الجغرافيا اللغوية والأطلس اللغوي في التراث العربي

د. الشارف لطروش
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

في هذا البحث مقاربة تاريخية لجهود العرب المبكرة في مجال الجغرافيا اللغوية والأطلس اللساني، وبيان لاهتمامهم المبكر في دراسة اللهجات العربية وتوزيعها وفهم خصائصها واختلافاتها، ومدى مساهمة اللغويين والنحاة والفلاسفة والجغرافيين العرب القدامى في إثراء هذا العلم ببحوثهم ومؤلفاتهم القيمة، وبيان لجهود الباحثين المحدثين في تطوير هذا العلم ومحاولاتهم في وضع أطالس مختلفة ذات أهمية علمية.

الكلمات الدالة:

الجغرافيا، اللغة، الأطلس، اللهجة، البحث.

***
Linguistic geography and linguistic atlas in the Arab heritage

Prof. Charef Latroche
University of Mostaganem, Algeria

Abstract:

This research, represents a historical approach to the efforts of the ancient Arabs in the field of linguistic geography and linguistic atlas, and their contributions in the studies of Arabic dialects and their characteristics and differences, and then the extent of the contribution of linguists, grammarians, philosophers and Arab geographers by enriching this science with their valuable research and writings, and an account of the efforts of modern researchers in the development of this science and their attempts to develop various Atlases of scientific interest.

Keywords:

geography, language, atlas, dialect, research.

***

النص:

1 - مدخل في الجغرافيا اللغوية والأطلس اللغوي:

أ - الجغرافيا الّلغوية "ظهورها وأهميته":

يعدّ علم الجغرافيا اللغوية أحد العلوم اللغوية الحديثة ظهر تتويجا لجهود مجموعة من النحاة الباحثين في شأن اللغات المستعملة واللهجات المختلفة بغية إثبات التطوّر التاريخي للغات، وقد سلكوا في بحوثهم ثلاثة مناهج: المنهج الجغرافي الذي يتعلق بالأماكن، والمنهج الوصفي المناسب في وصف اللهجات التي تعدّ نظاما لغويا كاملا، ثم ضمّنوا نتائج بحوثهم الميدانية في خرائط لغوية، ارتقوا بها إلى ما سمي بالأطالس اللغوية، وسلكوا المنهج التاريخي لبحث التطورات الحاصلة على اللهجات عبر الأجيال والأزمنة المتعاقبة.

يهتم علم اللغة الجغرافي بدراسة اللغات المحلية ومجالات النفوذ اللغوي، ولغات السكان الأصليين والمستعمرين، ونفوذهم اللغوي بعد زوال الاستعمار. وموضوع اللغات الأولية والثانوية في منطقة معيّنة، والثنائية والتعددية اللغوية، والمركز الاجتماعي أو التربوي للغات (لغة رسمية ولغة وطنية، ولغة أدبية وغيرها)، واللهجات والمؤثرات فيها، والتعايش بين اللغات واللهجات(1).

ازداد الاهتمام بعلم الجغرافيا اللغوية والأطالس اللغوية ابتداء من القرن العشرين؛ لتوفر بعض الظروف وتقدّم وسائل الاتصال، وقرب المسافة، والتبادل الثقافي(2)، وقد أصبحت الأطالس اللغوية تقدّم معطيات وصورا شاملة لتوزيع اللهجات، وعلى أساس الجغرافيا قسمت اللغة العربية القديمة إلى لغة شمالية وجنوبية، وقسّمت شعوبها إلى عاربة ومستعربة.

وقد بيّن اللساني السويسري فرديناند دي سوسير (ت 1912م) في كتابه (محاضرات في اللسانيات العامة) مجال اللسانيات الجغرافية في أنها تبحث في تنوّع اللغات وتعدّد التنوّع الجغرافي، وتعايش اللغات في بقعة معيّنة، واللغات الأدبية واللهجات المحليّة وأسباب التنوّع الجغرافي وتأثير الزمن كعنصر أساسي فيه، وتخطّي اللهجات للحدود الطبيعية، وانتشار الموجات اللغوية وخصائص هذا الانتشار(3).

وإذا كان كثير من اللغويين الغربيين يعدّون اللسانيات الجغرافية علما خاصّا باللهجات أو لا يكادون يفرّقون بينها وبين علم اللهجات، فإنّ الباحث سمير شريف استيتية يرى أنّ اللسانيات الجغرافية أوسع من علم اللهجات بكثير، بل إنّ علم اللهجات هو أحد فروعها(4).

ب - مفهوم الأطلس "لغة واصطلاح":

الأطلس لغة من الفعل طلس طلسا، طلس الكتابة محاها، والأطلس يطلق على كثير من المعاني منها: الثوب من الحرير المنسوج، ومنه الذئب الأمعط في لونه غبرة إلى السّواد(5).

والأطلس في الأساطير اليونانية اسم خيالي أطلق على أحد آلهة اليونان، كانوا يرون أنه يحمل الأرض، ومنه سميت مجموعة الخرائط الجغرافية بالأطلس، وفي علم الجغرافيا هو كتاب خرائط(6)، ويقابله الأطلس اللغوي في البحث اللغوي.

يقول الباحث عبد العزيز حميد الحميد في تعريف الأطلس اللغوي ما نصّه: "الأطلس اللغوي طريقة حديثة لتسجيل الظواهر اللغوية على خرائط جغرافية، وذلك عند الحاجة إلى تحديد مناطق تلك الظواهر، فتأتي الخريطة وسيلة إيضاح لظاهرة لغوية لها علاقة بمكان معيّن وهي من أقوى مظاهر اتصال علمي اللغة والجغرافي"(7).

فالأطلس اللغوي هو إذن وسيلة لتسجيل الظواهر اللغوية على الخرائط، وتجسّد العلاقة بين علمي اللغة والجغرافيا، وليس هناك فرق بينه وبين أطلس اللهجات الذي يعرّفه الباحث سعد مصلوح بقوله: "أطلس اللهجات هو جمع لمادة غفل يستطيع منها اللغوي المدرب تدريبا كاملا بدراسة صابرة أن يضع خرائط ذات قيمة لتوزيع الظواهر اللغوية"(8).

وقد وضع الأوروبيون أطالس لغوية لمختلف اللهجات في بلدانهم، ومن روادهم الألماني جورج فنكر (wenker)، وتتلخّص طريقته ومنهجه في قيامه سنة 1876م بجمع الخصائص اللهجية لمنطقة محددة هي ديسلدورف وما حولها ثم وسّع ميدان البحث حتى شمل الإمبراطورية الألمانية كلهّا، ومن المآخذ على منهجه، قلة المعطيات الصرفية والمعجمية في المادة المجموعة، وأنّ العمل الميداني لم يمتدّ إلى عروض الأجزاء في المنطقة الألمانية، وأنّ جامعي اللغة لم يكونوا على درجة كافية من الكفاءة والتدريب(9).

