القضايا الاجتماعية المعاصرة في المسرحيات العربية النيجيرية

بشير أمين
جامعة ولاية كوغي، أنيغبا، نيجيريا

الملخص:

لقد أصبح المثقف العربي في نيجيريا عضواً بارزاً في المجتمع الذي يعيشه حيث يشارك في تنمية المجتمع وإصلاح بعض الأوضاع القبيحة فيه. يهدف هذا البحث إلى الكشف عن القضايا الاجتماعية المعاصرة التي تعالجها المسرحيات العربية النيجيرية. وقد استخدم الباحث المنهج الوصفي لإنجاز هذه الدراسة، حيث تمّ دراسة موضوعات مختلفة في ظل المؤثرات الاجتماعية، ووصفها وصفاً دقيقاً. وفي آخر المطاف، توصلت الدراسة إلى أن مؤلفي المسرحية العربية في نيجيريا بذلوا قصارى جهدهم في معالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة لتنمية المجتمع النيجيري وإصلاح الأوضاع الفاسدة والأخلاق الباطلة فيها، وأن القضايا الاجتماعية التي تعالجها على صلة مباشرة بما يحدث واقعياً في نيجيريا. وتتمثّل تلك القضايا في الفساد بأنواعه السياسي، والأكاديمي، والإداري، والأمني، والقانوني، وقضية والاتحاد، والتعصب، ورواتب الموظفين والمتقاعدين، وقضية الجوع وضيق العيش، وقلة المساواة، ومتابعة كرة القدم. وأخيراً اقترح الباحث طرق مختلفة لحل هذه الأمراض الاجتماعية التي تؤثر سلباً على تقدم دولة نيجيريا.

الكلمات الدالة:

نيجيريا، المعاصرة، الأدب والمجتمع، الأدب العربي، المسرحية.

***
Contemporary social issues in Nigerian Arabic plays

Bashir Ameen
Kogi State University, Anyigba, Nigeria

Abstract:

The Nigerian Arabic literary writers have become prominent members of the society and they contribute positively to the development of the society by condemning some bad characters and behavious in the society through their literary writings. This research aimed to investigate some contemporary social issues that were addressed in Nigerian Arabic plays, to know the relevancy of these literary writers in the society. The researcher used descriptive approach to complete this study, where many social events were explained and described accurately. The results of the research revealed that, the contemporary social issues that were discussed in these plays are related directly to what is actually happening in Nigeria presently, such as Academic Corruptions, insecurity, inequality, inadequate Unity, Sentiments, Salaries of workers and retirees, hardship and hunger, and watching of football among others. Lastly, the researcher has suggested various ways to overcome these social challenges so that Nigeria can have a peaceful society.

Keywords:

Nigeria, Contemporary, Literature and Society, Arabic Literature, Play.

***

النص:

المقدمة:

كان الأدب العربي النيجيري في العصور القديمة تقليدا للأدب العربي القديم، والهدف الذي يشجّع العلماء والأدباء على الأدب تعليماً وتعلّماً هو نشر الدين الإسلامي، لم يشاركوا في القضايا الاجتماعية في أول الأمر لأن الغرض الأساسي من تعليم اللغة العربية وآدابها هو الغرض الديني، وأخذوا ينتجون على هذا النحو، وألفوا كتباً كثيرة في شتى الموضوعات الدينية. ولما قامت الحركة الإصلاحية الفودية في القرن التاسع عشر الميلادي بدأ العلماء يتناولون القضايا الاجتماعية والسياسية في أشعارهم، وقد بذل العلماء جهداً محموداً في هذا الاتجاه. ولما دخل المستعمرون هذه الديار في القرن العشرين قام كثير من الأدباء بنقد القضايا الاجتماعية والسياسية التي حدثت في نيجيريا، واشتكى بعضهم من الظلم الاستعماري، وانعدام الحرية، وكان كلّ ما يعالجونه حينذاك يعالجونه بالشعر دون النثر الفني. وفي أواخر القرن العشرين ازداد اهتمام الأدباء بالنثر الفني وكتبوا روايات ومسرحيات وقصص وسير كثيرة، وكانت الموضوعات المعالجة في هذه المكتوبات النثرية تميل إلى القضايا الدينية والسياسية والاجتماعية والإفريقية والعالمية. يسلط هذا البحث الضوء على القضايا الاجتماعية في المسرحيات العربية النيجيرية حيث شارك الأديب العربي النيجيري مشاركة إيجابية في تنمية المجتمع وتطويره عبر إبداعيته الأدبية، وقدم شعوره وعواطفه حول القضايا الاجتماعية العصرية، ومن تلك القضايا التي يتناولها: الفساد بأنواعه السياسي والأكاديمي والإداري والقانوني والأمني، كما يصور قضية الاتحاد والرواتب والجوع وكرة القدم، وبعض الأخلاق الباطلة والصفات الشنيعة التي تميز بها البعض في المجتمع النيجيري.

