قراءة نقدية في كتاب إظهار صدق المودة في شرح البردة
لابن مرزوق الحفيد

د. فاطمة موشعال
جامعة معسكر، الجزائر

الملخص:

تهدف هذه الدراسة إلى محاولة إضاءة الوعي النقدي الجزائري في القرن الثامن هجري، من خلال نموذج الناقد ابن مرزوق الحفيد الذي يعد حلقة مهمة من حلقات النقد الجزائري القديم، بتأثيره في نقاد المغرب العربي، وبالتالي تأثيره في النقاد الجزائريين -رغم نسبية ما وصلنا من التراث النقدي الجزائري- من خلال كتاباته النقدية، ولعل أبرز كتاب له هو "إظهار صدق المودة في شرح البردة" الذي قدّم فيه شرحا وتحليلا لنص البردة للشاعر البوصيري، والذي ضمّنه في سبع تراجم: شرح الغريب، التفسير، المعاني، البيان، البديع، الإعراب، والإشارات الصوفية. لذا أحاول -من خلال هذه الدراسة- تبيان المنهج الذي اعتمده في كتابه النقدي، وكذا استيضاح أهم القضايا النقدية التي أثارها، وكذا المرجعية المعرفية التي استند عليها في الشرح والتحليل.

الكلمات الدالة:

قراءة نقدية، ابن مرزوق، البوصيري، البردة، الإشارات الصوفية.

***
Critical reading in the book Howing sincerity of affection in explaining
al Burdah by Ibn Marzouq al-Hafid

Abstract:

The present paper is an attempt to highlight the Algerian critical awareness in the eighth century AH, through the model of the critic Ibn Marzouq al-Hafid, who is an important scholar of the Algerian old criticism, due to his influence on the critics of the Arab Maghreb, as well as the Algerian ones -despite the relativity of what we have achieved of the Algerian critic heritage- through his critical writings. His most prominent book "Showing sincerity of affection in explaining al-Burdah" in which he had presented explanations and analysis of the text of al-Burdah by the poet al-Busairi in seven parts: Explanation of the stranger, the interpretation, the meanings, eloquently, metaphors, declension and the Sufi signs. Within this framework we attempt at defining the approach that he had adopted in his critical book, as well as clarifying the most important critical issues that he raised, as well as his knowledge reference in explaining and analyzing.

Key words:

critical reading, ibn Marzouq, al-Busairi, al-Burdah, Sufi signs.

***

النص:

إن الاهتمام بالنقد يعد ضرورة ملحة، فإذا كان هذا الأخير هو الموضوع الجوهري للنقد فإن الحركة النقدية هي الموجه والمرشد الذي يؤازر الحركة الإبداعية، فالنقد الأدبي هو "كلام على كلام، أو كتابة على كتابة، يهدف من ورائها الناقد إلى تقريب النص المنقود من أفهام المتلقين، ويجعلهم يتذوقونه"(1).

إن الحديث عن النقد الجزائري القديم هو شبيه بالحديث عن النقد العربي القديم بصفة عامة، ذلك أنه يمثل صفحة هامة في تاريخ الحركة الفكرية، وإن حالت الظروف أمام نشره وتطويره "وما دمنا نعترف بوجود محاولات في الأدب، فمن الحق أن نعترف كذلك بوجود محاولات أخرى في النقد"(2).

إن النقد الجزائري القديم هو تراثنا، وهو بالنسبة لنا السند القوي، والبحث فيه هو إزالة ما يكتنفه من غموض، لأن التراث يعد "ذاكرة الشعوب وسندها الخلفي، تعود إليه خاصة عند ضعفها، تفتّش فيه عن العبر والقيم التي تساعد في النهوض من كبوته"(3).

تعد قصيدة البردة أو قصيدة الكواكب الدّرية في مدح خير البرية أحد أشهر القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، كتبها محمد بن سعيد البوصيري في القرن السابع هجري، وقد أجمع معظم الباحثين على أن هذه القصيدة من أفضل وأعجب قصائد المديح النبوي، وقد انتشرت هذه القصيدة انتشارا واسعا في البلاد الإسلامية، فحفظوها وأقاموا لها مجالس عرفت بمجالس البردة الشريفة، وقد عني بها النقاد بالدراسة والتمحيص والشرح والتفسير، كما أنها ترجمت إلى العديد من اللغات مثل: الفارسية، التركية، الإنجليزية، والفرنسية.

