البنية الإيقاعية في الشعر العبري الأندلسي ومصادرها العربية

د. أمينة بوكيل
جامعة جيجل، الجزائر

الملخص:

انتقلت العديد من المكونات العربية إلى الأدب العبري في الأندلس، حيث تأثر اليهود بمختلف الأجناس الأدبية العربية، وواكبوا البيئة الأندلسية وما تتطلبه من نصوص تعبر عن الإنسان الأندلسي وتطلعاته. ومن المكونات العربية التي انتقلت إلى الأدب العبري في هذه الفترة "البنية الإيقاعية العربية" بأسسها المختلفة التي تميزت بالدقة والشمولية، فكيف تبنى الشعراء اليهود العروض العربي؟ ما هي الصعوبات التي واجهتهم في هذا الانتقال؟ وكيف تلقى يهود الأندلس تبني العروض العربي؟ للإجابة عن هذه التساؤلات نقترح المحاور الآتية: 1 - كيفية انتقال البنية الإيقاعية العربية إلى الشعر العبري الأندلسي. 2 - الأسس العربية للبنية الإيقاعية العبرية (الوزن والقافية). 3 - تلقي يهود الأندلس انتقال البنية الإيقاعية العربية إلى الشعر العبري الأندلسي.

الكلمات الدالة:

اليهود، العرب، البنية الإيقاعية، العبرية، الأندلس.

***
The Rhythmic Structure in Andalusian Hebrew Poetry
and Its Arabic Sources

Dr Amina Boukail
University of Jijel, Algeria

Abstract:

Many Arab components moved to the Hebrew literature in Andalusia, where the Jews were influenced by various Arab literary genres, and kept up with the Andalusian environment and the texts it required that express the Andalusian man and his aspirations. Among the Arab components that moved to Hebrew literature in this period is the "Arab rhythmic structure" with its various foundations that were characterized by accuracy and comprehensiveness, so how did the Jewish poets adopt the Arab performances? What difficulties did they encounter in this transition? And how did the Jews of Andalusia receive the adoption of the Arab offers? To answer these questions, we suggest the following topics: 1 - How the Arabic rhythmic structure was transmitted to Andalusian Hebrew poetry. 2 - The Arabic Foundations of Hebrew Rhythmic Structure (Weight and Rhyme). 3 - The reception of the transmission of the Arabic rhythmic structure to Andalusian Hebrew poetry by Jews of al-Andalus.

Keywords:

Jews, Arabs, rhythmic structure, Hebrew, al-Andalus.

***

النص:

تقديم:

تستمد البنية الإيقاعية خصائصها من تراثها ونظامها اللغوي الذي هو تعبير حي ومتجدد عن مخزون خصائص مختلف الحياة لمجتمع من المجتمعات، إذن البنية الإيقاعية هي ملكية أدب وثقافة مجتمع ما، وخاصية للغة ما، وهي من المكونات التي يصعب أن تنتقل من أدب إلى آخر حتى وإن كانت قد امتصت بعض المؤثرات الأجنبية.

البنية الإيقاعية "هي الضلع الذي لا يكتمل المثلث الشعري إلا به، وقد لا تكون للنص بنية فنية بدون وجوده"(1)، ولكي تنتظم هذه البنية بمجاليها الخارجي والداخلي لابد من قانون أساسي يحكم في الوقت نفسه مختلف بنى النص الرئيسية (المضمون، اللغة، الإيقاع)، وهذا العنصر الأخير له أهمية خاصة، حيث يعتبر مطلبا ملحا ومحكا أساسيا لكل تجربة شعرية، كما نجد علماء الشعر منذ القديم يعتبرونه أحد أركان الشعر. وفي هذا السياق تبرز جهود الخليل والأخفش وقدامة بن جعفر، وابن رشيق القيرواني وغيرهم، ويرى كمال أبو ديب أن الإيقاع هو الفعالية التي تنتقل إلى المتلقي بوجود حركة داخلية ذات حيوية متناسقة تمنح التتابع الحركي وحدة نغمية عميقة عن طريق إضفاء خصائص معينة على عناصر الكتلة الحركية، من هذا التعريف نستشف أن الإيقاع عبارة عن حركة داخلية وهذه الحركة بالذات هي التي توحد النغمة وتمنح تتابعا حركيا لها(2).

