تجلیات الأمکنة وظواهرها في المعلقات السبع الطوال

د. علي خضري
جامعة خلیج فارس بوشهر، إیران

الملخص:

كان للمكان أثر مهم في الشعر العربي خا صة في الشعر الجاهلي. امتزج الشاعر الجاهلي بالمكان الذي عاش فيه حتى صارت قطعة من نفسه وجزءاً من حياته. استمد الشاعر من الأماكن والمواضع تجارب حياته لأن المكان ترك أثرا لا تمحوه الأيام من ذاكرة الإنسان في تكوين حياته وبناء مجده. یعتمد هذا البحث علی المنهج الوصفي-الإحصائي ويتناول دور الأماكن في القصائد السبع الطوال؛ ويراد بالأماكن أربعة أقسام منها: 1 - الواد، 2 - الماء، 3 - الجبل، 4 - البئر. ففي الواقع يراد بالأماكن صحراء العرب وبيئتها ويراد بالإنسان، العربي الذي عاش في البادية أو في الصحراء وأمضى حياته فيها وتأثر المكان في سلوكه وأخلاقه وعاداته وتقاليده ولذلك استخدم الشاعر الجاهلي الأماكن التي في قصائده لأغراض مختلفة منها: أ - توصیف الأطلال والديار التي عاشت فيها حبيبته، ب - الرحلة، جـ - الحروب والمغازي، د - الغلو في وصف عظمة وأنفة الناقة، هـ - الشيم ووسعته الشاملة.

الكلمات الدالة:

البيئة، الشعر الجاهلي، المعلقات السبع، البادية، العرب.

***
The manifestations of places and their role in the seven long Mu'allaqat

Abstract:

Geographical environment has greatly affected the poems in Times of Ignorance (Jahili). The Ignorance (Jahili) poet is so interwoven with the surrounding as if it has become part of his existence and life. In fact, the poet has gained his experiences from the surrounding to the extent that it can be claimed environment has so greatly affected the formation of his oratory that even the passage of times cannot remove the effects. The present study uses the descriptive-statistical method to investigate the role of geographical environment in ballades of Mu'allaqat Sab including desert, water, mountain and wells. In fact, these places here refer to desert and human implies the Arab who lives there and the environment has affected his manners, ethics and poetic style. Therefore, the Ignorance poet uses these places for different aims such as: a - ruins where the beloved lives there, b - immigration, c - wars, d - exaggerating in the description of camels and e - the description of his grand manners and moralities.

Key words:

environment, pre-Islamic poem, seven Mu'allaqat, desert, Arabs.

***

النص:

المقدمة:

إن الشعر العربي في الأساس هو شعر مكان ويرتبط ارتباطاً مباشراً بالبيئة التي أنتجته وإن الشاعر الجاهلي لم يكن يصف الصحراء بل هو إنسان له موقفه الخاص وتصوره الذاتي نحو المكان، ويشمل المكان بأبعاده المختلفة جزءاً كبيراً من جزئيات النص الشعري ويمتزج فكر الجاهلي وخلقه بهذه الصحراء كما قيل في مقالة فلسفة المكان في المقدمة الطللية في الشعر الجاهلي: "إن الشاعر العربي لم يكن يصور المكان من خلال ذكرياته بل يصوره من المواقع التي يعيشه معها فكان يصارع كي يطرح فضاء ذكرياته ضمن إحداثيات زمكانية مرتبطة ارتباطاً مباشراً بواقعه وساعد ذلك أيضا على تعميق جماليات المكان الفنية وأضعاف أبعاداً جديدة إلى جماليات هذه الوحشة"(1). يستمد الشاعر الجاهلي من المكان التجارب التي وصلت إليها في حياته حتى صارت الأماكن جزءاً مهماً من نفسه. هذه الأماكن تدل على حياة الشاعر وتجاربه التي قد كسبها في الأماكن المختلفة خلال الحروب والمغازي التي اشتعلت في أيام حياته مع القبائل الأخرى بسبب المنافسة على الشهرة والسيادة أو بسبب الدفاع عن العرض أو الأخذ بالثأر فالشعر العربي القديم شعر معارك وأيام وقد كانت الغارة في الأماكن المختلفة مَعلماً واضحاً من معالم الحياة الجاهلية. والمعلقات من أبرز النصوص الجاهلية التي تضمنت آراء الشعراء الجاهلية وأفكارهم ومعانيهم فأخذت تداعب أخيلتهم وعواطفهم وقد ضمت هذه القصائد أسماء لأماکن کثيرة عرفها الإنسان الجاهلي وقد يکون له موطئ قدم فيها. وإننا في هذه الدراسة نريد أن نتناول أقسام الأماكن ودورها في المعلقات السبع لشعراء الجاهلية ونقوم بدراستها وفقا للمنهج الوصفي-الإحصائي المشفوع بالنقد والتحليل.

