جماليات الزمان في الروايات العربية النيجيرية
رواية "لماذا يكرهوننا" نموذجاً

د. عبد الواحد سليمان مرتضى
جامعة ولاية كوغى، أنيغبا، نيجيريا

الملخص:

يهدف هذا البحث إلى الكشف عن بناء الزمن الروائي في رواية "لماذا يكرهوننا" للكاتب الثالث مي أنغو. استخدم الباحث المنهج الوصفي للكشف عن تجليات البنية الزمنية في الرواية. وفي آخر المطاف، توصلت الدراسة إلى عدة من النتائج يلخص الباحث أهمها فيما يلي: أن الراوي استخدم المفارقة الزمنية لترتيب الأحداث الروائية عن طريق الاسترجاع والاستباق اللذين هدفا إلى عدم التطابق بين نظام السرد، ونظام القصة، وأن الراوي حين يسرد المدة الزمنية، اعتمد على الخلاصة والقفز لتسريع السرد ودون الخوض في تفاصيل الأقوال والوقائع التي لا تسهم في السياق الروائي، وأن مقتضيات تقديم المادة الحكائية عبر مسار الحكي تفرض على الراوي أحياناً، أن يتمهّل في تقديم بعض الأحداث الروائية التي يستغرق وقوعها فترة زمنية قصيرة ضمن حيز نصي واسع من مساحة الحكي، وهذا ما دفعه إلى استخدام الوقفة الوصفية ليفسح المجال للوصف أو التعليق للشخصيات والأماكن والأشياء المهمة، واستخدم المشهد الحواري لتمنح الشخصية مجالاً للتعبير عن أفكارها ورؤيتها من خلال لغتها المباشرة، والكشف عن ذاتها من خلال الحوار مما يؤدي إلى التساوي بين زمن القصة وزمن السرد.

الكلمات الدالة:

نيجيريا، الرواية، لماذا يكرهوننا، الجمالية، سرد المكان.

***
The aesthetics of time in Nigerian Arabic novels
Why they hate us as a case study

Dr Abdulwahid Sulyman Murtadah
Kogi State University, Anyigba, Nigeria

Abstract:

This research aimed to reveal the construction of the fictional time in the novel "Why they hate us" by the Salisu Mai Angwo. The researcher adopted the descriptive method for the study. The results of the study revealed the narrator used the chronological paradox to arrange the narrative events through recall and anticipation, which caused mismatch between the narrative system and the story time. While narrating the period of events, he adopted summary and omission to accelerate the narration forward to avoid mentioning issues that did not contribute positively to the narrative context, and when slowing down the narration of events, he used descriptive pause for commentaries on Space and characters, he also employed dialogue scene to give the character a space to express her thoughts and vision through her direct language, and to reveal herself through dialogue, which leads to equality between story time and narrative time.

Keywords:

Nigeria, novel, Why they hate us, aesthetics, space narration.

***

النص:

المقدمة:

يمثل الزمن عنصراً من العناصر الأساسية التي يقوم عليها فن القص. فإذا كان الأدب يُعتبر فناً زمنياً - إذا صنفنا الفنون الأدبية إلى زمانية ومكانية - فإن القص هو أكثر الأنواع الأدبية التصاقاً بالزمن لأنه يؤثر في بقية العناصر الأخرى وينعكس عليها فهو حقيقة مجردة سائلة لا تظهر إلا من خلال مفعولها على العناصر الأخرى في القصة، ومنها الإيقاع. وقد اهتم الأدباء والنقاد الغربيون والعرب بدراسة الزمن الأدبي وخاصة الرواية منذ فترات طويلة. والأدب العربي النيجيري يشهد تطوراً كبيراً في الأدب الروائي حيث ظهرت الروايات بأنواعها الواقعية، والتاريخية، والاجتماعية، والسياسية، والدينية، وتتميز هذه الروايات بالعنصر الزمني من حيث نظام الترتيب وحركة السرد.

يأتي هذا البحث محاولاً تحليل الرواية من خلال الكشف عن الجماليات السردية التي تجسد فيها الزمن. وقد عالج الباحث هذه الدراسة من خلال ثلاثة مباحث: فالمبحث الأول عبارة عن مفهوم نظري حول الزمن لغة واصطلاحاً، ثم أهمية الزمن وتطوره في الأدب الروائي. أما المبحث الثاني فيدور حول المفارقة الزمنية في الرواية، حيث كشف الباحث الغطاء عن استخدم الروائي تقنية الاسترجاع لإفادة المتلقي عن الشخصيات والأحداث التاريخية المغيبة في السرد، وملء الفراغات التي يتركها الراوي وراءه، كما يميل الراوي إلى الاستباق لإعلان الأحداث والشخصيات المنتظرة في السرد. والمبحث الثالث، يتحدث عن المدة الزمنية حيث يضطر الراوي إلى تسريع السرد وإبطائه في آن؛ استخدم الاستراحة والإسقاط للاستغناء عن الأحداث الجامدة التي تتعلق بالسياق الحكائي، وعمل المشهد الحواري والوقفة الوصفية على تعطيل السرد وإبطائه ليعطي الشخصيات فرصة التحادث عن مشاعرهم بدون الوسائط من خلال نص واسع.

1 - الإطار النظري:

أ - مفهوم الزمن لغة واصطلاحاً:

يرى ابن منظور أن الزمن في مدلوله المعجمي: اسم لقليل الوقت وكثيره... والجمع أزمُن وأزمان وأزمنة، وزمنٌ زامن شديد، وأزمن الشيء طال عليه الزمان والاسم من ذلك الزّمنُ والزُمنة... وأزْمن بالمكان: أقام به زماناً(1). أما في الاصطلاح فقد عرّفه جيرالد برنس (Prince) بأنه: "مجموعة من العلاقات الزمنية - السرعة والترتيب، والمسافة الزمنية - بين المواقف والأحداث المحكية وعملية حكايتها؛ بين القصة والخطاب، بين المحكي وعملية الحكاية"(2). ويمثل الزمن عنصراً من العناصر الأساسية في بنية الرواية، لأنه يؤطر حركة الأحداث والشخصيات والتغييرات التي تطرأ عليها. فإن "كان الأدب فناً زمنياً فإن القص هو أكثر الأنواع الأدبية التصاقاً بالزمن"(3).