لذا منذ أوائل القرن الثامن هجري بدأ يظهر في تاريخ التأليف عند المغاربة والأندلسيين نوع من التصانيف والكتب تهتم بقصيدة البردة وتحتفي بها، إذ نجد أبرزهم الناقد الجزائري ابن مرزوق الحفيد التلمساني الذي جعل من اهتماماته البحثية النظر في قصيدة البردة وشرحها، ومن حسن الحظ أن حفظ هذا الشرح، حيث توجد منه نسخ عديدة (مخطوط) في كل من فاس والرباط وسلا ومراكش.

أسعى في هذه الدراسة إلى إماطة اللثام عن النقد الجزائري القديم، وذلك من خلال وضع قراءة نقدية في كتاب ابن مرزوق الحفيد لقصيدة البردة الموسومة ب"إظهار صدق المودة في شرح البردة" وقد حاولت الإشارة إلى المنهج النقدي الذي اعتمده الناقد، وأهم المصطلحات النقدية التي وظفها في شروحاته لقصيدة البردة للبوصيري.

1 - التعريف بابن مرزوق الحفيد:

ابن مرزوق هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق الحفيد العسّيجي التلمساني، ولد بتلمسان سنة 766هـ، وتوفي بها يوم الخميس الرابع عشر شعبان 842هـ، ودفن بالجامع الأعظم بتلمسان، كما هو الضريح المعروف به اليوم، وحضر جنازته السلطان(4).

وقد أورد المؤرخ عبد القادر الجيلالي قوله "محمد بن مرزوق كان ممّن اشتهر بالعلم والرئاسة والفضل، من بيوتات الجزائر وأعيانها في هذا العصر ببيت ابن مرزوق ذائع الصيت، لقد تألق في سماء بيت ابن مرزوق بدرر وأقمار كان كوكبها الدّري ونجمها الثاقب، مُتَرْجِمُنَا هذا العلامة الإمام شيخ الإسلام، ومفتي الأنام عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق الحفيد العجّيسي"(5).

قد قال عنه عبد الرحمن الثعالبي "هو سيدي الشيخ الإمام الحبر الهمام، حجة أهل الفصل في وقتنا وخاتمتهم، ورحلة النقاد وخلاصتهم، ورئيس المحققين وقادتهم، السيد الكبير والذهب الإبريز، والعلم الذي نصّبه التمييز، ابن البيت الكبير، والفلك الأثير، ومعدن الفضل الكبير"(6).

2 - مؤلفاته:

يعد ابن مرزوق الحفيد من المكثرين في التصنيف في شتى العلوم والفنون، وممن خصّها في اللغة والأدب نجد:

1 - إظهار صدق المودة في شرح البردة: ويعرف بالشرح الأكبر، لأن لابن مرزوق الحفيد ثلاثة شروح للبردة، كان الإظهار أكبرها، وقد استوفى فيها غاية الاستيفاء، فقد ضمّنه سبعة فنون في كل بيت.
2 - الاستيعاب لما في البردة من: المعاني والبيان والبديع والإعراب، ويعرف بالشرح الأكبر.
3 - شرح على البردة: ويعرف بالشرح الأوسط، غير أنه لم يثبت له عنوان في جميع المصادر التي ذكر فيها(7).
4 - المفاتيح المرزوقية في حل الأقفال، استخراج رموز الخزرجية في العروض.
5 - إيضاح السالك على ألفية ابن مالك.
6 - شرح التسهيل: تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك.
7 - مواهب الفتاح في نظم تلخيص المفتاح: وهي أرجوزة في نظم تلخيص المفتاح للخطيب القزويني.
8 - أرجوزة في تلخيص ألفية ابن مالك.
9 - مجلد في شرح شواهد شروح ألفية ابن مالك.
10 - الغاية القراطيسية في شرح الشقراطيسية: يشرح فيه قصيدة في مدح النبي عليه الصلاة والسلام لمحمد بن يحيى الشقراطيسي(8).