وفي فرنسا وضع جيليريون (Gilliérion) سنة 1906م الأطالس الفرنسي، وتميّز بتغطيته المنطقة الفرنسية، وتولى البحث الميداني في إعداده اللغوي (E. Edmont)، وفي إيطاليا وضع (Jacob Jud) و(Karl Jaberg)، الأطلس الإيطالي متبعين المنهج الفرنسي نفسه، واستفاد واضعو الأطلس الأمريكي من تجارب الأطالس الأوروبية، وقد تم نشره بين عامي 1939م و1943م.

2 - أهمية الأطلس اللغوي العربي:

كان المستشرقون في العصر الحديث من أوائل من اشتغل بموضوع الأطلس اللغوي، حيث قاموا بدور كبير في إحياء الدراسة اللهجية للغات الشرقية، وبخاصة في اللهجات العربية دراسة وتحقيقا وتصنيفا وفهرسة، فقد وضع المستشرق الألماني برجشتراسر سنة 1915م أطلسا لغويا لسوريا ولبنان وفلسطين، جمع فيه مظاهر اختلاف اللهجات في البلدان الثلاثة، وضمّنه ثلاث وأربعين (43) خريطة تفصيلية، وخريطة واحدة إجمالية، مع شرح لغوي في كتاب مستقل نشر في السنة نفسها(10).

وتتمثل أهمية الأطالس اللغوية فيما يأتي(11):
- دراسة المفردات من حيث البناء والترادف واختلاف الألفاظ باختلاف الأقاليم اللغوية.
- دراسة خصائص اللهجات المختلفة، ومقارنتها باللغة الفصحى، والتباين بينها، ودراسة ما يطرأ في اللهجات واللغات من تغيرات عبر أزمانها المختلفة.

وعن أهمية الأطلس اللغوي للغة العربية يقول العالم اللغوي السويسري ستيجر (Steiger): "إنّ القيام بعمل أطلس لغوي لها، سيحدث ثورة في كل الدّراسات التي تعتمد على النصوص القديمة، بكشفه عن التطورات المتعلقة باللهجات، وباللغات الشعبية العصرية، وسيكون لهذا الأطلس الفضل في اطلاعنا على تاريخ الأصوات، التي أصابت اللغة العربية في الأماكن المختلفة التي غزتها، وعن مدى انتشارها وتأثّرها بالمراكز الثقافية، وتنوّع مفرداتها، إلى غير ذلك من المكتشفات، التي لا يمكن أن تتم، إلا إذا جمعت هذه المواد، إنّه سيكون عملا ثقافيا من الطراز الأوّل، وسيكون تحقيقه عنوان مجد وفخر في تاريخ الثقافة العالمي"(12).

بل إنّ أهمية وضع أطالس للغة العربيّة يعود نفعه على الأوروبيين كما كان الحال قديما، حيث إنّ اللغات التي أسموها (سامية)، ودوّنت بها النّصوص المقدّسة كالعبرية والآرامية، كانت مندثرة وغامضة، وبات لزاما عليهم أن يستعينوا على معرفة ألغازها وغوامضها بالاستئناس بالعربيّة، لتكون معينا لهم في معرفة نصوص كتبهم المقدّسة.

3 - الإرهاصات الأولى للجغرافيا اللغوية العربية:

علمنا أنّ الخرائط اللسانية هي مجموعة النماذج الجغرافية التي يجري عليها توزيع التنوعات اللغوية، والخرائط اللسانية بحسب الأطلس تنقسم إلى خرائط لهجية ولغوية صوتية، وهي مقدّمة لفكرة الجغرافيا اللغوية التي كانت موجودة في كتابات العلماء العرب القدامى، حيث حاولوا إنجاز أطالس لها صلة بالجغرافيا اللغوية، وقد أدرك الجغرافيون العرب أهمية الموقع الجغرافي في دراساتهم للغة، وكذلك أدرك اللغويون ذلك عند جمعهم اللغة، فاعتنوا بتحديد الموقع الجغرافي للقبائل التي رووا عنها(13). وقد تأصّل علم الجغرافيا عندهم في القرن الرابع الهجري، فظهرت مؤلفات كثيرة تهتم بوصف البلدان مثل كتاب (صورة الأقاليم) لأبي زيد البلخي (ت 322هـ)، وكتابي (صور الأقاليم) و(مسالك الممالك) لإبراهيم الإصطخري الكرخي (ت 957م)، وموسوعة (نهاية الأرب في فنون الأدب) للمؤرخ المصري شهاب الدين النويري (ت 733هـ)، وموسوعة (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) لأبي العباس القلقشندي (ت 821هـ)، وكتاب المسالك والممالك، وغيرها كثير.

وفي رسائل جماعة (إخوان الصفا وخلان الوفا)، وهي جماعة فلسفية جغرافية، تحدّثوا عن أثر الظواهر المختلفة من حرارة وبرودة وجبال وبحار وبداوة في تطوّر اللغة وتغيّرها، وفي الرسالة الخامسة (في الموسيقى)، من رسائلهم اهتموا بدراسة الأصوات والحروف.

وفي كتب الرحالة العرب مادة تراثية يمكن الاعتماد عليها في ميدان الجغرافيا اللغوية، منها بحوثهم حول الأماكن وارتباط القبائل بها، وحركة هذه القبائل، فشمس الدين المقدسي (ت 990هـ) في كتابه (حسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) تناول لغات بلاد العرب والمسلمين، وأمّا محمد بن جبير (ت 614هـ) فتناول في كتابه (الرحلات) قضية الازدواجية اللغوية، ونجد في كتاب (معجم البلدان) لياقوت الحموي (ت 627هـ) كل أنواع الجغرافية الفلكية والوصفية واللغوية والتاريخية إضافة إلى علوم أخرى.
ونجد في كتاب البيان والتبيين للجاحظ، مباحث عدة في وصف خطب الخطباء والبلغاء والأنبياء وذكر قبائلهم وأنسابهم(14).

ومن بذور الجغرافيا اللغوية ما قام به علماء اللهجات في تقسيمهم القبائل العربيّة إلى فصيحة وغير فصيحة، وفي جملة الأوصاف العلمية التي وصفوا بها اللهجات العربية مثل: لغة قليلة، لغة رديئة، لغة جيدة، لغة شاذة، لغة قبيحة، لغة فصيحة، وهي أوصاف أطلقت على اللغات العربية بالنظر لبعدها أو قربها من لغة القرآن الكريم وأساليب لغة قريش، زيادة على تسجيلهم للاختلافات اللهجية. وفي كتب الجغرافيين المسلمين مجموعة من القضايا الصوتية والصرفية والنحوية والفقه لغوية والمصطلحات.