ومع هذا لم تمنع هذه الصعوبة والعلاقات المعقدة التي تتكون منها البنية الإيقاعية العربية من انتقالها إلى الشعر العبري الأندلسي، وكان هذا الانتقال ضمن تأثر الشعراء اليهود بالأدب العربي في الأندلس، حيث كانوا يعيشون ضمن إطار أهل الذمة، إذ أقبلوا على اللغة العربية تواصلا وتأليفا، وانتعشت بهذا اللغة العبرية وأخرجت من دائرة المقدّس إلى دائرة المدّنس، لهذا أطلق على هذه الفترة "العصر الذهبي" وتمثل هذه الفترة للفكر اليهودي والأدب العربي "العصر الذهبي" لما تميزت به من حيوية وشمولية، وبغزارة الإنتاج الفكري، وقد أطلق عليها المؤرخ اليهودي "فلايشر" (Fleisher) الانتفاضة - حركة حداثية، حيث يقول: "في إسبانيا... وبمعجزة فريدة ازدهرت اليهودية العذراء على مسرح التاريخ... إذ عاشت مدة منعزلة تماما أو تقريبا والتي بدأت فجأة بالتشبع بالثقافة العربية وأسسه"(3).

فكيف انتقلت هذه البنية الإيقاعية إلى الشعر العبري الأندلسي؟ وما هي التحولات والتغيرات التي طرأت عليها؟ وكيف كان رد فعل يهود الأندلس من هذه الثورة؟

1 - كيفية انتقال البنية الإيقاعية العربية إلى الشعر العبري الأندلسي:

أول من تبنى العروض العربي أو البنية الإيقاعية العربية في الشعر العبري هو دوناش بن لبرط (דונש בן לברט) الذي عاش بين (920م-990م)، وولد بفاس في أسرة عريقة ثم رحل إلى بغداد، وهناك تتلمذ على يد "سعديا الفيومي" وقد تأثر كثيرا بتعاليمه، واطّلع على آداب العرب وأعجب كثيرا بالشعر العربي، ثم عاد إلى المغرب واستقر أخيرا بقرطبة التي كانت مركزا للثقافة اليهودية آنذاك، والتقى الوزير "حسداي بن شبروط" الذي دعمه بسخاء(4).

وكان دوناش شاعرا ونحويا مجددا في ميدان الدراسات اللغوية حيث يعتبر أول من ميّز بين الفعل المتعدي واللازم في اللغة العبرية متأثرا في ذلك بالنحو العربي، ونظم أشعارا في مواضيع غير دينية وغير معتادة في الشعر العبري في ذلك العصر، من خيال وبلاغة استعارها من نماذج الشعر العربي أين مهّد لتقنية العروض واستخدمها في الشعر الديني نفسه(5).

وتمخضت ثورة دوناش الشعرية عن اهتماماته بالدراسات اللغوية المقارنة بين العربية والعبرية والتي أوحت إليه فكرة تطبيق وزن الشعر العربي على الشعر العبري، فقام بأول محاولة في هذا السبيل وقدم لليهود أول شعر عبري في قالب عربي(6)، وهذا أمر طبيعي، ذلك أن "البنية الإيقاعية للقصيدة هي جزء لا ينفصل عن البنية اللغوية"(7).

وبالتالي لم تأت هذه الثورة صدفة أو دفعة واحدة، بل تدريجيا وعبر عدة مراحل حاول فيها دوناش تكييف الأوزان العربية مع قواعد اللغة العبرية.

2 - الأسس العربية للبنية الإيقاعية العبرية "الوزن والقافية":

وتبنى دوناش العروض العربي من خلال أساسين هامين يشكلان البنية الإيقاعية هما (الأوزان والقافية).

