تجليات المفاهیم الإنسانیة في شعر أحمد شوقي

ولي بهاروند
جامعه شهید تشمران أهواز، أهواز، إیران

الملخص:

لم يأت الإنسان إلى هذا العالم ليعيش حياة شبيهة بالحيوان، ولكنه جاء ليستخدم الحياة البشرية لإكمال حياة الإنسان. إذا نظر الإنسان إلى ذاته السماوية وعرف نفسه كاملا، يستنبط أنه قد جاء من عالم الرحمة والكرم والعلم والنور. إذا بحث الإنسان عن مفاهيم قيّمة مثل المعرفة، والإحسان، وغیرها، سببه في هذا أنّه يرى نفسه من جهة قادما من عالم الكمال، ومن جهة أخرى يجد هذه القيم تتناسب مع مكانتها الإنسانية العالية. أحمد شوقي هو أحد الشعراء الذين يعكسون بوضوح المفاهیم الإنسانیة في شعرهم وفي ضوئها يؤثرون تأثيرا كثيرا في المتلقي. في هذا البحث الوصفي - التحليلي، يسعى الباحث إلى دراسة المفاهيم الإنسانية في شعر أحمد شوقي وتحليل المعاني الكامنة فيها، وقد تبين في هذا المقال أنّ أحمد شوقي استخدم التعاليم القرآنية والسردية والتاريخية للتعبير عن المفاهيم الإنسانية بتوظيفه الكلمات السلسة والعذبة كما اقتبس من الحكم والأمثال. كما يوضح هذا البحث أنّ المجتمع الذي تحطمت فيه الأخلاق، يجب أن يحزن عليه من وجهة نظر شوقي. یشیر هذا البحث أیضا إلى أنّ أحمد شوقي في التعبير عن الرذائل الأخلاقية يتحدث كثيرا عن الأضرار الاجتماعية ويعالج العواقب المؤسفة التي تظهر في ضوء هذا الفجور.

الكلمات الدالة:

المفاهيم الإنسانية، الشعر، المجتمع، أحمد شوقي.

***
The manifestations of human concepts in the poetry
of Ahmad Shawqi

Vali Baharvand
Shahid Chamran University of Ahvaz, Ahvaz, Iran

Abstract:

Man did not come to this world to lead an animal-like life, but came to perfect human life. If man is in search of valuable concepts such as gaining knowledge, charity, and so on, it is because he sees himself emerging from the world of perfection, and he sacrifices his animal desires to achieve these values. One of the poets who clearly reflects human concepts in his poetry is Ahmad Shawqi. In this descriptive-analytical study, the author intends to study human concepts in Ahmad Shawqi's poetry. This article shows that Ahmad Shawqi, has used Quranic, and historical teachings and expressed them by applying fluent words. In Shawqi's view, a society in where morality is deteriorating, should be mourned. It is worth mentioning that in expressing moral vices, Shawqi speaks more about social harms and deals with the unfortunate consequences that appear in the light of this immorality.

Keywords:

human concepts, poetry, society, Ahmad Shawqi.

***

النص:

المقدمة:

مفاهيم الإنسان جيدة وجديرة بالثناء والجميع يمتدحها. إذا وصل الإنسان إلى المراحل العليا التي تقوده إلى الكمال، فيجب عليه إظهار المظاهر الإنسانية والأخلاقية والشخصية الروحية. وعندما يصبح الشخص على هذا النحو، يمكنه أن يخلد لنفسه اسمًا جيدًا وأن يبقى دائمًا في القلوب ويحقق المكانة التي يستحقها في حضرة الله، فمن وجهة النظر التي تعتقد بأن الإنسان حيوان، يحتاج إلى الماء والغذاء والمأوى والملبس والهواء. ومن أجل البقاء، يحتاج إلى الماء والغذاء، ولكي يسعى ويتحرك لأجل الوصول إلى ذلك، قد وضع في وجوده الشعور بالجوع والعطش، هو الجوهر السماوي الذي جاء من تلك الدنيا باحثا عن قيم أخرى غير احتياجات الحيوان. إذا نظر الإنسان إلى طبيعته الإلهية وعرف نفسه جيدا، فإنه يدرك أنه جاء من عالم الرحمة والتسامح والكرامة والمعرفة والنور والإحسان والعدالة.

يستهدف الباحث في هذا البحث الوصفي التحليلي دراسة المفاهيم الإنسانية في شعر أحمد شوقي وتحليل المعاني الكامنة فيها. كما يستهدف تعرف الجمهور ببعض أفكار هذا الشاعر العظيم.

يسعى الباحث في هذا المقال إلى الإجابة على الأسئلة التالية:
1 - ما هي المفاهيم الإنسانية التي عكسها أحمد شوقي في شعره؟
2 - ما هي خصائص المفاهيم الإنسانية في شعر أحمد شوقي؟

لقد خلط أحمد شوقي المفاهيم الإنسانية بالموضوعات الدينية والتاريخية، وهذا الاندماج والتعبير عن هذه التعاليم يدلّ على أنّ الشاعر قد تمسّك بهذه القيم عمليا ودعا الجميع إليها من أعماق قلبه.

لم يعثر الباحث على بحث قد تم كتابته بصورة مستقلة بهذا العنوان حتى الآن، البحوث التي تطرقت إلى شعر أحمد شوقي قد اكتفت بدراسة شعره وخصائص أسلوبه.