ب - تطور دراسة الزمن في الرواية:

يمثل الزمن عنصراً فعالاً في بناء السرد الروائي، وكان الشكليون الروس أول من قام بدراسة الزمن في الأعمال الأدبية، وقد بذلوا قصارى جهدهم في وضع أسس دراسة الزمن وتحليله في القرن العشرين. غير أن هذه البدايات وئدت عند الروس لما لقيت مدرسة الشكليين من رفض وانتقاد سياسي، حيث واجهوا هجوماً عنيفاً باعتبار النظرية الشكلية خروجاً على الفكر الماركسي وأنها تنادي بالفن للفن(4)، ولم تثمر أو تطور في الغرب في بداية القرن العشرين، نظراً لأن أعمال الشكليين الروس لم تترجم إلى الفرنسية والإنجليزية إلا في بداية الستينيات، وقد ظهرت بعض الأعمال القليلة في أوائل الخمسينيات تحاول دراسة الزمن من ناحية الشكل وتجسيده في النص الروائي. وبظهور النقد البنائي في الستينيات، ونتيجة تأثير ترجمة أعمال الشكليين الروس ازداد الاهتمام بعنصر الزمن في فن القص بعامة والرواية بخاصة على أنه من عناصر التسوية في الرواية فظهرت من خلال محاولات جديدة قيمة لتحليل الزمن الروائي من حيث الشكل(5).

2 - المفارقة الزمنية في الرواية:

إن ترتيب الوقائع في الحكاية يختلف أحياناً عن ترتيبها زمنياً في الخطاب السردي، وحين لا يتطابق نظام السرد مع نظام الحكاية، فإن الراوي يولد مفارقات زمنية، ويرى جيرالد جنيت (Gérard Genette) أن المفارقة الزمنية تعني: "دراسة الترتيب الزمني لحكاية ما، من خلال مقارنة نظام ترتيب الأحداث أو المقاطع الزمنية في الخطاب السردي، بنظام تتابع هذه الأحداث أو المقاطع الزمنية نفسه"(6). وبنية المفارقة الزمنية في الرواية تأخذ شكلين أساسيين وهما: الاسترجاع والاستباق.

الاسترجاع (Analepsis): "هو تقنية زمنية بمعنى أن يتوقف الراوي عن متابعة الأحداث الواقعة في حاضر السرد، ليعود إلى الوراء، مسترجعاً ذكريات الأحداث والشخصيات الواقعة قبل، أو بعد بداية الرواية"(7)، و"الاسترجاع في سرد الرواية، ذات وظائف بنيوية متعددة، تخدم الحكي وتسهم في نمو أحداثه وتطورها؛ مثل ملء الفجوات التي يخلفها السرد وراءه سواءٌ بإعطاء القارئ معلومات حول سوابق شخصية جديدة، دخلت عالم الرواية أو بإعطائه على حاضر شخصية اختلفت عن مسرح الأحداث ثم عادت للظهور من جديد"(8).

أ - جمالية الاسترجاع في الرواية:

يمكن لكاتب الرواية أن يعود إلى الماضي لسد الفراغات التي يتركها السرد وراءه، وهناك طريقتان اقترحهما النقاد لملء الفراغات عن الشخصيات والأحداث المغيبة عن السرد، وهما الاسترجاع الخارجي، والاسترجاع الداخلي.

الاسترجاع الخارجي: هو ذلك الذي يستعيد أحداثاً تعود إلى ما قبل بداية الحكاية مثل التعريف بشخصية جديدة يمكن أن يتم بذكر حدث من ماضيها سابق زمنياً لبداية الرواية، العودة إلى هذا الحدث هي استرجاع خارجي لأن زمن الحدث خارج زمن الرواية(9). و"الاسترجاعات الخارجية لمجرد أنها خارجية، لا توشك في أي لحظة، أن تتداخل مع المحكي الأول لأن وظيفتها الوحيدة هي إكمال المحكي الأول عن طريق تنوير المتلقي بخصوص هذه السابقة أو تلك"(10). وقد عبر كثير من النقاد العرب بأن الاسترجاع الخارجي هو الأكثر شيوعاً في الرواية العربية الحديثة لأن لجوء الروائي إلى تصنيف الزمن السردي، وحصره ودفعه إلى تجاوز هذا الحصر الزمني بالانفتاح على اتجاهات زمنية حكائية ماضية تلعب دوراً أساسياً في استكمال صورة الشخصية، وفهم مسارها.

ومن خلال تأمل الباحث في هذه الرواية اكتشف بأن الروائي يوظف استرجاعات خارجية بعيدة المدى بحيث تمتد سنوات طويلة. ولمعرفة كيفية توظيف هذا النوع من الاسترجاعات في مدونة ثالث الروائية يمكن الاستئناس بعدد من السياقات الحكائية كما في قول الراوي: "وكلما زار كنو كان يذَكر صديقه مرتضى الأمين العام لرابطة خريجي المدرسة ألّا ينسى أن يرسل إليه البطاقة، وكان زميله في دراساته الابتدائية والثانوية ومرحلة الدبلوم، ولم يفترقا إلا في دراسة الليسانس، حيث وجد حمزة قبولاً بجامعة عثمان بن فوديو بينما حصل مرتضى على القبول بجامعة إبادن"(11). فالسرد الارتدادي أحاط القارئ بكل ما يتعلق بماضي الشخصية، ومن ذلك ذكريات حمزة نبذة يسيرة عن رحلته الدراسية مع صديقه مرتضى، فقد ذكر العلاقة بينهما في مراحل الدراسية.

ومن السياقات السردية التي استرجع فيها الراوي إلى الماضي قوله حين يسرد حفلة العيد الفضي والتي أقيمت في قاعة كلية أمين كنو للشريعة والقانون، وقد قدم الدكتور نجيب رضوان محاضرته بعنوان "لماذا يكرهونن" ويسترجع إلى الأحداث الماضية الخارجية قائلاً: "والحمد لله على أن اللغة العربية في أيامنا هذه تكاد تعود إلى سابق مجدها في بلادنا خلال القرن التاسع عشر الميلادي، حيث كان المثقفون بالثقافة العربية هم أصحاب الحل والعقد والمناصب الرفيعة في إدارة المملكة والبلاد. وهم أهل الشورى للأمراء في المسائل العلمية والقضائية والإدارية والمصالح الاجتماعية. ثم جاء الاستعمار في القرن العشرين، وسلك طرقاً مختلفة غلبت الثقافة الغربية على الثقافة العربية، وحصل المثقفون بالثقافة الغربية على المناصب في إدارة الحكومة..."(12). كان الراوي يسرد محاضرات الدكتور نجيب رضوان الذي يحدّث الجمهور عن الأسباب التي تؤدي إلى كراهية اللغة العربية وأصحابها في نيجيريا، هنا قطع الحكي، ويعود إلى الماضي البعيد ليسترجع موقف اللغة العربية وأصحابها في المجتمع النيجيري، وقد ذكر الراوي أن اللغة العربية في القرن التاسع عشر تطورت تطوراً كبيراً، وكان لأصحابها نصيب الأفضل قبل مجيء الاستعمار البريطاني الذين عملوا على تدمير هذه اللغة. وهذا الاسترجاع الخارجي يصف أحداثا وقعت منذ فترات طويلة قبل كتابة هذا الإبداع الأدبي.