‌أ - الأوزان:

من المعروف أن الوزن هو "المعيار الذي يقاس به الشعر ويعرف سالمه من مكسوره، وهذا أحد مقومات الشعر وأعظم أركانه"(8)، هذا في الشعر العربي أما في الشعر العبري فإن "نظام الأوزان الذي تبناه دوناش مؤسس على التقابل المستمر بين الوحدات العروضية الصغرى التي تكون الوحدات الإيقاعية المتوسطة، هذه الوحدات تتجمع بدورها لتشكل سلسلة إيقاعية ذات نظام محكم، والبيت هو القاعدة الأخيرة في النظام، وفي هذا النوع من الأوزان كتب الشعر الغير الديني العبري الأندلسي وجزء من الشعر الديني"(9)، وقد لاحظنا سابقا أن هذا النوع من الأوزان المضبوطة بمقاييس معينة قد كان غائبا في الشعر العبري القديم الذي يعتمد على النغمة الأخيرة في السطر، وبالتالي كانت أول خطوة قام بها دوناش هو إرساء أسس للوزن الشعري العبري من خلال إيجاد مقابل للوتد والسبب في اللغة العبرية(10)، وهما وحدتان أساسيتان في تكوين الوزن العربي.

وقُسمت الحركات في الشعر العبري إلى عائلتين رئيسيتين هما: عائلة ''الملوك'' (מלכים) وهي التي تضم الحركات الصغرى والكبرى (الضمة، الضمة الطويلة، الفتحة، الفتحة الطويلة، الكسرة، الكسرة الطويلة، إمالة قصيرة، إمالة طويلة...)، وهذه الحركات هي التي تكوّن السبب الذي يسمى بالعبرية (תנוע). والعائلة الثانية هي عائلة ''العبيد'' (עבדים) المتمثلة في السكون بنوعيه "المتحرك والعادي"(11)، والسكون هو الذي يكون الوتد الذي يسمى بالعبرية (יתד) إذن الوتد يتكون من السبب سواء بحركاته القصيرة أو الطويلة إضافة إلى السكون، ومن أمثلتنا على ذلك:

אל - "إل" - بالإمالة إِلى: / سبب يتكون من حركة واحدة.
מעט - "مِعَاط" - قليل: /0 وتد يتكون من السكون وحركة.

إذن ما نلاحظه أن دوناش وتابعيه استعاروا من العروض العربي مصطلحي "السبب" و"الوتد"، كما حاولوا تكييف نفطتين هما:
- السكون الواقع في بداية الكلمة أي بإمكان الوتد أن يبدأ بسكون في حين هذا غير موجود في اللغة العربية.
- يوجد إشكالية الإعراب في آخر الكلمة، حيث أن هذا غير موجود في اللغة العبرية وبالتالي غالبا ما يكون الحرف الأخير حياديا من دون حركة ولا سكون.

وبتجمع الأوتاد والأسباب تتشكل التفعيلة التي هي عمود الوزن الشعري والتي تسمى باللغة العبرية (עמוד)(12)، وهي نوعان، القصيرة والطويلة(13):

مستفعلن תפעלים   تفعليم سبب+سبب+وتد
مفاعلتن מפעלים   مفعلتيم سبب+وتد+سبب
فعلاتن פעלים   بعليم سبب+وتد+سبب
مفعولن נפעלים   نفعليم سبب+سبب+سبب

وباجتماع التفعيلات أيضا الطويلة والقصيرة يتشكل البحر وقد ترجم بالعبرية ب"נהר" أي النهر للتعبير عن النهر الذي تتفرع منه عدة فروع أخرى أصغر منه(14).

وتبنى الشعراء اليهود أغلب البحور العربية بدرجات متفاوتة، حيث كان هذا التبني في بعض أشكاله كاملا وأحيانا مع بعض التغيرات(15).

ونذكر بعض البحور كما يلي:

1 - الطويل:

هو من البحور المركبة التي يتألف الشطر فيها من أكثر تفعيلة واحدة، حيث تمتزج فيه تفعيلتان مختلفتان، وزنه على النحو الآتي:

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

وترجم في العبرية إلى (ארוך) ووزنه(16):

פעולם ניפועלים פעולם ניפועלים פעולם ניפועלים פעולם ניפועלים
بعولم نيفوعليم بعوليم نيفوعليم بعولم نيفوعليم بعوليم نيفوعليم

تبين لنا من خلال المقارنة بين الوزنين أنه لا يوجد فرق كبير بينهما، حيث حافظ الوزن العبري على عدد التفعيلات الأربع بنوعها، وبهذا كان التبني كاملا، والبحر الطويل في الشعر العبري هو من أكثر البحور انتشارا بين شعراء يهود الأندلس.

