ترجمة الأمثال الشعبية في الرواية المغربية الفرانكفونية

د. إيمان سارة الزويني
المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، باريس، فرنسا

الملخص:

يتطرق هذا المقال إلى ترجمة الأمثال الشعبية عند الروائي الفرانكفوني المغربي عبد الحق سرحان في إحدى روايته، ومدى إشكاليتها للمترجم العربي. فترجمة الأمثال الواردة في الروايات غالبا ما تعد من بين أهم التحديات في الترجمة الأدبية لا سيما وأن لهذه الأمثال صبغة مشتركة بين مختلف الثقافات. ولهذا، غالبا ما يتباين الموقف الترجمي عند ترجمة الأمثال الشعبية بين طمس معالمها وتكييفها مع ثقافة المترجم وبين إبراز غرابتها في الترجمة والحفاظ عليها في انفتاح تام على ثقافة الآخر كما تدعو إلى ذلك نظرية المفكر الفرنسي أنطوان برمان من خلال مفهوم الترجمة الأخلاقية الذي سنتبناه من أجل الخوض في ترجمة الأمثال المغربية الواردة في رواية سرحان.

الكلمات الدالة:

عبد الحق سرحان، الأدب الفرانكفوني، المغرب، ترجمة، أمثال شعبية.

***
Translation of proverbs in the Moroccan francophone novel

Dr Imane-Sara Zouini
INALCO of Paris, France

Abstract:

This article tackles the translation of proverbs in a novel of the Moroccan francophone author Abdelhak Serhane, and its problematic issue for the Arabic translator. When translating proverbs, the translation position often varies between obliterating its features, adapting it to the translator’s culture and highlighting its peculiarities in translation and preserving it in complete openness to the culture of the other, as called for by the French thinker Antoine Berman through his concept of ethical translation that we will adopt in order to delve into the translation of Moroccan proverbs cited in Serhane's novel.

Keywords:

Abdelhak Serhane, francophone literature, Morocco, translation, proverbs.

***

النص:

يحمل الروائي المغربي الفرانكفوني عبد الحق سرحان آثار تلاقي كل من الثقافتين المغربية والفرنسية في كتاباته. ورغم أنه يخط نصوصه الأدبية باللغة الفرنسية، غير أن هذه اللغة تمتزج بأصوات نابعة من اللهجتين المغربية والأمازيغية. وينعكس هذا الإرث الثقافي المزدوج في روايته (Les Temps noirs)(1)، - الصادرة عن دار النشر الفرنسية (Seuil) سنة 2002 - من خلال كتابة التمازج (métissage) الثقافي واللغوي التي يعتمد عليها الكاتب.

وبشكل عام، تندرج رواية عبد الحق سرحان تحت باب الأدب الفرانكفوني المغاربي الذي زاد الاهتمام به من حيث مجال الترجمة في السنوات الأخيرة، وذلك لأن غالبية الروائيين المغاربيين يميلون إلى الكتابات الهجينة التي أنتجها السرد المعاصر ويقدمون متخيلا (imaginaire) متعدد اللغات. ويظل الجانب اللغوي هو الجانب الأبرز في الروايات الفرانكفونية المغاربية إذ أن كل من اللغة والثقافة الأم تظلان حاضرتين بقوة لا سيما وأن لهؤلاء الروائيين رغبة لا محدودة في تقديم إرثهم الثقافي والتعريف به.

ومن هذا المنطلق، تشكل ترجمة الرواية الفرانكفونية إلى اللغة العربية تحديا حقيقيا، فلغة الكاتب الأدبية، أي اللغة الفرنسية، تتأثر على المستوى الأدبي والشعري بلغات الكاتب الأم ومتخيله. لذلك، يستحسن عند ترجمة الرواية الفرانكفونية أن يتجاوز المترجم الثنائية التقليدية في الترجمة المحددة في "لغة المصدر" و"لغة الهدف" وأن يراعي وجود لغة إضافية ناقلة للمفاهيم المحددة لثقافة الكاتب ومتخيل متحدثي هذه اللغة. وفي رواية عبد الحق سرحان التي نحن بصدد دراستها، فإن العناصر الثلاث الواجب مراعاتها في الترجمة تتمثل في اللغة الفرنسية كلغة مصدر وما تحمله من دلالات، وفي اللغة العربية كلغة الهدف وفي اللهجة المغربية كلغة إضافية ناقلة لمفاهيم الثقافة المغربية بالرواية.

ولذلك، فإن الغرض الأساسي من هذا المقال هو الكشف عن المقاربة المثلى لترجمة الرواية المغربية الفرانكفونية، وبالخصوص إذا تضمنت آثارا ثقافية عديدة مثل الأمثال الشعبية كما هو الحال في رواية هذا الكاتب. ولذلك، سنخصص الجزء الأول من هذا المقال إلى نظرية أنطوان برمان عن الترجمة التي اعتمدناها من أجل ترجمة الأمثال الشعبية الواردة في هذا النص الأدبي فيما سنركز في الجزء الثاني على إشكالية ترجمة بعض الأمثال الشعبية التي تتضمنها الرواية.

