصر، لكنها في كل حال تنبثق من تصور معين للحياة والارتباطات فيها بين الإنسان والكون وبين بعض الإنسان وبعض"(7). ويقول عماد الدين خليل معرفا الأدب الإسلامي: "هو تعبير جمالي مؤثر بالكلمة عن التصور الإسلامي للوجود"(8).

وجاء على لسان نجيب الكيلاني في تعريفه للأدب الإسلامي: "إن الأدب الإسلامي تعبير فني جميل مؤثر نابع من ذات مؤمنة مترجم عن الحياة والإنسان والكون وفق الأسس العقائدية للمسلم"(9).

وعلى هذا المعنى نجد تعريف عبد الرحمن الباشا حيث يعرفه بقوله: "هو التعبير الفني الهادف عن واقع الحياة والكون والإنسان على وجدان الأديب، تعبيرا ينبع من التصور الإسلامي للخالق - عز وجل - ومخلوقاته"(10).

كما نجد محمد الغزالي يعطي الفهم الموسع لكلمة الأدب الإسلامي فيقول: "هي ممتدة إلى ساحة الكون والنفس والحياة والتاريخ... تدعم المعروف، وتنفر المنكر"(11).

مما سبق يبدو أن معظم التعاريف المذكورة للأدب الإسلامي أخذت من تعريف محمد قطب، فهي إما اختصار أو شرح له، أو إضافة أو حذف، أو تعديل، ولذلك فليس هناك ما يمنع من جمعها في تعريف واحد يشمل العناصر الأساسية التي اشتملت عليها.

ومن ثم نستطيع القول: "إن الأدب الإسلامي هو الإبداع الأدبي المعبر عن تصور الأديب المسلم للوجود والناس والقيم، انطلاقا من العقيدة الإسلامية". ومما يلاحظ على التعريفات السابقة للأدب الإسلامي أنها ركزت على التعبير والأثر الأدبي، وأغفلت صاحب التعبير، الأديب المبدع، مما يجعلنا - أحيانا - في حيرة إزاء النصوص الإبداعية التي تتفق كليا أو جزئيا مع التصور الإسلامي.

والملاحظة المشتركة في هذه التعريفات أنها تتفق على عنصرين مهمين يتمثلان - في نظرنا - في دعامتين لازمتين لأي عمل أدبي إسلامي وهما: التعبير الفني المؤثر، أو التعبير الجميل والتصور الإسلامي للوجود.

فالتعبير الفني المؤثر هو الثوب الذي تقدم فيه الأفكار ويظهر في قدرة الأديب على التأثير على سامعيه وقارئيه بواسطة خطابه أو أعماله الأدبية (الكتابة...) لأن العمل الأدبي المؤثر يحمل بعدا رسا ليا حضاريا يعتبر أكثر الوسائل فعالية في تربية الرأي العام وتهذيبه حتى يكون قادرا على رفع التحدي القائم أو المرتقب.

أما التصور الإسلامي للوجود، فإن الأديب المسلم يتخذ من الإسلام وحده إطارا مرجعيا في رؤيته لهذه الحياة المتعددة الجوانب والأشكال، فيقف عل مرتكزات ومنهجية واعية، الغاية منها هي حقيقة الرؤية الإسلامية ونظرتها إلى الإنسان، وتقويمه نحو الكمال.

ومن هنا يمكننا القول إن الأدب الإسلامي مرتبط بالأديب المسلم، لأنه إنتاج فني إبداعي للأدباء، ينتمون عقديا للحظيرة الإسلامية، ويعكسون هموم المجتمع ومشاغله وفق الرؤية الإسلامية للكون والحياة والإنسان.

2 - الأدب الإسلامي والمنحى النفسي:

عرفنا أن الأدب الإسلامي هو الأدب الذي يعبر عن التصور الإسلام في الحياة بكل أبعادها وألوانها، لارتباطه ارتباطا عضويا بالسلوك الإنساني والعلاقات الإنسانية المختلفة وكل أعمال الإنسان، كارتباطه بالعقيدة ذاتها، وبالتالي فهو يصور تجربة الإنسان المسلم في الحياة.

وبهذا يمكننا القول بأن أية فكرة تغشى العالم الداخلي للأديب المسلم يستوعبها شعوره وإحساسه الداخلي، ينفعل بها كيانه بحرارة ووجد وصدق، حتى تصبح ميدانا للأثر الأدبي الذي ينتجه الأديب المسلم وبهذه تستوي الفكرة بشرط تمريرها على الكيان الداخلي لهذا الإنسان الذي نسميه الأديب.

