خطب عبد اللطيف حنبلي ميكبرا في رثاء عثمان أيلينلا
دراسة فنية

د. شريف الدين يوسف
جامعة ولاية كوغي، أنيغبا، نيجيريا

الملخص:

تعد الخطابة فنا قولياً نثرياً بلغت أوج مجدها في الأدب العربي النيجيري منذ زمن طويل، وعبد اللطيف حنبلي ميكبرا (Maikabara) من خيرة الأدباء المعاصرين المشهورين في نيجريا بفن الخطابة بأشكالها الأدبية والفنية، وقد بذل جهداً كبيراً في تجديد الخطابة، وكانت خطبه منشئة على مجريات الساعة، وكانت خطبه تكتب بأسلوب عربي فصيح. تهدف هذه المقالة إلى الكشف عن الظواهر الفنية في خطبته في رثاء عثمان أيلينلا (Eleyinla). اعتمد الباحث على المنهج الوصفي لإنجاز هذه الدراسة، بحيث تم النظر في الخطبة من زوايا أدبية مختلفة. وفي النهاية، توصلت الدراسة إلى أن الخطبة المدروسة تتميز بالسمات الفنية التي تكمن في سلامة اللغة، وسهولة الألفاظ، وجودة التصوير، وأسلوب التناص، والتضمين، والالتفات

الكلمات الدالة:

الحطبة، ميكبرا، رثاء، عثمان أيلينلا، نيجيريا.

***
Sermons of Abdullatif Hambaliy Maikabara in mourning
of Uthman Eleyinla

Dr Sherifud-din Yusuf
Kogi State University, Anyigba, Nigeria

Abstract:

Pulpit Sermon, a verbal prose art that reached the height of its glory in Nigerian Arabic literature for a long time. Abd al-Latif Hanbali Maikabara is one the contemporary Pulpit Sermon writers Nigeria that wrote sermon in various topics with literary and artistic forms. His sermons were written in standard Arabic. This article aimed to reveal the artistic phenomena in his sermon on Eleyinla's Morning. The researcher used descriptive approach to complete this study, as the sermon was considered from different literary angles. The results of this studies shown that Pupilt Sermon characterized by the technical characteristics which includes: integrity of the language, ease of pronunciation, quality of portrayal, intertextuality, implication, and attention.

Keywords:

sermon, Maikabara, mourning, Uthman Eleyinla, Nigeria.

***

النص:

المقدمة:

الخطابة فنّ من فنون الكلام، يقصد به التأثير في الجمهور عن طريق السمع والبصر معا لإصلاح المجتمع، ويعد عبد اللطيف ميكبرا أحد العلماء في هذا الجيل الذين تمتاز أعمالهم الأدبية بالجودة والدقة وحسن السبك، وتعتبر اتجاهاتهم الفنية من أرقى الاتجاهات من حيث القوة والوضوح والتعبير، لذلك نرى من المستحسن أن نعالج هذه الظواهر الفنية بدراسة النواحي البلاغية لننظر إلى مدى تضلعه في اللغة العربية ومهارته في إلقاء الخطبة المنبرية ولإبراز إسهاماته في إحياء تراث الأدب العربي النيجيري. فهذه الورقة تضم بين دفتيها دراسة فنية لخطب مختارة من خطب عبد اللطيف حنبلي ميكبرا الاجتماعية. كانت هذه الخطب للناس فيما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم. ولتحقيق هذا المرام تخترق هذه الورقة بعد المقدمة نحو النقاط الأربعة الآتية، ثم الخاتمة، وهي: مفهوم الخطبة، معناها في المفهوم المعجمي والأدبي، ونبذة يسيرة عن عبد اللطيف حنبلي ميكبرا، وعرض خطبته الاجتماعية، ودراسة أسلوبه في الخطبة والنظر في أشكال خطبه ثم الخاتمة.

1 - الخطبة معناها في المفهوم المعجمي والأدبي:

الخطبة من فعل خطب يخطب خطبة، أي وعظ أو قرأ الخطبة على الحاضرين(1). والخطبة فن من فنون النثر ولون من ألوانه تلقى على الناس لإقناعهم برأي أو استمالتهم إلى مبدإ أو توجيههم إلى ما فيه الخير لهم في الدنيا والآخرة(2). وعن الخطبة والجمعة يقول الإلوري: الخطبة ركن من أركان الجمعة بل هي جوهر الجمعة ومن أجل الاستماع لها سقطت ركعتان من ركعات الظهر الأربع فخطبة الجمعة درس أسبوعي وتوعية عامة بالأحداث الجارية ولاتخاذ التدابير اللازمة(3).

2 - أنواع الخطبة:

تنقسم الخطبة إلى أربعة أنواع، الخطبة الدينية والخطبة السياسية والخطبة الاجتماعية والخطبة القضائية، ولكل نوع أسلوبه المميز في اختيار المفردات واستعمال الشواهد المناسبة وإبراز قوة التعبير(4).

من مميزات الخطبة روعة اللفظ، وخلابة العبارة، ووضوح المنهج، وقصر السجع، وكثرة الأمثال. والعرب الجاهليون إلى قصارها أميل لتكون أعلق بالصدور، ومن عادات الخطباء قديما الوقوف على نشر من الأرض أو القيام على ظهر دابة ورفع اليد ووضعها والاستعانة على العبارة بالإشارة، والاعتماد على الصفاح والرماح أو الإشارة بها. ويرِد الإطناب في بعض الخطب الاجتماعية لرغبة الخطيب إلى تفصيل ما يروم.