1 - نظرية الترجمة عند أنطوان برمان:

إن رواية عبد الحق سرحان الفرانكفونية رواية ذات كتابة غير نمطية؛ فهي نص أدبي يجمع بين الشفاهية (oralité) والكتابة كما يجمع بين لغة الكتابة الأدبية الفرنسية، وبين لغات الكاتب الأخرى، اللهجتين المغربية والأمازيغية. لذا، فإن ترجمة هذا النوع من النصوص الأدبية يطرح على المترجم قبل كل شيء مسألة كيفية نقل هذه الخصوصيات الأدبية للنص إضافة إلى منهجية الترجمة والغرض منها؛ فهذه الكتابة الأدبية المغربية المزيجة بين الثقافات لا يمكن الخوض في ترجمتها دون مراعاة العلاقة الوثيقة للرواية بالسياق الأدبي والثقافي أيضا.

إننا نعلم جيدا أن المقاربات السائدة في مجال الترجمة لطالما كانت تتسم بأنماط كلاسيكية ثنائية (وفاء/خيانة، ترجمة حرفية/ترجمة حرة) والتي كانت دارجة طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر غير أن تلك الأنماط أصبحت غير قابلة لاستيعاب الكتابات الأدبية الفرانكفونية التي تتميز نصوصها اليوم بالتمازج والتعدد اللغوي. ولذلك، بعيدا عن السجالات القديمة والعقيمة، أصبحت الترجمة الأدبية اليوم، في ظل نظريات الترجمة الحديثة، وخاصة في ظل ما يعرف بالمنعرج الثقافي في الترجمة، تثير مواضيع أخرى ترتبط بمفهوم حوار الثقافات، وكيفية تقليص المسافات الشاسعة بين اللغات والثقافات إذ أن هذه المسافات غالبا ما ينتج عنها تشوهات للنصوص الأدبية عند ترجمتها، بل وتحرم القارئ من فرصة الاطلاع على مفاهيم غريبة عليه وجديدة على ثقافته. وفي إطار دراسات الترجمة الحديثة، برز توجهان أساسيان في مجال دراسات الترجمة: يصنف التوجه الأول على أنه أهل الهدف "ciblistes" ويعطي أصحابه الامتياز للغة النص الهدف وثقافته، ويقترن عندهم مفهوم الأمانة في الترجمة بالوفاء لمعنى النص الأدبي فقط؛ أي كل شيء في الترجمة موجه نحو النص الهدف. أما التوجه الثاني، فهو الحرفية (la lettre)(2) في الترجمة ويكون فيه الاهتمام أولا بالنص الأصل وبجميع خصائصه اللغوية والثقافية إذ يؤمن أصحاب هذا التوجه "sourciers" بأن الشكل والمعنى مكملان لبعضهما وبأن مفهوم الأمانة يكمن في الوفاء للحرف وفي الحفاظ على غرابة(3) (étrangeté) النص.

ولذلك، تظل نظرية المفكر الفرنسي أنطوان برمان في الترجمة الأدبية من أكثر النظريات حرصا على حصة الغريب(4) (l’étranger) في النصوص الأدبية إذ يقوم مفهومه للترجمة على مبدأين أساسين: أولهما، البعد الأخلاقي للترجمة الذي يطالب بحماية روح النص الأجنبي، والحفاظ على غرابته، وتجنب إلحاق تغييرات به أو تطويعه إلى اللغة المترجم إليها. وثانيهما، مبدأ، الحرفية في الترجمة الذي يقضي بأن لا يندفع المترجم وراء رغبته في تكييف النص الأصلي بحيث يصبح قريبا من الثقافة الهدف، بل أن يلتزم بالحفاظ على الخصائص الثقافية للنص الأصلي في الترجمة ويرفض أي محاولة لإدماجها. وبهذا يمكن القول إن تصور أنطوان برمان للترجمة تصور مناهض للتمركز العرقي في الترجمة (ethnocentrisme)(5) الهدف منه بالأساس الحفاظ على غرابة النص الأصلي على خلاف الترجمة المتمركزة عرقيا التي تعيد كل شيء إلى لغة المترجم وثقافته. وبالتالي، يتحقق من خلال تصور أنطوان برمان للترجمة الأخلاقية (traduction éthique)(6) مبدأ الاعتراف بالآخر؛ وهو ما يبرز أن جوهر عملية الترجمة الأدبية ليس الوساطة فقط إنما الحوار قبل كل شيء. إضافة إلى ذلك، فإن مفهوم الأمانة في الترجمة لدى برمان يتحقق من خلال انفتاح المترجم على الآخر والحوار معه. وإذا كان البعد الأخلاقي في الترجمة يرتكز على مبدأ الحوار مع الآخر، فإن الهدف الأخلاقي للترجمة لا يتحقق إلا من خلال التقيد بحرفية النص. وهنا، لا ينبغي حصر معنى الحرفية في النقل كلمة بكلمة أثناء الترجمة بل يقصد بها الاهتمام بغيرية (altérité) النص الأجنبي وإبراز خصوصيته وغرابته على أن يحترم المترجم قواعد التعبير بين مختلف الأنظمة اللغوية.