1 - تطور المسرحية العربية:

تعتبر المسرحية جنساً من الأجناس الأدبية التي ظهرت في الآداب الغربية منذ وقت طويل، ولم يكن لها وجود في الأدب العربي القديم لأسباب دينية وثقافية وفنية، فظل غريباً عن الأدب العربي لا يألفه ولا يعرفه حتى علِمه من الأدب الغربي عن طريق المشاهدة والنقل فبهت من الذين درسوا الآداب الغربية أو زاروا البلاد الأجنبية(1). فلما جاء العصر الحديث قويت الصلة بين آداب اللغة العربية وغيرها من الآداب الأوروبية حيث اطلع العديد من أدباء اللغة العربية على آثار الأدب الغربي وفنونه المتنوعة الشعرية والنثرية. وبعد ذلك بذل بعض الأدباء المحدثين قصارى جهدهم بترجمة ما أعجبوا من مسرحيات الغرب إلى العربية من أمثال مسرحيات وليم شكسبير (William Shakespeare) "تاجر البندقية، وعطيل، وهاملت" التي نقلها خليل مطران، وازدادت حركة الترجمة نشاطاً بعد أن أنشئت العديد من المسارح في البلاد العربية كالمسرح الذي أنشأه يعقوب صنوع المصري عام 1876م، وكذلك قام يوسف وهبي بتمثيل ما يقرب من مائتي مسرحية مترجمة ومؤلفة(2). وخلاصة القول، لقد ساهمت حركة الترجمة مساهمة جبارة في تطوير المسرحية العربية في صقل أذواق العديد من الأدباء وتنمية مواهبهم الفنية فنسجوا على منوال تلك المسرحيات الغربية التي أعجبوا بها، ونتيجة لذلك، نهج أولئك الأدباء على منهج الغرب في تأليف المسرحية العربية الأصلية. وأفاد التاريخ أن أوّل أديب عربي أدخل الفن المسرحي في البلاد العربية هو مارون نقاش الذي قدم مسرحية "البخيل" 1847م، وهي من مسرحيات موليير(3). وذهب بعض النقاد إلى أن جهوده هذه كانت ميلاداً مؤقتاً للمسرح العربي، ومجرد انبثاق إلى الوجود، ومحاكاة لظواهر فنية رآها المثقفون العرب في بلاد أوروبا، فاستوردوها استيرادا إلى بلادهم(4). ومعظم الأدباء العرب الذين قدموا محاولاتهم في الفن المسرحي في أول الأمر كانوا يعتمدون اعتماداً كبيراً على المسرحيات التي تستمد أحداثها من التاريخ الإسلامي العربي، ومن الفتوحات الإسلامية، ومن البيئات العربية الإسلامية وحياتها الاجتماعية والسياسية. وكانت المسرحيات التي كتبوها عهدئذ مكتوبة شعراً ونثراً. ومن أوائل الذين ألفوا المسرحية العربية على مستواها الأدبي والفني "توفيق الحكيم" و"إبراهيم رمزي" و"أحمد خليل القباني" و"محمود تيمور" و"عبد الستار أفندي"(5)، وغيرهم من أوائل كتّاب المسرحية العربية في العصر الحديث.

2 - ظهور المسرحية العربية في نيجيريا:

ظهرت المسرحية النيجيرية في اللغات المحلية منذ زمن طويل، ويرجع بدايتها إلى الدين الوثني والآثار السحرية القديمة كما كانت الحال عند الإغريق واليونان والرومان وغيرها من الأمم التي اشتهرت بالمسرحية الوثنية والأساطير، وبعد هذه المرحلة انتقلت حركة المسرحية إلى مرحلة التمثيل، ثم حركة الكتابة حيث أن الكتّاب يصورون الأحداث الدينية والاجتماعية والتاريخية الجارية في المجتمع في المسرحيات التي كُتبت باللغات المحلية كالهوسا، واليوربا، والإبيو. وفي الخمسينات من القرن العشرين زاد اهتمام الأدباء بكتابة المسرحية الإنجليزية بصورتها الفنية وشكلها الأدبي(6).

