تأثیر الثقافة والأدب الفارسي في آثار الجاحظ
كتاب المحاسن والأضداد نموذجاً

د. علي خضري
جامعة خلیج فارس، بوشهر، إیران

الملخص:

يعد العصر العباسي - في سلسلة الأدب العربي - عصراً متميزاً؛ يبرز هذا العصر من خلال التعرف على الأمم والشعوب المختلفة والتأثر بثقافاتها. من هذا المنطلق قد أدى الشعراء والأدباء دوراً مؤثراً؛ لأن قسماً ذا بال من هذه النقلة الثقافية قد تم على يد الأدباء. "الجاحظ البصري" أحد أبرز هؤلاء الكتاب، فقد ذاع صيته في الآفاق وانتفع العلماء بكتبه وآثاره الجليلة. يعد كتاب "المحاسن والأضداد" من مصنفاته الشهیرة في حقل الشعر والأدب. نطمح من خلال بحثنا هذا أن ندرس مظاهر الثقافة والأدب الفارسي في هذا الكتاب وذلك بالاعتماد على المنهج الوصفي - التحليلي. يظهر لنا من خلال النتائج بأن هناك مفردات ومصطلحات فارسية كثيرة قد دخلت آثار الجاحظ؛ خاصة كتابه "المحاسن والأضداد" وهذا يرجع أول ما يرجع إلى المجاورة القائمة بين إيران والعراق نتيجة التأثر بالثقافة الفارسية. إن الجاحظ قد سلط الضوء على ظروف الإيرانيين ومكانتهم في المجالات المختلفة، مثل: "الآداب والتقاليد، الأخلاق، السياسة، وقوانين إدارة البلاد وذلك في ثنايا هذا الكتاب الثمين؛ في هذا الصدد يُمكن الإلمام بالمعلومات القيمة حول ريادة الإيرانيين العلمية في مجال القصص القديمة، الأعمال والمواعظ.

الكلمات الدالة:

الأدب المقارن، بلاد فارس، الجاحظ البصري، المحاسن والأضداد.

***
Iranian culture in the book of "Almahasin wa al-Azdad" by Al Jahiz

Dr Ali Khezri
Persian Gulf University, Bushehr, Iran

Abstract:

Abbasid era is a special period in the History of Arabic culture and one of the most specific characteristic of the period is being touch with another nations and giving influence from their culture. In this period, the poets and authors have played an important role and a part of the cultural transmission is done by them. Jahiz was one of the authors of this period who is famous for his scientific writings published everywhere. "Almahasin wa al-Azdad" is one of his books in the literature and poetry. In this article, using a descriptive-analytic approach, we aim to investigate some aspects of Persian culture in this book. Jahiz has demonstrated the position and the situation of Iranians in various fields, such as customs, temperament, policy and governance in his book and also depicted valuable information about Iranian excellence in knowledge, jobs, ancient stories and their advices.

Keywords:

Comparative literature, Persia, al Jahiz, Almahasin wa al-Azdad.

***

النص:

المقدمة:

لعل أبرز ما يميز الجاحظ عن غيره من الكتاب في العصر العباسي هو اختياره للمجتمع كموضوع رئيسي في كتاباته. فقد اقتفى الجاحظ أسلوباً بديعاً في الحقل الاجتماعي، تأثر به الكتاب من بعده وأصبح مقلدوه يصولون كثيراً في هذا الباب. أما اختلاف الجاحظ مع الكتاب الآخرين، فإنه يكمن في أنه لم يختصر همه الكامل بوصف الظواهر الاجتماعية فحسب، بل تمتع بتلك المهارة البارعة التي أهلته للتطرق إلى نقد المجتمع وتحليله بدقة متناهية وأن يقيم علاقة وثيقة مع المجتمع.

إن الجاحظ استعان بهذا الأسلوب ليخوض في المجالات المختلفة، مثل: الثقافة، الدين، شرائح الناس المختلفة والظروف التي كانت عليها كل شريحة من المجتمع وقد تناول الجاحظ وصف كل ذلك من خلال اعتماده لغة الجد وتارة لغة المزاح والسخرية؛ فإنه يوجه نقده إلى الناس - من مختلف شرائح المجتمع - في جميع المجالات وهو يصف أخلاق جميع شرائح المجتمع مثل: السارق والبخيل والتاجر والمغني والسكران... وصفاً بديعاً. ويذكر لنا كذلك أخبار الملوك والكتاب وأصحاب البلاط والمفسرين والمترجمين ولم يغفل عن شرحه للمذاهب المختلفة مثل: المانويه، الزرادشتية، اليهودية والمسيحية وقد وصف كل ذلك وصفاً شاملاً. ثم لم يكتف بوصفه مجتمعه، بل تجاوز ذلك إلى وصف المجتمعات الأخرى؛ من ذلك المجتمع الإيراني الذي تناوله إلى جانب ما تناوله بشأن الشعوب الأخرى مثل الشعب الهندي واليوناني.

لقد عاش الجاحظ في العصر الذي تزامن مع ازدهار الخلافة العباسية؛ العصر الذي رافقه ثروة هذه الخلافة ورفاهيتها المادية؛ وقد اقتفى الخلفاء العباسيون منهج الساسانيين؛ وكانوا يلبسون كالإيرانيين وكانت موائدهم كالموائد الساسانية ويزينون مجالسهم على نمط المجالس الفارسية. وقد وصف الجاحظ هذا المجتمع، وصفاً زاخراً بالذوق البديع والنظرة الدقيقة الفاحصة، ويبدو لنا فيما يبدو بأن الجاحظ قد أظهر اهتماماً بالغاً بالمجتمع الإيراني.

أما بصورة عامة، فيمكننا من حيث الجانب الاجتماعي أن نتعرف على معلومات واسعة من حياة الإيرانيين من خلال دراسة آثاره؛ سواء في العصر القديم أو العصر الإسلامي؛ لأنه قد تحدث كثيراً حول أعياد الإيرانيين واحتفالاتهم. ويُشير كذلك إلى الطبقات الاجتماعية والأعمال التي كان يشتغل بها الإيرانيون في الماضي. في الواقع "إن اهتمام الجاحظ بالثقافة الإيرانية وحضارتها بلغت مبلغاً أدت به أن يعترف بمكانة الإيرانيين المرموقة بين سائر الشعوب المتحضرة الأخرى في العالم؛ فهو يعرف الحضارة الإيرانية؛ باعتبارها إحدى الحضارات الأربع المهمة في العالم"(1). من هذا المنطلق تعد كتاباته مصدراً قيماً لمعرفة ماضي إيران في العصر العباسي. إن الجاحظ يتعمق في تاريخ إيران القديم؛ بحيث يُمكننا أن نعد كتابه "المحاسن والأضداد" ضمن المصادر الثلاثة المهمة في التعرف على تاريخ "النيروز"(2). يقول محمد محمدي في هذا الشأن: "يبلغ تأثر الجاحظ - أحياناً - بالمصادر الإيرانية مبلغاً يجعله ينسى عمله وبيئته؛ وبذلك يقوم بشرح الموضوعات التي تخص العصر الساساني، وهي متباينة في أصولها مع البيئة الإسلامية وبلاط الخلفاء"(3).