2 - البسيط:

وهو أيضا من البحور المركبة، ويتألف من ثمانية أجزاء، ووزنه في الدائرة:

مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن

يترجم بالعبرية بـ(מתפשט) وهو أيضا يتكون من التفعيلات العربية نفسها(17):

מתפעולים פועלים מתפעולים פועלים מתפעולים פועלים מתפעולים פועלים
متبعوليم بوعليم مبتعوليم بوعليم متبعوليم بوعليم مبتعوليم بوعليم

وأشهر قصائد يهودا هاليفي على هذا الوزن هي(18):

לִבִּי בְמִזְרָח וְאָנֹכִי בְּסוֹף מַעֲרָב אֵיךְ אֶטְעֲמָה אֵת אֲשֶׁר אֹכַל וְאֵיךְ יֶעֱרָב
//0/./0/.//0//./0/ //0/./0/.//0//./0/
قلبي في الشرق وأنا مقيم في الغرب فكيف أتذوق طعم الحياة ويلذ لي العيش
3 - المديد:

هو من البحور المركبة، وزنه هو:

فعلاتن فاعلن فعلاتن فعلاتن فاعلن فعلاتن

مصطلحه بالعبرية هو (מתמודד) ووزنه(19):

פעולים פעולים פעולים פעולים פעולים פעולים פעולים פעולים
بعوليم يعوليم بعوليم بعوليم بعوليم بعوليم بعوليم بعوليم

ويتضح مما سبق أن بحر المديد في اللغة العبرية مختلف تماما عن المديد في اللغة العربية من خلال عدد التفعيلات وطبيعتها.

4 - الوافر:

هو من البحور المركبة، لكن وزنه في الدائرة العروضية يوحي بأنه مفرد فهو على هذا النحو:

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن

في حين أن المستعمل منه في التام هو:

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن فعولن

يسمى بالعبرية بـ(מרבה) ووزنه:

מתפעלנים מתפעלנים פעולים מתפעלנים מתפעלנים פעולים
متبعلنيم مبتعلنيم بعوليم متبعلنيم مبتعلنيم بعوليم

وهو تقليد جزئي للوزن العربي حيث حذفت تفعيلة واحدة فقط.

5 - الكامل:

هو من أكثر البحور العربية استعمالا ووزنه:

متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن

يترجم بالعبرية بـ(שלם) ووزنه يصبح:

מתפעלים מתפעלים נפעלים מתפעלים מתפעלים נפעלים
متفعليم متفعليم نفعليم متفعليم متفعليم نفعليم

ونلمح هنا تغييرا في الوزن من ناحية التفعيلة الأخيرة، كما نجد أيضا في التفعيلة نفسها تسكين الحركة الثالثة لأنه لا يمكن أن تتابع ثلاث حركات متوالية في اللغة العبرية.

أما بحري المضارع والمقتضب فلم يردا إلا قليلا ضمن البحور العربية التي دخلت الشعر العبري، ويبدو أن بحري المضارع والمقتضب من أقل البحور استخداما حتى في الشعر العربي، وقد أنكرها الأخفش حيث لم يردا فيما روى عن الشعراء العرب، وقال عنهما الزجاج: هما قليلان حتى أنه لا يوجد منهما قصيدة لعربي، وإنما يروى منهما بيت أو بيتان فقط، ولا ينسب بيت منهما لشاعر من العرب، ولا يوجد في أشعار القبائل(20).

ب - قراءة في البحور العربية التي انتقلت إلى الشعر العبري:
- حاول اليهود إيجاد ما يقابل المصطلحات العروضية العربية من خلال ترجمة معانيها مباشرة، ومن المصطلحات ما جاء قريبا من جذور اللغة العربية وتتشابه معها حتى في نطق المصطلحات:
المتقارب = מתקרב = مِتقارب
البسيط = מתפשט = متبسيط
المديد = מתמודד = متمودد

وقد سهّل التقارب اللغوي الموجود بين اللغتين: (العربية والعبرية) في إيجاد هذه المصطلحات.
- إن أكثر البحور استعمالا في الشعر العبري الأندلسي هو البسيط والطويل وهي نفسها في الشعر العربي.
- انتقال البحور العربية إلى الشعر العبري نوعان:
1 - انتقال تام: حيث ينتقل فيه البحر بتفعيلاته وعددها وأنواعها: الطويل، البسيط، المديد.
2 - انتقال جزئي: فإمّا أن تحذف إحدى التفعيلات كما حدث مع الوافر والمتحدث، وإما أن تتغير إحدى الحركات حيث تتحول إلى ساكن كما حدث مع الكامل.