أما في الثقافة العربية النيجيرية فقد بدأت المسرحية بالحركة التمثيلية وذلك بظهور المدارس العربية النظامية في طليعة النهضة العربية الحديثة في نيجيريا، وهذه المدارس انتشرت في أنحاء الدولة منذ أربعينيات القرن العشرين، وكان طلاب يقومون بعروض تمثيليات هادفة أيام المناسبات والأعياد الإسلامية وحفلات التخرج(7). ومن حيث التأليف، بدأت عناية الأدباء في كتابة المسرحية العربية في أواخر القرن العشرين، ومن العوامل التي دفعت إلى ذلك؛ البعثة العلمية، وانتشار المدارس العربية، والجامعات، والمكتبات، والمطابع العربية، والشبكات العالمية وغيرها. وكان أوّل أديب نيجيري كتب مسرحية عربية الأستاذ الدكتور زكريا حسين حيث كتب "العميد المبجَّل" عام 1994م، وبعد ذلك كتب مسرحيتي "التاجر وصاحب المطعم" 2005، و"الطبقة العليا" 2006. ومن الذين أسهموا في فن المسرحية العربية ما يلي:

1 - الأستاذ مسعود عبد الغني أديبايو (Adebayo) كتب مسرحية "أستاذ رغم أنفه" عام 2003م.
2 - الدكتور عبد البارئ أديتنجي (Adetunji) كتب مسرحية: "بقاءٌ مقدَّرٌ" عام 2005م.
3 - الأستاذ أحمد الرفاعي سعيد كتب مسرحية "العجيب والنجيب" 2005م.
4 - الدكتور عبد الغني ألبي أديبايو (Alabi Adebayo) وله سبعُ مسرحيات، وهي: "قد غارت النجوم" 2005م، و"المتابعة" و"الاتحاد" 2012م، و"الإلوري الإمام المجاهد" عام 4201م، و"الأدبي الواعظ المجدِّد" عام 2014م، و"الذخيرة" عام 2014م، و"المجاعة" عام 2016م، و"االعقيدة الحديثة" عام 2019م.
5 - إبراهيم الغمبري (Gambari) له مسرحية شعرية "تحت الظِّل الممدود" عام 2008م، و"جلالة القاضي" عام 2011م.
6 - الأستاذ الدكتور كمال الدين بالوغن (Balogun) أصدر "رحلة البحث عن الإنسان" عام 2009م.
7 - جميل عبد الله الكنوي كتب عام 2010م مسرحيات "عالم الشهادة"، و"يقظة الشيوخ"، و"الزجاج المنصدع"، و"تودَّد الجارية".
8 - السيد إبراهيم لَيْرَيْ (Lere) له مسرحية "الطالب المغتر" عام 2011م.
9 - عبد القادر قاسم الإمام: له مسرحية "متى أصير كبير" عام 2012م.
10 - موسى محمد الجامع الفلاني كتب "رحلة إلى مصر" عام 2013م.
11 - يحيى عمر التنكوي (al-Tankewiy) كتب مسرحية شعرية وهي "فرحة التوبة" عام 2014م.
12 - أبو مغفرة إبراهيم عيسى له مسرحية شعرية سماها "الدني" 2014م، و"وأريم" 2018م.
13 - الدكتور عبد الرفيع عبد الرحيم أَسَلَيْجُو (Asalejo) كتب "زارع الشوكة" 2015م.
14 - الدكتور مرتضى عبد السلام الحقيقي له مسرحية "السيد المحاضر" عام 2015م.
15 - عبد الفتاح عبد الرحيم كتب مسرحية "الحصاد" عام 2015م.
16 - الدكتور أيوب إسحاق ببأويي له مسرحية "الأسرة الفاضلة" عام 2020م.

وهناك محاولات كثيرة في كتابة المسرحية العربية في بعض الجامعات النيجيرية حيث يقدم الطلبة مسرحية مقامة البحث العلمي، لنيل شهادة الليسانس في اللغة العربية، وفي جامعة عثمان بن فودي صكتو كُتبت مسرحيات عربية كثيرة لهذا الغرض ومنها ما كتبه إسحاق سعد في مسرحيته "الصبر وعاقبته" عام 1987م، وكتب طاهر شعيب سليجاَ "العلم أصل كل خير" عام 1988م، وكتب بخاري شيخ مسرحية "دعوة الحق" عام 1996م، وكتب يحيى محمد مسرحية "لا تظهر الشماتة لأخيك" عام 2000م، ثم كتب شاب عمر رابه مسرحية "جزاء سيئة سيئة مثله" عام 2000م. وما زالت هذه المسرحيات مخطوطة، وهناك محاولات جادة في كل من جامعة أحمد بلو بزاريا، وجامعة بايير وكنو، وجامعة ميدغري، وجامعة إلورن وغيرها.