نجد هناك من الدراسات القيمة التي تناولت الجاحظ، سنشير هنا إلى عدد منها: "أدب السخرية والجاحظ" لنصر الله رامشي المنشورة في الدورة 37 (الشتاء عام 1377ش) في مجلة "كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة طهران". وكذلك مقال آخر يحمل عنوان "أهمية الجاحظ وآراؤه في النقد الأدبي الإيراني - الإسلامي للكاتب مهدي رحمتي، المقال الذي طُبع في العدد الثالث (الدورة الجديدة، الخريف 1382ش) في فصلية "اللغة والأدب الفارسي" المحكمة".

وكذلك مقال آخر بعنوان "صدى الاحتفالات الإيرانية القديمة في كتابي "المحاسن والأضداد والتاج للجاحظ البصري" للباحثين: روح الله صيادي نزاد وإلهام كوشيان وقد تم طباعة هذا المقال في العدد الثالث (الشتاء، عام 1390ش) من مجلة "الأدب العربي" في جامعة طهران. وسنتطرق في هذا المقال إلى مظاهر الثقافة والتقاليد الإيرانية في كتاب "المحاسن والأضداد، ونأمل بذلك أن نجيب عن السؤالين التاليين:

1 - ما هي مظاهر الثقافة الإيرانية التي نرى تجلياتها في كتاب "المحاسن والأضداد"؟
2 - ما هي أسباب انعكاس الثقافة الإيرانية في آثار الجاحظ؟

1 - حياة الجاحظ وسيرته الأدبية:

وُلد أبو عثمان عمرو بن بحر الملقب بالجاحظ، في البصرة. فقدَ والده في صغره. تطرق إلى كسب العلم والمعرفة والثقافة بحب كبير ورغبة عارمة وجهد دؤوب. وقد نال الرقي والكمال من خلال ما اعتمده من ذكاء وقاد وذاكرة قوية وجهد لا يعرف الكلل والاهتمام بالوقت(4).

تعد شخصية الجاحظ من أبرز عوامل نبوغه. كان الجاحظ أسودا بعين جاحظة وقامة قصيرة. وكان قبحه قد اشتهر بين الخواص والعوام من الناس؛ بحيث أن المتوكل طلبه لتأديب ولده؛ فلما رآه صرفه وأعطاه عشرة آلاف درهم(5).

كان الجاحظ من الرواد في مجال السخرية وفي الواقع، إنه يعد مؤسساً لنمط السخرية في الأدب العربي. لقد اعتمد الجاحظ على لطافة روحه ونفسيته الفكاهية في بيانه الكثير من الملاحظات والمسائل ورافقها بنوع من اللطائف المتنوعة؛ بحيث لا يمل القارئ حديثه بما يلقاه من بيان هذه اللطائف ويتابع قراءته للكتاب بنشاط. علاوة على ذلك، فإن هذه اللطائف تحمل ما تحمل من الملاحظات التاريخية والاجتماعية الكثيرة(6).

كانت شخصية الجاحظ العلمية محط الاهتمام أيضاً؛ كانوا يُطلقون عليه تسمية "العالم والفيلسوف". وكان أبداً يجتهد للكتابة في الموضوعات المختلفة مثل: الأدب، الفلسفة، الطبيعة، الصناعة، التجارة، السياسة والتاريخ. وآثاره المختلفة في جميع هذه المجالات، تُظهر لنا مدى نجاحه وتفوقه في هذه الأمور. وقد تم الانتباه إلى نظرياته في مجال البيئة. أما في الحقل الفلسفي فله مذهب كلامي يخصه، يُطلق عليه "الجاحظيه" ويعد رئيساً للفرقة المعتزلية أيضاً. وإنه قد سلك ما سلك في هذا المجال مما أهله لكي يُطلق عليه لقب "أبو النثر العربي".

إن الجاحظ - بصورة عامة - كان متضلعاً في الكثير من العلوم في عصره، ولا ريب أنه تعرف على قسم ذي بال من الثقافة الإيرانية أيضاً. وقد خلف الجاحظ آثاراً عديدة وقيّمة في المجالات المختلفة، مثل: الفلسفة، السياسة، الدين، الاعتزال، الاقتصاد، الاجتماع، التاريخ، الجغرافيا، العلوم الطبيعية، الرياضيات، اللغة، الشعر والأدب، بحيث ذكر له المحققون، حوالي ثلاث مائة كتاباً؛ من ذلك ثلاثة كتب كبيرة جداً هي: البيان والتبيين، الحيوان والبخلاء. أما كتاب "المحاسن والأضداد" فهو من آثار الجاحظ القيمة التي سنتناولها في موضوع دراستنا.

2 - الثقافة الإيرانية في كتاب المحاسن والأضداد:

أ - المواعظ الإيرانية:

يعد تيار الترجمة من العربية إلى الفارسية من أقدر التيارات التي عمل على إغناء الثقافة الإسلامية. من هذا المنطلق، كانت "الحكمة العملية والأخلاق" من الموضوعات التي تم ترجمة الكثير من الكتب البهلوية إلى اللغة العربية في هذا المجال وقد خلف ذلك أثراً عظيماً في الأدب العربي. هذه الطائفة من الكتب، في الواقع، كانت على صورة مواعظ ونصائح متناثرة، وقد قام العظماء مثل ابن المقفع وسهل بن هارون بترجمة قدر كبير من هذه الكتب إلى اللغة العربية. ولا يمكن أن ننسى الدور الأساسي الذي لعبه الخلفاء العباسيون في هذا التيار؛ لأنهم كانوا بحاجة ماسة إلى إنجازات الملوك السابقين لإدارة أمورهم؛ لذا ظلوا يبحثون عن ميراث الإيرانيين الثقافي. قام "المأمون" الخليفة العباسي بإنشاء مدرسة لتربية المترجمين. لقد أقر بقيمة المواعظ الإيرانية، وقد قال في الإجابة على السؤال الذي طرحه "الواثق بالله" عندما سأله عما يجب تعلمه: تعلم القرآن، وتعاليم أردشير وتعهد حفظ كليلة ودمنة(7).

أما الوزراء العباسيون الذين كان أكثرهم من الفرس، فقد اجتهدوا في تيار الترجمة وذلك لكي تقوى اللغة الفارسية ويتهيأ القيام بالأمور التي كانوا يرونها مهمة وخطيرة؛ لأنهم كانوا يريدون إحياء آثار أجدادهم ومجدهم القديم عن طريق إحياء مواعظهم ونصائحهم والإفصاح عنها؛ حتى تتغذى منها أفكار الناس وتتضح معالم الحكومة على أساسها؛ لأن إحياء مثل هذه المواعظ يؤدي إلى تنشيط عظمة إيران الماضية التي تبددت إثر مضي الزمن(8).