وهذا ما تقرره نظرية الأدب الإسلامي، حينما يحتضن الأدب الإسلامي النشاطات الإنسانية كلها تستوعب الحياة وأفكارها وأحاسيسها، بشرط تمريرها على العالم الداخل للأديب، وتفاعلها معها، وألا تصطدم بأي خاصة من خصائص التصور الإسلامي.

فالأديب المسلم، بما في داخله من إحساس عميق بهذه الخصائص من التصور فإنه لا يتجاوب مع أية أطروحة في ميدان المادة أو العلم أو الفكر، ولن يصبح كيانه الداخلي عشا لتفريخ هذه الميادين، بل إن مرآته الداخلية لن ينعكس عليها إلا ما يتجاوب مع خصائص التصور التي يؤمن بها، والتي هو بذاته جزءا منها وروحا معبرا عنها.

فالأديب المسلم يعلم أنه صاحب رسالة، وطالب غاية، كما أن محور خطابه هو الإنسان روحا وعقلا، فكرا وعاطفة، لذلك يعمل الأدب الإسلامي على انتقاء الموافق التي تنمي رصيد الفكر الإنساني البناء.

وإذا كان الأديب المسلم يعكس مشاعره وفق الرؤية الإسلامية للكون والحياة والإنسان، فإن نظرية الأدب الإسلامي ترفض الاتجاه إلى تعامل الأديب مع الحياة وتعبيره عن أسرارها ومظاهرها إلا إذا استوعب حقائق الحياة، واطلع على مجالات الوعي والفهم الإنساني لطبيعة هذه الحقائق(12). فمن الثابت لدى أحدث النظريات النفسية، أن الإبداع يرتبط ارتباطا وثيقا بالانفعالية والتوتر النفسي(13)، ومن الطبيعي أن يحس الأديب المسلم بهذه الظاهرة.

غير أننا لا يمكن حصر الأديب في ميدان خاص من ميادين الحياة، فقد يطغى ميدان على ميدان من ميادين الحياة هذه في نتاجه الأدبي، وهذا بناء على تكوينه ومزاجه الخاص وخضوعا لروح العصر والاستجابة للواقع المتغير، وقد يختفي اهتمام ويبرز اهتمام جديد شريطة تمرير فكرته على كيانه الداخلي كما أسلفنا، ولكن هذا لا ينفي ذاتية الأديب في تعامله مع الوجود بكل عناصره، حسب درجة هذا التعامل وحرارته، فما الذاتية الإسلامية في الأدب الإسلامي؟

3 - الأدب والذاتية الإسلامية:

أول ما يلفت انتباه الباحث أننا نجد مصطلحين هي شبيهة بمصطلح الذاتية وهي: "الآنية" و"الشخصية" غير أننا نفضل مصطلح الذاتية في الدراسات الأدبية(14).

فمصطلح الذاتية هو أدق من مصطلح "الآنية" لأن الآنية أقرب إلى النواحي النفسية، كما أنها أكثر إلصاقا بالجانب الفردي، وفيها أيضا ملحظ "الأنانية"، على حين نلحظ في كلمة "الذاتية" الجانبين الفردي والجماعي معا. وفي نفس الوقت، تعتبر كلمة الذاتية أكثر وضوحا في الوفاء بالغرض الأدبي من كلمة الشخصية، لأن هذه الأخيرة وإن كانت تأتي بمعنى "الذات" في الدراسات الأدبية، إلا أنها تأتي بمعنى "النموذج البشري" أو "الشخصية المبدعة" في القصة أو المسرحية(15). وبالتالي فالذاتية ليست "الآنية" لأن الآنية مقصورة على الجانب الفردي، وليست "الشخصية" لأن الشخصية قد تعني الذات المبدعة فينا فقط.

وإذا حاولنا تحديد معالم الذاتية نجدها ترتكز على الأسس التالية:
أ - الوعي الكوني الصادر عن عقيدة محددة.
ب - السلوك الجمعي المشترك بين جماعة بشرية والقائم على مجموعة من الأحكام والقوانين الفقهية والشرعية المميزة لهذه الجماعة.
جـ - الشعور الفردي الخاص المرتبط بالوعي الكوني والسلوك الجمعي.
إن هذه المعالم متداخلة مع بعضها، فمعلم السلوك الجمعي متداخل مع معلم الشعور الفردي الخاص، لأن الجمع ينقلون الثقافة إلى الفرد... بيد أن الذي يهمنا هنا هو معلم الوعي الكوني الصادر عن عقيدة محددة، أي المعلم العقيدي الذي ينتمي إليه الأديب.