إلا أن أغلب البحور كما لاحظنا انتقلت بشكل تام دون تغيير وبالتالي تكيفت بسهولة مع اللغة العبرية.

‌جـ - القافية:

ولكي يكتمل الوزن لابد من أن يدعم بالقافية، لكي تتجانس مع المعنى الذي يحاكيه الوزن في القصيدة، حيث لا تظهر وظيفتها إلا بعلاقتها مع غيرها من عناصر القصيدة. ففي النهاية هي التي تختزل عندها الدفقة الشعورية في السطر الشعري(21)، وهي أيضا مركز ثقيل مهم في السبب "ويؤمن حازم القرطاجني في هذا المجال بما آمن به الفارابي وابن سينا من قبل، بتميز الشعر العربي بالقافية عن غيره من أشعار الأمم الأخرى"(22). وقد أدرك الشعراء اليهود ضرورة وجود قافية في شعرهم ووظيفتها الهامة في انسجام القصيدة.

ولم يعرف الشعر العبري القديم القافية إلا قليلا(23)، وأول من تفطن إلى ذلك "سعديا الفيومي"، حيث قام في كتابه "أصول الشعر العبراني"، على غرار ما قام به ابن منظور في "لسان العرب" بتصنيف جذور الكلمات بطريقتين: الأولى من خلال نهاية الكلمات لمساعدة الشعراء على إيجاد الكلمات التي تنتهي بنفس الحروف، والطريقة الثانية، ترتيب ألفبائي، كأنه قاموس القوافي، ونفهم من هذا أنها دعوة صريحة لاتباع قافية موحدة في القصيدة، وقد دعا إلى ذلك تلميذه دوناش في الأندلس، حيث نظم قصائد بقافية موحدة، وتبعه في ذلك فيما بعد الشعراء اليهود في الأندلس(24).

وترجم مصطلح (القافية) إلى العبرية بـ(חרוז) من الفعل (חרז) التي تعني نظم الشعر(25). وتتكون القافية في العبرية من الحرف الأخير والحركة التي قبله، ومثال على ذلك(26):

אֲנִי הַשַּׂר – וְהַשִּׁיר לִי לְעֶבֶד אֲנִי כִנוֹר לְכָל שָׁרִים וְנוֹגְנִים
أنا شاعر الشعراء وما الشعر إلا عبدي أنا نغمة لكل الشعراء والمنشدين

لكن بعض الصعوبات واجهت شعراء اليهود في التزام القافية على النهج العربي منها:
- قلّة الجذور في اللغة العبرية مقارنة بالثراء الكبير التي تتمتع به العربية، وهذه النقطة بالذات سهلت كثيرا على الشعراء العرب إيجاد كلمة القافية والالتزام بها.
- إشكالية الإعراب: فمعظم الكلمات العبرية كما رأينا سابقا مبنية على أساس السكون في أواخر كلماتها عكس الكلمات العربية التي تنتهي بحركات، وبالتالي فمن السهل على الشاعر العربي أن يقفي بكلمات متشابهة في لام الفعل مثل (يميل - يقول)، في حين على الشاعر اليهودي أن يجد كلمات ليست متشابهة فقط في لام الفعل وإنما في عينه كذلك، وإذا أراد أن يقفي بكلمات متشابهة في لام الفعل، فعليه أن يضيف إليها نهايات مثل علامة الجمع المذكر أو المؤنث أو ضمير متصل(27).

ورغم هذا فقد انتشرت القافية والأوزان الجديدة بين الشعراء اليهود، وأتقنوا استخدام هذه التقنية الجديدة التي استمرت حتى بعد سقوط الأندلس بين يهود شمال إفريقيا.