فقد قدّم هؤلاء العلماء في دراساتهم الصوتية عملا ميدانيا تسجيليا للهجات العربية، وكانت بمثابة الأطلس اللغوي الجغرافي، وقد قال العقاد في مثل هذا المعنى ما بيانه: "قرأنا رأيا لبعض المشتغلين باللغة والتاريخ عندنا يؤكد فيه سبق العرب إلى كشف الدنيا الجديدة بأدلة لغوية تاريخية يعتمد عليها، وأشهر من قال بذلك الأب أنستانس الكرملي صاحب البحوث الطويلة في مشتقات الألفاظ"(15).

ولعل الإرهاصات الأولى بدأت مع وضع الخليل بن أحمد (ت 170هـ أو 175هـ) لنظريته في العامل النحوي على أسس اللغات واللهجات التي عدّها نقيّة آنذاك، وكذلك نجد في كتابه (إشارات إلى الأجناس والشعوب)، بذورا لعلم الجغرافيا اللغوية.

وكانت الفكرة موجودة في مؤلفات القدماء الذين اهتموا بذكر الأماكن ووصفها وتصنيفها، والذين ألفوا في اللغات وأنواعها وخصائصها، ومنازل العرب وحدودها، ومن أقدمها كتاب (جبال العرب وما قيل فيها من شعر) لخلف الأحمر (ت 180هـ)، ومنها كتاب اللغات ليونس بن حبيب (ت 182هـ)، وكتاب اللغات للفراء (ت 107هـ)، وكتاب (منازل العرب وحدودها) للوزير عمر بن مطرف (ت 193هـ).

ألف الباحث خالد نعيم كتاب (الأطلس اللغوي في التراث العربي، دراسة في كتاب سيبويه)، بيّن فيه ملامح الجغرافية اللغوية في كتاب سيبويه، حيث تتبّع الظواهر الصوتية والصرفية والنحوية التي عرضها سيبويه ومواطنها في بلاد العرب، ووضع لها خرائط توضيحية مبيّنا نقاط توزيع كل ظاهرة عليها(16)، ولعله من الكتب القليلة العربية والغربية على السواء التي أثبتت تطبيق العرب القدامى مبادئ وتقنيات عمل الجغرافية اللغوية.

جاء كتاب الباحث خالد نعيم في تمهيد وأربعة فصول، تحدّث في التمهيد عن طبيعة عمل الجغرافيا اللغوية الحديثة باعتبارها فرعا جديدا من فروع علم اللسانيات، وعرّف بأهمّ الأطالس اللغوية الصادرة في السبعينيات من القرن الماضي، وفي الفصل الأول تناول الفكر التنظيري الجغرافي اللغوي عند اللغويين العرب القدماء والمحدثين، حيث ذكر أنّ آراء الفارابي وابن خلدون اقتربت كثيرا من طبيعة عمل الجغرافيا اللغوية في تحديد البيئة الفصيحة حسب معياري البعد والقرب من الحاضرة أو مناطق التخوم، وفي الفصول الثاني والثالث والرابع شرح الكاتب التوزيع الصوتي في كتاب سيبويه، والظواهر الصوتية في لغات العرب ولهجاتها، والتوزيع النحوي، ثم وضع ملحقا بخرائط لغوية.

ويمكن اعتبار الكتاب محاولة علمية هادفة لوضع أطلس لغوي للغات الفصيحة التي نقلها وسجّلها سيبويه من خلال ملاحظاته وبحوثه وما نقله عن شيوخه.

ومن الباحثين القدامى في مسألة اللهجات يبرز ابن جني أبو الفتح (ت 392هـ) حيث أفرد في كتابه الخصائص بابا سماه (اختلاف اللغات وكلها حجة)، بيّن فيه الصفات المشهورة عند لهجات القبائل، وذكر أنّ بعضها أشهر من بعض وأكثر شيوعا في اللغة، ولكنّها جميعا ممّا يحتجّ به، كما نجد في الكتاب أبوابا أخرى ذات صلة بالبحث اللهجي(17).

وكذلك تبرز بحوث أحمد بن فارس (ت 395هـ) في مسألة اللهجات في كتابه (الصاحبي في فقه اللغة ومسائلها وسنن العرب في كلامها) حيث تناول فيه أبوابا عدّة ذات صلة بالبحث اللغوي واللهجي منها: باب القول في اختلاف لهجات العرب، وباب القول في أفصح العرب، وباب اللغات المذمومة، واعتبرت آراؤه في الموضوع نظرية في العربية النموذجية، وقذ شرحها ونقدها الباحث عبد الجليل مرتاض(18).

واللهجة في تعريفها هي نمط لغوي متفرع عن اللغة المثالية تستعملها المجموعة البشرية التي تنتمي إلى رقعة سياسية وحضارية معيّنة، منها في لهجات المجتمع العربي، واللهجات الأوروبية التي تفرعت عن اللغة اللاتينية، وقد خضع البحث فيها في مرحلة تالية لجمع اللغة العربية وتدوينها(19).

وفي مسألة جمع اللغة وتدوينها وضع العلماء شروطا يقول عنها أبو النصر الفارابي (ت 339هـ) في كتابه الألفاظ والحروف(20): "والذين عنهم نُقِلَت اللغةُ العربيةُ وبهم اقتُدي وعنهم أُخَذ اللسانُ العربي من بين قبائل العربِ هم: قيسٌ وتميمُ وأسدٌ، فإن هؤلاءِ هم الذين عنهم أكثر ما أُخذ ومعظمُه، وعليهم اتُكِلَ في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثُم هذيل وبعضُ كنانة وبعضُ الطائيين، ولم يؤخذْ عن غيرهم من سائر قبائلهم. وبالجملة فإنه لم يؤخذْ عن حَضَرِيٍّ قَط، ولا عن سكانِ البراري ممن كانَ يسكُنُ أطرافَ بلادهم..."(21).

يتضح من قول الفارابي في شروط جامعي اللغة من البوادي ومن القبائل الفصيحة في مناطق معينة، انتهاجهم المنهج الوصفي المبني على السماع ثم تدوين المسموع، وهو ما يبرز أن الاهتمام بالعامل الجغرافي في أثناء التعامل مع الظاهرة اللغوية نزعة قديمة عند العرب، وهذا ما يسميه دي سوسير بالبحث في اللسانيات الخارجية(22).