1 - نظرة إجمالية في حياة أحمد شوقي وآثاره:

برز شوقي في سماء الأدب العربي، مثل شمس فريدة في مصر. هو أديب لم ير الأدب العربي نظيرا له، وقد اتفق النقاد على هذه المسالة بأنّ شوقي قد أحيا بعبقريته الذاتية روح الأدب العربي الحزينة والمنحطة ولم يظهر شاعر مثل شوقي بعد المتنبي(1). ولد أحمد شوقي عام 1868م في عائلة كان والده من الأكراد وأمه تركية. كما كانت جدته من والده شركسية وجدته لوالدته يونانية. وكان شوقي في الرابعة من عمره عندما التحق بالمدرسة الابتدائية ولم يكن قد بلغ الخامسة عشرة عندما أكمل تعليمه الابتدائي والثانوي، ثم التحق بكلية الحقوق ثم إلى مدرسة الترجمة حيث حصل على الدبلوم. ثم ذهب في عام 1887م إلى فرنسا لمواصلة تعليمه على نفقة خديوي توفيق نجل إسماعيل، ودرس القانون لمدة عامين في مونبلييه، وخلال هذه الفترة قام بزيارة إنجلترا. وعندما التحق بكلية الحقوق وصفه أحمد زكي هكذا: "من بين الذين دخلوا كلية الحقوق، كان هناك شاب نحيف قصير وسيم، كلما نظر إلى الأرض لمدة دقيقة، كانت السماء تنظر إليه لعدة دقائق متتالية، وفي دقيقة واحدة ينظر إلى كل مكان، وكان صامتا رغم حركاته الكثيرة، وكأنه يتحدث إلى نفسه أو إلى عالم الأرواح"(2). بعد عامين، ذهب إلى الجزائر للتعافي من مرضه ومكث هناك لمدة شهر ونصف. ثم عاد إلى فرنسا، ثم رجع إلى مصر عام 1891م وشارك بأمر من الخديوي نائب ممثل مصر في مؤتمر المستشرقين بمدينه جنيف. نُفي شوقي إلى برشلونة عام 1915م وظل هناك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1927م، في الاحتفال الكبير الذي أقيم بدار الأوبرا الملكية، حصل على لقب أمير الشعراء، ومنذ ذلك التاريخ، كرس كل وقته للشعر، ولكن بطريقته الخاصة، وفي السنوات الأربع الأخيرة من حياته اهتم بكتابة المسرحيات. فعكف على قراءة القرآن وكتب الحدیث النبوي، وكان یُعجب بالغزالي ومؤلفاته والجبرتي وتاریخه(3). ودّع شوقي العالم في تشرين الأول / أكتوبر 1932م وهو ينعم بالثروة، وقد حضر جنازته كل الناس حتى رؤساء الدول وواروه التراب في مقبرة حسين شاهين باشا.

أ - شخصیة شوقي:

أثرت عوامل مختلفة على شخصيته. كان إنسانا مضطربا وحائرا، ومن النادر أن يحول ميوله وأفعاله إلى جانب واحد. كان لديه ذاكرة رائعة وخيال واسع وشعور دقيق وروح متمردة، وقد اختار أفضل ما لدى كل شاعر، مثلا من أبي نواس وصفه الخمر ومن البحتري وصفه الخيال وطربه ودقته في ترسيم الصور، ومن المتنبي معانيه الرفيعة واختلاطها بالحكمة والأمثال. لقد تأثر أيضا بالأدب الغربي، على سبيل المثال، بحكايات لافونتين وقصائد لامارتين الغنائية. كما تأثر في صراحته المؤلمة من دي موسه وفي مقاطع من مسرحياته من كرني وفي النهاية من فيكتور هوجو تأثر كثيرا. وكانت قریحة شوقي الشعریة قادرة على مجاراة أعلام الشعر في زمن عنفوانه لما یمتلكه من حصیلة لغویة، هذا التمكن اللغوي رأیناه في أكثر من موضع مما أضفى على شعره بعض السمات والخصائص هي(4): استلهام التراث العربي والوعي بكنوزه، والعاطفة الهادئة المركزة التي تنأى عن الصخب، والاعتماد على الإیقاع الموسیقي اعتماداً واعیاً بوظیفته في المعنى. وتدفق الصور الفنیة المنبثقة من الصورة العامة للعمل الفني.

ب - آثاره:

يعتبر شوقي من أغنى الشعراء في مجال الأدب. عدد الأبيات التي نظمها هي 11724 بيتا، مرتبة في 376 قصيدة. إضافة على القصائد والمسرحيات، لشوقي آثار منثورة، وفي هذا المجال، لم يحقق نجاحا كبيرا مثلما حقق في أعماله الشعرية. ومن أهم آثاره الشعرية:

1 - ديوان الشوقيات: يتكون هذا الديوان من أربعة أقسام. الجزء الأول هو سيرة الشاعر الذي تم تنظيمه في القرن التاسع عشر(5). والجزء الثاني من الشوقيات - الذي نُشر عام 1930م - يتكون من ثلاثة أبواب. والجزء الثالث من الشوقيات نشر عام 1936م بعد وفاة الشاعر، والذي يتضمن ثلاث مراثٍ. أما الجزء الرابع فقد نشر عام 1943م، ويتناول أغراض مختلفة، منها الشعر التعليمي والقصص التي كتبت بلغة الحيوانات.
2 - "كتاب الدول وعظماء الإسلام": صدر هذا الكتاب بعد وفاته عام 1933م، وهو يتكون على معظم الأراجيز التي تحتوي على تاريخ الإسلام ورجاله العظماء. 3" - المسرحيات": الأعمال التي كتبها الشاعر في آخر حياته منها خمس مآسٍ هي: "مصرع كليوباترا"، "مجنون ليلى"، "قمبيز"، "علي بك الكبير"، "عنترة" و"الست هدى".
جـ - أعماله المنثورة:
1 - ثلاث روايات: - أ) عذراء الهند (1897م)، وتتناول تاريخ مصر القديمة في زمن رمسيس الثاني. - ب) الأدياس (الفرعون الأخير)، الذي كتب عام 1898م، يصور دولة مصر بعد البسماتية الثانية. - جـ) ورقة الأسن (1900م)، وموضوعها سابور ملك فارس.
2 - أسواق الذهب (1932م) وتضم مقالات اجتماعية، معظمهما مليئة بالسجع وتتناول مواضيع مختلفة مثل الحرية وقناة السويس والأهرام الثلاثة والموت.
3 - مسرحية "أميرة الأندلس" التي كتبت عام 1932م.