3 - انتقال البنية الإيقاعية العربية إلى الشعر العبري:

لقد تعرّض دوناش بن لبرط لانتقادات شديدة من طرف اللغويين والشعراء اليهود وعلى رأسهم "مناحيم بن سروق"، وقد تميز هذا النقد بأنه عنيف وشديد اللهجة، وقد تحول إلى صراع فكري بين مدرستين: الأولى مدرسة التجديد وعلى رأسها دوناش وتلميذه "يهود بن شيشت"، والمدرسة الثانية تمثل مدرسة المحافظين وعلى رأسها "مناحيم بن سروق" وتلاميذه. وقد نظم دوناش قصيدة في مدح "حسداي بن شبروط"، مفتخرا في الوقت نفسه بالبحور العربية التي أقتبسها، داعيا الشعراء اليهود للاقتداء به قائلا(28):

فلتكن الكتب المقدسة جنتك ولتكن الكتب العربية فردوسك

وهنا نرى أنه يحاول أن يحقق توازنا بين العنصرين اليهودي والعربي في الشعر العبري، وقد عارضه "إسحاق بن قفرون" في قصيدة من نفس البحر والقافية، ساخرا من طريقة دوناش، حيث يقول(29):

ها هو بن لبرط كتب باطلا وظن أنه نجح وأصلح القول المآثر
لكنه أتلف اللسان المقدس بوزنه العبرية بموازين أجنبية

ولقد أثرت هذه المعركة الثقافية اليهودية الوسيطة في إعادة النظر في بنية الشعر العبري بعد قرون من الجمود، إلا أن أهم الانتقادات التي وجهت لثورة دوناش هي ما يلي:
- وصفت ثورة دوناش بأنها اغتصاب لقواعد اللغة العبرية التوراتية المقدّسة عند اليهود(30).
- لا يلاءم بصورة عامة نظام العروض العربي خصائص اللغة العبرية ونظام حركاتها وبالتالي فقد قام دوناش ب"تعريب" اللغة العبرية(31).
- هدّمت هذه الخطوة النظام الصوتي العبري الذي يتميز بالتعقيد والتنوع.
- إمكانيات اللغة العبرية محدودة جدا مقارنة بالعربية، وتكييف اللغة العبرية مع نظام الأبيات العربية لا يمكن أن يتحقق دون إحداث اضطرابات في بيانات اللغة وتناقضات في العروض.
- إن تطبيق خطوة دوناش في الشعر العبري تفتقد نوعا ما للدقة المعهودة في العروض العربي، وقد لاحظنا وجود تناقضات وخلطا في تناول هذه القضية في العديد من المراجع التي تناولت هذا الموضوع.

ومع هذا فإن النقد الذي وجه لدوناش هو ذو طابع أيديولوجي يندرج في سياق الجدال الحاصل بين المدرستين، والاعتراض الأكبر كان حول تقليد العروض العربي وهذا اعتراف ضمني أو صريح بتفوق الشعر العربي من جهة، وإخراج الشعر العبري من فلك الدين وطقوسه إلى فلك الدنيا ومظاهرها.

وتتجلى أهمية هذه الثورة في أنها خطوة جريئة وواضحة المعالم والأهداف، كما كانت تدريجية وواعية بالخطوات المتبعة، حيث حاولت تغيير نظام الشعر العبري القديم رغم قدسيته لتجعله يتماشى مع البيئة الأندلسية، فسرعان ما انتشرت طريقة دوناش، وأسرع الشعراء اليهود في تبنيها في أشعارهم، وأشاد كل من أمير الشعراء اليهود "يهودا هاليفي" في كتابه "الخزر" بهذه الطريقة، والشاعر "موسى بن عزر" متفننا في إلباس أشعاره أوزانا عربية(32).

وقد رافق هذا التبني الصريح للعروض العربي الكثير من الحماس والإقبال الذي خلق انطباعا أن هذه الحالة طبيعية حين يستعير شعر ما نظام شعر آخر، واتبع الشعراء هذا النظام طيلة فترة العصر الذهبي، وتعايشوا معه حتى في المنفى الإسباني أو في شمال إفريقيا بعد سقوط الأندلس، أين بقي الشعراء المهاجرون أوفياء ومتمسكين بتقاليد أجدادهم(33).