فالذاتية "تؤثر بمتطلبات مضمونية معينة ومحددة، وتحدد خط تصاعد التكوين الفني واستمراره، مبرزة طرقه وأساليبه للوصول إلى عملية التحقيق الأدبي أو الفني"(16).

وتنقسم الذاتية إلى قسمين:
1 - ذاتية الانتماء:

وهي كل ما ينتمي إلى الشخص، أو ينتمي الشخص إليه. وبذلك نشعر فيها بمعنى التملك أو التمازج والتآلف، فهي مجموعة الارتباطات المتعلقة بأشياء مادية ومعنوية على حد سواء. هذه الأشياء وإن لم تكن مملوكة لنا كأشخاص - بالمعنى القانوني أو الفقهي للملكية - إلا أننا نشعر بها ونتحدث عنها دائما على أنها لنا، بمعنى أننا نملكها وتملكنا، نحرص عليها، ندافع عنها، وقد نموت في سبيلها.

هذا النوع من الملكية والانتماء، يشمل كل مكونات التراث الإسلامي، وكل ما يتصل بذات الشاعر المسلم: العقيدة، والرسول صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم، الصحابة والخلفاء الراشدين والتاريخ، المعارك، والمعاهد والكتب، الأسماء والأعلام طرائق المعاش، حكمة آبائنا، حلم أطفالنا، أمنياتنا، آمالنا، جراحنا، همومنا، عذابنا، قضايانا، كل شيء مادة كان أو جوهر، وقد تتسع ذاتية الانتماء وتسمو فتشمل العرض والجوهر، المادي والروحي، المحسوس وما استقر في الوجدان دون شعور مباشر به(17).

ولكنها أيضا قد تضيف وتسف إلى حد الارتباط بالأشكال الفارغة، والمظاهر المادية أو المحسوسة فقط.
2 - ذاتية الوعي:

وهي صفة يملكها الجميع، لكن لا يستطيع أن يعبر عنها سوى الندرة، وهي ليست صفة آلية كامنة في الشعور، وإنما هي نتيجة جهد موجه ذي غاية، فيه تخلو أذهاننا من جميع الارتباطات والانتماء، فنرى بصيرة أكثر نفاذا، ونحس بعواطف أشد انفعالا، ونفكر بعقول أبعد تأثيرا. فالذاتية الإسلامية على هذا النحو أشبه بلحظات التنوير والإشراق التي تعتري النفوس حين تتوله بحب الله فترى بنوره وتتجرد عن كل ما يشغلها عن عالمه العلوي المنزه... إنها (القداحة)، تبعث الشرارة فتلهب الشاعر أو الأديب المسلم... وهي النهر المتدفق الذي تتدفق معه موهبته وفنه(18).

فالشاعر والأديب لا بد له من إدراك هذه المعاني، إذا أراد أن ينشد أدبا إسلامي مبدعا متجددا، يواكب العصر والحضارة الإنسانية، ويحلق في عالم جديد، يشده الإحساس الروحي براحة النفس والذات.

ويرى محمد أحمد حمدون: "إن إدراك وتفصيل وتحليل هذين النوعين من الذاتية هو من عمل الناقد، إلا أن الشاعر قد ينتبه له أحيانا. ها هو ذا محمد حسن عواد في قصيدته (علي بن أبي طالب)، خارج نطاق التشيع، يصرح بحبه للفتى (علي)، ولكنه ليس حب الانتماء، ولا حب الولاء المعروف عند الشيعة، إنما هو الحب لنموذج إنساني رائع في تراثنا نملكه ويملكنا، أما إذا كان ولا بد من انتماء:

فإني امرؤ لست بالمنتمي بديني إلى أحد في الوجود
هكذا يصرح الشاعر ثم يواصل:
سوى بشر فوق هذا الورى تسامى فكان الرسول المجيد
رسول الهدى العالمي العظيم مدى الحب للمنتمين سواء

وبتضييقه لدائرة الانتماء لمحمد وحده صلى الله عليه وسلم، يوسع عواد دائرة وعيه. إذا العلاقة بين الدائرتين علاقة مد وجزر، تمتد إحداهما فتنحسر الأخرى، ومن تم يصبح حب عواد لعلي بن أبي طالب حبا للقيم المتمثلة في شخصه، والممثلة للذات الإسلامية التي ينشدها الشاعر، حبا لأدب (علي)، لرجولته، للتقي، لفصاحته، لمعرفة العدل، لطيب السريرة، لحرية الفكر، للمكرمات، لمعرفة الفضل عند أهله، للتضحية، للزهد، لرشد البصيرة، لصدق العزيمة... وبين الانتماء والوعي يتدفق العطاء الشعري(19).