بالعودة إلى رواية عبد الحق سرحان، فإن ترجمتها إلى اللغة العربية الفصحى تبرز تحديات مختلفة. فلغة الروائي ليست بلغة ثابتة بل إنها، على العكس، لغة مرنة تدمج عدة مستويات لغوية. وقبل الشروع في ترجمة الرواية، ينبغي الأخذ في عين الاعتبار أننا بصدد نص أدبي معاصر، مؤثر وحيوي، يدرج صورا وإيقاعات غريبة على بنية اللغة الفرنسية وإيقاعها كما سنرى ذلك في القسم التالي. كما نعلم مسبقا أن ترجمة النص الأدبي تختلف عن باقي مجالات الترجمة إذ لا تقتصر على نقل معنى النص الأدبي بل على شكله أيضا. ولذلك، فإن القيمة الجمالية للنص الأدبي لا تكتمل إلا بوجود الشكل والمعنى معا. وحتى يترجم رواية فرانكفونية وينقل أسلوب الكتابة وحيويتها، ينبغي على المترجم أن يولي اهتماما خاصا بخاصية الشفاهية السائدة في الرواية وبإبراز غرابة النص إذ أن كل من الشفاهية والغرابة لهما تأثير خاص على القارئ. لذلك، عندما اهتممنا بترجمة الرواية، فإننا احتفظنا في النص الهدف بكل مفردات الثقافة المغربية التي وردت في النص الفرنسي، ولم نحاول أبدا تطويعها أو تحويلها إلى اللغة العربية الفصحى. كما حرصنا أيضا في الترجمة على الإبقاء على كل الاقتراضات الواردة في النص الفرنسي من لغات عبد الحق سرحان ومن ثقافته المغربية ولو اضطررنا أحيانا إلى اللجوء إلى إضافة هوامش للترجمة. فقرار إضافة الهوامش يظل خيارا أقل سوءا من التدخل في النص الأدبي نفسه، ويشكل حماية للمترجم من الترجمة المعيبة ومن النزعات التشويهية(7) (tendances déformantes) للنص. وبفضل هذه الموقف الترجمي (position traductive) الذي اعتمدناه، نكون قد التزمنا بشروط الترجمة الأخلاقية التي يدعو إليها أنطوان برمان وظللنا مخلصين في الآن ذاته لحرفية النص الأصل وروحه كما سنرى في القسم التالي مع الأمثال الشعبية المغربية الواردة في الرواية.

2 - ترجمة الأمثال الشعبية المغربية:

بما أن النصوص الأدبية مرآة عاكسة للشعوب ولغاتها وثقافاتها، يتوجب على المترجم الأدبي أن يكون على دراية تامة باللغتين المستخدمتين في الترجمة وكذا بثقافاتهما حتى يتمكن من الربط بين الثقافات(8)، لا سيما وأن الأمثال الشعبية غالبا ما تكون مشتركة بين الثقافات. وعندما يتعين ترجمة الأمثال الشعبية، فقد يميل بعض المترجمين إلى تكييف هذه الأمثال مع ثقافتهم واختيار ما يعادلها في لغتهم غير أن هذا الموقف الترجمي يطمس الأثر الأجنبي والغريب للنص الأصل(9) كما أوضحنا ذلك.

في رواية عبد الحق سرحان، يتميز المثل الشعبي بخصائص دقيقة أهمها إيجاز اللفظ، والبنية الثنائية، والإيقاع الخفيف وتجانس الأوزان والكلمات. وإذا فقد المثل أحد هذه الخصائص عند نقله إلى لغة الهدف، أصبحت ترجمته معيبة. فترجمة الأمثال الشعبية ليست بترجمة لغة فحسب، بل ترجمة مجموعة صور لصيقة بعالم الكاتب تنقلها لغته الأدبية وينبغي استرجاعها في النص الهدف، كما أن هذه الصور مركزة في تراكيب خاصة قد تنصهر إذا لم ينتبه المترجم إليها وتفقد قوتها المتضمنة في القول (force illocutoire). وفي الرواية، يستعين عدد من الشخصيات بأمثال شعبية مغربية تأكيدا لآرائهم ولتصريحاتهم. ولأن هذه الأمثال الشعبية لا تنفصل عن فكر المجتمع المصور في الرواية، فقد وردت في النص الأدبي بشكلين: إما على شكل عبارات ذات معنى مباشر وقابلة للاستيعاب بسهولة، وإما على شكل عبارات مجازية ذات معنى غامض قد يستعصي على القارئ غير العربي أحيانا فك شفرتها. كما استعان الكاتب بالحروف اللاتينية لإدراج هذه الأمثال المغربية في روايته، وأرفقها أحيانا بترجمة فرنسية في النص المصدر. لكن، في غياب هذه الترجمة، قد يصعب على القارئ الفرنسي التعرف على هذه الأمثال الشعبية بينما يسهل على القارئ المغاربي التعرف عليها وعلى أصلها العربي على المستوى المعجمي. أما على المستوى النحوي، فنشير إلى أن الأمثال الشعبية المغربية تتخلى عن القواعد اللغوية والنحوية الخاصة باللغة العربية الفصحى لأنه يتم استبدالها بالتركيبة النحوية الخاصة باللهجة المغربية كما سنرى مع الأمثال التالية.

لقد أشرنا سابقا إلى أن سكان القرية في الرواية يستحضرون الأمثال الشعبية كلما أرادوا تبرير مواقفهم أو أرادوا إسداء النصيحة للغير. وغالبا، ما يختلف شكل الأمثال الشعبية بين التأكيد والتعجب. وأول مثال يصادفه قارئ الرواية هو الآتي(10):

"Je vous dis que la Blanche recherche le savon de Taza, c'est moi qui vous le dis. L’homme n'est plus le même depuis qu’elle a mis ces quelques mots de sa langue dans sa bouche. Elle l’a complètement transformé, que dis-je ensorcelé".