والاسترجاع الداخلي: هو الذي يستعيد أحداثاً وقعت ضمن زمن الحكاية أي بعد بدايتها وهو الصيغة المضادة للاسترجاع الخارجي(13)، وأفاد آخر أن هذا الاسترجاع يعود إلى ماضي لاحق لبداية الرواية قد تأخر تقديمه في النص، ويختص باستعادة أحداث ماضية، لكنها لاحقة لزمن بدء الحاضر السردي وتقع في محيطه ونتيجة لتزامن الأحداث يلجأ الراوي إلى المتناوبة، حيث يترك شخصية ويصاحب أخرى ليغطي حركتها وأحداثها(14). ويمكن الاستنتاج من هذين التعريفين أن هذا النوع من الاستذكار السردي يتم من داخل زمن المحكي الأول، إلا أن الإشارة إليه تأتي متأخرة عن بداية الحكي، وهذا أمر منطقي ناتج عن كون السارد لا يستطيع حكي الأحداث الروائية كلّها في وقت واحد، فهو ينتقل من شخصية إلى أخرى، وهذا الانتقال يفرض عليه تأجيل الحكي لعرض الأحداث المتعلقة بالشخصية التي خصها الاسترجاع.

وهناك مقاطع سردية كثيرة في الرواية يوظف فيها الروائي هذه التقنية، كما في قوله: "وأنا كما قلتُ لكنَّ في حديثي في الأسابيع الماضية، ذكرت لكن أنه يجب على كل طالبة في أثناء مذاكراتها إذا خفي عليها شيء من الدروس أن ترجع إلى مدرس المادة لتلمس معرفة ذلك منه"(15). كان الراوي يحكي عن اجتماع أعضاء التدريس في مكتبة العميدة، حيث تشتكي العميدة عن المشكلات التي تعاني منها المدرسة وخاصة قلة مدرسي اللغة العربية. فقطع مسار السرد مسترجعاً إلى الماضي القريب ليفيد القارئ عن الأحداث الغابرة التي حدثت في المدرسة بحيث لاحظت أن المدرسين الذين نقلتهم وزارة التعليم إلى هذه المدرسة لا يريدون الإقامة فيها للأسباب الاجتماعية التي لم يذكرها الراوي في السياق الروائي. وفي مكان آخر، استرجع الراوي بقوله: "عاد حمزة إلى البيت حزينا، جلس في قاعة الاستقبال ويفكر في عبارة العميدة: إن أردتم ذلك يكون في المسجد"(16). فالراوي في هذا المقطع استذكر الأحداث القريبة المدى التي جرت بين العميدة وحمزة في المدرسة، حيث كانت العميدة تظهر كراهيتها للغة العربية وأصحابها في المدرسة، ولا يرضى حمزة عن ذلك، ويدافع عن قيمة اللغة العربية، ثم عاد إلى البيت غضبان عن كلمة العميدة. الراوي هنا قطع مسار السرد، وعاد إلى الوراء.

يتضح من خلال الاسترجاعات السابقة بأن أهمية هذه التقنية الزمنية سواء الخارجية أو الداخلية تكمن في توسيع مدى العمل الروائي والزيادة من مساحته. ويمكن الاستنتاج من كل هذا أن الاسترجاع آلية يوضحها الراوي لتغطية الغفلات التي تجاهلها، وتجاوزها زمن القصة، فيستعين بها لسد الثغرات التي يخلفها السرد أثناء استئناف الكلام، كما تعتبر هذه التقنية بالنسبة للمتلقي فرصة لاستيعاب أكثر الأحداث الروائية ولاكتمال ملامح بعض الشخصيات الروائية التي كانت مبهمة في ذهنه.

ب - الاستباق:

يعد الاستباق (Prolepsis) مفارقة زمنية سردية تتجه إلى الأمام بعكس الاسترجاع، وإذا كانت الاسترجاعات تزود المتلقي بمعلومات ماضية حول الشخصية أو الحدث فإن الاستباقات هي الأخرى تقدم للقارئ معلومات لكنها لا تتصف باليقينية(17). ومن التعريف هو: "تصوير مستقبلي لحدث سردي سيأتي مفصلاً فيما بعد إذ يقوم الراوي باستباق الحدث الرئيس في السرد بأحداث أولية تمهد للآتي وتومئ للقارئ بالتنبؤ واستشراف ما يمكن حدوثه، أو يشير الراوي بإشارة زمنية أولية تعلن صراحة عن حدث ما سوف يقع"(18). والاستباق في الرواية يتخذ أحياناً شكل حلم كاشف للغيب أو هيئة تنبؤ أو افتراضات صحيحة نوعاً ما بشأن المستقبل(19)، وقد يأتي على شكل توقع أو إعلان، أو تمهيد قد يتحقق أو لا يتحقق، ويرى جنيت أن هذه المفارقة أقل حضوراً في التقاليد السردية الغربية من الاسترجاع، وأرجع ذلك لعدم تماشيها مع عنصر التشويق الذي هو حجر الأساس في الروايات الكلاسيكية.

الاستباق في الرواية: يشكل الاستباق الزمني ملمحاً جمالياً بارزاً في رواية "لماذا يكرهونن" حيث استخدمه الروائي لتقديم معلومات يقينية أو غير يقينية من حيث التحقق أو عدمه، ويعطي إشارات واضحة صريحة عمَّا سيقدمه السرد لاحقاً. ومن المقاطع السردية الزمنية الدالة على الاستباق قول الراوي: "وكل طالبة في هذه المدرسة لا بد أن تتكلم بها، ولكن لا بأس، سوف نعيد للغة العربية قيمتها في هذه المدرسة، وسوف أبذل قصارى جهدي في حث زملائي لتغيير الأوضاع السلبية بأي طريقة ممكنة. ولكن ستعلم العميدة عن قريب أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في هذه المدرسة، وهي لغة التخاطب بين الطالبات وفي الاجتماع مع الطالبات"(20). المقطع السردي السابق، يعد تلخيصاً استباقياً يعلن عن الأحداث التي سيشهدها السرد لاحقاً في الرواية، حيث ينبئ الروائي القارئ عن الأحداث التي ستحصل في الرواية. فقد أعلن الراوي بشكل مباشر عن بعض المحاولات القيمة التي سيقوم بها حمزة لإعادة قيمة اللغة العربية إلى هذه المدرسة، فيزيد التواصل مع القارئ ويتلهّف المتلقي لمعرفة الخطوات التي سوف يسير عليها حمزة لوصول إلى غايته.