وفي نهاية المطاف، حدثت سلسلة من العوامل التي أدت إلى ازدهار بعض الأدباء العظام أمثال: ابن المقفع، سهل بن هارون، حسن بن سهل، فضل بن سهل... وقد تُرجمت الكتب القيمة مثل: مواعظ بزرجمهر، المواعظ الساسانية الخالدة، خداي نامه، آيين نامه، التاج (أنوشروان) إلى اللغة العربية؛ بحيث يمكن القول بأن ترجمة هذه الكتب قد أثرى الأدب العربي في هذا المجال.

يبدي الجاحظ رغبة كبيرة بالنسبة إلى الثقافة الإيرانية، فآثاره زاخرة بالمواعظ الإيرانية وقد احتل الوعظ الإيراني مكانة متميزة في كتبه، بحيث إنه اعتمد أكثر عناوين كتبه من موضوعات الموعظة الفارسية التي تم ترجمتها إلى العربية، مثل كتابه "المحاسن والأضداد" الذي قيل بأن الكتاب ينهج منهج الكتب الساسانية. وفي هذا الصدد، يرى عيسى العاكوب بأن الجاحظ قد استمد عناوين كتبه "البيان والتبيين، الجد والهزل، الآداب، الأمل والمأمول، أخلاق الكتاب" من الكتب الفارسية؛ كأنما الجاحظ لم يكتف بقراءته لهذه الكتب، بل عكف يؤلف كتباً ينهج فيها منهج الإيرانيين من حيث الموضوع والأفكار(9).

علاوة على ذلك، قد أحال الجاحظ - كثيراً - في آثاره إلى مواعظ الإيرانيين ونقل ما نقل عن كبار الواعظين الإيرانيين - قبل العصر الإسلامي - أمثال: بزرجمهر، أردشير بابكان، خسرو أنوشروان وأفشين، وأما فيما يتعلق بعصر ما بعد الإسلامي، فنراه يشير إلى ابن المقفع، سهل بن هارون، حسن بن فضل وفضل بن سهل.

لمح الجاحظ في كتابه "المحاسن والأضداد" إلى حب الإيرانيين ورغبتهم بالنسبة إلى حفظ المواعظ والملاحظات الوعظية وهو يُشير إلى وجود هذه المواعظ على النقوش الحجرية ويقول: "نلحظ بعض النقوش الحجرية المأثورة عن ملوك فارس وقد كُتب عليها: كن أكثر أملاً بالنسبة إلى الشيء الذي لا تريده مقارنة مع ما تريده؛ فإن موسى قد سعى للوصول إلى النار؛ فنال مقام النبوة"(10). ومن هنا يتبين لنا علمه بوجود كتب المواعظ الفارسية: "وقد جاء في بعض الكتب الفارسية بأن: "كل عظيم، ذليل إذا ما لم يتمتع بالقدرة والمهارة والفن"(11).

لقد أحال الجاحظ - في مواضع مختلفة - إلى أقوال الملوك الفرس وهي أغلبها مواعظ تشتمل على كلام زاخر بالنصائح والكلام الوعظي، مثل: "إن كسرى كان ينصح المسجونين قائلاً: من يصبر على ما أصابه من هم ومصيبة؛ ويتحلى بالصبر والحزم؛ فكأنما لم تحدث له أي مشكلة. ومن يتخذ فخاً للآخرين، فسيُهلك نفسه لامحالة، ومن يُسرف في الأكل، سيهلك"(12).

"بزرجمهر" من الشخصيات الأخرى التي تكلم عنها الجاحظ كثيراً. كان "بزرجمهر" وزيراً لخسروبرويز، وكان يتمتع بالحكمة والتدبير مما أهله لينال الشهرة والعظمة. وله منزلة سامية عند الإيرانيين؛ وله نفس المكانة المرموقة عند العرب أيضاً. مظاهر الوعظ لبزرجمهر في كتاب "المحاسن والأضداد" ينبئ عن رغبة الجاحظ واهتمامه بهذه الشخصية المتميزه: "لقد ذُكر في إحدى كتب بزرجمهر: حاجة الله بعبده يختصر على معرفة العباد له. فمن يتمكن من التعرف على الله، فلن يعصه طرفة عين. فكيف البقاء مع وجود الفناء! فكيف يعاني الإنسان عندما يفقد شيئاً في الحياة؛ بينما يطلبه الموت؟"(13). يُشير الجاحظ في آثاره الأخرى أيضاً إلى مواعظ برزجمهر، مثلاً لقد ذكر في كتاب "البيان والتبيين": "قال بزرجمهر: لا أحد أشبه بالمظلوم من الحسود"(14).

وقد ذكر في موضع آخر أيضاً: "قيل لبزرجمهر: ما هو الذي يستر العيوب؟ قال: العقل. قيل: إن لم يكن العقل؟ قال: المال. قيل: إن لم يكن المال؟ قال: الأصدقاء والإخوان. فقيل: إن لم يكن هناك من أصدقاء أو إخوان؟ قال: فيجب عليه الصمت. فقالوا: إن لم يسكت؟ قال: فالموت أفضل في هذه الحالة"(15).

وقد أشار الجاحظ أيضاً في أثره القيم هذا إلى العديد من أشعار أبي نواس وبشار؛ هذان الشاعران الفارسين الأصل في العهد العباسي، وهي تشتمل على الموعظة والنصيحة. فهو ينقل لنا عن أبي نواس(16):

دَع الحرصَ علی الدُنیا وَفي العیش فلا تطمَع
ولا تَجمَع بك المالَ فما تدري لِمَن تَجمَع
ولا تَدري أفي أرضـ ك أم في غیرها تُصرع
وقد ذكر لبشار بن برد هذا البيت في ذم السكوت(17):
وعيُ الفعال کعي الِمقال وفي الصُمت عيٌ کَعي الکلام
ب - الأعمال والوظائف الإيرانية:

يُمكن أن نفتن إلى الطبقات الاجتماعية عند الإيرانيين وأهميتها ومدى دورها من خلال ثنايا كتابات الجاحظ؛ فإنه قد أشار من خلال أثره القيم هذا إلى الكثير من الأعمال والوظائف التي كان يشتغل بها الإيرانيون آنذاك، سنتطرق إلى بعضها في هذا الموضع:

1 - بستان بان واشتربان:

البستان يعني الحديقة و"بستان بان" بمعنى حارس الحديقة؛ أي من يقوم بأعمال البستان. "اشتربان" أيضاً بمعنى حارس الجِمال. قد نقل لنا الجاحظ حكاية تُبين لنا بأن هذين العملين من أعمال الإيرانيين آنذاك. أما الحكاية فهي كالتالي: "اتخذ یزيد بن المهلب بستاناً في داره بخراسان، فلما ولی قتیبة بن مسلم، جعله لابله، فقال مرزبان مرو: هذا کان بستانا وقد اتخذته لإبلك، فقال قتیبة: أبي کان اشتربان وابو یزید بستانبان فمنها صار ذلك کذلك"(18).
2 - مرزبان (الحارس):
"مرزبان" بمعنى الرئيس. هذه الكلمة مركبة من "مرز" بمعنى الحدود واللاحق الفاعلي "بان" بمعنى الحارس والمحافظ. تُجمع هذه الكلمة على هيأة "مرازب ومرزبه" وقد ذُكرت هذه الكلمة في الكتابات والأشعار العربية على هذه الصورة دون عملية التعريب.