إن تعبير "صابون تازة" مقتطف من جملة فعلية مألوفة في التراث الشعبي المغربي وهي جملة "خاصك معاه صابون تازة"؛ ويقصد منها حرفيا "تحتاج معه إلى صابون تازة". في الواقع، اشتهر قديما صابون مدينة تازة، الواقعة في شمال شرق المغرب، بفعاليته ضد البقع العنيدة. ولعل أبرز خاصية في هذا المثل هي ازدواجية معناه. فيستخدم تارة في صيغة شكوى ضد شخص يتطلب وجوده صبرا على كل المستويات، ويتمثل التحدي في القدرة على التخلص منه أو أخذ شيء منه بجهد كبير. ويستخدم تارة بدلالة ساخرة للتنديد بتدهور الواقع وانحطاطه، واستغلال ثقة الأفراد العمياء من قبل بعض المتلاعبين الذين لا يقدرون على تطهير أنفسهم من الخبث ولو استخدموا صابون تازة الشهير بجودته العالية كمنظف في التطهير. أما في النص، فالعبارة تأخذ صيغة تهمة موجهة إلى الشابة الفرنسية نادين التي يراها سكان القرية على أنها مجرد امرأة مناورة ومتلاعبة، واستخدم أحد القرويين هذا المثل بهدف شجب علاقتها مع الشاب المغربي موحا أو حيدا. في النص المصدر، ورد المثل باقتضاب (ellipse). ومن أجل الترجمة، اخترنا نهج بيرمان في الترجمة حتى نحافظ على غرابة النص بدلا من البحث عن صيغ مقابلة أو مكافئة له وأوردنا المثل الشعبي المغربي في الترجمة العربية دون أدنى تغيير وفضلنا إعادة إنتاج التأثير نفسه في الترجمة العربية، وبالتالي الحفاظ على الاقتضاب نفسه. إضافة إلى ذلك، يمكن الاستعانة بملاحظة على هامش الترجمة من أجل القارئ حتى نخبره بالتعبير الأصلي وبمعناه المجازي. وتظل نتيجة الترجمة كالتالي:

"أقول لكم إن المرأة تبحث عن صابون تازة، وأنا الذي أقولها لكم. تغير الرجل منذ أن علمته تلك الكلمات... لقد غيرته تماما... لا بل ألقت عليه سحره".

خلافا للمثالين السابقين، أورد الكاتب أحيانا أمثالا شعبية بترجمتها الفرنسية فقط. وإذا كانت هذه الحالات قد تمر على القارئ دون أن يتنبه لها، فلا يمكن للمترجم أن يتجاهل وجودها بالنص. وفي كلا المثالين التاليين، لم يرد المثل المغربي في النص، بل تواجد من خلال ترجمته الفرنسية فقط(11):

"Où nous emmène-t-on ? demanda un jeune campagnard à son voisin d’infortune.
- Certainement pas à La Mecque ! répondit celui-ci.
- Tu es sûrement aveugle puisque tu ne vois pas où l’on va !
- Ils sont arrivés après nous et nous ont devancés en mendicité !".

هنا، اكتفى الكاتب بإدراج ترجمة المثل المغربي مختزلا دقته البارزة في اللهجة المغربية. كما أن الصورة الواردة في الجزء الثاني من المثل الأصلي قد اختفت في ترجمة الكاتب وأعاد صياغة معناها لأنه لو لم يستغن عنها كان سيحصل على ترجمة حرفية غير مفهومة مثل "اندفعوا إلى المنازل الكبيرة".

وبالرغم من هذه الخسارة، فإن الكاتب استطاع أن يحافظ على الحركة الإيقاعية للمثل من خلال وضع جملتين كاملتين، الواحدة إلى جانب الأخرى؛ وهو ما أدى إلى تضمين المزدوج بالضمير (nous) في منتصف العبارة الفرنسية إضافة إلى تجانس صوتي بتكرار حرف العلة (é) الذي يلعب دور قافية خفية.

ولذلك، اخترنا من أجل النص الهدف إدراج المثل المغربي الأصلي بدلا من محو غرابته والاكتفاء بإعادة صياغة. فإذا توجب على الكاتب المغربي أن يترجم المثل لتقريب العبارة من قارئه الناطق بالفرنسية، فإن العبارة تستعيد شكلها وتعبيرها الأصلي بمجرد وجودها ضمن النص الهدف. وبالتالي، نستطيع الحفاظ على كل من البنية الثنائية، والجملة الفعلية، وزمن الفعل الماضي للمثل، مما يسمح للصورة المجازية بالعودة مرة أخرى في النص العربي. ومن جانب آخر، تم استبدال القافية التي ظهرت بالترجمة الفرنسية بالإيقاع الموسيقي الأصلي للمثل المغربي بفضل تضمين المزدوج لحرف السين وتجانس صوتي بحرف الياء إلى جانب آخر كلمتين في العبارة وآخرهما حرف الراء. وبهذا تكون الترجمة كالتالي:

"سأل شاب من البادية جاره في المصيبة:
- إلى أين يأخذوننا؟
- بالتأكيد ليس إلى مكة!
- أكيد أنك أعمى ما دمت لا ترى إلى أين نحن ذاهبون!
- علمناهم السْعايَه، سبقونا للديور الكبار!".