وفي موضع آخر، يميل الروائي إلى الاستباق حيث يتحدث الراوي عن الطرق الراجحة والمناسبة لتشجيع الطالبات على التحدث باللغة العربية في المدرسة فيقول: "أعتقد لو أنكم أنشأتم جمعية للغة العربية وثقافتها، ستكون خير وسيلة لوصولكم إلى الغاية، على أن يكون للمسرحية دور كبير في ذلك الميدان. لأن الطالبات يحببن المسرحية، وخاصة إذا كانت باللغة العربية، وأن تختاروا أحسن الممثلات"(21). في هذا النص السردي تحدث الروائي عن أسلوب من الأساليب المتوقعة لتشجيع الطالبات على التحدث باللغة العربية، وقد جاء هذا الاستباق من خلال الاقتراحات التي قدمت زينب لزوجها حمزة الذي رجع من المدرسة وقص لها الوقائع التي جرت بينه وبين العميدة في المدرسة حول اللغة العربية.

3 - جمالية المدة الزمنية في الرواية:

المدة الزمنية من أهم الظواهر الفنية والجمالية التي يختص بها النص الروائي، وتمثل المدة في مصطلح آخر منها "حركة السرد" أو "الديمومة" ويقال أيضا إيقاع السرد. وهو ضبط العلاقة الزمنية التي تربط بين زمن الحكاية، والتي تقاس بالثواني والدقائق والساعات والأيام والشهور والسنوات، وبين طول النص القصصي الذي يقاس بالأسطر والصفحات والفقرات والجمل. ولدراسة المدة الزمنية في الرواية اقترح جيرار جنيت طريقتين متناقضتين وهما: "التسريع والتعطيل".

أ - التسريع:

"يحدث تسريع إيقاع السرد حين يلجأ السارد إلى تلخيص وقائع وأحداث، فلا يذكر عنها إلا القليل، أو حيث يقوم بحذف مراحل زمنية من السرد فلا يذكر ما حدث فيها مطلق"(22). ويعد تسريع السرد واحداً من أهم الأسس التي يقوم عليها أي نص سردي عموماً اعتماداً على عدم إمكانية رصد الأحداث كلّها، فإن حكي واحد كاملاً من حياة شخص عادي، يحتاج إلى عدد مئات من الصفحات، لذا فإن الأساس الانتقائي القائم عليه السرد يتخذ مكانة المهم الذي ترتكز عليه استراتيجيات السرد، فهو أساس إجباري تم تطويعه لخدمة الزمن النهائي من النص، ويمكن للتسريع السردي في الرواية أن يأتي بطريقة الخلاصة والحذف.

ب - جمالية الخلاصة في الرواية:

يقصد بالخلاصة (Summary) الزمنية في الفن السردي: "سرد أحداث ووقائع جرت في مدة طويلة (أيام، أو شهور أو سنوات، العقود) في جملة واحدة أو كلمات قليلة، إنه حكي موجز وسريع وعابر للأحداث دون التعرض لتفاصيلها، يقوم بوظيفة تلخيصه"(23). ومن أهم القيم الفنية في سرد الخلاصة في الرواية أنها تساعد على تسريع حركة السرد في كل مرة يكون فيها الراوي في مواجهة أحداث عارضة وعقد ثانوية غير جديرة أن يستفيض في سردها. وظلت الخلاصة حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وسيلة الانتقال الأكثر شيوعاً بين مشهد وآخر، الخلفية التي عليها يتمايزان وبالتالي النسيج الذي يشكل اللحمة المثلى لحكاية الرواية(24).

وتعد الخلاصة السردية تقنية يلجأ إليها الراوي في حالتين الأول: حين يتناول أحداث حكائية ممددة في فترة زمنية طويلة فيقوم بتلخيصها في زمن السرد، وتسمى الخلاصة الاسترجاعية، ويتحقق ذلك في قول الراوي: "وكان قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية قد مضى عليه مدة طويلة وأعضاؤه ما جاوزوا مدرسين اثنين، وقد وجدنا في الشهر الماضي مدرساً في هذا القسم، لكنه لم يمض عليه أسبوع فنقل إلى مكان آخر..."(25). عمل هذا المقطع على دفع السرد إلى الأمام وعدم الخوض في التفاصيل للأحداث، فقد لخص الراوي بعض الأحداث في أسطر قليلة بحيث لا يذكر عدد السنوات التي قد أنشأ اللغة العربية والدراسات الإسلامية في المدرسة، ولا يذكر أسماء المدرسَين الباقيَين في المدرسة. فحين ذكر أن مدرساً "لم يمض عليه أسبوع" لم يذكر الراوي القارئ عن الأحداث التي حدثت خلال الأسبوع، كما أنه لم يتحدث عن الأسباب الاجتماعية والتربوية التي تؤدي إلى قلة مدرسي اللغة العربية بالمدرسة.

أما الحالة الثانية فهي التي يلجأ الراوي من خلالها للخلاصة، وهي حين يتم التلخيص لأحداث سردية لا تحتاج إلى توقف زمني سردي طويل، ويمكن تسميتها ب"الخلاصة الآنية" في زمن السرد الحاضر(26)، وقد تأمل الباحث في الرواية ووجد أن حضور مثل هذه الخلاصة فيها قليلة. ومما أورد الروائي من هذا النوع من التلخيص المقطع السردي التالي حيث يلخص الراوي أحداث كثيرة في كلمات قليلة، يقول الراوي: "وقد جرت العادة في كل يومي اثنين وخميس أن يكون هناك اجتماع والطالبات في هذه الحال..."(27). في السياق الروائي السابق، عمد الراوي إلى اختصار الأحداث حيث يتحدث سريعا عن اجتماع الطالبات في يومي الاثنين والخميس، مستغنيا ذكر الأحداث الجامدة من يوم الاثنين إلى الخميس، لأن الأحداث المبعدة عن السياق لا تسهم في السرد، وقد هدف هذا الاختصار إلى دفع الأحداث الروائية إلى الأمام.