ففي البداية نشير إلى المعلقة ومعناها ومحتواها ثم نذكر الأماكن وأقسامها في المعلقات السبع الطوال، ثم نذكر أغراض الشعراء من استخدام الأماكن في قصائدهم.

إننا نحاول في هذا المقال أن نجيب عن هذين السؤالين: ما هي أقسام الأماكن؟ وما هي أغراض استخدام الأماكن في المعلقات السبع الطوال؟

1 - الأماكن وأقسامها في المعلقات:

إن الشاعر الجاهلي له قصيدة معروفة سُميت بالمعلقة. في المعلقات يقف الشاعر بالديار ويسمي مواضعها ثم يصف آثارها ويستخدمها سبيلا إلى التعبير عن تجربته وعاطفته كما يجد امرؤ القيس في البكاء شفاء؛ ويتحدث الشاعر في شعره عن ضيقه وآلامه في حياته وبعد أن يصف الأطلال ينتقل إلى التعبير عن ألمه وعشقه وعاطفة وشوق وحنين إلى الماضي ويمازجه الحزن والبكاء وبعد أن يتحدث عن عاطفته ويشفي نفسه من ألم البين يعود إلى الماضي ويذكر ذكرياته ويأتي بعد وصف الأطلال إلى وصف ارتحال الظعائن ويمثل عزم صاحبته على الرحيل ويصور لمخاطبه ما يجد في الطريق من حيوان ونبات... إذن كانت المعلقات متنوعة الموضوع وبدأت بالوقوف على الديار ووصف الآثار ويأتي بعده التعبير عن عاطفة البين والشوق والتغزل بالمحبوب ثم يخرج الشاعر إلى الغرض المقصود من وصف خمر وحماسة ومدح واعتذار وحكمة. وأما معنى المعلقة "فالمعلقات مشتقة من علق ذلك أن العرب القدامى كتبوا تلك القصائد على القباطي بأحرف من ذهب وعلقوها على أستار الكعبة"(2). "روی ابن الكلبي أن أول شعر علق على الكعبة شعر امرئ القيس ثم علقت الشعراء بعده ولخص حنا نمر الآراء في معنى التعليق فالقصائد سميت بالمعلقات لأنها تشبه العقود المعلقة في الرقاب أو لعلوقها بالذهن أو لتعليقها على الكعبة"(3). وأما دور الأماكن في الشعر الجاهلي فهو موضوع جدير بالبحث علی كثرة ما كتب عن الشعر الجاهلي من دراسات وبحوث وكتب. كان للمكان أثر واضح في الشعر العربي خاصة في الشعر الجاهلي. يتناول هذا البحث دور الأماكن في المعلقات السبع الطوال ويتحدث فيه عن الأماكن ودورها في حياة الشعراء الجاهلية ويراد بالأماكن أربعة أقسام، منها: 1 - واد أو بلد، 2 - ماء، 3 - جبل، 4 - بئر.

جاءت في المعلقات السبع الطوال مائة وستة أمکنة (106) وتضمنت هذه الأماكن اثنين وثلاثين جبلا (32) وخمسة عشر مثالاً للماء (15) وثمانية وخمسين مثالاً للبلد (58) ومثالاً واحداً للبئر.

إن الأماكن لها دور أساسي في حياة الإنسان ويكثر ذكره في حياة العرب ولا يذكر في المعلقات الماء أو الأرض أو البئر أو الجبل إلا باسمه ولو بإضافته إلى موقعه أو للقبيلة التي تستأثر به كالديلم ماء لبني أسد أو القنان جبل لبني أسد أو ذي طلوح واد لبني ثعلبة أو الأبلاء كان اسم بئر. وفي ما يلي نشير إلی أسماء هذه الأماکن في المعلقات ثم نعود لدراسة الأسباب التي دعت الشعراء لاستخدامها ونشير إلی دلالاتها الوظيفية في النص الشعري.