وإذا كان لنا اختيار آخر يعبر عن وعي الشاعر، وانتمائه العميق إلى الإسلام، دون مذهبية أو تعصب، أو تشيع، وإنما نظرة موضوعية، تعبر عما يحسه الشاعر من خلجات نفسية تعتريه ساعات الإبداع الفني، والفن المبدع، فعلنا أن نقف قليلا، نتفكر في تلك المعاني التي أنشدها أمير الشعراء أحمد شوقي، في قصيدته العصماء (نهج البردة)(20)، التي مطلعها:

ريم على القاع بين البان والعم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
ثم يقف في وصف الرسول (صلى الله عليه وسلم)، منشدا:
محمد صفوة الباري ورحمته وبغية الله من خلق ومن نسم
سناؤه وسناء الشمس طالعة فالمجرم في فلك والضوء في علم
ثم يؤيد أن خطاب الله تعالى له بالقراءة، لم يتنزل على بشر قبله:
ونودي اقرأ تعالى الله قائلها وما الأمين على قول بمتهم
هناك أذن للرحمن فامتلأت أسماع مكة من قدسية النغم
لقبتموه أمين القوم في صغر وما الأمين على قول بمتهم
ثم يكشف عن فصاحته وبلاغته فقول:
يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم
بكل قول كريم أنت قائله تحيي القلوب وتحيي ميت الهمم
ثم ينتقل إلى من مدحوا الرسول عليه الصلاة والسلام، لوجهه الكريم، فيذكر منهم الإمام البوصيري، صاحب البردة، فيقول:
المادحون وأرباب الهوى تبع لصاحب البردة الفيحاء ذي القدم
مديحه فيك حب خالص وهوى فصادق الحب يملي صادق الكلم
الله يشهد أن لا أعارضه من ذا يعارض صوب العارض العرم

والقصيدة طويلة جدا تبرهن على براعة منشدها وأن هذا الإنشاد يبتغي به صاحبه وجه الله الكرم، وليس من ورائه شهرة أو مصلحة دنيوية، وهو انتماء للإسلام بأكمله، وليس لمذهب أو اتجاه معين تبناه الشاعر لنفسه، بل هو تعبير عما يحس به الشاعر من تجربة صادقة نابعة من أحاسيسه، وشعوره، ووظف الشعر فها كل ما يملك من مهارات فنية وإبداعية.

ويمكن أن ننهي بحثنا بالنتائج التالية: - لا يمكن فصل الأدب عن العقيدة، لأن كليهما يخدمان هدفا واحد وهو الإنسان والمجتمع.
- إن الإطار الإسلامي للأدب بشعره ونثره، هو الحل الأصوب لدراسة أدبيات العصور المختلفة.
- إن وجهة النظر الإسلامية في فهم الظاهرة الإبداعية في الأدب تلتمس الفهم في الاستعانة بطبيعة التصور الإسلامي للإنسان، وتفيد من كثير مما حققه الإنسان نفسه من علوم كاشفة لذاته.
- إن تأسيس دراسات أدبية على علم النفس تنسجم وطبيعة النفس البشرية؟ وفق الرؤية الإسلامية، يكون لنا منهجا سليما يعيننا على فهم ما حولنا فضلا عن فهم ذواتنا بصورة أعمق وأشمل.