3 - القراءة النقدية لكتاب إظهار صدق المودة في شرح البردة:

إن "إظهار صدق المودة في شرح البردة" متن نقدي يحتوي على أكثر من 680 بيتا من الشعر، ويضم مسائل أدبية ولغوية، وقد ألّفه ابن مرزوق الحفيد في شرح قصيدة البردة للبوصيري، ويمثل هذا الكتاب معلما في دراسة حركة النقد في المغرب العربي عامة، والجزائر على وجه أخص، وهو يتوافق مع ما كان سائدا عند النقاد المغاربة والأندلسيين في تآليفهم التي تجمع من المادة اللغوية والبلاغية والفوائد الأدبية والتاريخية قدرا وافرا، إلا أنّ ابن مرزوق أثبت تميّزه عنها من خلال قيمة متنه المنهاجية التأطيرية.

ذكر الناقد في البداية أسباب اختياره للبردة كمادة للعمل والشرح، وبين الداعي الموضوعي والداعي الفني يصرّح في المقدمة إعجابه بالقصيدة، ورغبته العارمة في التأليف فيها، إذ يقول "فلم أصل إلى التلذذ ببعض ما فيها إلا بالنظر"(9)، إضافة إلى إعجابه بها كسر الناقد جدار التساؤل عن الدواعي، فقدّم الجواب والمبرّر في مقدمة الكتاب، حيث يصرّح "دعاني بعض إخواني من الأصحاب إلى التكلم عما في القصيدة من باب البديع والإعراب، فأجبته إلى ذلك، ووضعت فيه مجموعا سمّيته بـ(الاستيعاب) فوقع من الإخوان لفضلهم موقع التعظيم والتبجيل، فاستدعوا مني أن أضم لذلك التكلم عليها بالشرح ليقع التكميل فاستخرت الله تعالى -لما أرجوه على ذلك من الثواب إن شاء الله تعالى في إسعافهم- ولم أجد بُدًا من امتثال ما إليه أشاروا، ولا سبيلا إلى خلافهم، فوضعت عليه شرحا بذلك من اللفظ صعابه، ويحط عن وجه المعنى نقابه"(10).

ويمكن أن نستوضح دواعي أخرى منها(11):

1 - أن الذائقة الفنية عند المتلقي في عصر ابن مرزوق الحفيد قد ضاقت ذرعا بالنظم الشعري السائد، والذي خلا من حرارة الشاعرية، وأصبح نظما لا وحي فيه ولا خيال ولا أحاسيس إنسانية أخرى، وهي التي كانت وراء اختيار هذه القصيدة التي تجمع ميزتين اثنتين: مزية فنية ومزية صوفية، فطلب من الشارح أن يضع شرحه عليها لتلبية الذوق الفني والصوفي على الأخص، لاسيما وأن العصر قد طغت عليه روح التصوف، وقصيدة البردة إن لم تكن من اللون الصوفي الخالص فإن بها نفحة صوفية أهّلتها لهذا الاختيار، إضافة إلى موضوعها المدحي وخصائصها الجمالية، وقد سلك فيها المادح مسالك بلاغية معقدة، ومسالك لغوية أكثر تعقيدا.

انتقل الناقد إلى الإعلان في مقدمته بأنه وثق نصه المختار بروايات متعددة المصادر تواترت كلها على الصورة التي عرضها بها، وأنه قد اعتنى بمصادر روايته عناية تامة، وانتقى الرواة الثقات عندهم من مختلف البقاع والأمكنة لتثبيت النص المقروء على صورة واحدة موحدة، ولعلّ أبرزهم: قراءة الشيخ شهاب الدين أبي العباس، أحمد الرشيدي المكي، والعلامة عز الدين أبي عبد العزيز ابن الإمام أبي عبد الله محمد بن جماعة الكناني،... وغيرهم(12)، وقد عمد الناقد إلى تنويع مصادر روايته إمعانا في دقة التوثيق، حتى يضمن لنصه الصحة والمصداقية.