الخطبة الدينية: هي خطبة الوعظ والإرشاد وما شاكلهما ولم ينقطع هذا اللون من الخطابة في كل عصر من العصور الأدبية، إلا أنها تختلف من عصر لآخر من حيث الكثرة والجودة. وقد ازدهرت في عصرنا هذا وبلغت أوجّها. وكثر الخطباء الواعظون وأصبح الارتجال هو الغالب عليهم ولاسيما بعد أن أنشأ الأزهر قسما للخطابة والوعظ(5)، وتظهر فيها البيانات في مفهوم الدين كما بينتها الشريعة. وخلاصة القول إنها خطبة الوعظ والنصح والدعوة إلى الخير.

الخطبة السياسة: هي الخطبة التي تصدر في مجالس النواب والأحزاب السياسية ونحوها(6). ولقد عرفنا السياسة في بدايتها أنها تعلقت بحسن الإدارة وجودة القيادة والعناية بين الراعي والرعية والرئيس والمرؤوس. وقد يكون من موضوعات الخطب السياسية عبر العصور ما يتعلق بالمنافسات الحربية والمناقشات البرلمانية وغيرها مما يتعلق بسياسة الوطن، وقد أيقظت روح النضال في عصرنا هذا ولها علاقات بالثورات المختلفة في العالم اليوم.

وتمتاز الخطابة السياسية بالواقعية ومحاولة التأثير على الجماهير ومخاطبة عقولهم حينا وعواطفهم حينا آخر، وربما استشهد الخطيب ببيت من الشعر أو بكلمات من النثر المأثور، وربما استعان بعض الخطباء بالآيات القرآنية أو بالأحاديث النبوية.
الخطبة الاجتماعية: هذا النوع من الخطبة يتعلق بإيقاذ القوم إلى مواطن الخطر في حياتهم وإصلاح ما في المجتمع من مفاسد(7). وقد تكون لحثّ الأمة على الوحدة والتعاون بينهم وتنفيرهم عن التنافر والتفرقة. وهي الخطابة التي تلقى عند الشكوى أو التهنئة أو التعزية وغير ذلك. ومنها ما تلقى عند الإملاك والتزويج والصلح والمنازعات والمفاخرات في المجالس(8).

بدأ المجتمع يتغير منذ أن نادى قاسم أمين بتحرير المرأة في عهد النهضة الحديثة عند العرب، وعمل الشيخ محمد عبده على الإصلاح الاجتماعي في نفس العهد، وتناولت الصحف بإسهاب الحديث عما يعانيه الشعب من فقر وجهل ومرض، وألفت الكتب في نقد المجتمع مثل كتاب حديث عيسى بن هشام المويلحي و(ليالي السطيح) لحافظ إبراهيم فامتلأت النوادي والمجتمعات بالخطباء الذين يلقون خطبهم للإصلاح، ويصوّرون حال المجتمع، ويقترحون ألوان العلاج لما ينوء به من أمراض(9).

وتعنى الخطبة الاجتماعية أيضا بالمناسبات الطارئة. وهي أحداث شهيرة تحصل في حياة الأفراد أو البلد، فيبدي الخطيب رأيه حولها. ومنها أيضا قضايا أمة أو شعب أصبحت قضية دولية عالمية، كقضايا فلسطين ونحوها. فالخطيب المدقق ينبغي أن يعالج مثل هذه الموضوعات معالجة شرعية تبين حقيقة هذه القضايا بدون مبالغة ولا تهوين، حيث يتبين من خلالها موقف الإسلام تجاه القضايا لحل مشاكلها. فلا يكتفي بمجرد عرضها. ويلاحظ أن بعض الخطباء قد تطغى عليه الحماسة في ذلك فيبالغ في الموضوع أو يكرر الحديث عنه على نمط واحد وبأسلوب رتيب. وتمتاز الخطبة الاجتماعية بالهدوء في وصف واقع المجتمع، يلجأ الخطيب إلى الإثارة إذا كان يدعو إلى القيام بعمل إصلاحي، أو التخلي عن مفسدة من المفاسد الاجتماعية(10).

الخطبة القضائية: هي التي تشهدها دور القضاء من المحامين الذين يدافعون عن المتهمين، أو يؤيدون صاحب الحق ويطالبون له حقه كالتي تشهد في البرلمان من وكلاء النيابة الذين يدافعون عن المجتمع(11).

3 - نبذة يسيرة عن عبد اللطيف ميكبرا:

هو عبد اللطيف بن حنبلي، سبط الشيخ إلياس أحمد مائي كبرا، الذي وفد من مدينة تمبكتو من مالي إلى برنو وإلى إلورن لنشر الإسلام والعلوم العربية(12). ولد بمدينة إلورن يوم الأربعاء في شهر فبراير سنة 1967م. نشأ وترعرع في نفس المدينة حيث صار شابا قويمًا وعالمًا قانعا ومعلما ورعا وداعيا مثيرًا وصوفيا شرعيا جليلا، ولم يزل شابا يجاهد في الله حق جهاده حتى توفي في شهر فبراير 2008م في حادثة اصطدام السيارة.

أدى عبد اللطيف دورا فعالا في الدين ونشره عامة، وفي نشر الثقافة العربية خاصة، لأنه نهج منهجا مختلفا في الإفادة بالعلم وفي إرشاد أبناء المسلمين، مع كونه معلما ومدرسا وخطيبا وواعظا فهو مؤلف(13) له عدة مؤلفات وإنتاجات عربية، منها ما كانت مقررة للمتعلمين ومنها ما أصبحت مراجع للدارسين والباحثين.