اعتبر الباحث عبد الجليل مرتاض آراء الفارابي نظرية في العربية النموذجية، ومن مآخذه علي نظريته أنّها تمحي (يقصد تمحو) من الخريطة اللغوية للجزيرة العربية خمس عشرة لهجة قبيلة(23).

وفي ميدان الجغرافيا اللسانية الحديثة كان الألمان والفرنسيون من المبادرين في وضع الأطالس اللغوية، ومن أوائل المسلمين الذين أدركوا أهمية الأطالس المؤرخ التركي حاجي خليفة (ت 1757م) حيث ترجم الأطلس الأوروبي سنة 1654م، وسماه (لوامع النور في ظلمة أطلس مينور)، وترجمه أيضا أبو بكر بن بهرام الدمشقي (ت 1691م) إلى التركية(24).

وتبدو آثار الجغرافية اللغوية واضحة في كتاب لسان العرب، وهو أكبر معجم عربي لمحمد بن منظور (ت 711هـ) أشار فيه إلى كثير من اللهجات العربية القديمة، ومناطقها، وجمع أمثالهم التي بلغت ألفا وخمسمائة وعشرين مثلا، وفي كتاب (معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع) لعبد الله البكري الأندلسي (ت 487هـ)، وهو معجم لغوي وردت فيه أسماء البلدان والأماكن التي لم يذكرها ياقوت الحموي وهي ألفان وخمسمائة (2500) موضع معظمها في الجزيرة العربية بالتفاصيل الجغرافية لها، كما حشد فيه طائفة كبيرة من الأشعار مبيّنا مواضعها ومنازلها في تلك البلدان.

4 - جهود الباحثين العرب المحدثين في صناعة الأطالس اللغوية:

وضع الباحثون العرب في العقود الحديثة دراسات وبحوثا حول اللهجات العربية الحديثة ساعدت ومهدت الطريق لإعداد الأطالس اللغوية، وإذا كان القدامى قد ركّزوا في دراساتهم للهجات على الجوانب الصوتية والدلالية، ولم يهتموا ببناء الجملة إلا في حالات نادرة، فإن المحدثين أدركوا أهمية البحث اللهجي في الدرس اللغوي الحديث.

وتعود المبادرات الأولى في العصر الحديث في صناعة الأطالس اللغوية إلى الألمان ثم الفرنسيين، منهم جيل جيليريون (ت 1926م) الذي وضع الأطلس اللساني الفرنسي سنة 1902م، وقد حوى 1421 خريطة، وألّف مع مارتيني أطلس النطق الفرنسي المعاصر سنة 1945م.

ووضع اللغوي الألماني بينشاد أطلس فلسطين الذي حوى اثنتين وأربعين خريطة، وأطلس مصر حوى 560 خريطة أنجزها، وظهر أطلس اليمن حوى 168 خريطة، ثم أطلس المغرب العربي (يضم الجزائر والمغرب) الذي ألفه مارسيل ودفيد كوهين، ووضع ألبير جشتر سنة 1915م أطلسا لغويا لسوريا ولبنان وفلسطين.

ووضع الباحثان عبد الله العطار وأحمد رمضان أطلسا لغويا هو (أطلس قواعد اللغة الفرنسية)، مع شروح بالعربية نشر سنة 2013م.

وهناك أطالس نحوية وضعها باحثون محدثون منها: الأطلس النحوي العربي الذي وضعه الباحث المصري عباس المناصرة، وهو عبارة عن خريطة كليّة شاملة للنحو العربي، تليها دروس النحو مع الشروح والشواهد والرسومات الشجرية، وكان الهدف من هذا العمل تيسير تعليم النحو العربي(25).

وألّف الباحث رضا سيّد عبد الغني كتابا بعنوان (أطلس النحو العربي لجميع مراحل التعليم)، شرح فيه النحو العربي بالخرائط الذهنية في صورة شجيرات، والكتاب مزود بمجموعة كبيرة من مفردات اللغة، والمواقع الإعرابية، وتوضيح علامات الإعراب الأصلية والفرعية، ويضم خلاصة بآراء لعلماء النحو العربي الكبار، وشراح ألفية ابن مالك المشهورة أمثال الأشموني وابن عقيل، وهناك أطالس لغوية من نوع آخر مثل الأطلس الذي ألّفته الباحثة وفاء محمد البيه بعنوان (أطلس أصوات الّلغة العربية) سنة 1994م.

وفي البحوث اللهجية العربية الحديثة اعتبر كتاب القاضي حفني ناصف (ت 1919م) باكورة الدراسات في الحقل اللهجي العربي، وهو رسالة من خمسين صفحة موسومة بـ(مميزات لغات العرب) قدمها لمؤتمر المستشرقين سنة 1886م. قال المؤلف في خاتمة الرسالة: "المطالب التسعة التي حصرنا فيها القول في هذه الرسالة هي أمهات مظاهر الاختلافات وأصول مواطن افتراق اللغات"(26)، والمطالب التسعة هي: في الإبدال، في أوجه الإعراب، في أوجه البناء والبنية، فيما تردد بين الإعراب والبناء، في الزيادة والنقص، في الإدغام والفك المتفق عليه عند العرب، في هيئة اللفظ عند القبائل العربية، في المترادف.

وعدّ كتاب (في اللهجات العربية) للباحث أنيس إبراهيم من أبرز الدراسات اللهجية المعاصرة، تناول فيه مراحل تطوّر اللهجات وطريقة دراسة التغيرات اللفظية والدلالية للهجة، اعتمد فيه على كتاب حفني ناصف ومعجمي لسان العرب لابن منظور والمخصّص لابن سيدة الأندلسي، واتخذ لهجة القاهرة عيّنة للبحث(27).

وقد اعتمد المؤلف في كتابه هذا على المشهور من روايات الأقدمين التي جاءتنا مبتورة حينًا وممسوخة حينًا آخر، لم تراع الدقة في نقلها، بل لم تنسب في غالب الأحيان إلى قبائلها أو بيئاتها - في نظره - والكتاب مكون من ثمانية فصول، في الفصل الأول تحدّث المؤلف عن اللهجة من حيث الماهية وكيفية ظهورها وتشكلها وعناصرها، وفي الفصل الثاني تناول اللغة واللهجات قبل الإسلام، وفي الفصل الثالث تحدث عن القراءات واللهجات، وفي الفصل الرابع تناول عناصر اللهجات العربية وقبائلها، وفي الفصل الخامس تناول عنصري الدلالة والبنية في اللهجات، وفي الفصل السادس مباحث الترادف والاشتراك اللفظي والتضاد، والفصل السابع وسمه بـ(عن اللغة العربية لغة بدوية).