4 - منهج ابن مرزوق في شرح النصوص الشعرية:

بسط ابن مرزوق في المقدمة المنهج الذي سار عليه في شرح قصيدة البردة، ويسّره، فقال مبينا طريقة الشرح(13): "وجعلت الكلام على ما أشرحه من أبياتها في سبع تراجم:
أولهما: شرح الغريب: في شرح لغات الألفاظ المفردة، وما يتعلق بها من التصريف.
ثم التفسير: في شرح المعنى المقصود من تراكيب الجمل.
ثم المعاني: في ذكر حكم خواص الكلم المستعملة في ذلك التركيب دون غيرها إفرادا وتركيبا.
ثم البيان: في ذكر وجوه التركيب من وضوح دلالته على المعنى المراد، وبيان الحقيقة منه والمجاز، وما ينخرط في سلك ذلك المعنى من ذلك الفن.
ثم البديع: في ذكر وجوه ما في ذلك التركيب من المحاسن اللفظية والمعنوية.
ثم الإعراب: فأذكر منه الوجوه القوية الظاهرة دون غيرها، وهي ترجمة معينة على فهم معنى الأبيات.
ثم الإشارات الصوفية: أذكر منها ما يمكن أن يكون إشارة ظاهرة المعنى المذكور، وقصدت في كل ترجمة إلى أقل ما يمكن إيثارا للاختصار، مستعينا في كثير منها من ذكر ما وقع مثله في نظيرها خشية السآمة والتكرار.

يتضح من خلال المستويات التي أدرجها ابن مرزوق في متنه النقدي أنه تجاوز ما كان سائدا قبله من طرق الشرح لدى النقاد القدامى، والذين أعطوا أهمية للمسائل اللغوية والنحوية، ليتجاوزها إلى الاهتمام بالتحليل البلاغي، لذا أجده قد أحاط بكل جوانب النص اللغوية (المعجمية والصرفية) والتركيبية (النحوية) والدلالية (التفسير) والبلاغية (المعاني، البيان، والبديع) والإشارية (الإشارات الصوفية) وكذا الاستعانة -أحيانا- بالمعطيات والظروف التاريخية والدينية التي أثّرت في الشاعر من أجل إنتاج دلالات خطابه الشعري.

لقد حاول ابن الأثير أن يوازن بين الشرح اللغوي النحوي وبين الشرح البلاغي فقال "فموضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة وصاحبه يسأل عن أصولها اللفظية والمعنوية، وهو والنحوي يشتركان في أن النحو ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة، وصاحب علم البيان ينظر من فضيلة تلك وهي دلالة خاصة، والمراد بها أن يكون على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء النحو والإعراب، ألا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور، ويعلم مواقع إعرابه، ومع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة، وهنا غلط مفسرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعنى، وما فيه من الكلمات اللغوية، وتبيين مواضع الإعراب دون شرح ما تضمنه من أسرار الفصاحة والبلاغة"(14).

وبالنظر في غرض ابن مرزوق من خلال طرحه المنهجي يمكن تحديد أربعة مستويات تحليلية وظّفها في شروحاته للنصوص الشعرية المتضمنة في المتن، هي:

أ - المستوى المعجمي:

وهو المستوى الذي أدرجه الناقد بعنوان: شرح الغريب، فقد ركز فيه على شرح المعاني المعجمية والنحوية في البيتين الأوّلين من مطلع قصيدة البردة:

أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ مَزَجْتَ دَمْعًا جَرَى مِنْ مُقْلَةِ بِدَمِ
أَمْ هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ وَأَوْمَضَ الْبَرْقُ فِي الظَّلْمَاءِ مِنْ إِضَمِ