4 - خصائص خطب عبد اللطيف حنبلي ميكبرا:

نالت الخطابة في بيئة نيجيريا في أواخر القرن العشرين الميلادي جمالها ورونقها المفقود منذ زمن بعيد لما قام به علماء ذلك العصر من إسهامات في تجديد المنهج والأسلوب في إلقاء الخطبة العربية، ومن العلماء المشهورين في هذه الحركة: الشيخ آدم عبد الله الإلوري، الذي يقوم بالخطبة في كل أيام الجمعة وفي كل مناسبة من مناسبات الأعياد الإسلامية وعلى حسب المناسبة وقضايا الساعة. وإضافة إلى ذلك فإن خصائص خطب العلماء من ذلك العصر إلى اليوم متضافرة ومتميزة عما سبقهم من الخطب العربية، لأنها تتناول الأحداث المحلية والعالمية وتعالج القضايا المعاصرة المهمة في الدين والدنيا، يلقونها فوق المنابر باللغة العربية الفصحى وتترجم إلى اللغة المحلية المناسبة بالبيئة (مثل يوربا والإنجليزية) ترجمة فورية لتعم الفائدة بين العامة والخاصة(14)؛ ومن العلماء الذين أسهموا في إحياء فن الخطابة في نيجيريا أيضا، عبد اللطيف حنبلي ميكبرا الذي نتناوله في نطاق هذه الورقة.

لقد أثر عبد اللطيف ميكبرا في كثير من الناس في مدينة إلورن وفي نيجيريا، لأنه ذو اتجاهات متعددة، أدى دورا ملموسا في قرض الشعر العربي وفي بعض فنون النثر الفني الآخر، إذ كان يمثل معلما وواعظا مرشدا وإماما وخطيبا وكاتبا اجتماعيا وعالما مدققا. بنى مدرسته الكبرى ليكون منهلا صافيا لارتواء وارتشاف كل عطاش العلم والنور والهدى، وقد تخرج منها كثير من التلاميذ الذين كانوا أشبالا وقوادا في المجتمع وفي المجالات شتّى، يوجد منهم من أصبح دكتورا أمثال تاج الدين ومعلما أمثال قاسم إبراهيم، وإماما وخطيبا ومدرسا في الكليات والمعاهد والمراكز الثانوية.

كانت خطبه المنبرية أدوات استعملها لتبصير عيون الناس وتثقيف عقولهم، وعلاجا لمشاكل المجتمع الإسلامي، وهي متنوعة الموضوعات من دين وأخلاق وتاريخ واجتماع وسياسة مما يشير إلى أنه عاش حياة مصلح. وقد عالج ميكبرا موضوعات مناسبة بأساليب رائقة تجعل الخطبة حية وحركية ذات معان عالية وعواطف حارة لا ممقوتة باردة، مثل: "الحرية" و"تقوى الله"، و"الإخلاص في الإسلام"، و"الإيمان الصادق" وغير ذلك.

ومن خصائص خطبه أنه جعلها موافقة لقضايا الساعة، تتجدد حسب مجريات الأمور، وقد كانت من قبل تعتبر دعاء (عند الناس، المستمعين) من أثر ملازمة خطبة واحدة في كل يوم جمعة، وجعلها ميكبرا - كالغابرين من العلماء - عظة وتوعية، ومترجمة إلى اللغة المحلية التي يفهمها الجمهور (أي يوربا)، فاستطاع بها أن يحل كثيرا من المشكلات الدينية والاجتماعية، وينذر بها الجاني الأثيم وينقذ بها من الضلالات، ويرشد الحيارى من ظلمات الجهالات إلى نور العلم، وتشجيعا للطلاب الراغبين في اللغة العربية الفصحى. أدى عبد اللطيف هذه الإسهامات الخطابية على المنابر في جامع كلية دار الكتاب والسنة، وفي جامع مدرسته. وله خطبة جديدة لكل يوم جمعة، عثرنا منها على ما يفوق الخمسين خطبة، كتبها بيده وألقاها بنفسه.

ومن خصائص خطبه أيضا أنها منقحة وخالية من السجع السقيم ومن غرابة الألفاظ وتنافر الكلمات والتعقيد اللفظي والمعنوي، وخطبه متسمة بالمرونة والجمال وأسلوبه خال من الركاكة والتنافر، وهو أسلوب منبري أدبي فني، لأنه يخاطب بها كل فرقة من الناس حسب ميولهم وأحوالهم ومستوياتهم العلمية والثقافية مراعيا مقتضى الحال، والخطيب لا يلقي خطبة إلا فيما يناسب الوقت والحادثة الزمانية.

5 - عرض الخطبة:

"إن الحمد لله ربنا ورب آبائنا الأولين أعدّ الجنّة للمتّقين وتوعّد الطغاة الجاحدين بالعذاب والسجين نحمده ونشكره سبحانه وتعالى ونثني عليه بما هو أهله يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك يخرجون، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أفعاله وأسمائه وصفاته وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

عباد الله الطيبون الأخيار مثلوا لأعينكم الموت واعملوا بالوصية المأثورة وهي قولهم إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، فكم من ممسٍ لاه مغرور لا يدري لعله لا يصبح وكم من مصبح بالعافية والسلامة لا يدري لعله لا يمسي، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وقدّموا الخيرات والصالحات وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم. واعلموا أن الأنفاس معدودة والآجال معلومة ومغيبة عن العباد، والأرزاق مقسومة ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها. "وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجّلا ومن يرد ثواب الدنيا نوتيه منها ومن يرد ثواب الآخرة نوتيه منه"، اعلموا عباد الله أن الإسلام ما زال يصاب منذ السنوات الماضية بأعلامه العظام ويفجع بدعائمه من العلماء والفقهاء والأدباء نسأل الله أن يلهمنا الصبر والاحتساب، حيث بلغنا نعي أديب من أدباء الإسلام وعالم من علمائه فضيلة الشيخ الدكتور عثمان بن أبي بكر أيلينلا الذي توفي إثر صدمة السيارة الواقعة في طريقه إلى لَوْكُوْجَا، ألا وهي مصيبة للإسلام والمسلمين. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "يقبض العلم بقبض العلماء فيتخذ الناس رؤساء جهلاء فيضلوا ويضلو"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