1 - معلقة امرئ القيس:
الماء: توضِحْ، المِقراة، ضارِج، عُذيْب، دارة جلجل.
الجبل: مأسَل، القَطَن، السيار، يَذبُل، القَنان، ثَبير، المجَيْمِر، كُتَيْفة.
الواد: الدُخول، الحَومل، وجْرَة، ظَبي، تَيماء.
2 - معلقة لبيد بن ربيعة:
الماء: الغَول، توضح، الثَلَبوت.
الجبل: الرجام، الريان، مشارق الجبَليْن: أجا وسلمى، المحجر، فَردة، رُخام، وِحاف القَهر، طلخام.
الواد: مِنى، وَجْرَة، بيشة، الصوائق، صعائد، البدي، تبالة، فَيد، الحجاز.
3 - معلقة طرفة بن العبد:
الجبل: ضرغد.
الواد: ثَمهَد، عَدولية، حَومل، وَجَرة، الشامي، اليماني، النواصِف.
4 - معلقة زهير بن أبي سلمى:
الماء: الدَراج، المتثَلم، جُرثُم، وادي الرس.
الجبل: القنان.
الواد: السؤبان، الرقمتَين، العَلياء، قرى بالعراق، نطاع.
5 - معلقة عمرو بن كلثوم:
الماء: ذي أراطي.
الجبل: الشأمات، رَهوة، خَزازى.
الواد: الأندرين، بعلبك، دمشق، قاصرين، اليمامة، ذي طلوح، نجد، الخطي.
6 - معلقة عنترة بن شداد:
الماء: المتثلم، الديلم.
الواد: الجواء، صمان، حَزن، عُنيزتان، غَيلم، شدنية، يمانية، ذو العشيرة، الدُحْرَضين، الرداع.
7 - معلقة الحارث بن حلزة:
الجبل: برقة شماء، المحياة، الصفاح، فتاق، خَزازى، الشَخْصَين، ملحة، صاقب، ثَهلان، الشُعبَتان، الشُربُب.
الواد: الخلصاء، عاذب، وفاء، القَطا، العقيق، الحِساء، بحرين، العوصاء، العَلياء، شارق الشقيقة، قرظي، ذي المجاز، الحيارين.
البئر: الأبلاء.

كما لاحظنا جاءت في المعلقات السبع مائة وستة أمكنة (106) وتضمنت هذه الأماكن اثنين وثلاثين جبلا (32) وخمسة عشر مثالاً للماء (15) وثمانية وخمسين مثالاً للبلد (58) ومثالاً واحدا للبئر (1). الجبل: % 18/30، الماء: % 15/14، البئر: % 94/0، الواد أو البلد: % 71/54.

2 - أغراض الشعراء من استخدام الأماكن:

استخدم الشاعر الجاهلي الأماكن التي كانت في قصائده لأغراض مختلفة ومن أهم هذه الأغراض:

أ - بيان الأطلال والديار التي عاشت فيها حبيبته:

استخدم الشاعر الجاهلي الأماكن للتعبير عن عواطفه وفراقه من محبوبته التي مضت حياتها في هذه الديار والأماكن وتناول المكان لبيان حبها وعشقها وتذكر الشاعر في هذه الأماكن العشق والهوى واشتاق إلى عشيقته ولقد ظهر حب الشاعر لمحبوبته من خلال معلقته فذكر فيها أماكن كثيرة؛ هي تلك الأماكن التي عاشت فيها ولهذا يقف على ديار حبيبته ويبكي وتذكر منازل حبيبته مثلاً يقول امرؤ القيس(4):

قِفا نبكِ مِنْ ذكرى حبيبٍ ومنزِلِ بِسِقْط اللوى بينَ الدخولِ فَحومَلِ

هنا يشير الشاعر إلى منزل حبيبه وتذكر الأيام التي قد مضىت معه والأماكن التي عاش فيها حبيبه ولهذا يخاطب الشاعر صاحبيه ويطلب منهما التوقف للبكاء وقد تذكر الحبيب الذي فارقه والدیار التي غادرها وذلك أثناء وقوفه أمام منزل الحبيب بمنقطع الرمل بين موضعي الدخول وحومل وهذان موضعان يدلان على حب الشاعر لحبيبه. أو مثلاً يقول(5):

ألا رُب يومٍ لك مِنْهن، صالح ولا سيما يومٌ بِدارةِ جُلْجُل

رب يوم ظفرت فيه بوصال النساء ولا يوم من تلك الأيام مثل يوم دارة جلجل، يريد إن ذلك اليوم كان أحسن الأيام. "يرى بعض الباحثين أن الباعث على نظم المعلقة هو (يوم دارة جلجل) حينما التقى إمرؤ القيس بابنة عمه شرحبيل "عنيزة أو فاطمة" عند غدير كانت عنيزة وصويحباتها يستحمن فيه وكان امرؤ القيس يتربص فلما رآهن وقد خلعن كامل ثيابهن ظهر لهن ومنع عن هن ملابسهن وطلب إليهن أن يخرجن أمامه واحدة تلو الأخرى مقبلات ومدبرات وعندئذ يطيعهن ملابسهن"(6).