2 - تجليات المفاهیم الإنسانیة في شعر أحمد شوقي:

إن التعبير عن المفاهيم الإنسانية من الموضوعات المهمة عند بعض الشعراء، ينبع من أفكارهم وتجاربهم الحياتية. فكلما زاد تفوق الشاعر وتفكيره، يتقبل القراء والمستمعون كلماته بحرارة ويستخدمونها في الحياة، ومن الشعراء الذين يعكسون بوضوح مفاهيم الإنسان في شعرهم وترك في ضوئها أثرا متزايدا وخالدا هو أحمد شوقي. إنه في التعبير عن هذه المفاهيم يدعو القارئ إلى فعل الخير، ويبعده عن القبح والخبث. ومن سمات قصائد أحمد شوقي في التعبير عن المفاهيم الإنسانية العالية، استخدام التعاليم القرآنية والسردية والتاريخية بطريقة ما، حيث يمكن لنا أن نرى إلى أي مدى كانت هذه التعاليم مفيدة في تشكيل شخصية هذا الشاعر العظيم. والآن سنتناول بعض تجليات المفاهيم الإنسانية في شعر أحمد شوقي.

أ - الاهتمام بمكانة المعلم والدعوة إلى حب العلم:

إن غياب العلم والمعرفة يخطو إلى الظلمة، ومن يسير بدون نور المعرفة لا يُتوقع منه أن يجد أساسًا جديدًا ويزدهر في الدنيا والآخرة. من لا يبحث إلا عن الدنيا، فعليه بالمال، ومن أراد الآخرة فعليه أن يكتسب العلم، ومن أراد كليهما، لا يزال بحاجة إلى المعرفة واكتسابها، لأن ترك المعرفة سبب الهلاك، وتحقيقها هو سبب الحياة. العمل بدون المعرفة يخطو إلى الظلمة، لأن جوهر ازدهار العمل ووسيلة الوصول إلى الآفاق الجديدة هو المعرفة والوعي. والعمل بدون المعرفة لا يصل الإنسان إلى الهدف، فالإسلام يحترم العلم ويشجع المسلمين على العلم، وآيات القرآن تحث الفكر والأذن والعين للذكاء الكثير. الإسلام أيضا يُلزم الإنسان بدراسة الطبيعة بعناية وسرد أمثلة لعجائبها حتى يتمكن الناس من التحرك نحو العلم واتخاذ خطوة نحو فهم أفضل للعالم. وهذا بلا شك أعظم عمل قامت به مدرسة الإسلام العظيمة في توجيه الناس نحو التقدم العلمي(6)، ومن أهم المفاهيم الإنسانية في فكر شوقي الانتباه إلى مكانة العلم والمعلم، وبما أنه سافر إلى أروبا ودرس ثقافتهم من جهة، ومن جهة أخرى رأى الأمة الإسلامية محرومة من العلم، وهذه بعض النماذج لتلك الأشعار(7).

قم لِلمُعلِّمِ وَفِّهِ التَّبجيلا کادَ المعلِّمُ أن یکونَ رسُولا
أعَلمتَ أشرفَ أو أجلَّ مِن الذي یَبنی ویُنشِیءُ أنفساً وعقولا
سُبحانك اللّهُمّ خيرَ معلمٍ عَلَّمتَ بِالقلمِ القرونَ الأولی
أرسلتَ بالتّوراةِ موسی مُرشدا وابنَ البَتولِ فَعَلَمَ الإنجيلا
وَفَجَرتَ یَنبوعَ البيانِ مُحمّداً فَسَقَی الحدیثَ، وناوَلَ التَنزيلا

وفي هذه الأبيات يولي أحمد شوقي اهتماما لمكانة المعلم وتعلم العلوم. إنه يرى المعلم في المكانة الأولى ويقدم الله باعتباره المعلم الأول ويعتقد أنه نظرًا لأهمية العلم والمعرفة، فقد أرسل الله أنبياء بكتبهم إلى الأرض لإرشاد الناس. ومن وجهة نظر شوقي، يتمتع المعلم بمكانة عالية جدا حيث يجب الوقوف أمامه وامتداحه بكل فخر واستحقاق. ويشبه المعلمين بالأنبياء السماويين، لأنهم يعلمون الناس العلم والدين ويثقفونهم على طريق الإنسانية. في الحقيقة أنّ تعاليم المعلم مثل قطرات المطر تروي عطش القلوب وتنشئ المواهب؛ وتجدر الإشارة إلى أنّ سبب المكانة العالية للعلم في الإسلام هي قيمة عمله التعليمي، تلك الصفة التي يشترك بها مع الله والأنبياء. وفي القرآن آيات قدمها الله لنفسه باعتباره المعلم الأول، وبما أنه اعتبر الإنسان أهلا لخليفته، فقد علمه أن يكون على طريق النمو والتطور، لذلك علمه في الصف الأول الأسماء الإلهية، كما يقول: "وَ عَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ کلَّه"(8) وأحياناً علم الإنسان ما لا يعرفه عن طريق الخلق والتشريع: "عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ یعْلَمْ"(9). وأحيانا كان يعطيه قلما ويعلمه أن يكتب: "الّذي عَلَّمَ بِالْقَلَم"(10)، وأحيانا يضع كلمة أو كلمتين على لسانه ويعلمه كيف يتكلم: "الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الإنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَیانَ"(11).