من جهة أخرى، وردت في النص أيضا حالة أخرى غاب بها المثل الأصلي واكتفى الكاتب بذكر ترجمته الفرنسية فقط(12):

"Raconte l’histoire comme tu la ressens. Raconte, mon ami, tu sais bien le faire !
- Qui dîne avec les enfants casse son jeûne le lendemain ! Je ne m’amuse pas avec vous. C’est l’histoire du pays que je vous raconte. L’histoire réelle, celle que l’histoire officielle occulte de manière délibérée".

في المغرب، كثيرا ما يردد الأشخاص المتشبعين بتجارب الحياة هذا المثل الشعبي لأنه يتضمن كلاما حكيما من وجهة نظرهم. وفي الواقع، يستحضر هذا المثل ظاهريا شهر رمضان، الركن الرابع من الدين الإسلامي، غير أنه له معنى أعمق من كلامه البسيط. ففي شهر رمضان، يوصى بتناول وجبة السحور قبل آذان الفجر للحفاظ على طاقة الجسم يوم الصيام. وخلال هذا الشهر المقدس للمسلمين، يعشق الأطفال تناول هذه الوجبة الحصرية المخصصة للبالغين الصائمين فقط. وغالبا، ما يتظاهر الأطفال بأنهم يريدون الصيام في اليوم الموالي ويطلبون من الكبار إيقاظهم من أجل تناول وجبة السحور برفقتهم. ولكن، في الصباح الموالي، غالبا ما يحنثون وعدهم، ويوقفون الصيام متظاهرين بالجوع. ومن هذه المقارنة الذي يعتمدها المثل الشعبي، نستنتج معناه الأول أي أنه يجب على المرء ألا يصدق الأطفال أبدا عندما يتعلق الأمر بشؤون هامة في الحياة. أما معناه الثاني، فإن الشخص الذي يضيع وقته مع أشخاص ذي سلوكيات طفولية، أشباه الصغار، فلن يصل أبدا إلى الهدف الذي حدده لنفسه.

في النص المصدر، احتفظت الترجمة الفرنسية بعدة سمات من المثل الأصلي ومنها التعبير التوكيدي والتعجبي، والبنية الثنائية، واللفظ النسبي (qui) الذي يستعمل مقابله المغربي "اللي" للإشارة إلى الإنسان. لكن، مع غياب مكافئ لغوي لفعل "تسحر"، لجأ الكاتب إلى فعل "يتعشى" الذي يفتقر إلى هذا الفارق الدقيق لوقت وجبة السحور. وعلى الرغم من أن الترجمة الفرنسية تفتقر إلى بنية إيقاعية بارزة، فإننا نسجل وجود تجانس صوتي بحرف العلة (e) يلعب دور قافية.

ولهذا السبب، ينبغي إعادة المثل الشعبي إلى أصله للقارئ العربي في الترجمة العربية، وهو ما سيبرز كل الإيقاعات الأصلية للمثل. بينما، لن نحتاج إلى أي ملاحظة على هامش الترجمة لأننا نعتبر المثل شفافا وواضحا بما فيه الكفاية. وعليه، نحصل على النتيجة التالية:

"- اسرد لنا القصة كيفما شئت. تحدث يا صاحبي، أنت تعرف كيف تحكي لنا القصة بشكل رائع!
- اللي تسحر مع الصغار يصبح فاطرْ! أنا لا ألهو معكم إنني أحكي لكم تاريخ البلاد. التاريخ الحقيقي الذي تخفيه الرواية الرسمية عمد".

ورد في الرواية أيضا أمثالا شعبية يحتل فيها الطعام مكانا بارزا، ولا يتوانى سرحان في استدعائها حتى يزيد من سُمك الواقع في نصه الأدبي(13):

"Quelle race vous faites ! Vous avez toujours quelque chose à reprocher à celui qui essaie d’évoluer. On le dit bien: qui ne parvient à la viande dit qu’elle est avariée !
- Mais celui qui bouffe trop de viande risque d’avoir une indigestion, même si elle n’est pas avariée !".

في الواقع، قصة اللحم تذكر القارئ بأسطورة لافونتين الشهيرة "الثعلب والعنب". ولأسباب سردية، أورد الكاتب المثل المغربي بطريقة مقتضبة ووضعه في السياق الخاص به، أي اللوم والعتاب الذي يقع فيه الشخص عند فشله في الحصول على شيء محدد بدافع من الحسد والغيرة. فعندما لم يستطع الثعلب الوصول إلى الارتفاع المطلوب لالتقاط حبات العنب، تظاهر باحتقار الفاكهة. وبما أن هذه القصة حاضرة في ذهن القارئ، فبإمكانه استيعاب المدلول في هذا السياق خاصة وأن هناك مثل منتشر على نطاق واسع في الثقافة العربية وهو: "اللي ما يطول العنب، حامض عنه يقول".