خاتمة:

وهكذا من خلال تحليل كيفية انتقال أسس البنية الإيقاعية العربية إلى الشعر العبري، قد تبين لنا أن هذا الانتقال تم عن وعي عميق بضرورة التجديد ومواكبة البيئة الأندلسية، كما تمخض عن تطور الدراسات اللغوية للغة العبرية. وقد بدأت هذه الثورة الشعرية بإيجاد مقابل لمصطلحات العروض كالسبب والوتد والبحور والقافية. وقد واجه الشعراء اليهود العديد من الصعوبات في تطبيق الأوزان العربية والالتزام بالقافية الواحدة وفي مقدمتها إشكالية غياب الإعراب في العبرية، إلا أن هذا لم يمنع من انتشار هذه التقنية الجديدة بين شعراء يهود الأندلس. إلا أن أهم ما قامت به هذه الثورة الشعرية هو إخراج الشعر العبري من دائرة المقدس المرتبطة بالمعبد والطقوس الدينية إلى دائرة الحياة على اختلاف مظاهرها.

الهوامش:
1 - علوي الهاشمي: فلسفة الإيقاع في الشعر العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 2006، ص 34.
2 - كمال أبو ديب: في البنية الإيقاعية للشعر العربي، دار العلم للملايين، ط1، بيروت 1981، ص 230.
3 - Tova Rosen : "La poésie juive espagnole", Traduit par Jacqueline Barnavi, in Chrétiens, musulmans et juifs dans l’Espagne médiévale, Cerf, Paris 1994, p. 107.
4 - http://www.jewishencyclopedia.com
5 - Haïm Zafrani : Poésie juive en Occident Musulman, Geuthner, Paris 1977, p. 83.
6 - هنداوي، إبراهيم موسى: الأثر العربي في الفكر اليهودي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1963، ص 68.
7 - جابر عصفور: مفهوم الشعر، دراسة في التراث النقدي، مطبوعات فرح، ط4، نيقوسيا 1990، ص 206.
8 - محمد علي شوابكة وأنور أبو سليم: معجم مصطلحات العروض والقافية، عمان 1991، ص 318.
9 - Angel Sáenz-Badillos : Les recherches sur les juifs d’al-Andalus dans les vingt-cinq dernières années, Revue du monde musulman et de la méditerranée, année 1992, volume 63, N° 1, p. 69.
10 - Rina Drory: Models and contacts, Arabic literature and its impact on medieval Jewish culture, Brill, Leiden 2000, p. 193.
11 - Haïm Zafrani : Poésie juive en Occident musulman, p. 228.
12 - نفسه.
13 - Carlos del valle Rodríguez: El diván poético de Dunash ben Labrat, la introducción de la métrica, consejo de investigaciones científicas, instituto de filosofía, Madrid 1988, p. 67-68.
14 - Haïm Zafrani : Poésie juive en Occident musulman, p. 231.
15 - Carlos del valle Rodríguez: El diván poético de Dunash ben Labrat, p. 68.
16 - المرجع نفسه، ص 69.
17 - المرجع نفسه، ص 70.
18 - יהודה הלוי: שיר יהודה הלוי، עריך ומבואר، שמעון ברנשטיך חוצאת על בבסתררת העברית נייורק، 1944، עמי 231.
19 - Carlos del valle Rodríguez: El diván poético de Dunash ben Labrat, p. 70.
20 - أمين علي السيد: في علمي العروض والقافية، دار المعارف، ط4، القاهرة 1990، ص 18.
21 - ممدوح عبد الرحمن: المؤثرات الإيقاعية في اللغة الشعر، دار المعارف الجامعية، ط2، مصر 1994، ص 118.
22 - جابر عصفور: مفهوم الشعر، ص 123.
23 - يوجد من الباحثين من يرى أن القافية كانت فعلا في العهد القديم، لكن عند مقارنة هذه القافية مع القافية الموجودة في الشعر العربي الأندلسي نجد أنّ الثانية أكثر تنظيما والتزاما، لمزيد من التفصيل حول هذه القضية ينظر:
Haïm Zafrani: Poésie juive en Occident musulman, p. 243.
24 - المرجع نفسه، ص 245.
25 - יהודית רוזנהויז: מילון תלת לשוני שימושי עברי-ערבי، ישראיל، פרולוג מוצואום לאור، 2002، עמי 270.