قد أتى الناقد بجميع المعاني المعجمية التي تفيدها اللفظة الواحدة المفردة، والتي تكون مناسبة لمعنى البيت وسياقاته، في حين ترك المعاني البعيدة التي لا تصلح للمعنى الذي أراده الشاعر، من مثل شرحه لمعنى التذكر قوله "التذْكِيرُ مصدر تذَكُرُ (تَفَعل) من الذكْرِ، وله معان، ومن هنا هو ضد النسيان، قال الله تعالى "وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلا الشيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ"(15)، وفسر بالحفظ أيضا لأنه ضد النسيان، ويقال: ذِكْرٌ غير ممنون، وَذِكْرُهُ، وليكن هذا على ذكْرٍ منك بكسر الذال وضمها أي لا تنسه، وذَكَرْتَ الشيء بعد النسيان، وذَكَرْتُهُ بلساني أي نطقت به وبقلبي، وتَذَكرْتُهُ وَأَذْكَرْتُهُ بمعنى ومنه "وَاذْكُرْ بَعْدَ أُمةٍ"(16) أي ذكر بعد نسيان، كذا فسّر الجواهري"(17).

قد شرح الناقد جميع الألفاظ المعجمية التي وردت في البيتين الشعريين مستندا على المعاجم والقواميس العربية -خاصة معجم الصحاح للجواهري- وأعطى جميع الشروحات والتبسيطات الممكنة للفظة الواحدة، وأعطى جميع الدلالات التي تتناسب وسياق النص، مستدلا بآيات قرآنية وأحاديث شريفة وأبيات شعرية قديمة تلتقي في نفس الدلالة، وهذا دلالة على ثقافته الموسوعية.

ب – التفسير:

عمد الناقد إلى شرح البيتين الأولين من قصيدة البردة وتفسير دلالتهما استنادا على شواهد أخرى من شعر الشعراء القدامى، مركزا على ظاهرة الالتفات في النقد، إذ يرى الناقد أن الناظم "أنزل نفسه منزلة مخاطب لما رآه باكيا، وقد امتزج دمع عينيه بالدم، فاستفهمه عن سبب بكائه على الوجه المذكور، أهو من أجل تذكر جيران بذي سلم أو جاوروك بذي سلم، أم هو من أجل أن هبّت الريح من ناحية كاظمة، أو من أجل لمع البرق خفيا في الظلام من ناحية إِظَم، فذكرك أحبابك من أهل الموضعين (كَاظِمَة وَإِظَمَا) لأن البكاء من أجل الحبيب إما عن تذكره وإن حضر، وإما لمفارقته، وليس البكاء من أجل المكان متجردا، فالسر في المكان لا في المنزل، نعم إن يكن المنزل فمن أجل ساكنه(18).

قد استحضر الناقد بعض النماذج الشعرية التي تتوافق وقصيدة البردة في نفس الدلالة كشعر امرئ القيس، علقمة بن عبدة، ذي الرمة، العماد الأصبهاني، ابن الرومي،... وهذا دلالة على ثقافة الناقد الموسوعية في مجال الشعر، وكذا تأثر الناقد الظاهر في تفسيراته بمنهج النقاد العرب المشارقة.

يتضح من خلال شروحات ابن مرزوق وتفسيراته إفادته من كتب البلاغة والنقد والأدب، ويبدو ذلك جليا من خلال استقصائه المسائل، ومن خلال ذكره لأسماء الأعلام، وكذا الاستدلالات والإضافات التي ضمّنها من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وكذا الشعر العربي القديم، وبعض النصوص النثرية، فقد كان مساره في الشرح تفاعليا من خلال الجمع بين الآراء المختلفة.

جـ - المستوى البلاغي:

أولا - المعاني: اهتم الناقد في هذا الطرح بوظائف كل من: التعريف والتنكير، والإضافة، والتقديم والتأخير، والحذف والإيجاز، والاستفهام والخبر والإنشاء والفصل والوصل والنداء والنهي والتوكيد والتعبير بالموصول والبدل والجمل المعترضة، أما مصطلحات علم المعاني التي عني بها ضمّنها في الإظهار وهي: الالتفات، الخطاب العام، الإسناد المجازي، والإيجاز، وإيجاز الحذف، وإيقاع الظاهر موقع المضمر، والتأكيد، والإطناب، والحذف، وحذف التقابل والتوشيح، والتذييل، والاستئناف البياني، والبيان بعد الإبهام.