وبذلك، نتمكن من الحفاظ على المثل المغربي في الترجمة الهدف، من خلال تقديم العبارة بترجمة صريحة، أي بفضل عبارة تحترم علامة النفي والبنية الثنائية حتى تكون النتيجة كالآتي:

"- من أي طينة أنتم! لديكم دائما شيئا لمعاتبة من يحاول التطور. لقد قالها القدامى: من لم يستطع اقتناء اللحم، قال عنه إنه فاسد!
- لكن من يأكل اللحم كثيرا قد يصاب بعسر الهضم، حتى إذا لم يكن فاسدا!".

ودائما في مجال الطعام، جاء في النص الأدبي مثل شعبي آخر أورده الكاتب بترجمته الفرنسية فقط(14):

"Elles étaient persuadées que l’homme était guéri et que le mérite en revenait à sa cousine. Pourquoi donc ne pas les marier ? C’était sa cousine. Et la viande avariée n’est portée que par les siens".

يأتي هذا المثل على شكل ملفوظ سردي تقريري (assertif) قائم على الاستعارة من أجل تشبيه الإنسان الضعيف باللحم الفاسد، لا سيما إذا كان شخصا مقربا أو صديقا عزيزا في موقف سيء أو في حالة ضعف. ويحث المثل هنا على ضرورة عدم التخلي عن شخص مقرب في الأوقات العصيبة. في النص المصدر، تمكن الكاتب من إيجاد ترجمة فرنسية متناغمة للمثل المغربي، والتي تنقل الاستعارة وتضيف تأثيرا إيقاعيا مختلفا بفضل تضمين المزدوج بالحرف (a) والتجانس الصوتي بفضل الحرف (e). ومن أجل الترجمة الهدف، سيتمكن المثل المغربي من العودة إلى أصله للحفاظ على غرابته. وإذا أحدثت الترجمة الفرنسية للمثل أثرا إيقاعيا في بداية الجملة، فالمثل المغربي في النص الهدف يبرز في آخره تضمينا للمزدوج بحرف الهاء. كما يمكن إدراج ملاحظة على هامش الترجمة للقارئ لتبيان المثل وظروف استخدامه في الثقافة المغربية. وهكذا نحصل على الترجمة التالية:

"كن يعتقدن أن الرجل قد شفي وكان الفضل يعود إلى رحمة. لما لا نزوجهما إذن؟ كانت الشابة قريبته في آخر المطاف. اللحم إلا خْنازْ كيهزوه ماليه".

إلى جانب مجال الطعام، تضمنت الرواية مثلا شعبيا ذي صلة بالحيوانات ظاهريا غير أن مجال تطبيقه يخص البشر في الواقع(15):

"Mon fils ! L’unique ! Lala Aïcha l’a ensorcelé, mes amies ! Quel grand malheur est le mien ! Plus elle caquette et plus elle augmente la taille de ses œufs".

جاء المثل الشعبي هنا بصفة تعجبية ويصور منظر الدجاجة التي تبيض؛ إذ كلما قوقأت الدجاجة أكثر، كلما وضعت مزيدا من البيض. وبتطبيق هذه الصورة المجازية على الحياة اليومية، يستخدم هذا المثل للدلالة على سلسلة من المصائب التي تحدث للشخص وتتوالى عليه بشكل غير متوقع. في النص المصدر، تقدم الترجمة الفرنسية للمثل جملة فعلية تستعين بأسلوب المقارنة بالزيادة (plus) في بداية الجملة وفي منتصفها بغية التعبير عن مواصلة الحيوان لإصدار صوته؛ وهو ما يؤدي إلى تكرار غائب عن المثل الأصلي في اللهجة المغربية. كما نسجل أثرا إيقاعيا بفضل التجانس الصوتي المحدث بفضل الحرف (e) وكذا بفضل تضمين المزدوج بتكرار الصوت "te". أما في الترجمة العربية، فسيعود المثل إلى كل من شكله وبنيته وإيقاعه الأصلي إذ سنعيد أداة التعجب في اللهجة المغربية "م" المتبوعة بفعل ماض التي اختفت في الترجمة الفرنسية. ويضاف إلى ذلك أثر إيقاعي خفي بفضل التجانس الصوتي بحرف الألف في بداية المثل وبحرف الياء في الجزء الثاني من المثل. وبهذا، نحصل على النتيجة التالية:

"ابني! الوحيد! سحرته للا عيشة يا صديقاتي! يا لها من مصيبة حلت بي! ما حدها تْقاقي وهي تزيد في البيض".

على غرار المثل السابق، نجد في الرواية مثلا شعبيا آخر يتحدث عن الحيوانات لكن مجال تطبيقه يخص البشر بالأساس(16):

"Pourquoi faites-vous tant d’histoires pour si peu ? C’est bien nous: le deuil est grandiose alors que le mort est une souris !".

لهذا المثل الشعبي المتداول كثيرا معنى ثان يمكن استنتاجه بسهولة حيث أن الكاتب يزود القارئ بشرح أولي للصورة التي ينقلها المثل حتى قبل أن يذكره. وغالبا، ما يستخدم هذا المثل المغربي للتنديد بتضخيم الأحداث البسيطة ومن جعل التفاهات أمرا مهما من خلال وصف تضخيمي لها.