3 - مفهوم القضايا الاجتماعية:

يقصد بالقضايا الاجتماعية الظروف والصعوبات السائدة في المجتمع نتيجة التفاعل بين أفراد المجتمع، أو الأمور التي تعالج نشاط الإنسان وإنتاجه وعلاقاته وقيمه في المجتمع، وتعالج المجتمع وتركيبته في سعيه لتحقيق وجوده وإشباع حاجاته المادية والاجتماعية والروحية(8). إضافة إلى ذلك، تشمل القضايا الاجتماعية كالصراع الاجتماعي والمعاناة الاجتماعية، وتشير أيضا هذه القضية بأنها تؤثر على شريحة كبيرة من الأفراد داخل المجتمع، فغالباً ما تكون نتيجة توسع هذه العوامل سبباً في صراع الآراء والتي ينظر لها بأنها قضية أخلاقية في الحياة الشخصية والعادات الاجتماعية. وهذه القضايا تدخل ضمن دراسة الحياة الاجتماعية من حيث مستوى الحياة، والمستوى الحضاري، والتكون المهني، والتنظيمات المهنية، أو دراسة طريقة ملء الفراغ، والنظام السياسي والإداري والمالي والقانوني، ودراسة صور الانحراف والجنوح والأمراض الاجتماعية(9).

4 - علاقة الأدب بالمجتمع:

إنّ العلاقة بين الأدب والمجتمع علاقة قوية متماسكة، ويصعب نشأة الفن الأدبي بمعزل عن المجتمع، وكلّ ابتكارات الأديب وانفعالاته وشعوره المختلفة تكون من تجاربه في البيئة التي يعيشها، وهو يقتبس صوره وقيمه من الثقافات التي نشأ وترعرع بها منذ صغره. فيجب على الأديب ألا يكتب أدبه لنفسه وإنما يكتبه لمجتمعه الذي يحاول أن يخاطب أفراده، يخاطبهم بما يحسون ويشعرون، وكلّ ما يقول الأديب عن فرديته المطلقة ليس فيه من الصحة ما يعكس المجتمع. ومعنى ذلك أنّ الأديب يعكس مشاعر مجتمعه وبواعثه ونوازعه من جهة ويذيع أدبه وينشره بين أفراده من جهة ثانية(10).

وتاريخ العلاقة بين الأدب والمجتمع يعود إلى العصور القديمة جداً، ويمكن القول إنها ترجع إلى الزمان المجهول الذي بدأ الإنسان فيه يعبّر عن أفكاره بصوره التخييلية، وقد يكون حكماء اليونان القديم هم من أوائل الذين عبروا عن هذه العلاقة في خطاباتهم الفلسفية والأدبية ثمّ جاء اللاحقون على إثرهم واحداً تلو الآخر(11). وأيضا تغطي هذه القضية مساحة واسعة في الآداب الإغريقية والرومانية، ومنذ القرن الثامن عشر الميلادي، بدأت التخصصات المعرفية تأخذ مكانها جنباً إلى جنب مع اتساع دائرة التخصص في الأدب الاجتماعي وتمّ دراسة مظاهر النشاط الإنساني الفردي والجماعي في التصويرات الأدبية، إلى جانب دراسة بنية المجتمع، ونظمه وقيمه وتنظيمه كما كان الأمر في فروع علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا الاجتماعية (Social Anthropology) وفروع علم النفس والعلاقات العامة(12). وفي العصر الحديث ازداد اهتمام الأدباء والنقاد العرب في الربط بين الأدب والقضايا الاجتماعية في تصوراتهم الأدبية شعراً كان أو نثراً، لأن العصر الذي عايشه أولئك الأدباء عصر الصراع ومن واجب الأديب أن يصارع مع أمته، وأن يكون جزءاً حيوياً في هذا الصراع بل جزءاً متداخلاً فيه، يستمد منه بواعثه وأفكاره ومبادئه، ويرتبط به ارتباطاً قوياً متصلاً(13). لقد بذل الأدباء جهداً كبيراً في تطوير هذا الاتجاه الأدبي فتناولوا قضايا ظلم الاستعمار، والحرية، والخوف، وضيق العيش، والفساد، وغيرها من القضايا الاجتماعية الحديثة التي تم معالجتها في العصر الحديث.