وإن تفجيع الإسلام بأمثاله ثلمة في الدين وثغر عظيم من ثغور الدعوة الإسلامية لا تسدّ إلا بأمثاله نسأل الله سبحانه أن يعوضنا عنه بأمثاله الأكفاء وأن يلهمنا الصبر والاحتساب لأن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ومولانا وإنا لفراقك يا عثمان لمحزونون، ويروى عنه صلى الله عليه وسلم قوله "من لم يحزن لموت العالم فهو منافق"، نعوذ بالله من النفاق وآثاره لأن المنافق يسر بموت العالم لأنه يرجو بموته أن يستريح من الوعاظ والدعاة الذين طالما يتمنى سكوت بلابلهم وتقليص ظلالهم ليخلو له الجو في الإفساد والتضليل كيفما شاء، نسأله سبحانه أن يجعلنا من الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون...(15).

6 - الركن الثاني من الخطبة:

بسم الله الرحمان الرحيم. الحمد لله مقرّ بنعمه علينا ظاهرة وباطنة له الحمد حتى يرضى وله الحمد بعد الرضا ونحمده على إلهامنا الحمد والثناء ونصلي ونسلم على أشرف العباد عليه وأكرمهم لديه وأتقاهم له وأعلم به سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وتابعيه إلى يوم الدين. أما بعد:

فيا عباد الله يقول أبو درداء رضي الله عنه: "أضحكني ثلاثة وأبكاني ثلاثة، أضحكني مؤمل دنيا والموت يطلبه وغافل ليس بمغفول عنه وضاحك ملء فيه وهو لا يدري أراض ربه عنه أم غضبان عليه، وأبكاني هول المطلع وانقطاع العمل وموقف بين يدي الله لا أدري أيذهب بي إلى الجنة أم إلى النار.

والعالم المادي المعاصر قليل النظر قصير الباع لا يرى في دنيا الناس إلا مشكلتين فنيتين وهما مشكلة الطعام والشراب، حتى إن بعض المربين الغربيين قصّروا أهداف التربية المدنية على الخبز والجبن أو السمن، ولكن في الإسلام يتّضح من ذلك النص السابق من قول أبي درداء ومن قوله تعالى "كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظنّ أنه الفراق والتفت الساق بالساق إلى ربّك يومئذ المساق". من هنا يتّضح أن قضية الإنسان أوسع مدى من أن تتصور محدودة في مشكلة الطعام والشراب وبعضها يتطلب عملا صالحا وسلوكا طيّبا وكل ذلك يتمّ في مرحلة الاختبار والامتحان، مرحلة الحياة الدنيا يتمّ بلا فصل وبين هذا وذاك فلا تفرقة عند المسلم بين العمل للآخرة والسعي في الدنيا فالمستقبل في نظر الإسلام معلوم فنحن نؤمن أن بعد الموت حياة والمعلوم أن الفرد في الإسلام لا يعمل للآخرة بإهمال الدنيا بل يعمل في الدنيا ليظفر بالآخرة والإسلام لا يقول: إن للآخرة عملا غير عمل الدنيا الذي يحقق به الإنسان صيانة جسده وطهارة روحه. والإسلام لا ينفر من الدنيا مع كونها مرحلة لما بعده بل يقول: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غد"، فمزج بين العمل على أساس البقاء فيها أبدا وبين الإعداد للآخرة كأنّك تموت غدا، ولا يمكن أبدا أن يصحّح أمر الخلق ويقيم السلام بينهم إلا تقدير الأمر هكذا في سلوك الناس وأعمالهم. يقول المصطفى (ص) "لتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا إنها لجنة أبدا أو النار أبدا..."(16).

أ - مناسبة الخطبة:

هذه خطبة قيلت بمناسبة وفاة الشيخ عثمان إيلينلا الذي توفي إثر حادثة صدمة السيارة الواقعة في طريقه إلى لوكوجا رثاء له وتفجعا لأمة المسلمين التي أصيبت بأمثاله. رافق الخطيب هذا الرثاء بمعالجة أمور اجتماعية أخرى.
ب - الأفكار العامة في الخطبة:
- ذكر حادثة معجبة مفجعة في صدمة السيارة الواقعة في طريق مدينة لوكوجا التي بإثرها توفي الدكتور عثمان بن أبي بكر أيلينلا.
- البيان أن الحادثة مصيبة عظيمة للإسلام والمسلمين.
- والتنبه إلى أن هذه الحادثة متتابعة في السنوات الماضية إذ يخسر الإسلام والمسلمين دعائمهم من العلماء والفقهاء والأدباء العظام.
- والتذكير بالموت وقربه.
- الحث على الأعمال الصالحة.

جـ - الأفكار الجزئية في الخطبة:

الخطيب بعد المقدمة القصيرة ذكّر مستمعيه عن حقيقة الموت وواقعية نزوله بأمر الله وبتوقيته المعلوم لديه وحده، ونبّههم بالاستعداد للموت في كل لحظة وحين بأقوال وأعمال طيبة.

ثم ذكر حادثة معجبة مفجعة في صدمة السيارة الواقعة في طريق مدينة لوكوجا التي على إثرها توفي الدكتور عثمان بن أبي بكر أيلينلا، ذهب إلى أنّ الحادثة مصيبة عظيمة للإسلام والمسلمين مؤيّدا فكرته بحديث الرسول (ص) حيث يقول: "يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضوا وأضلو"، وتنبه أنّ هذه الحادثة متتابعة منذ بعض السنوات الماضية إذ يفجع الإسلام والمسلمين بدعائمهم من العلماء والفقهاء والأدباء العظام.