كان المرزبه ضمن الطبقات الاجتماعية الجليلة القدر في المجتمع، وقد أشار إلى ذلك الجاحظ في كتبه، وقال بأنهم يعدون ضمن رجال البلاط والخواص من الناس وكانوا يأتون في حضور الملك إلى جانب قواد الجيش والأمراء لتقديم الهدايا إلى الملك، مثلاً: "إن القواد والمرازبة والأساورة یهدون النشاب من الذهب والفضة"(19). لذا يعد هذا العمل من أعمال الإيرانيين وقد حذا العرب حذوهم في اتخاذ هذا العمل.

3 - الموبدون:
"الموبدون" هم علماء الزرداشتيين ورجال دينهم. أما دورهم وأهميتهم في الماضي فكان يختصر على حفظ الآثار الفارسية أو الاحتفاظ بها في معابد النار والأماكن الآمنة بالإضافة إلى حفظها واستنساخها والتطرق إلى دراستها والبحث فيها، وكانوا يعملون على عدم هلاكها. وإن العلماء والمؤرخون يراجعون إليها عند دراستهم في مجال التاريخ والتقاليد والمذاهب الإيرانية دائماً. وقد قام الموبدون بحفظ كتاب "خداي نامك"؛ بصفته أعظم أثر تاريخي إيراني في القرون السالفة إلى أن قام الفردوسي وحلاه بحلية الخلود(20). لقد لقيت هذه الفئة من الناس في العصر الإسلامي احتراماً وتقديراً خاصاً؛ سواء من ناحية الخلفاء أو الناس؛ فأينما يذكرهم الجاحظ؛ فإنهم يظهرون في مقام المستشارين والخواص عند الملك؛ فإن الملك نفسه عاملهم معاملة محترمة؛ بحيث أنهم يرافقونه دائماً ويعتمد الملك على مواعظهم ونصائحهم في الملك. يذكر لنا الجاحظ حكايات حول قدرتهم في التأثير على الملك، من ذلك: "عندما دخل الموبد على الملك، قال له: يا ملك! عشت في سعادة تامة، وتغلبت على أعدائي، وقمت بالأعمال الحسنة وتجنبت طاعة النساء"(21). 4 - الأسوار:

"الأسوار" بمعنى الراكب وهي لفظة تُطلق على مجموعة تحمل معها الفأس والهراوة ويحاربون بها ويضربون بها أيضاً على خوذة بعض. (البرهان القاطع، مادة أسوار) يعتقد "معين" بأن هذه الكلمة كانت تُطلق زمن إيران القديم على الشجعان والأبطال. كسبت هذه الكلمة دلالة جديدة منذ زمن خسرو الأول؛ فعندما جلس على أريكة الحكم، عكف على إصلاح نظام الضرائب في التنظيمات العسكرية وأجرى بعض التغييرات في هذا المجال، ومنح "الأسوار" رتبة، ونصر من لم يكن له ثروة وبذل إليه الحصان والسلاح(22).

يذكرهم الجاحظ ضمن الكبار والعظماء المقربين إلى الملك. فبناء على تعاريفه، فإنهم كانوا يلعبون يؤدون عظيماً في الماضي؛ خاصة في العصر الساساني؛ "والثانية أن تصعد منبرك بمحضر من مرازبتك، وأساورتك، وعظماء أهل مملكتك وتتبرأ مما قذفتني به"(23).

جـ - الحكايات الإيرانية:

ترجمت العديد من الحكايات من البهلوية إلى اللغة العربية. هذه الحكايات شملت موضوعات عديدة، مثل: سيرة العظماء عبر التاريخ والملوك الساسانيين. وقد تطرق الجاحظ إلى العديد من هذه الحكايات في آثاره. يظهر لنا من خلال كتاباته بأن هناك اهتمام كبير بالنسبة إلى الحكايات البطولية وذكر حياة الأبطال والشجعان. وفي هذا الصدد، سنشير إلى بعض القصص المذكورة في كتاب "المحاسن والأضداد":

1 - قصة خسرو وشیرین:

قصة "خسرو وشيرين" من جملة الحكايات التي قدمها الجاحظ على النحو التالي: "شيرين زوجة خسروبرويز؛ إمرأة وفية. شيروية ابن كسرى الثاني، عندما قُتل أبوه ونال الملك والحكومة من بعده، طلب من شيرين أن تصبح زوجته. امتنعت شيرين ورفضت هذا الطلب. غضب شيرويه وصادر أموالها التي كانت تشتمل على العقارات والمصادر الكثيرة وعندما علمت شيرين بأنها لا تجد بداً من قبول هذا الطلب، قالت لشيرويه: إذا أرغمتني على قبول الزواج منك، فإني أطلب منك ثلاثة طلبات؛ فإن أجبت طلباتي؛ فإني سأتزوجك. فقال شيرويه: ما هي طلباتك؟ فأجابت شيرين: الأول: يجب عليك أن تعيد عقاراتي وأموالي التي أخذتها مني. الثاني: عليك أن تصعد المنبر وتبدي أسفك حول التُهم التي ألحقتها بي وذلك في حضور الأسوار و"المرازبة والتجار في المملكة. وطلبي الثالث هو أن أباك أودعني أمانة، فأمر حتى يحفروا قبره لكي أهب أمانته إليك. فقام شيرويه بفتح القبر لها. بينما كانت شيرين تُمسك بخاتم في يدها، جلست عند قبر زوجها وابتعلت الخاتم واحتضنت زوجها حتى ماتت"(24).

2 - قصة الموبدون ومشكدانه:

تُرجمت أساطير كثيرة من الفارسية إلى العربية وقد ألحق بها الكثير من الانتحال. قصة "الموبدون ومشكدانه" واحدة من الأساطير التي تم ذكرها في كتاب "الفهرست" لابن النديم؛ إلا أن ابن النديم ذكر ذلك باسم آخر، أي: "مشك زنانه وشاه زنان"، واسم القصة الرئيسي هو "مشكدانه وشيخ الموبدون"، وقد ذُكر اسم الجارية على نحو صحيح في "المحاسن والأضداد"(25).