وكتاب (اللهجات العربية في التراث)(28)، للباحث أحمد علم الدين الجندي، جمع فيه المادة اللهجية العربية من مصادرها، وقارن بين الفصحى واللهجات العربية، تناول في التمهيد جغرافيا بلاد العرب وتنقلات القبائل العربية، ومدى الاعتماد في دراسة اللهجات العربية على أماكن القبائل أي مدى ربط اللغة بالجغرافيا، وخصّص الباب الأوّل لجغرافية اللهجات حيث ناقش فيه آراء المستشرقين وعلماء العربية في تقسيم اللهجات إلى حجازية وتميمية ثم قدّم رؤيته الخاصة في الموضوع، وفي الباب الثاني تناول مصادر وتصنيف التراث اللهجي العربي ثم قدّم دراسات إحصائية لعدد ورود لهجات القبائل ورواتها في المصنفات العربية المختلفة الأدبية منها واللغوية ونظراتهم في ذلك، وفي خلاصة الجزء الأول من الكتاب قال: "وخير طريق لدراسة اللهجات أن تدرس متصلة بالإنسان لا أن تدرس عن طريق الكتب، لأنّ الكتابة العربية لا تمثّل اللهجات وإنّما هي اصطلاح فقط"(29)، وهو بذلك يدعو إلى تبني المنهج الوصفي القائم على المعاينة والدراسة الميدانية، وفي الباب الثالث بحث في الجانب الصوتي للهجات العربية، وخصص الرابع لعرض الظواهر العامة في لهجات القبائل، مع لوحات إحصائية.

وكذلك اعتبر كتاب (في اللهجات العربية في القراءات القرآنية) للباحث عبده الراجحي، وهو من المحاولات الرائدة في دراسة اللهجات العربية دراسة لغوية اعتمادا على القراءات القرآنية المشهورة، قال الكاتب مبيّنا منهجه: "والمنهج الذي اخترناه، منهج لغوي وصفي، لا يميل إلى شيء من التفسير المنطقي أو التعليل الفلسفي للظواهر اللغوية... ولقد أدّى بنا هذا المنهج إلى أن ندرس اللهجات العربية دراسة بيئية لا دراسة عنصرية"(30).

جاءت الدراسة في أربعة أبواب، فكان الباب الأول (شبه الجزيرة العربية)، تناول في فصله الأوّل البيئة الجغرافية لشبه الجزيرة العربية، والقبائل العربية ومنازلها فيها، وقدّم آراء بعض الغربيين والعرب في حدودها منها آراء الخليل وابن حوقل والإصطخري والمقدسي والهمذاني والقلقشندي، وفي الفصل الثاني من الباب نفسه عدّد القبائل العربية وبيّن اهتمام العرب بالأنساب، وقدّم تصنيفا للأنساب العربية، وفي الباب الثاني (اللغة العربية ولهجاتها) تناول في فصله الأول الواقع اللغوي قبل الإسلام، وأسباب نشأة اللهجات، وهي في نظره أسباب "جغرافية، واجتماعية نتيجة الاحتكاك بين اللغات، وأسباب فردية"(31)، ثم قدّم آراء مجموعة من العلماء القدماء والمحدثين عن كيفية تكوّن العربية قبيل الإسلام. وبيّن رأيه في الموضوع ونقده لآراء الآخرين، ثم بين المنهج اللغوي المطلوب في دراسة اللهجات، وفي الفصل الثاني من هذا الباب تحدث عن لهجات القبائل في الكتب العربية المختلفة من كتب اللغات، وفي القراءات القرآنية، وفي المعاجم وكتب المشترك والمترادف والأضداد وكتب النوادر والأمثال، وبيّن فائدة دراسة الأمثال ففي الدرس اللهجي، وعن الضرورة الشعرية قال الراجحي: "والضرورة الشعرية كذلك في حاجة إلى دراسة جديدة تستقريها وتردها إلى أصولها، لأنّ هذه التي يسمونها ضرائر تلجئ إليها طبيعة الشعر ليست في رأينا إلاّ لهجات عربية"(32)، وبيّن منهج العرب في جمع اللهجات، ومنهجهم في جمع اللغة، وفي الباب الثالث (القراءات واللهجات) قدّم في فصله الأول موجزا عن نشأتها وتطورها وأسباب اختلافها وتقسيمها إلى صحيحة وشاذة، وبيّن في الفصل الثاني منه أنّ القراءات مصدر أصيل لدراسة اللهجات، وفي الباب الرابع (دراسة لغوية في اللهجات) قسمّه إلى أربعة فصول، خصّصّ الأول للدراسة الصوتية، والثاني للدراسة الصرفية، والثالث للنحوية والرابع للدلالية.

وفي آخر الكتاب وضع الراجحي أطلسا لغويا تضمّن ثلاثا وثلاثين خريطة لقبائل شبه الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعض الخصائص اللهجية عندها، وقال في وصفه: "ثم ختمنا البحث بأطلس لغوي اعتبرناه نتائج البحث، جمعنا فيه العناصر اللهجية موزعة على أماكنها من شبه الجزيرة، ولقد نجرؤ على الظن بأنه أول محاولة في الدرس العربي"(33).

قال الراجحي مبيّنا أهمية البحث الذي يربط ويصل بين اللغة العربيّة والقرآن الكريم: "ولا سبيل إلى فهم حياة هذه الأمة إلا بدرس كتابها ودرس لغتها التي عاشت فيه، ولسنا نعرف درسا لغويّاً أصل ولا أعمق من درس يصل بين العربيّة والقرآن"(34).

وقدّم الباحث السعودي عبد العزيز بن حميد دراسة هامّة بعنوان (نحو أطلس لغوي جغرافي للجزيرة العربية)، من مخرجاتها إنجاز أطلس جغرافي لغوي يكشف عن الاختلافات اللهجية ومواطنها في الجزيرة العربية، وقال عن أهدافها: "ما يعزّز من مكان الّلغة في ميدان تقنية المعلومات لما فيه من استخدام التقنية في خدمة اللغة، فالأطلس المقترح ستكون له صورة إلكترونية قائمة على الخرائط الرقمية التي يمكن استخدامها بصيغتها الحاسوبية"(35).

وفي الجزائر قدّم الباحث أحمد حساني مشروعا بعنوان (أطلس الدراسات اللغوية في الجزائر)، قال في خلاصة مشروعه ما نصّه: "إنّ الأطلس المعروض يروم تأصيل نوع جديد من الأطلس هو أطلس للدراسات وليس للغات، لذا سنشتغل خلال المشروع على كلّ الدراسات المنجزة في ميدان اللغة في الجزائر خلال المدة المحددة زمنيا وجغرافيا، والنتيجة هي إنشاء خريطة للبحث اللغوي بالجزائر"(36).