وعندما أوشك المساء أن يحل اضطررن لذلك ما عدا عنيزة فقط أبت الخروج ولكنها اضطرت أخيرا لمجاراته في طلبه وما كان من امرؤ القيس تحت برحاء الحب والنشوة إلا أن عقر لهن ناقته ورحن يمرحن ويتضاحكن وهن يشوين اللحم ويغفلنه بالشحم وهن سعيدات فرحات إلى أقصى ما تكون السعادة والفرح(7)، وعلى أثر ذلك نظم مطولته مقاطع مقاطع على الأغلب فوصف الحادث وأضاف إليه شتى الذكريات بما جرى له قبل مقتل أبيه فكانت قصيدته وليدة حبه لعنيزة ووليدة ولعه بالصيد والضرب في البلاد(8) وإن البهجة والحركة في أبيات بعده(9):

ويوم َعقرتُ للعذارى مَطيتي فيا عجبا مِن كورها المتحملِ
يظل العذارى يَرتمين بلحمِها وشحمٍ كهُداب الدِمَقسِ المفتل

"يمثل لنا انطلاق الشاعر نحو الحياة الجميلة المليئة بالمتعة والحياة بين فتيات سعيدات بالإكرام الذي حباهن به الشاعر بعد أن عقر لهن مطيته. وقد جمع الشاعر الجاهلي النسيب أي الحب المهدد دائما برحيل المحبوبة وكذلك الحياة المهددة بالخراب متمثلة في وقوف على الأطلال المقفرة"(10). مثلاً يقول زهير بن أبي سلمى(11):

أمِنْ أم أوفى دِمنَةٌ لم تَكَلمِ بحُومانة الدراجِ فالمتَثلمِ

هنا يقف الشاعر في أماكن ومنازل محبوبته ويقول: أمن منازل الحبيبة المكناة بأم أوفى دمنة لاتنبئني عن حالها بحومانة الدراج والمتثلم.

إذن قد جاءت الأماكن في كثير من الأشعار الجاهلية للتعبير عن المنازل التي عاشت فيها حبيبة الشاعر كما جاءت الأماكن في الأمثال التالية للتعبير عن حب الشاعر وفراقه عن عشيقته(12):

ودارٌ لها بالرقمتين كأنها مَراجيعُ وَشْمٍ في نواشِر مِعْصَمِ
بِمشارقِ الجبلينِ أوْ بمُحَجرِ فتَضَمنَتْها فَردةٌ فَرُخامُها

كما شاهدنا في الأبيات التي ذكرناها هناك الأماكن الكثيرة التي تدل على أن الشاعر يقف بهذه الديار ويصفها وبعد وصفه يتحدث عن حبه وعشيقته في هذه الأماكن ويمازج وصفه الحزن والبكاء وينتقل إلى مخاطبه تجربته ويعبر له عن عاطفة بينه وشوقه.

ب - الرحلة:

من الموضوعات التي كان لها نصيب وافر من الأشعار الجاهلية وجاءت حافلة بالأماكن الجغرافية، الرحلة: رحلة الشاعر أو القبيلة من المكان إلى الأماكن الأخرى لأنهم يمرون أثناء ارتحالهم بمواقع وبلدان يذكرونها وربما أسموا أعلام الطرق والصوى بما يحددها ويسهل عملية الاهتداء بها وكما قيل: "الترحل والارتحال: الانتقال وهو الرحلة والرحلة اسم للارتحال للمسير والمرحلة المنزلة يرتحل منها وما بين المنزلتين مرحلة ويلاحظ ما يلي على هذه المادة جميعا تدور حول محور واحد هو الحركة والانتقال"(13). إذن تكون الرحلة انتقال واحد من مكان إلى مكان آخر لمقاصد المختلفة وأسباب متعددة منها العلم، الجهاد، والتجارة، والكسب، والرغبة في العزلة، والبحث عن جمال مفقود... وكما شاهدنا في المعلقات يسافر الشاعر إلى الأماكن التي عاشت فيها محبوبته ويذكر ذكرياته معها ويجري دموعه على فراقها. وهنا نذکر في توضيح هذه الحقيقة أبيات لزهير بن سلمى في معلقته تعقب فيها طريقاً سلكته الظعائن وذكر الأعلام الطريق بما يعرفه للسامع أو للقارئ فيقول(14):