ویمكن القول بوضوح إنّ أنبياء الله هم المعلم الثاني للبشرية. لقد دعوا الإنسان إلى الحق وعلموه السعادة. والأنبياء ليسوا معلمين للإنسان فحسب، بل هم أيضا معلمو الملائكة. يقول القرآن: "قالَ یا آدَمُ أَنبِئهُم بِأَسمائِهِم"(12). والجدير بالذكر أنّ نبي الإسلام كان أول معلم للقرآن، لأنه عرف متى ولأي سبب نزلت كل آية من القرآن، وعرف معنى الآيات وتفسيرها الحقيقي. ويواصل أحمد شوقي حديثه عن أهمية العلم وتعليمه للمرأة(13):

الجهلُ لا تحيا عليه جماعة کيفَ الحياةُ علی یَدَي عزریلا
وإذا النساءُ نشأنَ في أُمِّيةٍ رضَعَ الرجالُ جَهالةً وخمولا

الجهل أكبر مصيبة بشرية. لأن كل مصائبه في الدنيا والآخرة متجذرة فيه، ومن الجدير بالذكر أن العلم يمكن تعليمه للإنسان من خلال التعليم، ولكن من ناحية أخرى لا يمكن إجباره على استخدام عقله باستمرار. إن الإنسان يواجه مشكلتين أساسيتين أمام الجهل: إحداهما نقص المعرفة والأخرى عدم استخدام العقل، وينبغي القول إن هاتين المشكلتين هما مصدر كل بؤس الإنسان، وفي هذين البيتين يعتقد الشاعر أن التعلم هو أيضا ضروري للمرأة، لأنها إذا تعلمت العلم والأخلاق، فإنها تنقله إلى أبنائها وتوعيهم بهما، وتبقيهم في مأمن من الركود والتخلف. كما أنه يعتقد، إذا لم تتوفّر الفرصة للمرأة لتعلم العلم والأخلاق فإن أطفالها سوف يعتادون الجهل في المستقبل ويمنعون من تحقيق الحقيقة. ويمكن القول إنّ هناك نوعين من الموتى: ميت أفقي وميت رأسي. والميت الأفقي هو ما ليس بين الناس وأغمض أعينه عن الدنيا وانتقل إلى المسكن الأبدي، ومن جهة أخرى، الميت الرأسي هو الذي يبدو حيا وهو بين الناس، ولكن كأنه ميت. بعبارة أخرى، هو كائن حي يعتبره الآخرون ميتا، يجب القول إن ّالتمتع بفضيلة مثل العلم والمعرفة يجعل الميت إنسانًا حيًا في نظر الآخرين. مما لاشك فيه أنّ الناس لا ینسون من كان عالما قام بتعليم الآخرين. من الواضح أن هذه الذكرى الدائمة التي لا تُنسى قد أدت إلى تخليد اسمه في الحياة. من ناحية أخرى، من عاش حياته في جهل وقضى حياته في الضلال والخراب ولو أنه على قيد الحياة، إلا أن آخرين خاب أملهم فيه واعتبروه ميتا رأسيا.

يقول شوقي في مكان آخر(14):

واطُلبوا العلمَ لذاتِ العلمِ لا لشَهاداتٍ وآرابٍ أُخَر
کم غُلامٍ خاملٍ في دَرسِه صارَ بحرَ العلمِ أستاذ العُصُر
ومجدٍّ فيه أمسَی خاملا ليس في مَن غاب أو في مَن حَضَر

في هذه الأبيات، يعبر شوقي عن قلقه من أخذ الشهادات دون الاهتمام بكسب العلم والمعرفة. وينصح الشباب بالبحث عن العلم لأنفسهم كالقدماء. ويقول إذا كان العلم هو فقط للحصول على الشهادة والأهداف الأخرى، فإن ذلك العلم لم يعد ذا قيمة. ويضيف شوقي: كم من كسول قد وصل إلى مرتبة الأساتذة بعد أن تحولت فكرته في الوصول إلى دافع محرك وأصبح من كبار العصر. وكم من مجتهد قد تأخر عن التقدم لعدم الاستمتاع بالمحرك والدافع ولم يخلد اسما كريما لنفسه.

ويقول في موضع آخر(15):

وإذا المعلمُ لم یکن عَدلا مَشَی رُوحُ العدالةِ في الشبابِ ضئيلا
وإذا المعلمُ ساءَ لحظَ بَصيرةٍ جاءت علی یده البصائرُ حُولا
وإذا أتی الإرشادُ من سَبَب الهَوی ومن الغُرورِ فسمَّه التضليلا

يؤمن شوقي بضرورة إقامة العدل في المدرسة أولاً، لأن تعلمه في مثل هذا المكان سيجعل شباب ذلك المجتمع مهتمين بها حيث تكون في محط أنظارهم، وهذا المجتمع سوف يزدهر. إذا كان المعلم نفسه غير عادل وأخذ الشباب هذا المعلم أسوة لهم، لن يزدهر المجتمع وسيخدع الناس ويضللون بعضهم البعض. بالتأكيد لن يكون لمثل هذا المجتمع طريق للسعادة والنجاح، وسوف يسود الرؤساء على من هم دونهم. من وجهة نظر شوقي لا ينبغي للمعلم أن يبث روح التشائم بين الطلاب ويجعلهم يائسين ومتشائمين، لأن هذا التشائم يغير نظرتهم الإيجابية ويقضي على روح العدالة فيه، كما يعتقد أنه إذا كانت إرشادات المعلم مبنية على الرغبات الأنانية، فإن مثل هذه الإرشادات لن تقود الطلاب أبدا إلى السعادة والرفاهية، بل تقودهم نحو الضلال والانحراف.

ب - الدعوة إلى الأخلاق:

لا شك أن الأخلاق هي مصدر الخير، لأن في ضوئها تظهر كل الفضائل. يرى شوقي أن إصلاح المجتمع وتقدم الناس مرهون في أخلاقيات ذلك المجتمع، ويدعو الناس إلى وضع الأخلاق كأحد مفاهيمهم الإنسانية لنمو مجتمعهم وتطوره. وفيما يلي نشير إلى بعض النماذج من أشعار شوقي الأخلاقية.