وقدّم إبراهيم محمد الخطابي بحثا قصد منه وضع أطلس لغوي للهجات العربية المعاصرة، وكانت منهجيته تقوم على جمع المعلومات اللسانية الممثلة في عينات لهجية، وتحليلها تحليلا كميّا لتحديد طبيعة التوزيع اللساني جغرافيا ومجتمعيا، وتحديد كثافة التوزيع كما يفعل عالم الجغرافيا في دراسة الكثافة السكانية، وطبيعة الانتشار واتجاهاته ورسم خرائط أولية، وربط الانتشار والتوزيع بالعوامل التاريخية والنزوح(37).

وألّف الباحث سليمان بن ناصر الدرسوني (معجم اللّهجات المحكية) خاص بلهجات قبائل المملكة السعودية، وألّف معجما آخر هو (معجم لسان قحطان).

وألّف الباحث جمال الدين بابا دراسة بعنوان (نحو أطلس لغوي لألفاظ الأعشاب الطبية في منطقة تلمسان)، قال في خلاصة البحث ما بيانه: "سأحاول في الصفحات الآتية أن أكشف عن أهم الأسس والمناهج المتّبعة لإنجاز الأطلس اللغوي في منطقة تلمسان متّخذا من ألفاظ الأعشاب الطبيّة مادة ومطبّة للوصول إلى رصد المتغيّرات والاختلافات اللغوية، وتحديدها مبيّنا أهمّ الظواهر اللسانية المستنبطة من لهجات المنطقة"(38).

ومن أهم البحوث المعاصرة في هذا المجال كتاب رمضان عبد التواب الموسوم بـ(المدخل إلى علم اللّغة ومناهج البحث اللغوي)، حيث خصص الفصل الخامس منه لموضوع الجغرافيا اللغوية وصناعة الأطلس اللغوي عنونه بـ(علم اللّغة والجغرافيا اللّغوية)، تناول فيه العناصر الآتية: الأطلس اللغوي - طريقة عمل الأطلس اللغوي - محاولات برجستراسر في هذا المجال، وقال المؤلف في تعريف علم الجغرافيا اللغوية: "اقتبس علم اللغة منذ أكثر من نصف قرن طرق علم الجغرافيا ليضع حدودا لغوية للهجات المختلفة في خرائط تبيّن معالم كلّ لهجة، وتفرّق بين لهجة وأخرى، ولا تختلف هذه الخرائط عن خرائط الجغرافيا إلاّ في أنّ ما يدوّن عليها ظواهر لغوية، تطلع القارئ على أدقّ الفروق في الأصوات والمفردات، بين اللغات المختلفة واللهجات المتباينة"(39).

وتحدّث رمضان عبد التواب عن ظهور الأطلس اللغوي وأهمية الجغرافيا اللغوية فقال: "كان إعداد الأطالس اللغوية أسبق في الوجود عن معظم الإنجازات الوصفية الحديثة، وهو يعتمد على حد كبير على مفردات اللغة التي تعدّ في نظر الوصفيين في الدرجة ثانية من الأهمية"(40).

وقدّم المؤلف شرحا وافيا لمنهج برجستراسر في الأطلس اللغوي الذي وضعه لسوريا وفلسطين الذي بدأ في إنجازه سنة 1914م، وكان عبارة عن اثنتين وأربعين خريطة تفصيلية وواحدة إجمالية مع شرح لغوي في كتاب مستقل طبع سنة 1945م، متبعا ذلك المنهج الألماني الذي استخدمه فنكر قبله، وبيّن المؤلف الصعوبات التي اعترضت الباحث الألماني، وقال في ملاحظاته حول ذلك: "يلاحظ في هذا العمل أنّه ـ ككلّ دراسة جغرافية للغة ـ وصفي بحت، أي أنّه يعنى بالواقع اللّغوي ويسجّله، ولا يهمّه البحث عن الأسباب والدواعي التي قادت إليه أو بمعنى آخر لا يعنى بأصول الظواهر اللغوية"(41).

ونشر الباحث سعد مصلوح دراسة هامّة بعنوان (من مناهج العمل في الأطالس الّلغوية)، بدأها بتحديد ثلاثة مفاهيم في الموضوع هي(42): الأطلس اللغوي، في مقابل الأطلس التاريخي والأطلس الاقتصادي وغيره من الأطالس، فأطلس الّلغات موضوعه توزيع اللغات والفصائل اللغوية توزيعا جغرافيا على منطقة أو أكثر من الكرة الأرضية، وأطلس الّلهجات وموضوعه توزيع الظواهر اللهجية للغة معيّنة في منطقة معيّنة، ومفهوم المصطلح الأوّل (الأطلس اللغوي) هو مفهوم عام يشمل المصطلحين الآخرين ويتحقّق واقعيا.

وقد أوصى مصلوح في منهج العمل الميداني في أطالس اللهجات الكبرى أن يكون استقراء الخصائص اللهجية استقراء ميدانيا، وأن يتوافر لهذا الاستقراء عنصران هما: الصحة والثبات، ويرى أنّ الاستقراء عند علماء الإحصاء نوعان أحدهما يتم عن طريق استمارة البحث، وهي مجموعة الأسئلة والبيانات التي تملأ في حضور الباحث.

وللباحث سعد مصلوح دراسة أخرى عنوانها: (من الجغرافيا اللّغوية إلى الجغرافيا الأسلوبية)، ومن أهم مباحثها التي تتعلّق بالجغرافيا اللغوية العناصر الآتية: دراسة التنوّع اللّغوي في علوم اللسان، أوليّة الجغرافيا الّلغويّة، ركائز الجغرافية اللّغوية.

ومن المؤلفات الجديدة في الجغرافية اللسانية كتاب (اللسانيات الجغرافية في التراث اللغوي العربي) من تأليف الأستاذ الباحث عبد الجليل مرتاض، جاء في ستة فصول هي: الفصل الأول (المستويات الخلفية لظهور اللسانيات الجغرافية عند العرب)، ولفصل الثاني (العربية المشتركة)، والفصل الثالث (مواقع العربية المشتركة)، والفصل الرابع (التموضعات الجغرافية للتكلّمات الّلهجية المحلية)، والفصل الخامس (المعالم اللسانية الجغرافية في التراث العربي)، والفصل السادس (علم الّلهجات الأدبي).