جـ - جمالية الحذف في الرواية:

يلعب الحذف (Omission) إلى جانب الخلاصة دوراً حاسماً في اقتصاد السرد وتسريع وتيرته، فهو من حيث التعريف: "حذف فترة طويلة أو قصيرة من زمن القصة وعدم التطرق لما جرى فيها من وقائع وأحداث فلا يذكر عنها السارد شيئاً، بل يسكت عن جزء من القصة أو يشير إليه فقط بعبارات زمنية تدل على موضع الحذف(28)، ويعتبر الحذف من التقنيات الزمنية المسرعة كثيراً للزمن، حيث يعمل على إغفال فترات من زمن الأحداث، ويلجأ إليه الراوي حين لا يكون الحدث ضرورياً لمسار الرواية، لأنه من الصعب عليه سرد كل زمن بالأيام والحوادث بشكل متسلسل دقيق، خاصة إذا كانت الحكاية تحتل فترة زمنية طويلة المدى؛ وبالتالي لا بد من القفز واختيار ما يستحق أن يروى.

د - أنواع الحذف في الرواية:

ينقسم الحذف السردي في الرواية إلى قسمين أهما، الحذف المحدد: وهو إعلان الفترة الزمنية المحذوفة صراحة، سواء جاء ذلك في بداية الحذف كما هو شائع في الاستعمالات العادية، أو تأجلت الإشارة إلى تلك المدة إلى حين استئناف السرد لمساره(29). وهذا النوع من الحذف أكثر رواجاً في الرواية التي بين يدي القارئ حيث يميل الروائي إلى استخدام هذه التقنية، ويحذف زمن لم يقع فيه حدث يؤثر في سير وتطور الأحداث في النص الروائي، ويكون جزء من القصة مسكوتاً عنه في السرد كلية، أو مشاراً عليه بعبارات زمنية تدل على موضع فراغ في الحكاية، كما في قوله: "ولما بلغ حمزة السادسة من عمره أدخله أبوه المدرسة النظامية الابتدائية..."(30). في هذا السرد، يحكي الراوي عن حياة حمزة وسيرته الدراسية، فيأتي بمرور سريع على فترات زمنية سردية مدتها ست سنوات، ولا يذكر عنها شيئاً من الأحداث. وهذا الحذف له دلالته بالنسبة لأحداث الرواية، إذ يدرك الروائي أن الوقائع في المرحلة الزمنية المحذوفة لا تضيف شيئاً جديداً بعمق دلالة الحدث الروائي، فيتجاوز هذه الأحداث الثانوية ليتقدم سرد الأحداث إلى الأمام.

نموذج آخر يستحق التمثيل حيث يحكي الراوي عن حياة حمزة وزوجته في القرية، فيضطرّ إلى حذف الأحداث والوقائع التي ليست لها علاقة وطيدة مع السياق السردي قائلا: "الحمد لله على كل حالٍ، فهو مكان هادئ. الحياة هنا أحسن من المدينة، لأنني منذ أن أتينا لم ينقطع تيار الكهرباء خلا أسبوعين، ولم ينقطع الماء..."(31). في هذا المقطع السابق، أسقط الراوي أسبوعين من الأحداث التي يسردها، ولم يعط للقارئ عنها أية تفاصيل، لأن الحدث الذي يليها هو الأهم في أحداث الرواية.

الحذف غير المحدد في الرواية: هو الحذف الذي لا يذكر الراوي فيه المدة الزمنية المبعدة في النص، بالرغم من حدوثه، ولا ينوب عنه إشارة زمنية أو مضمونية، وإنما القارئ من يهتدي إلى معرفة موضعه باقتفاء أثر الثغرات والانقطاعات الحاصلة في التسلسل الزمني الذي ينتظم القصة(32). فقد استخدم الراوي هذا الحذف وإن كان غير محقق في الرواية إلا قليلاً، وخاصة بعد أن قارن هذا النوع بالنوع السابق. ومن المقاطع الحكائية التي يحذف الراوي الأحداث دون التصريح في الفترات المحذوفة قوله: "أيام أن كنت في الثانوية كانت المكسورة طالبة في صفن"(33)، فالأيام المحذوفة في هذا السياق غير معينة ولم يحدث خلالها حدث مهم لذلك أغفلت لهدف التسريع في السرد والتجنب عن ذكر الأشياء الخارجية التي لا تدعم السرد.

وحين يواصل الروائي بسرد عن حياة مكسورة، حذف فترات زمنية غير محددة قائلاً: "وأما المكسورة فإنها تعيش في كفالة عمها الذي لم يرزق بولد. أخذها من أبويها منذ أن بلغت الفطام، وذهب بها إلى بلد آخر، حيث يعمل ولا تأتي إلى بيت أبويها إلا للزيارة، وتعودت على ذلك حتى بعد وفاة عمها، فعادت إلى رعاية أبويها حتى بلغت سن الزواج"(34)، في هذا المقطع يحذف الراوي الفترات الزمنية غير المحددة، ولا يعلن بدقة الفترات المحذوفة التي أزاحها من زمن السرد وإنما اكتفى بقوله: "منذ أن بلغت الفطام" وقوله "حتى سن الزواج" وبالتالي يكون صعباً على القارئ تعيين المدة الزمنية المحذوفة بشكل دقيق. وهنا أسهم الحذف في جمالية تسريع السرد إلى الأمام.

هـ - تعطيل السرد في الرواية:

يعتبر تعطيل السرد الحركة المعارضة للتسريع في عملية السرد الروائي، وذلك أن مقتضيات تقديم المادة الحكائية عبر مسار الحكي تفرض على الراوي في بعض الأحيان، أن يتمهّل في تقديم بعض الأحداث الروائية التي يستغرق وقوعها فترة زمنية قصيرة ضمن حيز نصي واسع من مساحة الحكي، معتمداً على تقنيتين، تمكنانه من جعل الزمن يتمدد على مساحة الحكي، وهما: الوقفة الوصفية والمشهد الحواري.