يقول في قصيدة "مدرسة المعلمين العلي"(16):

وإذا أُصيبَ القومُ في أخلاقِهِم فَأقِم عليهِم مَأتماً وعویلا

العلم وحده لا يكون كافيا لبناء وإصلاح المجتمع وتقدم الشعب، ولكن الأخلاق تؤدي أيضا دورا مهما في النهوض به، والأمة التي لا تلتزم بالمعايير الأخلاقية ستهلك. وتجدر الإشارة إلى أن أهم حاجة للمجتمع وأعظم رأسمال السياسيين هي الأخلاق. إذا أردنا أن نطرد الأضرار الاجتماعية من المجتمع، فيجب علينا تعزيز الأخلاق فيه. لا يتقدم المجتمع بدون الأخلاق ولن يجعل شعبه سعيدا. ربما يمكن القول إن جذور العديد من الانحرافات الاجتماعية والأساليب السياسية غير العقلانية تكمن في الانهيار الأخلاقي للمجتمع والسياسيين، لأنه كلما أصبح المجتمع أكثر لا أخلاقيا، ابتعد بذلك الميزان عن دائرة الإنسانية وغرق في زوبعة الأحداث. من وجهة نظر شوقي، يجب أن نحزن على المجتمع الذي يتم فيه تدمير الأخلاق ونرثيه. في مجال الرذائل الأخلاقية، يتحدث شوقي كثيرا عن الأضرار الاجتماعية والعواقب المؤسفة التي تنشأ في ضوء هذا اللاأخلاقي.

كذلك يقول في "نهج البرده"(17):

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه فقوّم النفس بالأخلاق تستقم

في هذا البيت، يشير شوقي إلى الأخلاق ويأخذ في الاعتبار مصلحة الناس ذوي الأخلاق الحميدة والحفاظ على المبادئ الأخلاقية. يعتقد أنه إذا صحح الإنسان أخلاقه فلن ينحرف أبدا وسيعيش في راحة بال. ينبغي القول إن الذي يستطيع أن يصلح أخلاقه الفردي هو الذي يستطيع أن يصل إلى المعرفة الذاتية. لم يسع الإسلام أبدا إلى تدمير القوى النفسية، لكن معنى التصحيح الذاتي في الإسلام هو أن يحافظ الإنسان على روحه في الاعتدال ويتجنب التجاوزات. ومن وجهة نظر شوقي إن الأخلاق الحميدة والالتزام بالمبادئ الأخلاقية هي التي تؤدي إلى عمل الخير لدى الإنسان وتجتنبه من الخسائر والأضرار. کذلك يقول في قصيده "مصطفی کامل باش"(18):

المجدُ والشَّرفُ الرفيعُ صحيفَة جُعِلَت لها الأخلاقُ کالعنوان

في هذا البيت يقول الشاعر: لابد من البحث عن أساس العظمة والمكارم في الأخلاق، لأنه في ضوئها يمكن تحقيق كل عظمة. من وجهة نظر شوقي، لا يمكن للمرء أن يصل إلى منصب رفيع إذا لم يلتزم بالمبادئ الأخلاقية. يعتقد شوقي أن التخلي عن الأخلاق الحميدة والابتعاد عن المظاهر الأخلاقية لا يمكن أن يرفع الإنسان إلى مرتبة أعلى، إنه يشبه المكارم بكتاب، كل منها متجذر في الأخلاق، كما أن بداية الكتاب يبدأ بعنوانه. وبداية المكارم تبدأ بالالتزام بالأخلاق.

كذلك يقول في قصيدة "طياران ترکيان"(19):

وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بَقيِت فإن تَوَّلت مضوا في إثرها قُدُمَا

لا شك أن الأخلاق يمكن اعتبارها أساس التفاعل بين الناس وأساس العلاقات المختلفة بينهم. إذا راعت الدول هذا المبدأ، فيمكنها أن تعيش معا بشكل مريح. ومن وجهة نظر شوقي، يعتمد دوام الأمم على الالتزام بالتعاليم الأخلاقية. وهو يعتقد أن الالتزام بالأخلاق هو الذي أدى إلى بقاء الأمم بمرور الوقت، وقد أدى ذلك إلى أبعادهم عن التفكك والدمار. في رأيه، إذا ابتعدت أمة عن التعاليم الأخلاقية ورفضت الالتزام بها، فإنها ستواجه الفناء. يقول في موضع آخر(20):

ولقد یُقام من السيوفِ، وليس من عثراتِ أخلاقِ الشعوبِ قيام

يقول شوقي في هذا البيت: "يمكن أن لا يتأذى الإنسان بضربات السيف وينجو منها، لكنه قد لا يكون في مأمن من الزلات الأخلاقية"؛ لأن هذه الزلات تنتقل إلى الأجيال القادمة وتكمن في وجودهم وتتسبب في هزيمة المجتمع ضد أعدائهم، ويؤمن الشاعر أن جرح السيف قابل للشفاء ويمكن إزالته والبقاء على قيد الحياة؛ لكن الأضرار المعنوية لها عواقب مؤسفة لا يمكن تجنبها بسهولة.

جـ - الوفاء:

كان الوفاء من أسمى فضائل العرب الجاهليين. وكانت هذه الفضيلة منتشرة بشكل رئيسي في منطقة القبائل والعشائر. في مثل هذا المجال المحدود، كان الوفاء هيمنة مطلقة وسامية ويتجلى في شكل التضحية بالنفس والتفاني والإخلاص للأصدقاء، فضلاً عن تقديم أقصى درجات الإخلاص والالتزام بالعهد الذي قطعه المرء. فمثلاً يقول زهير بن أبي سلمي(21):

مَن يوفِ لا يُذمَم وَمَن يُفضِ قَلبُه إِلى مُطمَئِنِّ البِرِّ لا يَتَجَمجَمِ

يعتقد زهير هنا أن الوفاء لا يذم أبدا ومن يفي (عهده) لن يدان، وستذكره الناس بالثناء والتقدير. مما لا شك فيه أن كلام زهير يدل على أن الوفاء كان له دور مميز في المجتمع الجاهلي. تجدر الإشارة إلى أن الوفاء من الصفات الحميدة التي تعد قيمة أخلاقية. وفي القرآن يعتبر الله نفسه أمينا ووفيا ويقول: "ومَنْ أَوْفی بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ"(22)، ويدعو المؤمنين إلى الوفاء بالعهد ويقول: "یا أَیُهَا الَّذینَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ"(23).