الهوامش:
1 - ابن خلدون: المقدمة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1984، ص 513.
2 - حسام الخطيب: الأدب الأوربي تطوره ونشأته، مكتبة أطلس، دمشق 1972، ص 215.
3 - محمد عبد الله دراز: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، دار القلم، الكويت، ص 33.
4 - شوقي ضيف: العصر الجاهلي، دار المعارف، ط7، القاهرة 1976م، ص 30.
5 - انظر،
F. P. Donnelley: Art principles, in Literature, New York 1923, p. 31.
6 - محمد قطب: منهج الفن الإسلامي، دار الشروق، القاهرة 1983، ص 6.
7 - سيد قطب: في التاريخ فكرة ومنهاج، دار الشروق، ط6، القاهرة 1986، ص 11.
8 - عماد الدين خليل: مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، مؤسسـة الرسالـة، بيروت 1987، ص 69.
9 - نجيب الكيلاني: مدخل إلى الأدب الإسلامي، كتاب الأمة (سلسلة تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية)، قطر، 1407هـ، ص 36.
10 - عبد الرحمن الباشا: نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد، دار الأدب الإسلامي، القاهرة 2000، ص 92.
11 - نقلا عن عبد الحليم عويس: الأدب الإسلامي، القضية... والحل، مجلة الفيصل العدد 63، يوليو 1982، ص 68.
12 - محمد النويهي: ثقافة الناقد الأدبي، دار صادر، ط2، بيروت 1969، ص 68.
13 - سلوى سامي الملا: الإبداع والتوتر النفسي، دار المعارف، القاهرة 1966، ص 68 وما بعدها.
14 - محمد أحمد حمدون: نحو نظرية للأدب الإسلام، دار المنهل، ط1، جدة، المملكة العربية السعودية 1988، ص 194 وما بعدها.
15 - انظر، نصر الدين إبراهيم: مفهوم الشعر في العقيدة، مجلة التجديد، العـدد 4، 1998، ص 187.
16 - كمال عيد: فلسفة الأدب والفن، الدار العربية، طرابلس الغرب 1978، ص 145.
17 - يراجع: نصر الدين إبراهيم، المرجع السابق، ص 188-189.
18 - كمال عيد: المرجع السابق، ص 26 وما بعدها.
19 - محمد أحمد حمدون: المرجع السابق، ص 124.
20 - ينظر، ديوان أحمد شوقي، دار العودة، بيروت، ص 190-290.
References:
1 - ‘Eid, Kamāl: Falsafat al-adab wa al-fan̊, Al-Dār al-‘Arabiyya, Tripoli, Libya 1978.
2 - Al-Bācha, ‘Abd al-Raḥmān: Naḥwa madh'hab islāmī fī al-adab wa an-naqd, Dār al-Adab al-Islāmī, Cairo 2000.
3 - Al-Khatīb, Husām: Al-adab al-’uruppī taṭawwuruhu wa nash’atuhu, Maktabat Aṭlas, Damascus 1972.
4 - Al-Kilānī, Najīb: Madkhal ilā al-adab al-islāmī, Kitāb al-’Umma, Qatar 1407H.
5 - Al-Mullā, Salwā Sāmi: Al-ibdā‘ wa at-tawattur an-nafsī, Dār al Ma‘ārif, Cairo 1966.
6 - Al-Nuwayhī, Muḥammad: Thaqāfat al-nāqad al-adabī, Dār Ṣādir, 2nd ed., Beirut 1969.
7 - Darrāz, Muḥammad ‘Abdallah: Buḥūth mumahhada li dirāsat tārikh al-adyān, Dār al-Qalam, Kuwait.
8 - Ḍayf, Shawkī: Al-‘aṣr al-jāhilī, Dār al-Ma‘ārif, 7th ed., Cairo 1976.
9 - Donnelley, F. Patrick: Art principles, in Literature, New York 1923.
10 - Ḥamdūn, Muḥammad Aḥmad: Naḥwa naẓariyya li al-adab al-islāmī, Dār al-Manhal, 1st ed., Jeddah 1988.
11 - Ibn Khadūn, ‘Abd al-Raḥmān: Al-muqaddima, ENAL, Alger 1984.
12 - Ibrāhīm, Nasr al-Dīn: Mafhūm ash-shi‘r fī al-‘aqida, Majallat al-Tajdīd, Malaysia, N° 4, 1998.
13 - Khalīl, ‘Emād al-Dīn: Madkhal ilā naẓariyyat al-adab al-islāmī, Mu’assasat al-Risāla, Beirut 1987.
14 - Quṭb, Muḥammad: Manhaj al-fan̊ al-islāmī, Dār al-Shurūq, Cairo 1983.
15 - Quṭb, Sayyid: Fī at-tārīkh fikra wa minhāj, Dār al-Shurūq, 6th ed., Cairo 1986.
16 - Shawkī, Aḥmad: Dīwān, Dār al-‘Awdah, Beirut.
الإحالة إلى المقال:

* محمد بلبشير: الأدب الإسلامي والمنحى النفسي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الأول، يونيو 2004. http://annales.univ-mosta.dz

***