و - جمالية الوقفة الوصفية في الرواية:

يعنى بالوقفة الوصفية (Pause) في عملية السردي الروائي: "شعور الذات الساردة أو إحدى الشخصيات أو مجموعة من الشخصيات الروائية بتوقف الزمن، نتيجة وقوع حدث مفاجئ له تأثير مباشر على الشخصية، فتشعر الذات أو الشخصية أن الزمن قد توقف تتابعه عند هذا الحدث"(35)، وبأدق العبارة يشير مصطلح الوقفة الوصفية في الرواية إلى الموضع الذي يتعطل فيه السرد وتعلق الحكاية ليفسح المجال للوصف أو التعليق أو التأمل أو غير ذلك من الاستطرادات التي تدرج ضمن ما يسمى ب"بتدخلات المؤلف" لأنها تجسد أقصى درجات الإبطاء في السرد(36). وتشترك الوقفة الوصفية مع المشهد في الاشتغال على حساب الزمن الذي تستغرقه الأحداث أي في تعطيل زمنية السرد وتعليق مجرى القصة لفترة تطول أو تقصر، ولكنهما يفترقان بعد ذلك، في استغلال وظائفهما وفي أهدافها الخاصة.

ز - الوقفة الوصفية في الرواية:

بعد استقراء صفحات الرواية (موضوع البحث) وجد الباحث محطات كثيرة توقف فيها الزمن عن حركته، وفسح المجال لتلك المشاهد الوصفية، التعليقية، والتضمينية، ومن المشاهد التي توقف فيها مسار السردي قول الراوي: "دخل المدرس الأول مكتب العميدة، وفي يده دفتر وقلم. وكان هذا المدرّس قد بلغ من العمر أربعين سنة أو فوق ذلك بقليل. وعندما دخل وجد العميدة تكتب في ملف، وكان مكتبها مكتباً واسعاً ذا منضدة كبيرة أنيقة، وزين المكتب بالأثاث الفاخر والصور الكبيرة المعلقة على جدرانه من صورة رئيس الجمهورية وصورة حاكم الولاية وصورة الأمير وصورة عمداء المدرسة الأسبقين. وخريطة العالم في جانب، وجدول المدرسة العام في جانب آخر وفي ناحية أخرى باب لدورة المياه الخاصة بالعميدة"(37). تهدف هذه الوقفة إلى وصف الشخصية والمكان معاً. فالراوي كان يسرد الأحداث نحو الأمام، ولكن ظروف الأحداث الروائية تجعله يتمهل في الحكاية لوصف المدرس الأول ورسم مكتبة العميدة رسماً دقيقاً.

ومن نماذج الوقفة الوصفية في الرواية، المقطع السردي التالي الذي يصف فيه الراوي حمزة وأبعاده الجسمية قائلا: "حمزة فتى في ريعان شبابه، ولم يتجاوز الخامسة والعشرين. وكان يتقن اللغة الإنجليزية. ومن لم يعرف أنه متخصص في العربية قد يعده متخصصاً في اللغة الإنجليزية، لأن أباه كان معلماً ومثقفاً بالثقافة العربية العميقة، وهو مشهور في عاصمة ولاية كنو. لقد درس اللغة العربية في مدرسة علوم العربية في كنو سنوات كثيرة لما عاد من السودان بعد نيله شهادة الليسانس..."(38). ينبني الوصف على الرؤية البصرية للموصف، فقد كشفت هذه الوقفة الوصفية المظاهر الخارجية لهذه الشخصية بحيث يحدد الروائي جنسه، وعمره ومسقط رأسه، كما تحدث يسيراً عن ثقافته العلمية، والشهادات التي تحملها هذه الشخصية. فهذه الصفات التي تتميز بها الشخصية تجعل القارئ يتخيل فيه كأنه يشاهده واقعياً. وإذا كان هذا الوصف يساعد المتلقي على معرفة الملامح الخارجية للشخصية الموصوفة، فمن جانب آخر، عمل الوصف على تعطيل السرد وإحداث شيئاً من التوقف.

حـ - جمالية المشهد الحواري في الرواية:

هذه التقنية هي الشكل الثاني من أسلوب التعطيل السردي، ويقصد بها: "السياق الحواري الذي يرد عبر مسار الحكي، وهو يتحقق بتساوي الزمنين (زمن القصة وزمن السرد) تحقيقاً عرفياً من حيث الاستغراق الزمني"(39)، فقد تناول بعض النقاد العرب تحليل الخطاب السردي وفق التقنية النقدية والأعمال السردية وأشاروا إلى أسلوب السرد المشهدي في كثير من الأعمال الروائية، والأعمال السردية بصورة عامة(40). تتميز هذه التقنية السردية بوظيفتها الدرامية، إذ يعمل على كسر رتابة السرد، من خلال تقنية الحوار، التي تبث الحركة والحيوية فيه، وتمنح للشخصية مجالاً للتعبير عن أفكارها ورؤيتها من خلال لغتها المباشرة، والكشف عن ذاتها من خلال الحوار والعلاقات التي تقيمها مع الآخر (غيرها من الشخصيات)، والعمل على كشف حدث ونموّه وتطوّرها، ويعطي للقارئ إحساساً بالمشاركة في الفعل من خلال الأثر الذي ينتجه، كأنك تشاهد مسرحا(41).

وكاتب الرواية يستخدم نوعين من المشهد الحواري لخلق التطابق بين زمن السرد وزمن القصة من حيث مدة العرض، وأنواع المشهد في الرواية: مشهد الحوار الخارجي ومشهد الحوار الداخلي.

والنوع الأول من المشهد الحواري هو الذي يأخذ سمات التعريف السابق، وقد أخذ قسطاً كبيراً في الرواية التي بين يدي القارئ حيث استخدمه الراوي لخلق التساوي بين زمن القصة وزمن السرد، ومنح الشخصيات الفرصة لتقديم عواطفهم وآلامهم دون وسيط. وهناك المشاهد الحوارية التي تعبر فيها الشخصيات عن مشاعرهم الخارجية فيعطي القارئ إحساساً بالمشاركة الجادة بالفعل، فيرى الشخصيات تتحرك وتمشي وتفكر، ومثال ذلك قوله:
- لماذا كانت كلمة العميدة في الاجتماع مع الطالبات باللغة الإنجليزية فقط، وأنها لا تترجم إلى العربية؟ الأمر الذي دعاني إلى هذا التساؤل أنني منذ أن وصلت إلى هذه المدرسة، وحضرت ثلاثة اجتماعات لم أجد العميدة تتكلم إلا بالإنجليزية، مع أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في هذه المدرسة. وأرى أنه ينبغي أن تكون كل الإجراءات الرسمية باللغة العربية.
- الاجتماع يكون باللغة الإنجليزية فقط، لأنها هي اللغة الرسمية، ولكن إذا أردتم أن تترجم فذلك يكون في المسجد بعد الصلاة إن شئتم.
- العربية ليست لغة المسجد فقط، إنها لغة علم وثقافة كالإنجليزية بجانب كونها لغة دين. ولها مكانة في الثقافة الإنسانية.
- نحن لا نترجم إلى العربية. أنا لا أعرف العربية، وكذلك المدرس الأول. ودعني أوجز لك القول إنه ليس من عادتنا. أنت جديد أنت تتبع نظامنا... فهمت؟(42).