والجدير بالذكر أن هذه الصفة اهتم بها الجميع منذ زمن طويل، وقد أوصى بها كبار السن وأشاد الشعراء بالأشخاص المخلصين ونظموا قصائد تصفهم. وشوقي كذلك اهتم بهذه القيمة الأخلاقية وقال في وصفها(24):

إن الوفاء سِياج أخلاق الفَتَی من حازه حاز المحامدَ أَجمَعا
کم من لبيب کان یُرجَی نفعه لکن أَبَی عدمُ الوفا أن یَنفعا

يرى الشاعر في هذه الأبيات أن الإخلاص من المفاهيم الإنسانية المرغوبة، ومن لديه هذه الصفة المرغوبة يستحق الاحترام والثناء، إنه يعتبر الأمانة جدارا صلبا للأخلاق، ويعتبرها حارسا لها، كما إنه يعتقد أنّ الذي يمتلك هذه الصفة الأخلاقية في الحقيقة قد جمع كل الثناء والخير في نفسه، ويضيف أنه من الممكن للعاقل أن ينفع الآخرين بعلمه، لأن عدم تمسكه بالوفاء منعه من ذلك. يقول شوقي في القصيدة الطويلة "کبار الحوادث في وادي النيل" عن الوفاء(25):

ظنّ فرعونُ أن مُوسی له وا فٍ، وعند الکرام یُرجی الوفاءُ
فرأی اللهُ أن یعقَّ، ولِلـ ـه تَفي - لا لغيره - الأنبياءُ

وهنا يعبر شوقي عن موضوع تاريخي للتعبير عن حسن الوفاء، وبقوله عبارة "عند الكرام يرجى الوفاء" ينسب الوفاء للكبار والعظماء، ويعتبر كل من له هذه الصفة عظيما، ويعد أنبياء الله أوفى الجميع بعد الله سبحانه وتعالى في رأيه، جميع الأنبياء السماويين مخلصون للعهد الذي قطعوه مع الله. على سبيل المثال، لم ينقض موسى عهداً قد عقده مع الله سبحانه وتعالى ولم يتبع فرعون، وظن فرعون أنه يستطيع أن يجعل النبي موسى عليه السلام بما يرضيه ويطيع أوامره، لكن هذا النبي لم يطع أبدا رغبة فرعون، ولم يستسلم وظل ثابتا على عهده مع الله.

د - كتمان السر:

یعتبر كتمان السر من أهم واجبات الإنسان بالنسبة لبعضنا البعض، فعلى سبيل المثال، سيطرت هذه الظاهرة على العلاقة بين الطبيب والمريض لقرون، ولها تاريخ طويل وقديم جدا يعود إلى زمن أبقراط وقسمه(26). يجب أن يتمتع الإنسان بالقدرة على الحفاظ على سره وعدم إخبار الآخرين به، كما يجب أن يكون جديرا بالثقة للآخرين الذين قد شاركوه أسرارهم. إفشاء السر هو رمز ضعف الإرادة و"كتمان السر" هو علامة على احترام الذات والقدرة العالية للشخص. يجب على الشخص الذي لا يحتفظ بسر الآخرين ويكشفه مبكرا أن يحاول جاهداً القضاء على هذه الرذيلة الأخلاقية ويزرع بذور كتمان السر في نفسه، لقد قال الله تعالى عن كتمان السر: "عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا یُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدً"(27). ولدى أحمد شوقي أبيات في هذا الصدد، يقول منها(28):

یحبّ المرءُ نبشَ أخيه حیّاً وینبشه ولو في الهالکينا

مما لا شك فيه أنّ هناك أسراراً لأي فرد أو جماعة يمكن أن يؤدي إفشاؤها إلى ضربات شديدة في الشرف والكرامة. حتى أنها تتسبب في الكثير من المشاكل الحياتية والمالية لهم. لذلك، من أجل الحصول على مجتمع وحياة مريحة، يجب على المرء أن يتجنب السمة القبيحة لكشف السر. لقد تأثر شوقي في هذا البيت بالقرآن. يقول الله سبحانه وتعالى: "وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا یَغتَب بَّعضُکُم بَعضَاً أَیُحِبُّ أَحَدُکُم أَن یَأکُلَ لَحمَ أَخِيهِ مَيت"(29). بالتدقيق في كلام شوقي نستطيع القول بأنّ الناس بما فيهم من الدوافع التالية كالحسد والحقد وجلب انتباه الآخرين يقومون بإفشاء السر. ومما لا شك فيه أن شوقي هنا يمنعنا من إفشاء سرّ إنسان حي أو ميت، كذلك ينبغي القول إن العقلاء هم كاتمو الأسرار. وهم كمؤمنين يرون أنفسهم مسئولين في الحفاظ على سرّ الآخرين وأسرارهم.