5 - القضايا الاجتماعية في المسرحيات العربية في نيجيريا:

أسهم الأدب العربي النيجيري في أجناسه المختلفة في تشكيل الوعي البشري وتعديل الاتجاهات وتشكيل مسارات تدفع الناس نحو سلوك معين. فقد أصبحت قضية الأدب والحياة الاجتماعية من أغلب القضايا التي يثيرها الأدباء في هذه الديار حيث رأوا أنه من مسؤولياتهم المشاركة في إصلاح المجتمع عبر ابتكاراتهم الأدبية. وقد بذل الأدباء المعاصرون جهداً كبيراً في الربط بين شعورهم وأحاسيسهم وعواطفهم الأدبية والقضايا الاجتماعية النيجيرية. وقاموا بنقد بعض الأخلاق الباطلة والصفات القبيحة الشائعة في المجتمع، ثم قدّموا اقتراحات قيّمة لحل هذه المشكلات الاجتماعية. وقلما تجري مشكلة من هذه القضايا إلا ويشكون منها، فمن الجوانب الاجتماعية التي يعالجها الأديب في المسرحية العربية، الفساد، والأمن، و التعليم، والاتحاد، وضيق العيش، والجوع، وتعدد الزوجات، والعنف الأسري، وقضية التشدّد في الدعوة من قبل بعض الدعاة والسلفيين المحدثين، وغيرها من الأبعاد الاجتماعية.

6 - قضية الفساد في المسرحيات العربية في نيجيريا:

الفساد ظاهرةٌ عامةٌ ترتبط بمعظم المجتمعات الإنسانية بصرف النظر عن درجة تقدمها الاقتصادي أو تصنيفاتها على سلم التنمية، فالشعب النيجيري كغيره من الشعوب، يُوجد فيه الفساد بأنواعه الخلقي والفكري. والفساد في نيجيريا، له مظاهر كثيرة وصور عديدة ومسالك متنوعة، ومن أشهرها الاختلاس، والرشوة، وسوء استخدام السّلطة والصّلاحيات، والمحسوبية، والإسراف في استخدام المال العام، والمبالغة في إقامة المناسبات، والمبالغة في تقدير التكاليف للعقود والمناقصات، وأخذ الأموال من الطلبة لأجل النّجاح في الامتحان(14)، وسوء توظيف الأموال، وإقامة مشاريع وهميَّة، وكتمان معلومات حقها أن تكون معلومة ومعلنة، سواء في شأن مالي أو وظيفي، والعبث بالوثائق والمستندات والقرارات وعدم احترام العمل وأوقات الدوام حضوراً وانصرافاً. والفساد يؤثر سلباً على الدولة، ولذلك لم تتقدم الدولة لأن نعمتها العزيزة يسرقها بعض المسئولين. وهذا ممّا دفع الأدباء إلى نقد الفساد ومظاهره في نيجيريا عبر مؤلفاتهم الأدبية، ومثلوا كيف يشارك أفراد المجتمع في الفساد ومساندة المفسدين.

7 - الفساد في المسرحيات العربية في نيجيريا:

مثلت المسرحية العربية النيجيرية مظاهر الفساد بكل أنواعه، وسنقتصر في هذا المقام على الفساد في المؤسسات التعليمية، وهو كغيره من أنواع الفساد له مظاهر كثيرة وصور عديدة ومسالك متنوعة، يعرقل جهودَ التغيير نحو الأفضل؛ بل إنّه يقوِّض المؤسسات التعليمية في هذه الديار. وقد أصبح هذا النوع من الفساد منتشراً في عصرنا الراهن. وأسهم الأدباء إسهاماً كبيراً في محاربة الفساد والمفسدين في المجتمع وذلك بما صوروا من الأنواع الشائعة في المؤسسات التعليمية في نيجيريا. وفيما يلي بعض المسرحيات التي تناولت هذا المرض:

أ - مسرحية "العميد المبجل":

تُعدّ هذه المسرحية أفضل مثال لمحاربة الفساد الأكاديمي والتوعية المنظمة وتبصير الناس بحقوقهم وتشجيعهم على المساعدة وكشف المفسدين وفضحهم في الساحات الأكاديمية النّيجيرية. فقد تناولت كثيراً من عادات سيئة وخصال خبيثة لدى بعض المحاضرين في الجامعات النيجيرية، والمعاهد العليا والكليات التربوية. والفساد في هذه المسرحية يتمثّل في تصرفات البطل "الأستاذ آخُلِي" الذي كان غارقاً في الفساد(15).