وقد اقترح المؤلف في وضع الأطالس اللغوية منهجا وضّحه بقوله: "إنّ الأطالس اللغوية التي ترصد لهذا الغرض ينبغي أن تشمل قبائل ومناطق غير القبائل والمناطق المشهورة، لأنّ اللهجات العربية القديمة كلّها، وعلى تباينها، تمثّل ما غدا يعرف من الأوقات المجهولة بالعربية الفصحى... ولا حاجة للإقناع من أنّ دراسة لهجة بعينها يقتضي أن يرتكز الباحث على هذه اللهجة في بؤرتها الجغرافية والبيئوية الضيقة"(43).

ورأى الكاتب ضرورة الالتفات إلى كلّ الآراء للباحثين قدمائهم ومحدثيهم من عرب وأجانب، وكلّ دراسة تهمش تلك الآراء حول اللهجة أو اللهجات التي شكلت الهوية اللسانية للغة العربية التي وصلتنا تعد دراسة متسللة أو مبتورة. وفي مناقشته لموضوع (مواقع العربية المشتركة) بيّن الكاتب أنّ العرب كانوا سباقين في ميدان اللسانيات الجغرافية بالذات، وهو أوّل علمي منهجي ولساني عرفه العرب ويأتي بعده علم اللهجات، وهو أسبق عندهم من الدياكتولوجيا الذي عرفه الغربيون مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر(44).

ثم ذكر الباحث مرتاض الانحراف الذي تورط فيه فريق من الباحثين الأجانب والعرب المحدثين، وهو نظرتهم إلى عربية ما قبل الإسلام كنظرتهم إلى هذه اللغة على النحو الراهن، وكنظرة هؤلاء الباحثين إلى لغات أخرى موازية كاللاتينية وغيرها، ومن الواجب عليهم ألا ينظروا إلى ما يسمى باللغة المشتركة على نحو تاريخ وظروف اللّغات الأوروبية التي غالبا ما نجدها تنطلق أو تبرز فعلا من منطقة ضيقة لتتخذ بعد ذلك لغة رسمية للبلاد كما كان مع الفرنسية وغيرها، وغالبا ما تفرض بمراسيم وقرارات، والعربية المشتركة الأولى تختلف عن اللغات الأخرى اختلافا بيّنا(45).