يقول شوقي عن كتمان السر(30):

وَمَن لَم یُقِم سِتراً علی عيب یَعش مُستباح العرض مُنهَتِك

يجب أن نتعلم حفظ الأسرار من الله. الله يعلم أكثر من غيره أعمال عباده وذنوبهم وخطاياهم، لكن صبره وحجابه وسريته فوق كل شيء. إذا كشف الله ما وراء الأستار وأعمال عبيده السرية، فهل يصادق أحد الآخرين؟ إذا فضح الله خطايا الناس، فلمن تبقى الكرامة والعزة؟ الفتى هو الذي يتستر على أخطاء الآخرين ويتجنب كشف أخطائهم؛ لأنه عندما يحاول تشويه سمعة الآخرين، فعليه أن يعلم أن سره لن يخفى بعد الآن وسيظهر في يوم من الأيام. ومن الجدير بالذكر أن الإسلام قد ركز كثيرًا على ستر العيوب، لأنه تمرين في الحفاظ على سمعة المرء والحفاظ على الأسرار التي ائتمن عليها الآخرون.

هـ - الدعوة إلى الشجاعة:

الشجاعة، هي من المفاهيم الإنسانية، وقد وُصفت الشجاعة بأنها "التحمل والاعتدال في قوة الغضب؛ أي أنّ الإنسان، من خلال الاعتماد على العقل، في مأمن من الوقوع في حالة من الجرأة والإفراط في الخوف"(31). هنا نقوم بدراسة بعض أشعار شوقي حول الشجاعة(32):

إن الشجاعة في القلوبِ کثيرة ووجدتُ شجعانَ العقولِ قليلا

تجدر الإشارة إلى أن الشجاعة ثلاثة أنواع: شجاعة الحرب والشجاعة الأخلاقية والشجاعة الفكرية. شجاعة الحرب هي أنه في الصراعات الدموية والخطيرة حيث يوجد خطر القتل والسجن والنهب والهزيمة، ويجب ألا يخاف المرء. الشجاعة الأخلاقية هي عندما يكون الإنسان قويًا وقوي الإرادة ضد القوى الحيوانية لوجوده، على سبيل المثال، أنه يقاوم أمام الرغبة في الراحة والنوم، وأمام الرغبة في التغيب، والرغبة في خيانة الحقوق المالية أو الشرف. كذلك الشجاعة القلبية، هي محاربة العادات والمعتقدات التي لا أساس لها. الرجل الشجاع والحكيم هو الشخص الذي يتحكم في غضبه بقوة العقل، مع كونه جسديا وعقليا ومتحفزا وقوي القلب. يقول في موضع آخر(33):

رتبُ الشجاعة في الرجال جلائل وأجلُّهن شجاعة الآراء

يمكن أن تكون الشجاعة مفتاح النجاح في الحياة اليومية. الأشخاص الشجعان قادرون على اتخاذ قرارات أفضل. يمكنك زيادة الشجاعة في الحياة باستراتيجيات مثل الثقة بالنفس وإدارة الخوف والغضب، واستبدال المشاعر السلبية بمشاعر الهدوء والرضا. نستطيع أن نزيد شجاعتنا في الحياة بحلول كالثقة بالنفس والسيطرة على النفس والغضب وأن نستبدل الأحاسيس السلبية بالهدوء والرضاء، فكما ورد في البيت السابق، فإن التفكير الجريء له قيمة أعلى في نظر شوقي بالنسبة إلى نظر الآخرين، وهذا البيت يؤكد على اعتقاد الشاعر، والذين يتسمون بالشجاعة ويعبرون عن آرائهم إنهم يؤمنون بقدراتهم وإذا لم يحققوا هدفهم فلن يشعروا بالتهديد أو الضحية. يقول في موضع آخر(34):

وما في الشجاعةِ حَتفُ الشجاعِ ولا مَدَّ عمرَ الجبان الجُبُن

يعتقد شوقي أنّ الإنسان الشجاع لا يموت قبل الأوان بسبب شجاعته وبسالته، كما أنّ الجبان لا يموت قبل الأوان بسبب الخوف. فهو يعتقد أنّ الشجاعة لا تؤدي الشجاع إلى الموت ولا تؤدي إلى الهلاك. كما أنّ الخوف من الموت لا يؤخر الإنسان ولا يمنحه حياة طويلة. في هذا البيت، عبّر الشاعر عن معانٍ ثمينة باستخدام صناعة المقابلة. في موضع آخر يقول الشاعر(35):

إن تکن ظافرا فکنه بِرِفقٍ فشجاع بغير رفقٍ جبانُ
إن عندي لکل شیء تماما وتمامُ الشجاعةِ الإحسانُ

الشاعر هنا يعرف الشجاع بأنه شخص يراعي الشخص الذي هو أضعف منه وأن يعامله بالعطوفة والحنان. إنه كذلك يرى مساعدة الآخرين والإحسان بهم شجاعة ويعدها ذروة النضج الفكري. كما يعتقد الشاعر أنّ الشجاع الذي لا يعامل الآخرين بلطف هو جبان، ومثل هذا الإنسان يطغى عليه الكبرياء والغضب، ويمنعه من طلاقة الوجه والرفق، وكذلك يصف شجاعة عمر المختار(36):

الأسدُ تَزأَرُ في الحدید ولن تَرَی في السجن ضِرغاماً بکی استخذاء

بما أنّ الأسد معروف بشجاعته وقوته، فهو يحافظ على عظمته وقوته حتى في قفص ولا يستسلم أبدا، ولن يستسلم الأشخاص الشجعان أبدا للصعوبات والمعاناة ولن يشكو أبدا من الخوف. ففي أصعب الظروف، يحافظون على عظمتهم وسمعتهم. يرى شوقي أن الأشخاص الشجعان يحترمون كرامتهم وشرفهم في أي زمان ومكان ولا يخضعون للإذلال.