تَبَصرْ خليلي هل تَرى مِنْ ظَعائِنٍ تَحَملْنَ بالعَلياءِ مِنْ فَوقِ جُرْثُمِ
بَكَرْنَ بُكُورَا وَاسْتَحَرْنَ فَهُن ووادي الرَس كاليد في الفمِ
جَعَلْنَ القَنان عَنْ يمينٍ وحَزْنَه وكَمْ بالقَنان من مُحِل ومُحْرمِ
ظهِرْنَ مِنْ السُؤبان ثم جَزَعْنَه على كُل قَيْني قَشيبٍ ومُفْأمِ

في هذه الأبيات إن الشاعر يمر أثناء رحلته بمواقع وبلدان ولهذا يذكر في معلقته المكان الذي خرجن الظعائن منه (العلياء من فوق جرثم) والمكان الذي صرن إليه، وهو غير بعيد عن وادي الرس، وقد مررن عن شمال جبل القنان وحزن القنان، وهو موضع قريب من منى. ثم اتجهن صوب وادي السؤبان، وهو واد معروف.

أو مثلاً يقول عنترة بن شداد(15):

وتَحُل عَبْلَةُ بِالْجِواء، وأهلُنا بِالْحَزَنِ، فالصَمان، فالْمُتَثَلمِ

هنا يشير الشاعر إلى الأماكن التي يمر أهله في أثناء رحلتهم ويشير إلى إقامة محبوبته في الجواء واستخدم الحزن والصمان والمتثلم للتعبير عن مكان إقامة أهله في رحلتهم يقول في هذه الرحلة هي نازلة بالجواء وأهلنا نازلون بصمان ومتثلم وحزن. إذن في هذه الأبيات يأتي الشاعر بذكر الأماكن للتعبير عن رحلته ورحلة قبيلته أو قبيلة عشيقته ويمثل لمخاطبه ذكريات رحلته وألم البين والفراق عن محبوبته حيث يغرق المخاطب في وصفه ويشعر في نفسه ألم فراق الشاعر عن محبوبته وهذه تدل على قدرة الشاعر في استخدام الأماكن ووصف رحلته فيها.

جـ - الحروب أو المغازي:

کانت الحرب ظاهرة بشرية وإن الإنسان عرفها منذ بزوغ التاريخ واستخدمها الإنسان وسيلة من وسائل للدفاع عن نفسه أو الاعتداء على الآخرين. في الحروب يشعر الإنسان من جهة الخوف والرهبة ومن جهة أخرى يكون له حب الانتصار. إن الصلات القبلية كانت قد أسست على العداء والحروب المتوالية أو على المحالفة والنصرة وكانت أسباب هذه الحروب الاختلاف على الماء والمرعى بسبب جفاف الصحراء... ولذلك اشتعلت الحرب رغبة في السلب والغارة وكانت الحروب ضرورة أساسية للحصول على العيش ولذلك افتخر الفرسان بجمع الأسرى والغنائم من الإبل وغيرها. قد تثور الحرب بسبب المنافرة بين خصمين لكسب الشهرة والسيادة وربما نشأت الحرب بسبب الدفاع عن العرض والأخذ بالثأر أو بسبب المنافسة على رئاسة وزعامة. وكما يلاحظ إن بعض الأماكن غالباً تذكر في الأشعار التي يتحدث فيها الشعراء عن مغازي وحروب قبائلهم، وعن أيامهم مع غيرهم من القبائل. ذلك لأن هذه الحروب إنما تجري في أماكن معينة، والحديث عنها لا يتم دون تحقيقها بذكر مواقعها؛ من جبل أو صحراء أو ماء أو غير ذلك، لاسيما أنها كثيرا ما تقع بسبب الاختلاف على ماء أو مرعى، فإذا ذكره الشاعر، سماه باسمه المعلوم.

مثلاً يقول عمرو بن كلثوم(16):

نَحنُ غَداةَ أوقِدَ في خَزازى رَفَدْنا فَوقَ رِفْدِ الرافدينا

هنا استخدم الشاعر خزازى ليشير إلى الحرب التي وقعت فيها ويقول: نحن غداة أوقدت نار الحرب في خزازى أعنا نزارا فوق إعانة المعينين وقيل يوم خزازى: لما مات ربيعة بن الحارث سيد قبائل ربيعة بن نزار في أواخر القرن الخامس تزوج الزهراء أخت كليب فطغى هذا على ربيعة وثقلت وطأته عليهم فأنكرت الزهراء أخت كليب صنعه فقال لها ما بال أخوك ينتصر لمضر ويتهدد الملوك كأنه يعز بغيرهم؟