الهوامش:
1 - ينظر، ماريو باي: أسس علم اللغة، ترجمة أحمد مختار عمر، عالم الكتب، ط8، القاهرة 1998م، ص 37.
2 - عبد الصبور شاهين: علم اللغة العام، مؤسسة الرسالة، بيروت 1988م، ص 139-251.
3 - ينظر،
Ferdinand de Saussure : Cours de linguistique générale, Ed. Talantikit, Bejaia 2002, pp. 222-251.
4 - ينظر، سمير شريف استيتية: اللّسانيات (المجال والوظيفة والمنهج)، عالم الكتب الحديث، ط2، عمان، الأردن، 2008م، ص 617.
5 - مجموعة من المؤلفين: المنجد في اللّغة والأعلام، دار المشرق، ط39، بيروت 2002م، ص 469.
6 - ينظر، سلطان الشريف: قاموس الهدى، دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، (د.ت)، ص 110.
7 - عبد العزيز بن حميد الحميد: نحو أطلس لغوي جغرافي للجزيرة العربية، منشورات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ص 235.
8 - سعد مصلوح: مناهج العمل في الأطالس، مجلة كليّة دار العلوم، جامعة القاهرة، العدد 5، 1976م، ص 122.
9 - ينظر، المرجع نفسه، ص 17 وما بعدها.
10 - ينظر، رمضان عبد التواب: الجغرافيا اللّغوية وأطلس برجستراش، مجلة مجمع اللّغة العربية، القاهرة، مايو 1976م، ص 119 وما بعدها.
11 - ينظر، هدسون: علم اللغة الاجتماعي، ترجمة محمد عبد الغني عياد، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، بغداد 1987م، ص 66.
12 - خليل محمود عساكر: الأطلس اللغوي، مجلة مجمع اللغة العربية، المجلد السابع، القاهرة 1953، ص 379.
13 - ينظر، عبد العزيز بن حميد الحميد: نحو أطلس لغوي جغرافي للجزيرة العربية، ص 235.
14 - ينظر، الجاحظ أبو عثمان عمرو: البيان والتبيين، دار إحياء التراث العربي، ط1، بيروت 2013م، ص 130 وما بعدها.
15 - عباس محمود العقاد: أثر العرب في الحضارة الغربية، دار النهضة، ط2، القاهرة 1998م، ص 41.
16 - ينظر، مازن الوعر: مقال في مجلة التراث العربي، دمشق، العدد 104، السنة 2004م، ص 189.
17 - ينظر، خالد نعيم: الأطلس اللغوي في التراث العربي، دراسة في كتاب سيبويه، دار السيّاب، لندن.
18 - ينظر، ابن جني أبو الفتح: الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد 1990م، ص 398.
19 - ينظر، عبد الجليل مرتاض: الجغرافيا اللّغوية في التراث اللّغوي العربي، دار الغرب، وهران 2003م، ص 28 وما بعدها.
20 - ينظر، نور الهدى لوشن: مباحث في علم الدلالة ومناهج البحث اللّغوي، المكتب الجامعي الحديث، ط1، الإسكندرية 2008م، ص 164.
21 - هكذا كانت تسمية (السيوطي) لكتاب الفارابي، أمّا النسخة الخطيّة فجاءت بعنوان (رسالة الحروف).
22 - أبو نصر الفارابي: الألفاظ والحروف، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، ص 147.
23 - ينظر، نور الهدى لوشن: مباحث في علم الدلالة ومناهج البحث اللّغوي، ص 169.
24 - عبد الجليل مرتاض: الجغرافيا اللّغوية في التراث اللّغوي العربي، ص 31.
25 - ينظر، عباس المناصرة: كتاب أطلس النحو العربي، دار المأمون، عمان، الأردن، 2010م.
26 - حفني ناصف: مميّزات لغات العرب، المطبعة الكبرى الأميرية، القاهرة، ص 47.
27 - إبراهيم أنيس: في اللّهجات العربية، مكتبة الأنجلو، ط1، القاهرة 1952م، ص 204.
28 - ينظر، أحمد علم الدين: كتاب اللهجات العربية في التراث، الدار العربية للكتاب، ط1، تونس - طرابلس 1983م.
29 - المرجع نفسه، ص 16.
30 - عبده الراجحي: اللهجات العربية في القراءات القرآنية، دار المعرفة، الإسكندرية 1996م، ص 8.
31 - المرجع نفسه، ص 45 وما بعدها.
32 - المرجع نفسه، ص 65-66.
33 - المرجع نفسه، ص 9.
34 - المرجع نفسه، ص 7.
35 - عبد العزيز بن حميد الحميد: نحو أطلس لغوي جغرافي للجزيرة العربية، ص 230.
36 - ينظر، أحمد حساني: ورقة المشروع (مخطوط)، جامعة وهران 2009.
37 - ينظر، إبراهيم محمد الخطّابي: الأسس النظرية والمنهجية لأطلس لسان المجتمع العربي، مجلة اللسان العربي، الرباط، العدد 44، 1997م، ص 38.
38 - جمال بابا: مقال في مجلة مخبر أبحاث في اللّغة والأدب الجزائري، جامعة بسكرة، العدد 12، 2016م، ص 455.
39 - رمضان عبد التواب: المدخل إلى علم اللّغة ومناهج البحث اللّغوي، مكتبة الخانجي، ط3، القاهرة 1997م، ص 147.
40 - المرجع نفسه، ص 148.
41 - المرجع نفسه، ص 163.
42 - سعد مصلوح: مناهج العمل في الأطالس، ص 107.
43 - ينظر، عبد الجليل مرتاض: اللّسانيات الجغرافية في التراث اللغوي العربي، ص 35.
44 - ينظر، المرجع نفسه، ص 27-29.
45 - ينظر، المرجع نفسه، ص 42-43.
References:
* - The Holy Quran.
1 - ‘Abd al-Tawwāb, Ramaḍān: Al-madkhal ilā ‘ilm al-lugha wa manāhij al-baḥth al-lughawī, Maktabat al-Khānjī, 3rd ed., Cairo 1997.
2 - ‘Ālam al-Dīn, Aḥmad: Al-lahajāt al-‘arabiyya fī at-turāth, 1st ed., Tunis-Tripoli 1983.
3 - Al-‘Aqqād, ‘Abbās Maḥmūd: Athar al-‘Arab fī al-Ḥaḍāra al-Gharbiyya, Dār al-Nahḍa, 2nd ed., Cairo 1998.
4 - Al-Fārābī, Abū Naṣr: Al-alfāẓ wa al-ḥurūf, Edited by Muḥsin Mahdī, Dār al-Mashraq, Beirut.
5 - Al-Ḥamīd, ‘Abd al-‘Azīz: Naḥwa aṭlas jughrāfī li al-Jazīra al-‘Arabiyya, Manshūrāt al-Jāmi‘a al-Islāmiyya, Medina, Saudi Arabia.
6 - Al-Jāḥiẓ: Al-bayān wa at-tabyīn, Dār Iḥyā’ al-Turāth al-‘Arabī, 1st ed., Beirut 2013.
7 - Al-Manāṣira, ‘Abbās: Aṭlas an-naḥw al-‘arabī, Dār al-Ma’mūn, Amman 2010.
8 - Al-Rājiḥī, ‘Abdū: Al-lahajāt al-‘arabiyya fī al-qirā’āt al-qur’āniyya, Dār al-Ma‘rifa, Alexandria 1996.
9 - Al-Sharīf, Sulṭān: Qāmūs al-Hudā, Dār al-Hudā, Ain M'lila (n.d.).
10 - Anīs, Ibrāhīm: Fī al-lahajāt al-‘arabiyya, Maktabat al-Anglo, 1st ed., Cairo 1952.
11 - Hassani, Ahmed: Al-aṭlas al-lisānī, University of Oran 2009.
12 - Hudson, Richard: ‘Ilm al-lugha al-ijtimā‘ī, (Sociolinguistics), Translated by Muḥammad ‘Abd al-Ghanī ‘Ayyād, Dār al-Shu’ūn al-Thaqāfiyya al-‘Āmma, 1st ed., Baghdad 1987.
13 - Ibn Jinnī: Al-khaṣā’iṣ, Edited by Muḥammad ’Alī al-Najjār, Dār al-Shu’ūn al-Thaqāfiyya al-‘Āmma, Baghdad 1990.
14 - Istītiyya, Samīr Sharīf: Al-lisāniyyāt al-majāl wa al-waẓīfa wa al-manhaj, ‘Ālim al-Kutub al-Ḥadīth, 2nd ed., Amman 2008.
15 - Lūshan, Nūr al-Hudā: Mabāhith fī ‘ilm ad-dalāla wa manāhij al-baḥth al-lughawī, Al-Maktab al-Jāmi‘ī al-Ḥadīth, 1st ed., Alexandria 2008.
16 - Majallat Abḥāth, University of Biskra, Algeria.
17 - Majallat al-Lisān al-‘Arabī, Rabat, Morocco.
18 - Majallat al-Turāth al-‘Arabī, Damascus.
19 - Majallat Kulliyyat Dār al-‘Ulūm, University of Cairo.
20 - Majallat Majma‘ al-Lugha al-‘Arabiyya, Cairo.
21 - Majmū‘a mina al-mu’allifīn: Al-Munjid fī al-lugha wa al-a‘lām, Dār al-Mashraq, 39th ed., Beirut 2002.
22 - Mortad, Abdeljalil: Al-jughrāfiyya al-lughāwiyya fī at-turāth al-lughawī al-‘arabī, Dār al-Gharb, Oran 2003.
23 - Na‘īm, Khālid: Al-aṭlas al-lughawī fī al-turāth al-‘arabī, Dār al-Sayyāb, London.
24 - Nāṣif, Ḥifnī: Mumayyizāt lughāt al-‘Arab, Al-Maṭba‘a al-Āmīriyya, Cairo.
25 - Pei, Mario: Usus ‘ilm al-lugha, (Invitation to linguistics; a basic introduction to the science of language), Translated by Aḥmad Mukhtār ‘Omar, ‘Ālim al-Kutub, 8th ed., Cairo 1998.
26 - Saussure, Ferdinand de : Cours de linguistique générale, Ed. Talantikit, Bejaia 2002.
27 - Shāhīn, ‘Abd al-Ṣabūr: ‘Ilm al-lugha al-‘Ām, Mu’assasat al-Risāla, Beirut 1988.
الإحالة إلى المقال:

* د. الشارف لطروش: الجغرافيا اللغوية والأطلس اللغوي في التراث العربي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الواحد العشرون 2021. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

الشعر الديني عند محمد العيد آل خليفة
حوليات التراث، العدد 2، 2004.
أثر الفقه وأصوله في الدرس النحوي العربي
حوليات التراث، العدد 5، 2006.
أدب الأطفال في الجزائر واقع واقتراحات
حوليات التراث، العدد 13، 2013.
قراءة في دعوات تجديد البلاغة العربية
حوليات التراث، العدد 16، 2016.

***