النتائج:

1 - من سمات قصائد أحمد شوقي في التعبير عن المفاهيم الإنسانية العالية، استخدام التعاليم القرآنية والسردية والتاريخية، بحيث يمكن فهم مدى فاعلية هذه التعاليم في تشكيل شخصية هذا الشاعر العظيم.
2 - يعتبر شوقي أنّ منصب المعلم شامخ، ونظرا لأهمية العلم والمعرفة فقد أرسل الله أنبياء لإرشاد الناس على الأرض. يعتقد شوقي أن للمعلم مكانة رفيعة جدا حيث يجب أن يثنى عليها بكل فخر واستحقاق.
3 - من وجهة نظر شوقي، يجب أن نحزن ونرثي المجتمع الذي تتلف فيه الأخلاق. في الرذائل الأخلاقية، يتحدث شوقي كثيرا عن الأضرار الاجتماعية والعواقب المؤسفة التي تنشأ في ضوء هذه الظروف اللاأخلاقية.
4 - يعتبر شوقي الأمانة جدارا صلبا للأخلاق، ويعتبرها حارسا لها، بمعنى آخر، كما أن الوفاء أيضا يحرس التعاليم الأخلاقية ويبعدها عن الانحراف.
5 - من وجهة نظر شوقي، أن الشخص الذي يبحث عن عيوب الآخرين هو شخص عديم الشرف، والبحث عن العيوب في الواقع يؤدي إلى فقدان سمعته.
6 - يعتبر شوقي الشجاعة الفكرية أعلى من شجاعة القلب ويذكر أن الأشخاص الذين يعبرون بسهولة عن أفكارهم الجريئة أمام الأقوياء هم قلائل جدا.
الهوامش:
1 - أحمد حسن الزیات: تاریخ الأدب العربي، القاهرة 1958م، ص 501.
2 - أحمد عبید: ذکری الشاعرین، بیروت 1985م، ص 318.
3 - شوقي ضیف: شوقي شاعر العصر الحدیث، بیروت 1998م، ص 4.
4 - منیر سلطان: البدیع في شعر شوقي، الأسنکدریه 1992م، ص 38.
5 - بين سنتي 1888-1898
6 - کارلو ألفونسو نلینو: النجوم الإسلامیه، ترجمة أحمد آرام، 1378ش، ص 30.
7 - أحمد شوقي: الشوقيات، دار الکتب العلمية، بيروت 1928م، ج1، ص 497.
8 - سورة البقرة، الآية 31.
9 - سورة العلق، الآية 5.
10 - سورة العلق، الآية 4.
11 - سورة الرحمن، الآية 1-4.
12 - سورة البقرة، الآية 33.
13 - أحمد شوقي: المصدر السابق، ج1، ص 499.
14 - المصدر نفسه، ج2، ص 45.
15 - المصدر نفسه، ج1، ص 500.
17 - نفسه.
17 - المصدر نفسه، ج1، ص 152.
18 - المصدر نفسه، ج2، ص 12.
19 - المصدر نفسه، ج1، ص 523.
20 - المصدر نفسه، ج1، ص 178.
21 - حسین بن أحمد الزَّوْزَني: شرح المعلقات السبع، بیروت 2005م، ص 150.
22 - سورة التوبه، الآية 111.
23 - سورة المائدة، الآية 1.
24 - أحمد شوقي: المصدر السابق، ج2، ص 214.
25 - المصدر نفسه، ج1، ص 26.
26 - مهدي النجاتي: دراسة تطبیقیة لمسؤولیة الطبیب في الفقه والقانون الإیراني، المجلد الأول، طهران 1389ش، ص 160.
27 - سورة الجن، الآية 26.
28 - أحمد شوقي: المصدر السابق، ج1، ص 207.
29 - سورة الحجرات، الآية 12.
30 - أحمد شوقي: المصدر السابق، ج1، ص 65.
31 - أبو علي أحمد بن مسكويه: تهذیب الأخلاق وتطهیر الأعراق، تحقیق ابن الخطیب، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة (د.ت)، ج1، ص 120.
32 - أحمد شوقي: المصدر السابق، ج1، ص 142.
33 - المصدر نفسه، ج2، ص 36.
34 - المصدر نفسه، ج2، ص 133.
35 - المصدر نفسه، ج2، ص 223.
36 - المصدر نفسه، ج2، ص 34.
References:
* - The Holy Quran.
1 - ‘Abīd, Aḥmad: Dhikrā ash-shā‘irayn, ‘Ālim al-Kutub, Beirut 1985.
2 - Al-Bukhārī: Ṣaḥīḥ al-Bukhārī, ‘Ālim al-Kutub, Beirut 1998.
3 - Al-Najātī, Mahdī: Dirāsa taṭbīqiyya li-mas’ūliyyat aṭ-ṭabīb fī al-fiqh wa al-qānūn al-īrānī, Al-Manshūrāt al-Ḥuqūqiyya, Vol. 1, Tehran 1389 SH.
4 - Al-Zawzanī, Ḥusayn: Sharḥ al-mu‘allaqāt as-sab‘, Dār Iḥyā’ al-Turāth al-‘Arabī, Beirut 2005.
5 - Al-Zayyāt, Aḥmad Ḥasan: Tārīkh al-adab al-‘arabī, Dār Nahḍat Miṣr, Cairo 1958.
6 - Ḍayf, Shawqī: Shawqī shā‘ir al-‘aṣr al-ḥadīth, Mu’assasat al-Ma‘ārif, Beirut 1998.
7 - Ibn Maskawayh: Tahdhīb al-akhlāq wa taṭhīr al-a‘rāq, Edited by Ibn al-Khaṭīb, Maktabat al-Thaqāfa al-Dīniyya, Cairo (n.d.).
8 - Nallino, Carlo Alfonso: An-nujūm al-islāmiyya, Translated by Aḥmad Ārām, Markaz Nashr al-Buḥūth al-Islāmiyya, Tehran 1378 SH.
9 - Shawqī, Aḥmad: As-shawqiyyāt, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, Beirut 1928.
10 - Sulṭān, Munīr: Al-badī‘ fī shi‘r Shawqī, Munsha’at al-Ma‘ārif, 2nd ed., Alexandria 1992.
الإحالة إلى المقال:

* ولي بهاروند: تجليات المفاهیم الإنسانیة في شعر أحمد شوقي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الواحد العشرون 2021. http://annales.univ-mosta.dz

***