الموبدون في الواقع نفسه شيخ الموبدون ومستشار كسرى الثاني، و"مشكدانه" هي جارية شيرين، زوجة كسرى. تطرق الجاحظ إلى بيان هذه القصة، سنشير إليها هنا باختصار: "كان شيخ الموبدون يقول لكسرى باستمرار: "اجتنب طاعة النساء. وكان هذا الكلام يُغضب شيرين؛ وهي امرأة جميلة وعاقلة. فإذن خططت على هذا النحو وقالت لكسرى: هذا الموبد، طاعن في السن، وبما أني أحتاج إلى مشورته وفكره؛ فأريد أن أقوم بتزويجه جاريتي "مشكدانه" وهي جارية عاقلة وجميلة. تحدث معه حول هذا الأمر، فإذا وافق، سأمنحه "مشكدانه". فتحدث خسروبرويز مع الموبد ووافق على ذلك"(26).

3 - قصة رستم واسفندیار:

لقد قام "جبله ابن عامل" بترجمة قصة "رستم واسفنديار" إلى اللغة العربية. هذه القصة من القصص الإيرانية المعروفة وكانت تحظى بأهمية بالغة في العصر الإسلامي وحافظت على مكانتها في العصر العباسي أيضاً وقد تمتعت بشهرة واسعة. وقد أشار الجاحظ إلى هذه القصة باختصار، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على مدى صيرورة القصة على الألسن؛ بحيث إنها لم تخف عن العوام من الناس أيضاً: "روى الأصمعي نقلاً عن خليل بن سهل بأن طول رمي رستم للسهم قد بلغ سبعين ذراعاً وقد كانت السهام أصلب من الحديد. قلت: هناك أعرابي له معرفة جيدة بهذا الشأن، فاصحبنا إليه حتى يشرح لنا هذا الموضوع. فأخذته إلى ذلك الأعرابي حتى يشرح له. فقال الأعرابي: سمعتُ بأن رستم واسفنديار ذهبا إلى الباديه لزيارة لقمان بن عاد؛ فوجدوه نائماً يضع رأسه في حجر أمه. فسألت الأم: ماذا تريدان؟ قالوا: سمعنا بأن هذا الرجل قوي، فأتينا لزيارته. فعندما سمع لقمان صوتهما، نفخهما حتى وقعا في أصفهان وحالياً يوجد قبرهما في أصفهان. وقد أجاب خليل بن سهل قائلاً: (كذبة شنعاء)"(27).

يبدو أنه كان هناك نوعٌ من التنافس بين العرب والفرس في التفاخر بأبطالهم؛ وربما هي إحدى العوامل الرئيسة في مسألة الشعوبية؛ لأن الإيرانيين افتخروا بأمجادهم عبر التاريخ من خلال ترجمتهم القصص إلى العربية، وقد أبدى العرب ردة فعل تجاه هذا الإجراء. أما الجاحظ فقد أتى بهذه القصة في باب ذم الكذب، ويبدو أنه لم يعتقد بهذه القصة وهو عالم بأصل القصة.

4 - قصة بهرام جوبین:

بهرام من أعظم القواد في الجيش الساساني. فقد اكتسب قدرته في عصر "هرمز وكسرى"، ولكن بعد ذلك حدث نوع من المشاحنة والعداوة بين هرمز وبهرام؛ وبالتالي قام هرمز، بعزل بهرام عن منصبه. أثار هذا العمل غضب بهرام وجعله عاصياً. وقد اتفق معه الجيش أيضاً؛ فعندما وضع كسرى تاج الملك على رأسه؛ هجم على العاصمة بواسطة جيشه الجرار القوي. ففر كسرى الذي لم يكن له بد من الفرار إلى الروم حتى يستعين بالإمبراطورية الرومية. وقد نصرته إمبراطورية الروم إلى أن قام كسرى بهزيمة بهرام وتمكن من استعادة قدرته من جديد.

لقد قام "جبله ابن العامل" بترجمة هذه القصة إلى العربية، وقد تم استقبال هذه القصة من قِبل العرب كما لاحظنا. وأشار الجاحظ إلى قصة الاختلاف الموجودة بين كسرى وبهرام. مثلاً عندما يتحدث عن هدايا النيروز، يشير إلى الحرب التي حدثت بين هذين الشخصيتين قائلاً: "من الهدايا التي لم يسمع بها أحد، كانت تلك الهدية التي قدمها كسرى إلى ملك الروم أثناء الحرب ضد بهرام شوبين. وبينما كان يقترب كسرى من الروم، أرسل قاصداً وطلب العون من ملك الروم حتى يقوم بإنقاذه وقد أرسل العديد من الهدايا الثمينة برفقة ذلك القاصد"(28). من هذا المنطلق نلحظ كثرة اطلاع الجاحظ وسعة معلوماته بالنسبة إلى التاريخ والأدب الإيراني؛ بحيث إنه يعد كتابه "المحاسن والأضداد" من أهم المصادر لمعرفة هذه القصص في الأدب العربي.

د - احتفال النيروز وحفل المهرجان:

يعد النيروز من أعظم الاحتفالات الوطنية في إيران؛ يبدأ هذا الحفل في اليوم الأول من العام الشمسي؛ عندما تنتقل الشمس المشرقة على العالم إلى برج الحمل ويتساوى الليل والنهار. عندما دخل الآريون إلى أراضي الإيرانيين، كانوا يقيمون الاحتفالات بمناسبة النيروز. أما بعض المؤرخين، فنسبوا تاريخ هذه الاحتفالات إلى ما قبل الآري وتزامناً مع جلوس جمشيد "الملك البيشدادي" على أريكة الحكم. لكن هناك روايات مختلفة حول كيفية توغل النيروز بين العرب؛ والبعض من هذه الروايات تنسب النيروز إلى أيام النبي (ص) والإمام علي. ينقل لنا الجاحظ رواية في هذا الشأن ويقول: "قدم عدد من الدهاقين الفرس، كؤوساً فضية ملأى بالحلاوة إلى الإمام علي وعندما سأل الإمام علي عن السبب، قالوا: بمناسبة النيروز... ثم تناول الحلويات وقدم بعضاً منها إلى أصحابه وقسم تلك الكؤوس الفضية بينهم وعد ذلك ضمن الخراج"(29).

بما أن الجاحظ كان يعيش في هذا العصر وكان قد شهد أهمية هذه الأعياد؛ لذا نراه يتطرق إلى هذه الأعياد بصورة جميلة ودقيقة. بحيث يمكننا أن نكسب معلومات قيمة حول تاريخ هذا الاحتفال من خلال أقواله؛ فيمكن أن نعتبر كتاباته من أقدم المصادر وأهمها في هذا الحقل. أما أسلوبه في وصف هذين العيدين، فهو على النحو الذي يبدأ ببيان تاريخ هذه الأعياد، ثم يتطرق إلى كيفية تلك الاحتفالات بين الإيرانيين والعرب ويقول: "من أسس منازل الملوك، وشيد معالم السلطان، واستخرج الفضة والذهب والمعدن، واتخذ من الحديد آلات، وذلل الخيل وسائر الدواب، واستخرج الدر وجلب المسك والعنبر وسائر الطيب، وبنى القصور واتخذ المصانع، وأجرى الأنهار كياخسرو بن أبرويز جهان، وكان الأصل فيه أنه، في النيروز، ملك الدنيا، وعمر أقاليم إيران شهر، وهي أرض بابل، فيكون النيروز في أول ما اجتمع ملكه وبعد ذلك تحول إلى تقليد"(30).