وذكر أنّ أمثال هذه الحادثة ثلمة في الدين وثغر عظيم للدعوة الإسلامية وفراغ لا سدّ لها إلّا بأمثاله. فدعا الله أن يسدّ الثغر بأمثاله الأكفاء، ثم دعا الله أن يزيد المسلمين أمنا وسلاما. وأبدى حزنه على الفقيد مبينا أنّ إظهار الحزن على الميت في الإسلام جائز ومسنون بحديث الرسول. واتضح أنّ المنافق يسرّه موت العالم لرجائه الاستراحة من الوعاظ والدعاة الذين طالما يتمنى سكوت بلابلهم وتقليص ظلالهم ليحلو له الجو في الإفساد والتضليل كيفما شاء، ودعا للفقيد أن يرحمه الله وطلب الأمن للمسلمين بعد موته، فالقسم الأول إذن خلاصة مشتملة بالرثاء والدعاء.

في القسم الثاني من الخطبة قام الخطيب بتفسير قول أبي الدرداء في أصناف المضحكات والمبكيات الثلاثة في الحياة، أما المضحكات فهي الإنسان الذي لا يهتم بالموت وهو قريب إلى المنية، وناسي الأجل غير منسي والذي يفرح في كل شيء مع عدم عرفانه بموقفه عند الله. والمبكيات هي التي يطلع عليها الله، وهو أنّ الإنسان لا يدري متى وكيف تنتهي حركاته مهما طال وطاب وجهل المرء عما بعد الموت ومصيره.

ثم ذكر ظاهرة اجتماعية قصرت عيشة الإنسان على الطعام والشراب، إذ أصبحا مشكلة تفتن أهل نيجيريا أحدثها نظام المربيين الغربيين الذين قصروا أهداف التربية المدنية على الخبز والسمن، يرى الخطيب أنّ ذلك يخالف برنامج الإسلام للإنسانية كما يتضح في قول أبي الدرداء المذكورة سابقا. ولاحظ أن قضية الإنسان أوسع مدى من أن تقصر محدودة على مشكلة الأكل والشرب بل تشمل عملا صالحا وسلوكا طيبا. وذكر أن الإسلام والمسلمين يجمعون بين الأعمال الدنياوية والأخروية ولا يفرقون بين الأعمال للآخرة والسعي في الدنيا.

7 - دراسة أسلوب الخطبة:

الأسلوب في استعماله اللغوي هو الطريق وهو أيضا الفن من القول أو الفعل(17)، وعلى هذا المنوال فللخياطة أو الحياكة أساليبهما التي كانت لهما طريقا وفنونا لنجاح هدفهما.

من حيث الألفاظ: اتسمت الخطبة بالسهولة والوضوح، وابتعدت عن الألفاظ الغامضة أو الغريبة، وعباراته جاءت واضحة ومتسلسلة، وأفكاره اتصفت بالتسلسل المنطقي المفضي للإقناع لأنها تخاطب العقل والوجدان معا وتتوافر فيها الحجج العقلية مع المؤثرات النفسية. ومن حيث المعاني: اتجه الخطيب بحكمته من بداية الخطبة إلى التصوير الواضح عن شخصية المرحوم متفجعا عليه ومبرزا لشخصيته العلمية وكونه من دعائم الإسلام.

ومن حيث البلاغة: لقد تناولت هذه الورقة فيما سبق من ملاحظات بعض خصائص ومميزات خطب عبد اللطيف ميكبرا التي تثبت أنه من رجالات الفكر ورواد الثقافة العربية المعاصرين الذين حرروا النثر العربي النيجيري من عبث الأساليب التقليدية السقيمة بالسجع سقما على سقم وزادتها غموضا والتباسا، وزينوا النثر العربي بالأسلوب الحديث الذي يصور لذة فنية في نفوس المستمعين لتحقيق استمالتهم(18). ومن هذا المنطلق نمعن النظر إلى العناصر الفنية التي تجمعت في خطب ميكبرا على حسب ما يلي:

أ - الوصف والتصوير:

ومن هنا تنظر هذه الورقة إلى صورة في خطبة ألقاها بمناسبة وفاة الشيخ يوسف أيلييلا، بالأسلوب والقيمة الفنية التي تشبهه بعظيم العلماء بمقدرة علمية، الذين استطاعوا أن يعالجوا فن الوصف والتصوير عندما يصفون ويصوّرون في تأثير وأفعال، ومثال ذلك في وصف ميكبرا لشخصية الشيخ إيلينلا وصفا دقيقا بالأسلوب المنبري الفني في خطبته(19).

ومن هذه القصة كان الخطيب في إلقاء الخطبة حول وفاة الشيخ إيلينلا مدققا الوصف والتصوير، فالألفاظ المستعملة لها مناسبة والكلمات الواردة فيها تتوافق بعضها ببعض في ترادف رصين. ولذلك نوجد الخطبة سهلة ويسيرة في صورتها الفنية الممتعة، ونرى أن لتعبير عبد اللطيف حظا وافرا من الطرائف وبصمات عالية من القيمة الأدبية الفنية.

ب - التناص:

التناص الأدبي هو تداخل نصوص أدبية مختارة قديمة أو حديثة شعراً أو نثراً مع نص القصيدة الأصلي بحيث تكون منسجمة وموظفة ودالة قدر الإمكان على الفكرة التي يطرحها الشاعر(20). هو مجموع العلاقات القائمة بين نص أدبي ونصوص أخرى، إذ نفهم ما لتناص يدل على وجود نص أصلي في مجال الأدب أو النقد على علاقة بنصوص أخرى، وأن هذه النصوص قد مارست تأثيراً مباشرا أو غير مباشر على النص الأصلي في وقت ما(21).