فقالت ما عرف العرب أعز من كليب وهو كفء لها فغضب ابن عنبسة ولطمها لطمة أعشت عينها فخرجت باكية إلى كليب وهي تقول(17):

ماكنتُ أحسبُ والحوادثُ جمةٌ أنا عبيدُ الحيِ مِنْ قَحطان
حتى أتَتني مِنْ لبيدِ لطمةً فعشتْ لها من وَقعِها العينان
إن ترضَ أسرةَ تغلب ابنه وائل تلك الدينةُ أو بنو شيبان

فلما سمع كليب قولها رأى ما بها من أثر اللطمة فثأرت به الحمية فهجم على أبيات لبيد وعلاه بالسيف وقتله وقال:

إن يَكُنْ قتلُنا الملوكِ خَطاءً أو صَواباً فَقَدْ قتَلْنا لبيدا

إذن يظهر في كثير من الأبيات أثر الحرب وأدواتها في روح الشاعر وهو يأتي في قصائده بذكر الأماكن ليمثل لنا تلك الأيام والوقائع والحروب التي وقعت فيها كما قيل: "لقد كانت صور الحرب ماثلة أمام الشاعر العربي عندما يفتخر بنفسه أو بقومه أو عندما يمدح ممدوحيه أو يرثي مرثييه لارتباط ذكر الحرب بكثير من الصفات التي يحرص العربي على إيرادها ونسبتها إلي نفسه أو الآخرين كإظهار الشجاعة وشدة البأس والإقدام والصبر على الشدائد"(18).

وقد استخدم الحارث بن حلزة هذه الأماكن للتعبير عن الحروب وانتصار قبيلته في مكافحة الأعداء وامتزجت هذه الأماكن للغلو في وصف الحروب وافتخر بذكر هذه الأماكن في وصف حروب قبيلته وانتصارهم ويقول(19):

إن نَبَشْتُم ما بينَ مِلْحَةَ فَالصا قِبِ، فيه الأمواتُ والأحْياء

هنا يقول الشاعر إن بحثتم عن الحروب التي كانت بيننا وبين هذين الموضعين (ملحة وصاقب) وجدتم قتلى لم يثأر بها وقتلى قد ثئر بها. أو مثلاً يقول عمرو بن كلثوم(20):

وَأنزَلْنا البُيوتَ بذي طُلُوحٍ إلى الشاماتِ نَنْفي الموعدينا

وأما هنا يفتخر الشاعر على إقامة قومه وقبيلته في هذه الأماكن في مكافحة الأعداء ويقول: إننا أنزلنا بيوتا في ذي طلوح والشامات ونحن نطرد أعدائنا منها وقتلناهم.

د - الغلو في وصف عظمة وأنفة ناقته:

كانت من أهم أموال الشاعر الجاهلي إبله أو ناقته لأنه يكسب بها رزقه أو يشارك معها في الحروب والمغازي ولذلك افتخر بها ووصفها وصفا جميلا حيث يأتي في وصفها بالظليم والنعامة والعقاب ليظهر لمخاطبه جمال ناقته أو يصور له عظمته أو أنفة ناقته. إذن كما قلنا إن الشعر العربي منذ أقوم العصور يواكب المعارك والإيام والحروب وكان للشعراء دور في المعارك لا يقل عن دور الفرسان فيها. إن الشعراء كانوا يحرضون على القتال ويشجعون المقاتلين ويذكرون في قصائدهم الأمجاد والأحساب وإذا ما انتهت المعركة رثوا أبطالها وفرسانها وافتخروا بما حققه الجيش من انتصار. إذن إنهم للمشاركة في الحروب والمعارك يحتاجون إلى إبل أو نوق قوية ولهذا افتخروا بنيوقهم وأتوا بوصفها في معلقاتهم وتناولوا الأماكن في بعض الأبيات للمبالغة في وصف نيوقهم وامتزجوا وصفها بالغلو والإغراق ليظهر لنا عظمة مطيتهم مثلاً يقول لبيد بن ربيعه(21):

حُفِزَتْ وزايَلَها السَرابُ كَأنها أجزاعُ بيشةَ أثلُها ورِضامُها

هنا يتكلم الشاعر عن الأماكن کي يصور لنا قدرة نيوقهن ويغلو في عظمتها ويقول دفعت الظعائن هذه النيوق وضربن الركاب لتجد في السير وفارقها قطع السراب، فكأنها منعطفات وادي بيشة أثلها وحجارتها العظام.