أما بشأن تاريخ المهرجان، فإنهم يقولون: "لقد حكم خسروبرويز حوالي ألف وخمسين عاماً وقُتل على يد الضحاك واستلم فريدون الحكم والسلطة، فقام فريدون بإلقاء القبض على الضحاك وسجنه في جبل دماوند. وفي نهاية المطاف، قام بقتله؛ واحتفل الناس بهذه المناسبة، وبما أن هذا الحدث وقع في منتصف شهر "مهر"، قد سمي هذا اليوم بالمهرجان؛ فإذن يرجع المهرجان إلى فريدون، والنيروز أقدم من المهرجان على نحو ألف عام"(31).

والإيرانيون أيضاً يعتقدون بهذا الأمر، فإنهم يرون أن الملائكة عجلت إلى نصرة كاوه الحداد وقتلت الضحاك، وأجلست فريدون على أريكة الحكم. وبما أن اليوم الذي تم القبض فيه على الضحاك كان في 16 من شهر "مهر" وكان يُطلق عليه اسم "مهرروز"؛ لذا احتفل الإيرانيون في هذا اليوم وأطلقوا عليه تسمية "مهرجان"(32).

ثم يشير الجاحظ إلى تقليد آخر، يظهر في عصرنا الراهن من خلال زرع الخضرة بين الإيرانيين: "خمسة وعشرون يوماً قبل النيروز كان هناك 12 عموداً طابوقياً في البلاط الملكي، يزرعون في كل منها: البر، الشعير، العدس، الحمص، الذرة، الفاصولياء، السمسم والدخن. ولم يكونوا ليحصدوا هذه الحبوب سوى بالأغاني والأناشيد. وفي اليوم السادس من النيروز يجتمعون لحصاد هذه الحبوب ولم يكونوا ليجمعوها حتى اليوم السادس عشر من شهر "فروردين". وإنما كانوا يزرعون هذه الحبوب للتفاؤل بها، ويقال: أجودها نباتا، وأشدها استواء، دليل على جودة نبات ما زرع منها في تلك السنة، فكان الملك يتبرك بالنظر إلى نبات الشعير خاصة(33).

وبعد ذلك يتطرق الجاحظ إلى الأغاني والموسيقى التي كانت تُنشد في حضور الملك ويقول: "فكان فيما يغني بين يدي الملك، غناء المخاطبة، وأغاني الربيع، وأغاني يذكر فيها أبناء الجبابرة، وتوصف الأنواء، وأغاني أفرين، والخسرواني، والماذراستاني، والفهليد. وكان أكثر ما يغني العجم، الفهليد مع أيام كسرى أبرويز، وكان من أهل مرو، وكان من أغانيه مديح الملك، وذكر أيامه ومجالسه وفتوحه، وذلك بمنزلة الشعر في كلام العرب، يصوغ له الألحان، ولا يمضي يوم إلا وله فيه شعر جديد، وضرب بديع. وكان يذكر الأغاني التي يستعطف بها الملك، ويستميحه لمرازبته وقواده، ويستشفع لمذنب، وإن حدثت حادثة، أو ورد خبره كرهوا إنهاءه‌ إليه، قال فيه شعرا، وصاغ له لحن"(34).

هدية النيروز من التقاليد القديمة في إيران وكان ذلك مألوفاً منذ العصر الجاهلي. كان التقليد في إيران - في عصر ما قبل الإسلام - أن يقدم كلاً من الدهاقين وسائر العاملين في البلاد هدية إلى الملك؛ كل على حسب مقدرته المادية. أما بعد الإسلام أيضاً، فاعتاد الدهاقين - على ضوء تقليدهم السابق - أن يقدموا بعض الهدايا إلى الخلفاء؛ إلا أن الخلفاء الأولين كانوا يعتبرونها عوضاً عن خراجهم. لكن بعد العصور الإسلامية التالية، تحول ذلك إلى سُنة؛ بحيث كانت تعد تلك الهدايا مصدراً من مصادرهم المالية: والجاحظ أيضاً يشير بدوره إلى تقليد الإيرانيين في العهد القديم ويقول في هذا الشأن: "وكان مما تهديه ملوك الأمم إلى ملوك فارس، طرائف ما في بلدهم، فمن الهند الفيلة والسيوف والمسك والجلود، ومن تبت والصين المسك والحرير والسك والأواني، ومن السند الطواويس والببغاء، ومن الروم الديباج والبسط. وكان القواد والمرازبة والأساورة يهدون النشاب والأعمدة المصمتة من الذهب والفضة، والوزراء والكتاب والخاصة من قرابانهم جامات الذهب والفضة المرصعة بالجوهر، وجامات الفضة الملونة بالذهب، والعظماء والشراف، البزاة والعقبان والصقور والشواهين والفهود والسروج وآلاتها؛ وربما أهدي الرجل الشريف سوطاً فقبله. وكان الحكماء يهدون الحكمة، والشعراء الشعر، وأصحاب الجوهر الجوهر، وأصحاب الديباج نتاج الدواب، الفرس الفاره، والشهري النادر، والحمار المصري، والبغال الهماليج؛ والظرفاء، قرب الحرير الصيني مملوءة ما ورد؛ والمقلقلة القسي والرماح والنشاب؛ والصياقلة والزرادون، نصول السيوف والدروع والجواشن والبيض والأنسة؛ وكانت نسوة الملك تهدي إحداهن الجارية الناهدة، والوصيفة الرائعة، والأخرى الدرة النفيسة، والجوهرة المثمنة، وفص خاتم"(35).

أشرنا سابقاً إلى أن العرب في العصر العباسي قلدوا الفرس في الاحتفال بهذين العيدين، وفي الواقع كانت ضمن أعيادهما العامة. وقد تطرق الجاحظ إلى كيفية إقامة تلك الأعياد في بلاط العباسيين أيضاً؛ وهذا إن دل على شيء فهو يدل على مدى تأثره بالثقافة الإيرانية. وفي البداية يُشير إلى الهدايا التي كان يتبادلها الملوك والعظماء من الناس في ذلك الحين ويقول: "واستملح المأمون من أبي سلمة هدية لطيفة منسوجة من الخزرات اليمنية وعليها غطاء ذهبي وكذلك هدية حسن بن وهب إلى المتوكل؛ أي الكأس الذهبي المليء بمئة مثقال من العنبر"(36).