ب - مسرحية "زارع الشوكة":

تعالج المسرحية قضية الفساد كما يحدث واقعياً في الأوساط الدّراسية في هذه البلاد، في معاهدها العلمية من الجامعات وكلية التربية بل وفي بعض المدارس الثّانوية أيضا، ويتكوّن الفساد في المسئولين وبعض المحاضرين، وبعض الطلاب، والموظفين الإداريين، شارك كلّهم في الفساد بصور مختلفة(16).

جـ - مسرحية "السيد المحاضر":

تتناول هذه المسرحية قضية الفساد في إحدى الجامعات الخيالية، فبطل المسرحية دَنْدَيْ (Dende) جاء من أسرة فقيرة، لكنه طالب متميز بين زملائه، تخرّج من الجامعة بتقدير ممتاز، فاقترح أعضاء التدريس في القسم على توظيفه، فوُظفَ محاضراً بالجامعة نفسها. بدأ يحاضر في الجامعة، ويشارك في أنواع الفساد ومساندة المفسدين(17).

د - مسرحية "رحلة البحث عن الإنسان":

حاولت هذه المسرحية معالجة عدة قضايا اجتماعية من زوايا مختلفة، ومن تلك القضايا التي تناولتها المسرحية الفساد بأشكاله السياسي، والأكاديمي والإداري. ومن حيث الفساد الأكاديمي ضرب عن عادات بعض المحاضرين(18).

هـ - قضية الجوع وضيق العيش:

ومن القضايا التي تناولتها المسرحيات العربية النيجيرية الجوع وضيق العيش في وقت الركود الاقتصادي (Economic recession) عام 2016م. فقد عجزت الحكومة عن دفع الرواتب للموظفين. ومسرحية "المجاعة" خير مثال في معالجة هذه القضية، حيث تصور معاناة الموظفين الحكوميين من الشدائد جراء إيقاف رواتبهم وعدم الاهتمام الذي يلقونه من الساسة الذين وعدوهم برعاية الأمانة. وقد مثّل كاتب المسرحية هذه المعاناة كما حدثت في أرض الواقع(19).

وفي مسرحية "رحلة البحث عن الإنسان" تحدث المؤلف عن قضية الجوع في البلاد حالياً ويتمثل ذلك في الحوار بين السائل والفلاح في القرية(20).

و - قضية متابعة كرة القدم:

يعالج كاتب المسرحية قضية اجتماعية معاصرة في العالم كله، وهي مشاهدة كرة القدم، ومتابعة اللاعبين في نوادٍ مختلفة. وقد أصبحت هذه العادة شائعة في جميع الدول دون استثناء حيث تجد معظم الشباب والشيوخ يقضون وقتاً طويلاً في مشاهدة كرة القدم وينفقون أموالهم في متابعة اللاعبين والمراهنة عليهم. وأحياناً يقوم البعض الآخر بتدريب أنسفهم على لعبة كرة القدم ويتمنون أن يكونوا من لاعبي كرة القدم العالميين. ومن العجب أن كثيراً من الشّيوخ والنساء يشاركون مشاركة فعّالة في هذا العمل وينفقون عليه أموالاً طائلة بطرق مختلفة. فقد قام بعض كتاب المسرحية العربية في نقد هذه العادة الشّائعة في المجتمع النيجيري خاصة، وقد أشاروا إلى بعض سلبياتها في المجتمع وفي حياة الشّباب والطّلاب والعاملين على حد سواء. ومن المسرحيات العربية النّيجيرية التي تناولت هذه القضية مسرحية المتابعة(21).

تعالج هذه المسرحية كرة القدم التي أصبحت أشهر اللعب على المستوى العالمي، وأصبح اللاعبون المتميزون من أكثر الناس أموالا وشهرةً في عصرنا الراهن، وهذا من العوامل التي تشجّع الشباب على متابعة كرة القدم، يلعبون بها، ويشاهدون حركاتها. والشعب النيجيري لا يقتصر على هذه العادة، بل يكرسون أوقاتهم عليها بشكل لافت للانتباه، ومشاهدة هذه الكرة تؤثر سلباً في حياة الطلاب في جميع المراحل الدراسية في نيجيريا. وفي هذه المسرحية تتمثل هذه العادة في تصرفات بعض الطلاب في المدرسة الخيالية وعلى رأسهم "فواز" و"إسحاق"، لقد كانا يقضيان أوقاتهما في مشاهدة كرة القدم، ولا يحضران الفصل للتعلم، وفي بعض الأحايين ينصرفان قبل الدوام، وحينا آخر يتأخران عن الذهاب إلى البيت لأجل مشاهدة كرة القدم واللعب بها. وأثر هذا السلوك في حياتهما الدراسية بحيث لا يفهمان شيئاً من الدراسة، ولا يعرفان أين وصل المدرسون في جميع المواد.