جـ - بداية مصطلح التناص:

ظهر مصطلح التناص عند "جوليا كريستيف" عام 1966م، إلا أنه يرجع إلى أستاذها الروسي "ميخائيل باختين"، وإن لم يذكر هذا المصطلح صراحة واكتفى بـ(تعددية الأصوات)، (والحوارية)، وحلّلها في كتابه (فلسفة اللغة)، وكتاباته عن الروائي الروسي "دستوفيسكي"، وبعد أن تبعته "جولي" وأجرت استعمالات إجرائية وتطبيقية للتناص في دراستها (ثورة اللغة الشعرية)(22)، عرّفت فيها التناص بأنه "التفاعل النصي في نص بعينه"(23)، ثم التقى حول هذا المصطلح عدد كبير من النقاد الغربيين وتوالت الدراسات حوله، وكلها لا تخرج عن هذا الأصل، وقد أضاف الناقد الفرنسي (جيرار جنيت) لذلك أن حدد أصنافاً للتناص.

وبعد ذلك اتسع مفهوم التناص وأصبح بمثابة ظاهرة نقدية جديدة وجديرة بالدراسة والاهتمام وشاعت في الأدب الغربي، ولاحقاً انتقل هذا الاهتمام بتقنية التناص إلى الأدب العربي مع جملة ما انتقل إلينا من ظواهر أدبية ونقدية غربية ضمن الاحتكاك الثقافي، إضافة إلى الترسبات التراثية الأصيلة.

فمن هذا، يتضح أن التناص عبارة عن "حدوث علاقة تفاعلية بين نص سابق ونص حاضر لإنتاج نص لاحق". وسبب ذلك واضح لأن الأديب لا يمكن أن ينفصل في تكوينه المعرفي عن غيره.

وقد قسم التناص إلى نوعين أساسيين هما التناص الظاهر، ويدخل ضمنه الاقتباس والتضمين، ويسمى أيضا الاقتباس الواعي أو الشعوري لأن المؤلف يكون واعيا به، في حين أن التناص الثاني هو التناص اللاشعوري، أو تناص الخفاء، وفيه يكون المؤلف غير واع بحضور النص أو النصوص الأخرى في نصه الذي يكتبه، ويقوم هذا التناص في استراتيجيته على الامتصاص والتذويب والتحويل والتفاعل النصي(24). ومع أن كلمة التناص لم تكن معروفة عند النقاد العرب، بمفهومها الحديث، فقد تكلم عنها فقيه اللغة العربية عبد القادر الجرجاني بأنها الانتحال والنسخ والسرقة في النصوص الأدبية شعراً كان أو نثراً(25).

د - أشكال التناص:

إن العمل الأدبي يدخل في شجرة نسب عريقة وممتدة كالكائن البشري. كما أنه نتاج لما سبقه حاملا معه بعض الصفات الوراثية من قبله. وتختلف هذه الاستفادة إما بالكتابة عن النص ذاته، أو بتفجير نص آخر في نفوسنا ينشأ من تفاعلنا مع النصوص المقروءة(26). يختلف تداخل نص مع نصوص سابقة، ويتنوع بحسب الاستفادة، فلتناص أشكال متعددة، منها:
1 - التناص القرآني:
بحيث يقتبس الأديب نصاً قرآنياً، ويذكره مباشرة، أو يكون ممتداً بإيحاءاته وظله على النص الأدبي، لنلمح جزءاً من قصة قرآنية، أو عبارة قرآنية يدخلها في سياق نصه.
2 - التناص الوثائقي:
وهذا النوع في النثر أكثر منه في الشعر كالسرد والسيرة، يحاكي النص نصوصاً رسمية كالخطابات، والوثائق، أو أوراق أخرى كالرسائل الشخصية الإخوانية؛ لتكن نصوصهم أكثر واقعية.
3 - التناص والتراث الشعبي:
وتكون المحاكاة فيه على مستوى اللغة الشعبية، وهذا مما يؤخذ على بعض الأدباء، إضافة إلى الاستفادة، وتوظيف النص الشعبي، والحكايات القديمة، والموروث الشعبي.
4 - التناص والأسطورة:
وهي تتشابه مع سابقها من ناحية الاستفادة من التراث، لكنها تختلف من ناحية أن الأسطورة غالباً ما هي موروث؛ لكنه يوناني، أو غربي، وإن كان هناك بعض الأساطير العربية، على أنها قلة مقارنة بالغرب. ومن هذا المنطلق نأتي ببعض النماذج من التناص الموجودة في خطب ميكبرا. ويلاحظ أنّ ظاهرة التناص فيها تناص اقتباسي، فقد أورد الباحث أمثلة من خطبه المتعددة كما تأتي:
- "ليس في أسمائه اسم مذموم بل كلها أسماء حسنى"(27).
- "ألا وهي أمريكا التي بلغت من كبريائها أن تحمل الناس على الإيمان بأنّ باستطاعتها أن ترفع وتذل وتحيي وتميت"(28).
- "وما أفظع هذه الحادثة التي أدركت القوم وهم يلعبون(29).
- "ثم أليست هذه الدولة هي التي تختفي تحتها الدول العالمية الأخرى وتدعوها رغبا ورهبا وتسبح بحمدها ولها يسجدون"(30).
- "ألم يأن لها وللمتلعثمين أمامها من قادات العالم وساداتها أن يأخذوا العبرة(31).

هـ - التحليل:

وبما أنّ التناص عبارة عن استنساخ نصوص جديدة من النصوص السابقة، إذن فالأمثلة التي ذكرناها تناص اقتباسي، فهو تضمين الكلام - نثرا كان أو شعرا - بشيء من القرآن أو الحديث من غير إشعار على أنه منهما.

وفي تلك النصوص السابقة ظاهرة التناص الاقتباسي، نجد في النص الأوّل تناص اقتباسي في قول الخطيب: أسماء حسنى، وهو مقتبس من الآية القرآنية وهي: "الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى"، سورة طه، الآية 8.