وبغية إدراج المثل في النص المصدر، اختار الكاتب المضي قدما بترجمة حرفية قائمة على المقارنة بفضل استخدام إحدى روابط النسق (alors que) بدلا من استخدام المثل الفرنسي المقابل له (faire d’une mouche un éléphant). ومع ذلك، فإن ترجمة الكاتب الفرنسية في النص الأصل لا توضح القصد من المعنى بشكل حرفي، لكنها تقدم تضمينا للمزدوج بتكرار الحرفين الفرنسيين (r) و(o). أما في الترجمة العربية، فيستعيد المثل المغربي شكله الأصلي إذ يعد أكثر دقة من الترجمة الفرنسية المختارة من الكاتب الذي يستخدم شعور "الحداد" (deuil) بينما المثل الأصلي يشير إلى مراسم "الجنازة" (funérailles). ويتأكد التباين بشكل أفضل بين الفأر، الذي يشير إلى كل ما هو ذو حجم صغير، وبين الجنازة التي ترمز إلى حدث كبير وضخم مقارنة مع حجم الحيوان الضئيل.

وبالتالي، إدراج المثل المغربي في الترجمة العربية سيعيد إلى المثل دقته التعبيرية التي تلاشت في ترجمة الكاتب، إضافة إلى إيقاع صوتي بحرف الراء. وبالنسبة للقارئ العربي، لا يطرح المثل المغربي أي مشكلة له إذ يكفي أن يمتلك بعض المعرفة اللغوية حتى يستوعب المثل، خاصة وأن هذا المثل وارد في عدة لهجات عربية باختلافات طفيفة. وبالتالي، تكون نتيجة الترجمة كالآتي:

"ولكن لماذا تهولون الأمر من أجل لا شيء؟ نحن هكذا: الجنازة كبيرة والميت فار".

كما سبق وأن ذكرنا فإن للحيوانات مكانة كبيرة في الثقافة المغربية الشعبية ولذلك نجد في الرواية مثلا شعبيا آخر يستعين بها(17):

"Laisse-moi si tu ne veux pas que l’un de nous manque à l’appel !
- Je sais ce que tu ressens !
- Occupe-toi de ce qui te regarde ! Un éléphant ne suffit pas ; on lui fait venir une femelle !".

تكمن وراء هذا المثل خرافة قديمة تحكي أن ملك قبيلة تلقى فيلا كهدية وأمر رعاياه بالاعتناء به. غير أن الحيوان كان يدمر المحاصيل والنباتات والحقول. ومن شدة الغضب، قرر أفراد القبيلة زيارة الملك لتقديم شكواهم من الحيوان. لكن خرج إليهم الملك ومزاجه متعكر ثم سأل بغضب ممثل القبيلة عن مشكلة الفيل بالضبط. وإثر ملاحظته لغضب الملك الشديد، تلعثم الرجل وقال بصوت يكاد يسمع: "نود أن نجد له أنثى". وعلى هذا النحو، أضاف أفراد القبيلة مصيبة ثانية إلى مصيبتهم الأولى. وبشكل عام، يستخدم سكان المغرب هذا التعبير المجازي للإشارة إلى عبء إضافي يثقل حياة الفرد. وكباقي الأمثال السابقة، اكتفى الكاتب بإدراج الترجمة الفرنسية فقط في النص المصدر. وظل معنى المثل سليما بينما أضافت الترجمة الفرنسية إيقاعا خفيفا نتيجة تضمين المزدوج بالحرف (f). ومن أجل الترجمة العربية، يفضل إفساح المجال للأصل المغربي حتى يستعيد المثل دقته التعبيرية، لا سيما وأن المثل يستعين بعلامة "م" النافية المستخدمة في اللهجة المغربية في بداية الجملة متبوعة بفعل ماض ويحقق أثرا إيقاعيا بفضل الكلمتين "فيل" و"فيله". وبالتالي نحصل على الترجمة التالية:

"- اتركني إذا لم ترغب في أن ينقص أحدنا!
- أفهم ما تشعر به!
- اهتم بما يعنيك! ما قدو فيل، زادوه فيله".

آخر مثل شعبي سنتطرق إليه هو من الأمثال التي يتطابق معناها المجازي مع مفردات المثل بعينه(18):

"Il fallait agir vite. Faire ce que les ancêtres faisaient en pareilles circonstances-que la prière et le salut de Mohamed soient sur eux ! Qui te devance d’une nuit te devance d’une ruse !".

يشير المثل هنا إلى نقص خبرة الفرد في الحياة وغالبا ما يقال للأشخاص الأصغر سنا من المتحدث به؛ ويعني أن تجارب الحياة تجعل دائما الأشخاص المتقدمين في العمر أكثر وعيا وخبرة وحيلا منا. تتضمن اللهجة المغربية مثلا قريبا لهذا المثل الذي يشجع على مشاورة الأشخاص الأكبر سنا وهو "اللي فاتك بليلة، فاتك بحيلة"، ويحافظ هذا المثل المشابه على البنية الثنائية ولم يتغير فيه عنصر آخر ما عادا استبدال الفعل "سبقك" بالفعل "فاتك" أي تجاوزك؛ ويعد الفعل الأول مرادف للفعل الثاني في اللهجة المغربية. ولأسباب لغوية، اخترنا إدراج المثل المغربي بالفعل "سبق" في الترجمة لأنه يظل قريبا من اللغة العربية الفصحى. ومن ناحية أخرى، تحافظ ترجمة الكاتب في النص المصدر على الضمير النسبي المستخدم في اللهجة المغربية "اللي" (qui) الذي يشير إلى الوحدة المعجمية "إنسان"، كما تحافظ الترجمة على البنية الثنائية للمثل الأصل وتعزز توازنه البنيوي بتضمين المزدوج بالحرف (e)، وبتكرار الفعل المضارع (devance) مما يعطي أثرا إيقاعيا للجملة الفرنسية. وبإدراج المثل المغربي في النص الهدف، يعود التعبير إلى صيغته وإيقاعه الأصلي. ولعل الأهم في هذه الترجمة هو عودة ظهور التجنيس في المثل الشعبي بفضل "حيله، ليله"، وهو ما يضفي أثرا إيقاعيا ويعززه تكرار الفعل الماضي "سبق". وبالتالي، نحصل على النتيجة الآتية:

"كان ينبغي التحرك سريعا. والقيام بما كان الأجداد يفعلونه في ظروف مماثلة... اللي سَبْقَكْ بليلَه سَبْقَكْ بحيلَه".

وباختصار، يخضع المثل الشعبي في رواية عبد الحق سرحان إلى عملية ترجمة مزدوجة، الأولى تتم إلى اللغة الفرنسية من طرف الكاتب حتى يورده في الرواية الفرانكفونية، والثانية إلى اللغة المغربية عند ترجمة النص إلى اللغة العربية في النص الهدف حتى يستعيد شكله الأصلي ويظهر من جديد في ثقافته الأصلية.

وفي مجمل الأمثلة التي ذكرناها، فضلنا إدراج المثل الشعبي الأصلي في الترجمة الهدف، على أن نضيف إليه ترجمة أو ملاحظة توضيحية على الهامش إذا اقتضى الأمر ذلك. وغالبا، ما تساعد هذه الملاحظات القارئ في فك الشفرات الدلالية وتُيسر عملية استقبال الأمثال الشعبية. غير أنه يمكن الاستغناء عن هذه الملاحظات أحيانا للأمثال ذات الدلالات القريبة من اللغة العربية الفصحى لتفادي تحميل النص الأدبي إضافات غير ضرورية؛ فالقارئ قادر على استيعاب التقارب الدلالي والمعنوي.

وخلاصة القول، يظل الأهم في ترجمة الأمثال الشعبية هو الموقف الترجمي للمترجم؛ ففي هذه الرواية رفضنا رفضا تاما كل محاولة لمحو الغرابة في النص الهدف أو البحث عن أمثال مقابلة لها في اللغة العربية الفصحى. فنهج أنطوان برمان القائم على الترجمة الأخلاقية ساعدنا في جعل الاختلافات الثقافية مرئية في ترجمة الرواية بدلا من الاكتفاء بتبديدها وتطويعها. كما أن هذا النهج كان كفيلا بمراعاة إيقاع الأمثال الشعبية وبلاغاتها اللفظية. فلو أننا اعتمدنا على نقل المثل كلمة بكلمة أو اختارنا مقابلا له في اللغة العربية الفصحى، أي ترجمة المعنى قبل كل شيء، كان ذلك سيعني تجاهل الحرف، ورفضا قاطعا للانفتاح على الآخر وإحجاما لغرابة النص.

الهوامش:
1 - Abdelhak Serhane : Les temps noirs, Le Seuil, Paris 2002, p. 230.
2 - Antoine Berman : La traduction et la lettre, ou, l’auberge du lointain, Le Seuil, Paris 1999, p. 13.
3 - Antoine Berman : L’épreuve de l’étranger, Culture et traduction dans l’Allemagne romantique, Gallimard, Paris 1984, p. 17.
4 - Ibid., p. 104.
5 - Antoine Berman : La traduction et la lettre, pp. 48-49.
6 - Antoine Berman : L’épreuve de l’étranger, p. 17.
7 - Antoine Berman : La traduction et la lettre, p. 53.
8 - Georges Mounin : Les problèmes théoriques de la traduction, Gallimard, Paris 1963, pp. 258-270.
9 - Antoine Berman : Pour une critique des traductions, John Donne, Gallimard, Paris 1994, pp. 74-75.
10 - Abdelhak Serhane : Les Temps noirs, p. 89.
11 - Ibid., p. 107.
12 - Ibid., p. 125.
13 - Ibid., p. 129.
14 - Ibid., p. 138.
15 - Ibid., p. 134.
16 - Ibid., p. 90.
17 - Ibid., p. 146.
18 - Ibid., p. 134.
Références:
1 - Berman Antoine : Pour une critique des traductions, John Donne, Gallimard, Paris 1994.
2 - Berman, Antoine : L’épreuve de l’étranger, Culture et traduction dans l’Allemagne romantique, Gallimard, Paris 1984.
3 - Berman, Antoine : La traduction et la lettre, ou, l’auberge du lointain, Le Seuil, Paris 1999.
4 - Mounin, Georges : Les problèmes théoriques de la traduction, Gallimard, Paris 1963.
5 - Serhane, Abdelhak : Les temps noirs, Le Seuil, Paris 2002.
الإحالة إلى المقال:

* د. إيمان سارة الزويني: ترجمة الأمثال الشعبية في الرواية المغربية الفرانكفونية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد العشرون، سبتمبر 2020. http://annales.univ-mosta.dz

***