وكان والد إسحاق يتابع حركاته في البيت وفي المدرسة، ويسأله عن الدروس والواجبات، والحوادث الجارية في المدرسة، ثم اكتشف غيابه عن المدرسة وعدم اهتمامه بالدروس، وذهب إلى عميد المدرسة وأمره بتأديبه بالعقوبات المناسبة، فأمر العميد أحد المدرسين القيام بهذا الدور، فضربه ضرباً مبرحاً. فغير سلوكه بقطع الصداقة بينه وبين زميله فواز، ثم نحج في الامتحان. أما فواز فلا يزال يستعمل أوقاته في مشاهدة كرة القدم، واللعب بها، ولا يبالي والديه في مراعاة سلوكه، ولما جاء الامتحان، لم يستطع أن يجيب عن أسئلة الاختبار، لأنه دخل قاعة الامتحان بدون استعداد. فغش، حيث أخرج ورقة مكتوبة فيها نقاط وثيقة الصلة بالمادة. فقامت لجنة التأديب بفصله عن المدرسة(22). وأخيراً اقترح صاحب المسرحية أنه يجب على الآباء والأمهات العناية بأمور أولادهم، وإرشادهم نحو الطريق المستقيم.

فقد حاول الكاتب تصوير مرآة صادقة لما يحدث لدى بعض الطلاب في المدارس والجامعات النيجيرية، حيث أنهم يسرفون في تكريس أوقاتهم في متابعة كرة القدم، ولا يحضرون الفصل أو يراجعون دروسهم. والآباء والأمهات مشتغلون بأمور أخرى تمنعهم المتابعة الكافية لأحوال أبنائهم في مدارسهم وجامعاتهم مما يقوم الشباب الذين هم سادة المستقبل بتصرفات سيئة ذات عواقب مهلكة ليس للأفراد فحسب بل للمجتمع بكامله.

الخاتمة:

يتضح من هذه الدراسة أن للمسرحيات العربية النيجيرية دورا كبيرا في معالجة القضايا الاجتماعية بطرق مختلفة، وكانت القضايا المعالجة أعلاه صورة واضحة، ومرآة صادقة لما يحدث في نيجيريا، حيث إن الأدباء مثلوا الأحداث الاجتماعية الواقعية في تعبيراتهم وعواطفهم الأدبية، وجميع الأخلاق الباطلة والخصال الخبيثة التي مثلوها في هذه المسرحيات التي كانت ولا تزال تحدث في نيجيريا. وهذا يدل على أن الأديب العربي النيجيري يعد عضواً فعالا في المجتمع، وقد أسهم مساهمة جبارة في تنمية مجتمعه وإصلاحه وتغيير الجوانب القبيحة التي تؤثر سلبا في المجتمع من خلال ابتكاراته الأدبية.