وهذا المشهد يتميز بوظيفته الدرامية بحيث أسهم في تطوير جمالية السرد وقطع مساره لمنح الشخصيات فرصة إبداء آرائهم ومشاعرهم حول قضية بدون أن يتدخل أحد الشخصيات الخارجية. وقد عمل هذا المشهد على تعطيل السرد وإبطائه، وخلق التساوي بين زمن السرد وزمن القصة من حيث المدة الزمنية، كما يسعى إلى وسعة النص الروائي.

ط - مشهد الحوار الداخلي أو الصامت في الرواية:

هو "الكلام غير المسموع وغير الملحوظ الذي تعبر به الشخصية عن أفكارها الباطنية التي تكون أقرب ما تكون إلى اللاوعي، وهي أفكار لم تخضع للتنظيم المنطقي لأنها سابقة لهذه المرحلة، ويتم التعبير عنها بعبارات تخضع لأقل ما يمكن من قواعد اللغة لكي توحي للقارئ بأن هذه الأفكار هي ورودها في الذهن"(43).

إضافة إلى ذلك، يعد الحوار الداخلي تحليلاً للذات من خلال حوار شخصية مع نفسها فتتوقف حركة زمن السرد الحاضر لتنطلق حركة الزمن النفسي في كل النواحي المختلفة، ويعبر عن تجربة البطل النفسية الداخلية تعبيراً شعورياً دون اعتبار لتسلسل الزمن الخارجي(44).

وكاتب الرواية يلجأ إلى تعليق الزمن من خلال الحوار الصامت في أماكن مختلفة حيث تجد الشخصية الفرصة للكشف عن ذاتها ومكنوناتها، وآلامها، وتمنح الفرصة للقارئ للغوص في عمق الشخصية ومعرفتها عن قرب، والانتقال من خارج النص إلى داخله. ومن الحوارات الداخلية في الرواية قول الراوي حيث يحكي الأمور المدرسية التي دارت بين العميدة وحمزة خاصة كراهية العميدة للغة العربية اضطرّ أن يتحدث حمزة عن مشاعرها الباطنية حيث يقول: "الآن أدركتُ مدى كراهية العميدة للغة العربية، أما آن لها ولأمثالها من المثقفين بالثقافة الغربية أن يعلموا أن الثقافة العربية واللغة العربية كانتا أول ما وضع قدمه في هذه البلاد؟ ولكن لا بأس... الإنسان عدو ما جهل. لو أنها عرفت شيئاً من الثقافة العربية وفهمت اللغة العربية لما فعلت فعلتها هذه..."(45). في هذا المقطع المونولوجي تحاور الشخصية عن همومها وهواجسها وتخييلاتها الخاصة بشكل مباشر من الشخصية إلى المتلقي من غير حضور المؤلف، حيث يتعجّب حمزة عن بغض العميدة للغة العربية وأصحابها. ورغم أن المونولوج السابق يعمل على إبطاء وتعطيل الزمن السردي، إلا أنه يفسح المجال للشخصية للتأمل وحوار الذات للبروز والاتساع في مساحة الخطاب.

الخاتمة:

يتضح للقارئ من خلال السطور السابقة أن العنصر الزمني في الرواية عنصر مهم في بناء الرواية، لأنه يؤثر في العناصر الأخرى وينعكس عليها. ومن خلال دراسة جماليات الزمن في الرواية يمكن الاستنتاج أن خطاب الروائي (ثالث) تعامل مع الزمن بطريقة مختلفة مما عرفناه في الخطابات الروائية التقليدية، فالبدء بالاستباق والرجوع لنقطة البدء والتقنيات الزمنية من مفارقات زمنية تكسر الخطية والتسلسل الزمني، من توظيف الكاتب الاسترجاعات بمختلف أنواعها خارجية وداخلية، وإن غلبت الخارجية منها في الرواية، ويهدف توظيف الاسترجاع بأنواعه إلى تقديم الشخصيات، وسرد الأحداث التاريخية المغيبة في السرد، وملء الفراغات التي يتركها. أما الاستباقات في الرواية رغم حضورها إلا أنها قليلة بمقارنتها مع الاسترجاعات، وأغلبها وردت كإعلان لما سيأتي في السرد لاحقاً. فحين يسرد الروائي المدة الزمنية في الرواية، يعمد إلى تلخيص بعض الأحداث لغرض تسريع السرد ودفعه إلى الأمام، كما استخدم الحذف لتجنب ذكر الأحداث الخارجية التي لا تسهم شيئاً في السياق السردي. وعمل المشهد الحواري والوقفة الوصفية على تعطيل السرد وإبطائه ليعطي الشخصيات فرصة التحادث عن مشاعرهم بدون الوسائط من خلال نص واسع.