ثانيا - البيان: رصد الناقد التحليل البياني في كل من البيتين الرابع والخامس من البردة في قول الشاعر:

فَمَا لِعَيْنَيْك إِنْ قُلْتَ اكْفُفَا هَمَتَا وَمَا لِقَلْبِكَ إِنْ قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ
أَيَحْسَبُ الصَّبُ أَنَّ الحُبَ مُنْكَتِم مَا بَيْنَ مُنْسَجِمٍ مِنْه وَمُضْطَرِمِ

انصبّ جهد الشارح على تفكيك الصور البيانية المختلفة بشرحها، والتدليل على عناصرها، وتبيين نوعها وأثرها الجمالي مع إيراد شواهد مناسبة لها أحيانا من القرآن والشعر وبعض النصوص النثرية، ومن أهم المصطلحات الواردة في الشرح: المجاز، التشبيه، الحذف، الاستعارة بأنواعها، التخييل، اللف، النشر... وغيرها، وما نسجّله أن الناقد لم يخرج عن نطاق التحليل البياني الذي أسّس له علماء البلاغة العرب، وعمد إليه النقاد القدامى في التحليل.

ثالثا - البديع: استخرج الشارح في مستوى البديع ما في تركيب النص من محسنات معنوية ولفظية، وكثيرا ما كان يقرن التأنق في مواضع من الكلام بالأثر الجمالي في نفسية المتلقي، ومن مصطلحات علم البديع التي وظّفها في شرحه: براعة الاستهلال، الموازنة، التجنيس بأنواعه، المبالغة، المطابقة، الاستطراد، المقابلة، التورية، الحشو، ردّ الصدور على الأعجاز... وغيرها.

أفاد الناقد ابن مرزوق في المستوى البلاغي من النقاد العرب وعلماء البلاغة، وممن جاء ذكرهم في المتن النقدي: القزويني، السكاكي، الزمخشري، الجاحظ، عبد القاهر الجرجاني، ابن قتيبة، ابن رشيق، حازم القرطاجني، وابن الأثير.

د - المعاني الإشارية:

تجاوز الناقد في ترجمته للإشارات الصوفية التعامل مع الكلمة وفق ما ورد في المعاجم العربية إلى مرحلة التعامل معها باعتبارها إشارة تحرّر خياله من قيد المعاني المتوارثة والسياقات التي تعاقبت عليها، أي أنها تتحول إلى حركة نفي للموجود الراهن بحثا عن موجود آخر، إذ يقول الناقد "ويحتمل تخريج كلام الناظم في الإشارات على وجوه، لكن ما قلّ وكفى، خير مما كثر وألهى"(19).

إن الشارح في هذه الترجمة غدت عنده القراءة إنصاتا لما قيل من قبل، فقد سما بقراءته عن مستوى القراء العاديين، وجعل من قراءته كشوفا وحوارا متجاوزا ومرتحلا، لا يبحث عن معنى بل عن تفسير وتأويل، واستكشاف لأسرار المعاني التي يبشّر بها النص الشعري، ومن هنا كان عمله إبداعا على إبداع وليس معرفة معايير نقدية وأدوات إجرائية امتلكها من تعلّمه ومطالعته فحاور بها الخطاب الشعري، كتمثّله للإشارات في البيتين الشعريين:

فَكَيْفَ تُنْكِرُ حُبًا بَعْدَ مَا شَهِدْتَ به علَيْكَ عُدُول الدَّمْعِ والسَّقَمِ
نَعَمْ سَرَى طَيْفُ مَنْ أَهْوَى فَأَرَّقَنِي وَالحُبُّ يَعْرِضُ اللَّذَات بِالأَلَمِ

ويحتمل الشارح أن يكون إشارته للبيتين إلى أولياء الله الباكين شوقا إلى الجنة وخوفا من النار، فإن هؤلاء لا يعلقون بالهم إلا بربهم، لاسيما إن ارتقوا عن هذا المقام إلى مقام المشاهدة، فهؤلاء في ابتدائهم يخفون أحوالهم وسبب بكائهم ونحولهم، فإذا أطلع الله المؤمنين على ما أسرّوا، كما قال تعالى "فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ"(20)، علموا أنه رضي إظهار حالهم، فأظهروا حينئذ أمرهم وأجابوا من سألهم بنعم، وأخبروا أنهم المحبّون، وأن التذاذهم بالخلوة والخفاء اعترضه ألم الظهور(21).