وفي النص الثاني قوله "يحيي ويميت" وهو نص مقتبس من قوله تعالى: "له ملك السموات والأرض يحيي ويميت"، سورة الحديد، الآية 2.
والنص الثالث عبارة عن نص قوله سبحانه وتعالى: "أوَأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون"، وهي من سورة الأعراف، الآية 97.

ففي النص الرابع نص على آيتين أولاهما قوله تعالى: "إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهب"، سورة الأنبياء، الآية 90، والأخرى قوله عز وجلّ: "الذين يحملون العرش ومن حوله يسجدون بحمد ربهم..." وإذا كان بإمكاننا أن نسأل الخطيب أنى لك هذا فلا يتردّد حتى يقول هو من عند الله الحكيم الخبير.

والنص الخامس جديد من النص السابق لأن أسلوب الخطيب في قوله: "ألم يأن... أن" شبيه بأسلوبه تعالى حيث يقول: "ألم يأن للذين أمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله..."، سورة الحديد، الآية 16.

- الالتفات:

هو انصراف المتكلم من المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك، والانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر(32).

إنه من أسلوب الباحثين من الكتاب والخطباء والنقاد لتحسين كلامهم وبديعه أن يمعنوا أنظارهم إلى الوراء كلما وجدوا في التاريخ ما يوجب الالتفات والنظر، ولذلك يوجد أن ميكبرا يتخذه أسلوبا، وكان ينظر في تاريخ الأمم الماضية والحوادث التي حدثت في فترتها وكان متوسعا في البديع وله الأمثلة في معظم منثوره ومقالاته العلمية وخاصة في خطبته المنبرية. ويبدو ذلك لنا بأسلوب فني رائق بدون تعقيد ولا غرابة حيث يقول: "ومنهم قوم عشوا الحرية في الاعتقاد وهم "سحرة فرعون" الذين استدعاهم ليروا على معجزة موسى الإلهية حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين وبدأ الصراع بين محاولة المخلوق العاجز وقدرة الخالق المسيطر..."(33).

ومن القطعة المعروضة أعلاه يبدو فيها أن للخطيب التفاتا ونظرا، وآية ذلك بينة في التفاته ونظره إلى حادثة تاريخية خالدة عن الواقعة بين نبي الله موسى عليه السلام وسحرة فرعون عند ما أراد موسى أن يبلغ رسالة الله لفرعون وقومه، وكذّب فرعون وعصى وحاول أن يعارض موسى بكل ماله من قوة وسحرة فوقع الصراع بين محاولة المخلوق العاجز وقدرة الله الخالق المسيطر.

ومن هذا المنطلق نرى كيف يلفت ميكبرا وينظر إلى تلك الحادثة الثابتة بعرض تاريخ الواقعة بين موسى وقوم فرعون الفساق الذين كفروا دعوة موسى (عليه السلام). وهذه لمحة صدقة جاءت بصيغة فنية رائقة متميزة.

- الاقتباس والتضمين:

والحق أن ميكبرا من العلماء والخطباء الذين اعتنوا بالاقتباس ولم يهملوها إهمالا، وقالوا ما قالوا ولا يقولون أن من الورع ترك الاقتباس(34)، وكان أكثر ما يميل إلى الاقتباس من القرآن الكريم والأحاديث النبوية، ولم يقتصر بهما فحسب بل مع المقتبسين بأقوال الصحابة المشهورة والمأثورة من السلف الصالح، وخالف المدبرين من الذين يتعصبون للقرآن والحديث فقط دون غيرهما(35).

الخاتمة:

وبعد أن خلصنا من الدراسة الفنية لبعض الخطب الاجتماعية لعبد اللطيف ميكبرا، نرى أن هذا الشيخ قد بنى على ما ورثه من قبيلته فصنع نفسه بالمجهودات المستمرة وصار عظيما. وقد سعينا في هذه المقالة إلى كشف الغطاء عن إنتاجات ميكبرا النثرية متميزا في خطبه المنبرية، وذلك النظر في مفهوم الخطب لغة واصطلاحا وأنواعها والخلاصة في ترجمة حياة ميكبرا، وعرض نص الخطبة وتحليلها ثم مظاهر الفنية في الخطبة والخاتمة. وقد تبين أن عبد اللطيف استخدم كل ما لديه من طاقات ووسائل لتيسير تحقيق التواصل بين العلم والدين، كما يرسم للقراء لوحة فنية صادقة عن جذور هذه الاتجاهات في تراث ميكبرا، لأنه أدى دورا ممثلا في إحياء الخطابة العربية وإثراء الثقافة العربية في نيجيريا وخارجها، وكانت له اتجاهات أخرى.