26 - שלומה אבן גבריול: שיר החל .יוצאים לאור: חיים בראדי וחיים שירמן، ירושלים، מכון שוקן، 1975، עמי 77.
27 - Otto Zwartjes: love, songs form al-Andalus, History, structure and meaning of the kharja, Brill, Leiden 1997, p. 163.
28 - محمد بحر عبد المجيد: "اليهود في الأندلس"، المكتبة الثقافية، عدد 237، الهيئة المصرية العامة، القاهرة 1970، ص 27.
29 - المرجع نفسه، ص 193.
30 - Rina Drory: Models and contacts, p. 194.
31 - نفسه.
32 - Otto Zwartjes: Love songs from al-Andalus, p. 145.
33 - Haim Zafrani : Poésie juive en Occident musulman, p. 24.
References:
1 - ‘Alawī, Al-Hāshimī: Falsafat al-īqā‘ fī ash-shi‘r al-‘arabī, Al-Mu’assasa al-‘Arabiyya li al-Dirāsāt wa al-Nashr, 1st ed., Beirut 2006.
2 - Rodríguez, Carlos del valle: El diván poético de Dunash ben labrat la introducción de la métrica, consejo de investigaciones científicas, instituto de filosofía, Madrid 1988.
3 - ‘Abd al-Raḥmān, Mamdūḥ: Al-mu’aththirāt al-īqā‘iyya fī lughat ash-shi‘r, Dār al-Ma‘ārif al-Jāmi‘iyya, 2nd ed., Cairo 1994.
4 - Abū Dīb, Kamāl: Fī al-bunya al-īqā‘iyya li ash-shi‘r al ‘arabī, Dār al-‘Ilm li al-Malāyīn, 1st ed., Beirut 1981.
5 - Amīn, ‘Alī al-Sayyid: Fī ‘ilmay al-‘ārūḍ wa al-qāfiyya, Dār al-Ma‘ārif, 4th ed., Cairo 1990.
6 - Drory, Rina: Models and contacts, Arabic literature and its impact on medieval Jewish culture, Brill, Leiden 2000.
7 - Halivy, Yahuda: Chiir Yahuda Halivy, Arikh Vé mébouar, Shamoun Barnichtikh, Houtsit al Bebistrret Hevrit, New York 1944.
8 - Hindāwī, Ibrāhīm Mūsā: Al-athar al-‘arabī fī al-fikr al-yahūdī, Maktabat al-Anglo al-Miṣriyya, Cairo (n.d.).
9 - Ibn Gabriol, Shlomo: Chiir Houl, Liour Youtsaiim, Hayyim Brady Vé Hayyim Chirman, Yereshulaim, Mikhoun Choukan, 1975.
10 - Rosen, Tova : "La poésie juive espagnole", Traduit par Jacqueline Barnavi, in Chrétiens, musulmans et juifs dans l’Espagne médiévale, Cerf, Paris 1994.
11 - Rouznhaviz, Yahudit: Miloun Talet Lichounh Chimouchi Evri-Arabi, Israel, Prouloug Moutsoum Leour, 2002.
12 - Sáenz-Bdillos, Angel : Les recherches sur les juifs d’al-Andalus dans les vingt-cinq dernières années, Revue du monde musulman et de la méditerranée, année 1992, v.63, N° 1.
13 - Shawābka, Muḥammad ‘Alī and Anwar Abū Salīm: Mu‘jam muṣṭalaḥāt al-‘ārūḍ wa al-qāfiyya, Amman 1991.
14 - Zafrani, Haïm : Poésie juive en Occident Musulman, Geuthner, Paris 1977.
15 - Zwartjes, Otto: love, songs form Al-Andalus, History, structure and meaning of the kharja, Brill, Leiden 1997.
16 - Uṣfūr, Jābir: Mafhūm ash-shi‘r, dirāsah fī at-turāth an-naqdī, Maṭbū‘āt Faraḥ, 4th ed., Nicosia 1990.
الإحالة إلى المقال:

* د. أمينة بوكيل: البنية الإيقاعية في الشعر العبري الأندلسي ومصادرها العربية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الواحد العشرون 2021. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

المؤثرات العربية في النحو العبري الوسيط
حوليات التراث، العدد 11، 2011.
المكونات العربية في الشعر العبري الأندلسي موسى بن عزرا نموذجا
حوليات التراث، العدد 13، 2013.
المصادر العربية للنقد العبري الوسيط، كتاب المحاضرة والمذاكرة لموسى بن عزرا نموذجا
حوليات التراث، العدد 17، 2017.

***