وهكذا يفتح الشارح أبوابا من الاحتمالات التي يمكن أن تكون تأويلا من التأويلات التي تشعّها الإشارات الصوفية المستترة والمرتبطة بالألفاظ الموظّفة في القصيدة، وهو ما كشف عنه أن النص منفتح على تأويلات دلالية لا نهائية، وهو ما يتّضح في قوله "والكلام في الإشارات لا تفي به العبارات، فيكفي الاقتصار على أدناها إذ لا سبيل إلى منتهاها، وإنما سمّيت الإشارة إشارة لأنها تغني عن العبارة، وفي الإشارة ما يغني عن الكلم"(22).

من خلال ما تقدّم يتضح لنا أن ابن مرزوق الحفيد احترم ترتيب التراجم كما ذكر في المقدمة، حين انتقل بالتحليل من ترجمة إلى أخرى.

أخلص في الأخير إلى القول أن هذا المتن النقدي يقوم على منهجية محكمة، أحاط فيها الناقد بمختلف الجوانب اللغوية، والمعجمية، والتركيبية والصرفية، وكذا تركيزه على الجوانب البلاغية، إضافة إلى إثارته كل ما تعلّق بمعاني النص وظروفه من مسائل مختلفة في منحى بلاغي لساني تناصي.

الهوامش:
1 - محمد بوطول: في النقد الأدبي الجزائري القديم، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران 2004م، ص 9.
2 - أبو القاسم سعد الله: دراسات في الأدب الجزائري الحديث" دار التونسية للنشر، 1985م، ص 80.
3 - علي الأطرش: سلامة موسى ناقدا، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 1992م، ص 20. توفي ابن مرزوق الحفيد في عهد السلطان أبي العباس أحمد المعتصم (العاقل) بن السلطان أبي حمو موسى الثاني الذي تولّى عرش تلمسان يوم الخميس غرة شهر رجب سنة 834هـ-1431م، إلى سنة 866هـ، ينظر، عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، دار الأمة، ط9، الجزائر، ج2، ص 190-193.
4 - ينظر، ابن مريم: البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1986م، ص 201-208.
5 - عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج2، ص 210.
6 - المرجع نفسه، ص 211.
7 - ينظر، أبو القاسم محمد الحفناوي: تعريف الخلف برجال السلف، دار موفم للنشر، تح. محمد رؤوف القاسمي الحسني، الجزائر 2007م، ص 156.
8 - ابن مريم: البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان، ص 210-211.
9 - ابن مرزوق الحفيد: إظهار صدق المودة في شرح البردة (مخطوط)، المكتبة الزيدية، المغرب، (المقدمة)، ص 2.
10 - نفسه.
11 - ينظر، محمد بوطول: في النقد الأدبي الجزائري القديم، ص 104-105.
12 - ينظر، ابن مرزوق الحفيد: المصدر السابق، ص 3-4.
13 - المصدر نفسه، ص 2.
14 - ضياء الدين بن الأثير: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تقديم وتحقيق أحمد العوفي وبدوي طبانة، دار الرفاعي، ط2، الرياض 1984م، ص 4.
15 - سورة الكهف، الآية 63.
16 - سورة يوسف، الآية 45.
17 - ابن مرزوق الحفيد: المصدر السابق، ص 5.
18 - المصدر نفسه، ص 9.
19 - المصدر نفسه، ص 75.
20 - سورة التوبة، الآية 105.
21 - ينظر، ابن مرزوق الحفيد: المصدر السابق، ص 64.
22 - المصدر نفسه، ص 40.
الإحالة إلى المقال:

* د. فاطمة موشعال: قراءة نقدية في كتاب إظهار صدق المودة في شرح البردة لابن مرزوق الحفيد، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد العشرون 2020. http://annales.univ-mosta.dz

***