الهوامش:
1 - الإمام جمال الدين أبو الفضل ابن منظور: لسان العرب، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 2003، المجلد 9، ص 241.
2 - ركان الصفدي: الفن القصصي في النثر العربي حتى مطلع القرن الخامس الهجري، الهيئة العامة السورية للكتاب، ط1، دمشق 2011، ص 340.
3 - سيزا قاسم: بناء الرواية، دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ، مكتبة الأسرة، القاهرة 2004، ص 37.
4 - المرجع نفسه، ص 40.
5 - نفسه.
6 - مها حسن القصراوي: الزمن في الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 2004 ص 183.
7 - آمنة يوسف: تقنيات السرد بين النظرية والتطبيق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، بيروت 2015، ص 104.
8 - نفسه.
9 - لطيف زيتوني: معجم مصطلحات نقد الرواية، دار النهار، ط1، بيروت 2002م، ص 19.
10 - مرشد أحمد: البينة والدلالة في روايات إبراهيم نصر الله، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 2005م، ص 238.
11 - ثالث مي أنغوا: لماذا يكرهوننا، "Sambash"، ط2، كنو 2006م ص 35.
12 - المرجع نفسه، ص 54.
13 - لطيف زيتوني: المرجع السابق، ص 20.
14 - مها حسن القصراوي: المرجع السابق، ص 194.
15 - ثالث مي أنغوا: رواية لماذا يكرهوننا، ص 10.
16 - المرجع نفسه، ص 21.
17 - لطيف زيتوني: المرجع السابق، ص 16.
18 - المرجع نفسه، ص 211.
19 - جيرار جنيت: خطاب الحكاية بحث في المنهج، ترجمة محمد معتصم وآخرين، الهيئة العامة للمطابع الأميرية، ط2، القاهرة 1997م، ص 76.
20 - لطيف زيتوني: معجم مصطلحات نقد الرواية، ص 16.
21 - ثالث مي أنغوا: رواية لماذا يكرهوننا ، ص 27.
22 - هثيم علي الحاج: الزمن النوعي وإشكاليات النوع السردي، الانتشار العربي، ط1، بيروت 2015، ص 26.
23 - محمد بوعزة: تحليل النص السردي، تقنيات ومفاهيم، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، بيروت 2010، ص 93.
24 - نفسه.
25 - ثالث مي أنغوا: رواية لماذا يكرهوننا، ص 18.
26 - عالية محمود صالح: البناء السردي في روايات إلياس خوري، دار أزمنة، ط1، الأردن 2005م، ص 39.
27 - ثالث مي أنغوا: رواية لماذا يكرهوننا، ص 5.
28 - محمد بوعزة، المرجع السابق، ص 94.
29 - حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت 1990، ص 159.
30 - ثالث مي أنغوا: رواية لماذا يكرهوننا، ص 22.
31 - ثالث مي أنغوا: رواية لماذا يكرهوننا، ص 26.
32 - حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، ص 162.
33 - ثالث مي أنغوا: رواية لماذا يكرهوننا، ص 103.
34 - المرجع نفسه، ص 104.
35 - مراد عبد الرحمن مبروك: بناء الزمن في الرواية المعاصرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1998م، ص 92.
36 - محمد القاضي: معجم السرديات، مؤسسة الانتشار العربي، ط1، بيروت 2010، ص 478.
37 - ثالث مي أنغوا: رواية لماذا يكرهوننا، ص 12.
38 - المرجع نفسه، ص 22.
39 - مرشد أحمد: البنية والدلالة في روايات إبراهيم نصر الله، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 2005م، ص 317.
40 - مصطفى التواتي: دراسة في روايات نجيب محفوظ الذهنية، الدار التونسية للنشر - المؤسسة الوطنية للكتاب، تونس - الجزائر 1986، ص 107.
41 - مها حسن القصراوي: المرجع السابق، ص 239-240.
42 - ثالث مي أنغوا: رواية لماذا يكرهوننا، ص 19-20.
43 - ليون إيدل: القصة السيكولوجية، ترجمة محمود السمرة، المكتبة الأهلية، ط1، بيروت 1959م، ص 118.
44 - مها حسن القصراوي: المرجع السابق، ص 244.
45 - ثالث مي أنغوا: رواية لماذا يكرهوننا، ص 33-34.
References:
1 - ‘Alī, Haytham al-Ḥāj: Az-zaman an-naw‘ī wa ishkāliyyāt an-naw‘ as-sardī, Mu’assasat al-Intishār al-‘Arabī, 1st ed., Beirut 2015.
2 - Aḥmad, Murshid: Al-bunya wa ad-dalāla fī riwāyāt Ibrāhīm Naṣrallah, Al-Mu’assasa al-‘Arabiyya li al-Dirāsāt wa al-Nashr, 1st ed., Beirut 2005.
3 - Al-Qāḍī, Muḥammad: Mu‘jam as-sardiyyāt, Mu’assasat al-Intishār al-‘Arabī, 1st ed., Beirut 2010.
4 - Al-Qaṣrāwī, Mahā Ḥasan: Az-zaman fī ar-riwāya al-‘arabiyya, Al-Mu’assasa al-‘Arabiyya li al-Dirāsāt wa al-Nashr, 1st ed., Beirut 2004.
5 - Al-Ṣafadī, Rakkān: Al-fan̊ al-qaṣaṣī fī an-nathr al-‘arabī, Al-Hay’a al-‘Āmma al-Sūriyya li al-Kitāb, 1st ed., Damascus 2011.
6 - Angua, Thālith Mi: Limādhā yakrahūnanā, Sambash, 2nd ed., Kano 2006.
7 - Baḥrāwī, Ḥasan: Bunyat ash-shakl ar-riwā’ī, Al-Markaz al-Thaqāfī al-‘Arabī, 1st ed., Beirut 1990.
8 - Bouazza, Mohamed: Taḥlīl an-naṣ as-sardī, tiqniyyāt wa mafāhīm, Al-Dār al-‘Arabiyya li al-‘Ulūm Nāshirūn, 1st ed., Beirut 2010.
9 - Edel, Leon: Al-qiṣṣa as-saykūlūjiyya, (The psychological novel), Translated by Maḥmūd al-Samra, Al-Maktaba al-Ahliyya, 1st ed., Beirut 1959.
10 - Genette, Gérard: Khiṭāb al-ḥikāya, baḥth fī al-manhaj, (Narrative discourse, an essay in Method), Translated by Muḥammad Mu‘taṣim and others, Amiri Press, 2nd ed., Cairo 1992.
11 - Ibn Manẓūr: Lisān al-‘Arab, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, 1st ed., Beirut 2003.
12 - Mabrūk, Murād ‘Abd al-Raḥmān: Binā’ az-zaman fī ar-riwāya al-mu‘āṣira, Al-Hay’a al-Miṣriyya al-‘Āmma li al-Kitāb, Cairo 1998.
13 - Qāsim, Sīzā: Binā’ ar-riwāya dirāsa muqārana fī thulāthiyyat Najīb Maḥfūẓ, Maktabat al-Usra, Cairo 2004.
14 - Ṣāliḥ, ‘Āliyya Maḥmūd: Al-binā’ as-sardī fī riwāyāt Ilyās Khūrī, Dār Azmina, 1st ed., Jordan 2005.
15 - Touati, Mustapha: Dirāsa fī riwāyāt Najīb Maḥūẓ adh-dhihniyya, Al-Dār al-Tunisiyya - ENAL, Tunis - Alger 1986.
16 - Yūsuf, Āmina: Tiqniyyāt as-sird bayna an-naẓariyya wa at-taṭbīq, Al-Mu’assasa al-‘Arabiyya li al-Dirāsāt wa al-Nashr, 2nd ed., Beirut 2015.
17 - Zītūnī, Laṭīf: Mu‘jam muṣṭalaḥāt naqd ar-riwāya, Dār al-Nahār, 1st ed., Beirut 2002.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد الواحد سليمان مرتضى: جماليات الزمان في الروايات العربية النيجيرية، رواية "لماذا يكرهوننا" نموذجاً، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الواحد العشرون 2021. http://annales.univ-mosta.dz

***