هـ - المفردات الفارسية:

نلحظ المفردات الفارسية الكثيرة في آثار الجاحظ. أما السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف دخلت ومن أين دخلت هذه الكلمات في آثاره؟ وفي الجواب، يجب أن نقول: إن الثقافة الفارسية من أقدر الثقافات وأكثرها تأثيراً بين الثقافات الأخرى التي أثرت في الأدب العربي، وبالتالي أدى ذلك إلى توغل مفردات كثيرة من الفارسية إلى اللغة العربية. ولم تسلم آثار الجاحظ - الكاتب الدؤوب في هذا العصر - من هذا الأمر؛ فقد توغلت الكثير من المفردات والمصطلحات الفارسية في آثاره. هذه المفردات؛ إما فارسية معربة وإما تم نقلها على هيئتها دون تغيير.

كانت الثقافة والأدب الفارسي مسيطرة - آنذاك - على ثقافة العرب ولغتهم؛ بحيث إن الجاحظ لم يسلم من هذا التأثير، وبذلك اعتمد الكثير من المفردات الفارسية في آثاره. وقد احتلت المفردات الفارسية قسماً عظيماً من كتاباته. وأحيانا نجد في آثاره بعض الكلمات التي تُنبئ عن بحوثه ودراساته الشخصية. وفي هذا الصدد سنشير إلى بعض المفردات الفارسية التي اعتمدها الجاحظ في كتابه "المحاسن والأضداد":

1 - اسبند (الحرمل): الاسبند الفارسي هي التي ذُكرت في "البرهان القاطع" باسم الحبات التي يرمونها في النار لتجنب العين. (البرهان القاطع، ذيل مادة "اسبند") كان يعتمد الإيرانيون هذا النبات منذ القديم. "سبنته" في الأفستا "صفة (تأنيث سبنتا) أي: الطاهر والمقدس. هذه الصفة في الأفستا تخص أهورامزدا والإيرانيين وقد أخِذت كلمة "سبند" و"اسفند" من هذه الكلمة. (دهخدا، ذيل مادة اسبند) يُشير الجاحظ إلى تقليد الإيرانيين عند وصفه تقاليد النيروز وحديثه حول مائدة النيروز ووضع حبات الاسبند فيها على يد الإيرانيين: "ویوضع سبع سکرجات بیض، ودراهم بیض من ضرب سنته، ودیناره جدید، وضغث من أسپند"(37).
2 - الدیباج: مفردها ديباجة وهي كلمة "ديب" الفارسية التي تم تعريبها(38). (دهخدا، ذيل مادة ديباج) وقد رأى صاحب "البرهان القاطع" بأنها تعني القماش الحريري الملون. وقد تطرق إليها الجاحظ في مواضع كثيرة، خاصة عند حديثة حول هدايا النيروز القيمة، من ذلك: "وبعث إلیه بألفي دینار لأرزاق جنده، وألف ثوب منسوج، وعشرین جاریة من بنات ملوك الصقالبة بأقبیة الدیباج المطیر"(39).
3 - الاستبرق: رأى "معين" بأنها "استبرك" وهي تعني "الحرير الرصين، القماش المنسوج بالذهب والحرير. والجاحظ أتى بذلك في قوله: "براقع دیباج منسوج بالذهب واللولو، وأوقر البغال، من السندس والإستبرق والذهب واللولو"(40).
4 - الجام: هو "جام" (الكأس) المعروف في الفارسية(41). وقد اعتمد الجاحظ هذه الكلمة في مواضع متعددة، من ذلك: "روی عن أمیر المؤمنين علي بن أبي طالب، أن قوماً من الدهاقین أهدوا إلیه جامات فضة فیها الأخبصة"(42).
5 - الجوهر: عرفها صاحب "البرهان القاطع" بأنها الأصل في كل شيء، وهي الأحجار الكريمة. وقد ذُكر في "المحاسن والأضداد": "ومائة خاتم من ذهب مرصع بالجوهر"(43).
6 - البرذون: نوع من الدواب أقوى من الحمار وأضعف من الحصان، أما في الفارسية "بردن" بمعنى الركض السريع، ويُطلق على الحصان السريع أيضاً. وقال الجاحظ: "تحت کل صلیب ألف فارس وألف برذون"(44).
7 - السکرجه: الصحن والإناء الوردي وهي كلمة معربة عن "سكره" وقد تبدلت "الهاء" إلى "الجيم" وأضيف إليها تاء التأنيث. وقد أتى الجاحظ بهذه الكلمة على النحو التالي: "یوضع سبع سکرجات بیض"(45).
8 - الصولجان: الصولجان بمعنى العصا المائلة. وفي اللغة البهلوية. وقد ذُكرت في البرهان القاطع على أنها عصا برأس مائل؛ يغنون بواسطتها على الكاسور والنقارة وهما من اللوازم الملكية. وبناء على أقوال الجاحظ؛ إن هذه اللعبة من ألعاب العظماء من الناس وكان "خسرو" الملك الساساني يرغب بهذه اللعبة ويتخذها كأداة للتفريه والتسلية: "إن کردیة قالت لکسری: یا سیدي، اخرج بنا إلی المیدان لألعب، بین یدیك، بالکرة والصولجان. فخرج معها إلی المیدان، وخرجت امرأته شیرین، وخواص نسائه، ودعا بخیل فأسرجت ورکبت ورکب هو، وجعلت تلاعبه بالصوالج"(46).

النتائج:

تطرقت هذه الدراسة إلى البحث حول زاوية من زوايا الثقافة الإيرانية في كتاب "المحاسن والأضداد" للجاحظ. ومن خلال دراستنا هذه، ظهرت لنا النتائج التالية:
- إيران وثقافة إيران تحتل مكانة مرموقة عند الجاحظ؛ بحيث أن المؤلف قد أشاد بمكانة الثقافة الإيرانية في مواضع عديدة من الكتاب. وهذه المسألة تعود إلى أن الثقافة الفارسية كانت من أقدر الثقافات وأكثرها تأثيراً في الأدب العربي في العصر الصفوي.
- يمكن أن نتعرف على ماضي المجتمع الإيراني من الناحية الاجتماعية من خلال دراستنا لهذا الكتاب؛ لأنه تحدث كثيراً حول الاحتفالات والأعمال والتقاليد التي كان يقوم بها الإيرانيون في تلك الحقبة الزمنية.
- ومن حيث المستوى الأدبي: يتمتع هذا الأثر بمكانة مرموقة، ويمكننا أن نتفطن إلى رغبة العظماء والملوك والوزراء الإيرانيين إلى الوعظ والنصائح من خلال دراستنا لهذا الكتاب.
- بناء على الجوار القائم بين إيران والعراق وتأثير الثقافة الإيرانية، وردت الكثير من الكلمات الفارسية إلى اللغة العربية. ولم يسلم الجاحظ - باعتباره كاتباً غزير الإنتاج - من هذه المسألة وقد توغلت الكثير من المفردات والمصطلحات الفارسية إلى أعماله. هذه الكلمات؛ إما معربة عن الفارسية وإما تم تبنيها على صورتها في اللغة الفارسية ودون أدنى تغيير وقد أشرنا إلى نماذج من هذه المفردات في البحث.