أو يقول عنترة بن شداد(22):

شَرِبَت بماءِ الدُحْرُضَينِ فأَصْبَحَتْ زَوْرَاءَ تَنْفِرُ عن حِياضِ الديْلَمِ
بِأحزةِ الثلَبوتِ يَربَأُ فوقَها قَفر المراقِبِ خَوفُها آرامُها

شربت هذه الناقه من مياه الدحرضين فصارت نافرة عن مياه بني أسد أو عن مياه الأعداء (الديلم) واستخدم الشاعر هذا المكان ليظهر غرور وأنفة ناقته على مياه الأعداء ويفتخر على ناقته لأنها إنما تشرب من ماء قبيلة نفسها. أو يقول إن هذه الناقة تعلو بالأتان الإكام في مرتفعات هذا الموضع (الثلبوت) ويكون رقيبا لها فوقها في موضع خالٍ من الأماكن المرتفعة وإنما تخاف استتار الصيادين بأعلامها، في الواقع هنا يشير الشاعر إلى شجاعة ناقته في أماكن مخيفة ويصور لنا الأماكن التي لم يذهب أحد إليها خوفا ورعبا.

هـ - الشيم ووسعته الشاملة:

الشيم بمعنى المطر، وهو مظهر من مظاهر رحمة الله على خلقه وله دور مهم في الحياة البشرية، والشعراء كلهم قاموا بتوصيفه وتشبيهه والتعبير عنه في دواوينهم وكلامهم المنظوم لأن العرب يعشقون المطر "وذكر العرب للمطر نابع من عشقهم له فهو مبعث الحياة الخصب، وبه حصول معايشهم من رعى وسقى وزرع لذلك عرفوا خصائصه وأحواله واستدلوا على نزوله بالرياح وألوان السحب وأنواع البرق وأصوات الرعد"(23). كان لشعراء العرب قصائد كثيرة في وصف المطر والشيم كما جاء حول الشيم ووسعته الشاملة في المعلقات السبع الطوال؛ مثلاً يقدم امرؤ القيس في معلقته الشهيرة كلاما شاملا لرحلة المطر من السماء إلى الأرض يشعرنا بقوة هذا المطر وغزارته واندفاعه الذي بدأه بوصف البرق ووميضه الذي يلمع كلمع أو مصابيح الراهب... ويشير في بعض الأبيات إلى أنه أحاط بجبل أبان بأفانين ودقه ونزل بصحراء الغبيط وعمها بالخصب وأنواع النبات والنور والزهور. استخدم الشاعر الأماكن في بعض الأبيات للتعبير عن الشيم ووسعته الشاملة فيذكر المواقع التي نزل عليه المطر وهي القطن، والستار، ويذبل، وكتيفة، والقنان وثبير مثلا يقول(24):

على قَطَنٍ بالشيْمِ أيمنُ صَوبه وَأيسرُهُ على الستارِ فَيَذْبُلِ
فَأضْحى يَسُح الماءَ فَوقَ كُتَيْفَةٍ يَكُب على الأذْقان دَوْحَ الكُنَهْبُلِ
وَمر على القَنان مِنْ نَفَيانهِ فَأنزلَ منه العُصْمَ مِنْ كُل مَنْزِلِ
وَتَيماءَ لمَ يَتركْ بها جِذْعَ نخلةِ وَلا أُطُمُاً إلا مَشيداً بِجَنْدَلِ
كَان ثَبيراً في عَرانينِ وَبْلِهِ كبيرُ أناس في ِبجادِ مُزَمَل
تناول الشاعر هذه المواضع لكي يظهر لنا المطر ووسعته الشاملة ويصور لنا عظمته ويقول: أيمن هذا السحاب على قطن وأيسره على الستار ويذبل وهذا السحاب يصب الماء ويقتلع الأشجار الكنهبل ويلقيها على وجوهها ومر على القنان مما تطاير من رشاش هذا الغيث فأنزل الوعول العصم من كل موضع من هذا الجبل ولم يترك هذا الغيث شيئا من جذوع النخل بقرية تيماء ولا شيئا من القصور والأبنية إلا ما كان منها مرفوعا بالصخور أو مجصصا. قرن الشاعر العربي المطر بالفرس وحمار الوحش والظليم والنعامة في كثير من الصور الجميلة وكان المطر أجمل ما في حياة الشاعر العربي وله إتصال وثيق بوجوده ووجود أهله وماله ولذلك يأتي الشاعر في بعض أبيات معلقته بذكر الأماكن ليظهر لنا اتصال حياته ورحلته بالشيم ووسعته الشاملة ويمثل أثر المطر في أحاسيسه وبيان تجاربه التي يكسبها في رحلته.