الهوامش:
1 - أحمد حسن الزيات: تاريخ الأدب العربي، دار التقوى، القاهرة 2019م، ص 553.
2 - رمضان سعد القماطي: الأدب والنصوص والبلاغة والنقد، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، ط3، بنغازي 2001م، ج2، ص 208.
3 - لقد اعتمد فنون السيرك على الكوميديا المرتجلة الإيطالية، واستمد روح هذه الأشكال المسرحية الشعبية وأدخلها في بعض أعماله.
4 - علي الراعي: المسرح في الوطن العربي، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ط1، الكويت 1978م، ص 65.
5 - المرجع نفسه، ص 72.
6 - عبد الغني أديبايو ألبي: القصة والمسرحية، تاريخ وأصول، مطبعة المضيف، ط2، إلورن 2015م.
7 - المرجع نفسه، ص 141.
8 - محي الدين صابر: من قضايا التنمية في المجتمع العربي، المكتبة العصرية، ط2، بيروت 1987م، ص 151.
9 - محي الدين صابر: التغير الحضاري وتنمية المجتمع، منشورات المكتبة العصرية، ط1، بيروت 1962م، ص 249.
10 - شوقي ضيف: في النقد الأدبي، دار المعارف، ط9، القاهرة 1962، ص 191.
11 - آزاده منتظري وآخرون: "النقد الاجتماعي للأدب نشأته وتطوره"، مجلة إضاءات نقدية، السنة الثانية، العدد السادس، 2012م، ص 156.
12 - محي الدين صابر: المرجع السابق.
13 - شوقي ضيف: المرجع السابق، ص 191.
14 - Nkem Dora Akunyili: Re-branding of the Nigerian University, 39th Convocation Lecture of the University of Nigeria, Nsukka (UNN), Thursday August 5, 2010, pp. 12.
15 - زكريا حسين: العميد المبجل، دار النور، ط1، أوتشي 1415هـ- 1994م.
16 - عبد الرفيع عبد الرحمن أسليجو: زارع الشوكة، مطبعة المضيف، ط2، إلورن 2015م.
17 - مرتضى عبد السلام الحقيقي: السيد المحاضر، مطبعة المضيف، ط1، إلورن 2015م.
18 - كمال الدين بالوغن: رحلة البحث عن الإنسان، دار التوفيق، ط1، إلورن 2009، ص 74-75.
19 - المرجع نفسه، ص 32- 33.
20 - عبد الغني أديبايو ألبي: المجاعة، مطبعة المضيف، ط1، إلورن 2016، ص 12- 13.
21 - عبد الغني أديبايو ألبي: المتابعة، (Kewudamilola)، ط1، إلورن 2012م.
22 - المرجع نفسه، ص 22.
References:
1 - Albī, ‘Abd al-Ghānī Adībāyū: Al-majā‘a, Maṭba‘at al-Muḍīf, 1st ed., Ilorin, Nigeria 2016.
2 - Albī, ‘Abd al-Ghānī Adībāyū: Al-mutāba‘a, Maṭba‘at al-Muḍīf, 1st ed., Ilorin, Nigeria 2012.
3 - Albī, ‘Abd al-Ghānī Adībāyū: Al-qiṣṣa wa al-masraḥiyya, tārīkh wa uṣūl, Maṭba‘at al-Muḍīf, 2nd ed., Ilorin, Nigeria 2015.
4 - Al-Ḥaqīqī, Murtaḍā ‘Abd al-Salām: Al-Sayyid al-muḥāḍr, Maṭba‘at al-Muḍīf, 1st ed., Ilorin, Nigeria 2015.
5 - Al-Qamāṭī, Ramaḍān Sa‘d: Al-adab wa an-nuṣūṣ wa al-balāgha wa an-naqd, 3rd ed., Benghazi 2001.
6 - Al-Rā‘ī, ‘Alī: Al-masraḥ fī al-waṭan al-‘arabī, Ālim al-Ma‘rifa, Kuwait 1978.
7 - Al-Zayyāt, Aḥmad Ḥasan: Tārikh al-adab al-‘arabi, Dār al-Taqwā, Cairo 2019.
8 - Aslījū, ‘Abd al-Rafī‘ ‘Abd al-Raḥīm: Zāri‘ ash-shawka, Maṭba‘at al-Muḍīf, 2nd ed., Ilorin, Nigeria 2015.
9 - Bālūghan, Kamāl al-Dīn: Riḥlat al-baḥth ‘an al-insān, Dār al-Tawfīq, 1st ed., Ilorin, Nigeria 2009.
10 - Ḍayf, Shawqī: Fī an-naqd al-adabī Dār al-Ma‘ārif, 9th ed., Cairo 1962.
11 - Idrīs, Zakariyya: Al-‘amīd al-mubadjil, Dār al-Nūr, 1st ed, Uchi, Nigeria 1994.
12 - Muntaẓarī, Āzādeh et al.: An-naqd al-ijtimā‘ī li al-adab nash’atuhu wa taṭawwuruhu, Majallat Iḍā’āt naqdiyya, 2nd year, Issue 6, 2012.
13 - Ṣābir, Muḥyi al-Dīn: At-taghayyur al-ḥaḍārī wa tanmiyyat al-mujtama‘, Al-Maktaba al-‘Aṣriyya, 1st ed., Beirut 1962.
14 - Ṣābir, Muḥyi al-Dīn: Min qaḍāyā at-tanmiyya fī al-mujtama‘ al-‘arabī, Al-Maktaba al-‘Aṣriyya, 2nd ed., Beirut 1987.
الإحالة إلى المقال:

* بشير أمين: القضايا الاجتماعية المعاصرة في المسرحيات العربية النيجيرية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الواحد العشرون 2021. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

المكتبة العربية في نيجيريا دراسة ميدانية لتطورها وأنواعها ووظائفها
حوليات التراث، العدد 17، 2017.
نشأة فن السرديات في الأدب العربي النيجيري وتطوره
حوليات التراث، العدد 19، 2019.

***