الهوامش:
1 - روح الله صیادي نجاد: دراسة الأعیاد الإیرانیة في کتابي المحاسن والأضداد والتاج للجاحظ البصري، مجلة الأدب العربي، عدد 3، جامعة طهران 1390ش، ص 1.
2 - آذرتاش آذرنوش: التحدي بين الفارسية والعربية، نشر ني، طهران 1377ش، ص 286.
3 - محمد محمدي: الثقافة الإیرانیة قبل الإسلام، نشر طوس، طهران 1374ش، ص 297.
4 - حنا الفاخوري: تاریخ الأدب العربي، نشر طوس، طهران 1377ش، ص 560.
5 - أبو إسحاق الیعقوبي: تاریخ الیعقوبي، دار صادر، بیروت 1379هـ، ج2، ص 487.
6 - نصر الله رامشی: أدب السخریة والجاحظ، مجلة العلوم الإنسانية، عدد 32، جامعة طهران 1377ش، ص 146.
7 - عیسی العاکوب: أثر النصائح الإیرانیة في الأدب العربي، النشر العلمي والثقافي، طهران 1374ش، ص 103.
8 - المصدر نفسه، ص 102.
9 - المصدر نفسه، ص 267.
10 - أبو عثمان الجاحظ: المحاسن والأضداد، منشورات دار ومكتبة الهلال، بيروت 1991م، ص 156.
11 - المصدر نفسه، ص 194.
12 - المصدر نفسه، ص 69.
13 - المصدر نفسه، ص 16.
14 - أبو عثمان الجاحظ: البیان والتبیین، دار الکتب العلمیة، بیروت 1996م، ج3، ص 84.
15 - المصدر نفسه، ج1، ص 4.
16 - أبو عثمان الجاحظ: المحاسن والأضداد، ص 66.
17 - المصدر نفسه، ص 124.
18 - المصدر نفسه، ص 151.
19 - المصدر نفسه، ص 321.
20 - محمد محمدي: المصدر السابق، ص 50-51.
21 - أبو عثمان الجاحظ: المصدر السابق، ص 90.
22 - آرتور کریستن سن: إیران في العهد الساساني، نشر ابن سیناف، طهران 1351ش، ص 97.
23 - أبو عثمان الجاحظ: المصدر السابق، ص 189.
24 - المصدر نفسه.
25 - محمد محمدي: المصدر السابق، ص 193.
26 - أبو عثمان الجاحظ: المصدر السابق، ص 234-235.
27 - المصدر نفسه، ص 61-62.
28 - المصدر نفسه، ص 320.
29 - المصدر نفسه، ص 319.
30 - نفسه.
31 - نفسه.
32 - محمد بن حسن خلف تبریزی: برهان قاطع، نشر نیما، طهران 1380ش، ص 261.
33 - أبو عثمان الجاحظ: المصدر السابق، ص 321.
34 - نفسه.
35 - نفسه.
36 - المصدر نفسه، ص 322.
37 - المصدر نفسه، ص 314.
38 - علي أکبر دهخدا: لغة نامه، موسسة دهخدا، طهران 1380ش، ج2، ص 363.
39 - أبو عثمان الجاحظ: المصدر السابق، ص 321.
40 - نفسه.
41 - السید أدي شیر: معجم الألفاظ المعربة، مکتبة لبنان، بیروت 1990م، ص 49.
42 - أبو عثمان الجاحظ: المصدر السابق، ص 319.
43 - نفسه.
44 - المصدر نفسه، ص 321.
45 - المصدر نفسه، ص 320.
46 - المصدر نفسه، ص 86.
References:
1 - Al-Ya‘qūbī, Abū Isḥāq: Tārīkh al-Ya‘qūbī, Dār Ṣādir, Beirut 1379 AH.
2 - Al-‘Ākūb, ‘Īsā: Athar an-naṣā’iḥ al-īrāniyya fi al-adab al-‘arabī, Translated by ‘Abdallah S. Khujasteh, Scientific and Cultural Publications, Tehran 1374 SH.
3 - Al-Fākhūrī, Ḥannā: Tārīkh al-adab al-‘arabī, 1st ed., Tūs Publications, Tehran 1377 SH.
4 - Al-Jāḥiẓ, Abū ‘Uthmān: Al-bayān wa at-tabyīn, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, Beirut 1996.
5 - Al-Jāḥiẓ, Abū ‘Uthmān: Al-maḥāsin wa aḍdād, Explaination by ‘Alī Abū Melḥem, Dār wa Maktabat al-Hilāl, Beirut 1991.
6 - Azarnūsh, Azartāsh: Chalish miān fārisī wa ‘arabī, (The Challenge between Persian and Arabic), 2nd ed., Tehran 1387 SH.
7 - Christensen, Arthur: Īrān dar zamān Sāsānyān, (Iran during the Sassanids), Translated by Rashīd Yāsmī, Ibn Sina Publications, 4th ed., Tehran 1351 SH.
8 - Dahkhuda, ‘Alī Akbar: Lughat nāmah, (Dictionary), Mu’assasah Lughat Namah Dahkhuda, Tehran 1380 SH.
9 - Edī Shīr, al-Sayyid: Mu‘jam al-alfāẓ al-mu‘arraba, Maktabat Lubnān, Beirut 1990.
10 - Mu‘īn, Muḥammad: Lughat Nāmah, (Dictionary), Mu’assasat Intishārāt Amīr Kabīr, 1376 SH.
11 - Muḥammadī, Muḥammad: Farhang īrānī pīsh az Islām, (Pre-Islamic Iranian Culture), Tūs Publications, 1st ed., Tehran 1374 SH.
12 - Ramshī, Naṣrallah: Adabiyyāt ṭanz wa Jāḥiẓ, (Humorous Literature and al-Jāḥiẓ), Journal of the Faculty of Literature and Humanities, University of Tehran, Volume 37, 1377 SH.
13 - Ṣayyādī Nijād, Ruhallah: Dirāsat al-a‘yād al-īrāniyya fī kitābay al-maḥāsin wa al-aḍdād wa at-tāj li al-Jāḥiẓ, Issue 3, Year 3, Journal of University Arabic Literature, Tehran 1390 SH.
14 - Tabrīzī, Muḥammad Ḥussein Ibn Khalaf: Burhān qāṭi‘, 1st ed., Nima Publications, Tehran 1380 SH.
الإحالة إلى المقال:

* د. علي خضري: تأثیر الثقافة والأدب الفارسي في آثار الجاحظ، كتاب المحاسن والأضداد نموذجاً، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الواحد العشرون 2021. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

تجلیات الأمکنة وظواهرها في المعلقات السبع الطوال
حوليات التراث، العدد 20، 2020.

***