الخاتمة:

كان للمكان دور مهم عند الشعراء الجاهلية خاصة عند شعراء المعلقات السبع الطوال كما استخدمه امرو القيس، ولبيد بن ربيعه، وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى، وعنترة بن شداد.

إن الأماكن لها أربعة أقسام منها: 1 - الواد، 2 - الجبل، 3 - الماء، 4 - البئر. استخدم الشاعر الجاهلي الأماكن لأغراض مختلفة ومن أهم هذه الأغراض: أ - بيان الأطلال والديار التي عاشت فيها حبيبته، ب - الرحلة، جـ - الحروب والمغازي، د - الغلو في وصف عظمة وأنفة الناقة، هـ - الشيم ووسعته الشاملة.

كان أهمية بيان الأطلال والديار أكثر من الأغراض الأخرى في القصائد السبع الطوال لأن من أهم عناصر حياة الشعراء العرب المرأة ولهذا يأتي الشاعر باستخدام الأماكن التي عاشت فيها حياة حبيبتها أكثر من الأماكن الأخرى.

كان للحروب والمغازي دور هام في حياة الشعراء الجاهلية وجرت هذه المعارك في أماكن معينة والتعبير عنها لا يتم دون تحقيقها بذكر مواقعها ولهذا يأتي الشعراء بذكر الأماكن التي جرت فيها الحروب في أشعارهم وهذه تدل على دور الشعراء في المغازي لأنهم كانوا من أهم أبطال المعارك.

إن بعض الأماكن التي جاء الشعراء بذكرها تدل على الغلو في عظمة وأنفة إبلهم أو ناقتهم لأنها كانت من أكبر أموال الشعراء الجاهلية للمشاركة في الحروب ولذلك أنهم افتخروا بنيوقهم ووصفوها في أشعارهم.

الهوامش:
1 - سعيد محمد الفيومي: فلسفة المكان في المقدمة الطللية في الشعر الجاهلي، مجلة الجامعة الإسلامية، غزة 2007م، المجلد الخامس عشر، العدد الثاني، ص 262.
2 - محمد صبري الأشتر: العصر الجاهلي: الأدب والنصوص في المعلقات، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، حلب 1419م، ص 38.
3 - المصدر نفسه، ص 49.
4 - فؤاد أفرام البستاني: المجاني الحديثة، منشورات ذوي القربي، قم 1991م، ص 31.
5 - نفسه.
6 - محمد صالح سمك: أمير الشعراء في العصر القديم، مطبعة النهضة، القاهرة 1998م، ص 76.
7 - إيليا حاوي: امرو القيس شاعر المرأة والطبيعية، دار الثقافة، بيروت 1971م، ص 135.
8 - حنا الفاخوري: تاريخ الأدب العربي، نشر توس، طهران 1377هـ.ش، ص 86.
9 - فؤاد أفرام البستاني: المصدر السابق، المجلد 1، ص 33.
10 - عز الدين إسماعيل: روح العصر، دار الرائد العربي، بيروت 1972م، ص 21.
11 - فؤاد أفرام البستاني: المصدر السابق، ص 83.
12 - المصدر نفسه، ص 83.
13 - ناصر عبد الرزاق الموافي: الرحلة في الأدب العربي، القاهرة 1415هـ، ص 25.
14 - فؤاد أفرام البستاني: المصدر السابق، ص 83.
15 - المصدر نفسه، ص 153.
16 - المصدر نفسه، ص 134.
17 - أبو عمر الشيباني: شرح المعلقات التسع؛ ويليه معلقة الحارث اليشكري؛ تحقيق عبد المجيد همو، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت 1422هـ، ص 333.
18 - محمد الحسن إبراهيم: أثر الحرب في تشكيل الصورة الأدبية، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها (مكة المكرمة)، المجلد التاسع عشر، العدد 31، رمضان 1425هـ، ص 653.
19 - فؤاد أفرام البستاني: المصدر السابق، ص 143.
20 - المصدر نفسه، ص 130.
21 - المصدر نفسه، ص 105
22 - المصدر نفسه، ص 156.
23 - علي معدلي ومحبوبه محمد زاده: المطر وتجلياته في شعر امرؤ القيس وعبيد بن الأبرص، مجلة التراث الأدبي، جامعة آزاد الإسلامیة، فسا 1389هـ.ش، ص 106.
24 - فؤاد أفرام البستاني: المصدر السابق، ص 36.
الإحالة إلى المقال:

* د. علي خضري: تجلیات الأمکنة وظواهرها في المعلقات السبع الطوال، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد العشرون 2020. http://annales.univ-mosta.dz

***