الهوامش:
1 - لويس معلوف: المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق، ط36، بيروت، ص 102.
2 - أحمد الأسكندري وغيره: المفصل في تاريخ الأدب العربي للمدارس الثانوية، وزارة المعارف العمومية، القاهرة، ص 40.
3 - آدم عبد الله الإلوري: لباب الأدب، قسم الخطابة، مطبعة الثقافة الإسلامية، أغيغي، نيجيريا، (د.ت)، ص 3.
4 - علي محمد حسن العماوي: التاريخ الإسلامي للعصرين العثماني والحديث للصف الثالث الثانوي، قطاع المعاهد الأزهرية، 2009م، ص 142.
5 - أحمد الأسكندري وغيره: المرجع السابق، ص 40.
6 - www.mathoun.comkotbah.htm, July 2012.
7 - المرجع نفسه.
8 - المرجع نفسه.
9 - علي محمد حسن العماوي: المرجع السابق، ص 144.
10 - شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في النثر العربي، دار المعارف، ط13، القاهرة 1946م، ص 71.
11 - المرجع نفسه، ص 102.
12 - نورين عيسى: أساليب المدح وتحليله الأدبي في ديوان الميكبرا، بحث قدمه إلى قسم اللغة العربية، جامعة إلورن، نيجيريا، لنيل درجة الليسانس سنة 2008، ص 2.
13 - المرجع نفسه.
14- مشهود جبريل رمضان الأميري: الشيخ آدم وشخصيته ووصيته، مطبعة الله نور، لاغوس، نيجيريا، 2004، ص 13.
15 - من خطب عبد اللطيف ميكبرا، مخطوطة.
16 - المرجع نفسه.
17 - معلوف اليسوعي: المنجد في اللغة، ط36، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1995م، ص 343.
18 - سعد حسين عمر مقبول وغيره: الأدب والنصوص والبلاغة، دار الكتب الوطنية، بنغازي 1427هـ، ص 469.
19 - من خطب عبد اللطيف ميكبرا، مخطوطة.
20 - انظر، أحمد الزعبي: التناص نظريا وتطبيقياً، مؤسسة عمون للنشر، ط2، الأردن 2000م، ص 50.
21 - انظر، د. سمير سعيد حجازي: قاموس مصطلحات النقد الأدبي المعاصر، دار الآفاق العربية، ط1، القاهرة 1421هـ، ص 74. ومحمد عزّام: التناص في الشعر، مجلة الموقف الأدبي، ع368، دمشق 1422هـ، ص 31.
22 - انظر، د. عبد الله الغذّامي: الخطيئة والتكفير، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4، القاهرة 1998م، ص 325-326. وباقر جاسم محمد: التناص، المفهوم والآفاق، مجلة الآداب، ع7-9، بيروت 1990م، ص 65.
23 - صبر يحافظ: من مقالات ناص وإشارات العمل الأدبي، مجلة ألِف، ع4، 1984م، ص 23.
24 - www.stoob.com/71/, on 14 Jan. 2016.
25 - المرجع نفسه.
26 - محمد الجعافرة: التناص والتلقي، دار الكندي، ط1، إربد 2003، ص 19.
27 - من خطب عبد اللطيف ميكبرا، مخطوطة.
28 - نفسه.
29 - نفسه.
30 - نفسه.
31 - نفسه.
32 - عبد العزيز عتيق: علم البديع، ص 100.
33 - من خطب عبد اللطيف ميكبرا، مخطوطة.
34 - آدم يحيى الفلاني: مع المؤرخين، مطبعة الفلاني، كنو 1988م، ص 73.
35 - مشهود جبريل رمضان الأميري: الشيخ آدم وشخصيته ووصيته، ص 1.
References:
* - The Holy Quran.
1 - ‘Azzām, Muḥammad: At-tanāṣ fī ash-shi‘r, Majallat al-Mawqif al-Adabī, Issue 368, Damascus 1422 AH.
2 - ‘Īsā, Nūrīn: Asālīb al-madḥ wa taḥlīlihi al-adabī fī dīwān Al-Maikabara, Thesis for obtaining a bachelor's degree, University of Ilorin, Nigeria, 2008.
3 - Al-Amīrī, Mashhūd Jibrīl: Ash-shaykh Ādam wa shakhṣiyyatuhu wa waṣiyyatuhu, Maṭba‘at Nūr, Lagos 2004.
4 - Al-Askandarī, Aḥmad et al.: Al-mufaṣṣal fī tārīkh al-adab al-‘arabī, Ministry of Public Education, Cairo.
5 - Al-Fulānī, Ādam Yaḥyā: M‘a al-mu’arrikhīn, Maṭba‘at al-Fulānī, Kano, Nigeria 1988.
6 - Al-Ghadhdhāmī, ‘Abdallah: Al-khaṭī’a wa at-takfīr, Al-Hay’a al-Miṣriyya al-‘Āmma li al-Kitāb, 4th ed., Cairo 1998.
7 - Al-Illorī, Ādam ‘Abdallah: Lubāb al-adab, Maṭba‘at al-Thaqāfa al-Islāmiyya, Agigi, Lagos.
8 - Al-Ja‘āfra, Muḥammad: At-tanāṣ wa at-talaqqī, Dār al-Kindī, 1st ed., Irbid, Jordan 2003.
9 - Al-Zu‘bī, Aḥmad: At-tanāṣ naẓariyyan̊ wa taṭbiqiyyan̊, Mu’assasat ‘Āmmūn, 2nd ed., Jordan 2000.
10 - Ḍayf, Shawqī: Al-fan̊ wa madhāhibuhu fī an-nathr al-‘arabī, Dār al-Ma‘ārif, 13th ed., Cairo 1946.
11 - Ḥijāzī, Samīr Sa‘īd: Qāmūs muṣṭalaḥāt an-naqd al-adabī al-mu‘āṣar, Dār al-Afāq al-‘Arabiyya, 1st ed., Cairo 2001.
12 - Ma‘lūf, Louis: Al-munjid fī al-lugha wa al-a‘lām, Dār al-Mashraq, 36th ed., Beirut.
13 - Maqbūl, Sa‘d Ḥusayn et al.: Al-adab wa an-nuṣūṣ wa al-balāgha, Dār al-Kutub al-Waṭaniyya, Benghazi 1427 AH.
14 - Muḥammad, Bāqir Jāsim: At-tanāṣ al-mafhūm wa al-Āfāq, Majallat al-Ādāb, Issue 7-9, Beirut 1990.
الإحالة إلى المقال:

* د. شريف الدين يوسف: خطب عبد اللطيف حنبلي ميكبرا في رثاء عثمان أيلينلا، دراسة فنية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الواحد العشرون 2021. http://annales.univ-mosta.dz

***