مشكلة العامل في النحو العربي بين الحقيقة والادعاء

د. يوسف بن زحاف
جامعة غليزان، الجزائر

الملخص:

يتناول هذا المقال أهم نظرية من النظريات التي قام عليها النحو العربي، منذ تأسيسه، وهي نظرية العامل. ومع أن هذه النظرية هي العمود الفقري للنحو العربي، وعليها تتتأسس جميع فروعه، ومن خلالها أمكن فهم وتحليل الجملة العربية، إلا أنها قد تعرضت من ابن مضاء القرطبي إلى نقد شديد، واستأنف هذا النقد في العصر الحديث من مجموعة غير قليلة من الباحثين، مما يطبع هذه النظرية بالطابع الإشكالي. وبناء على هذا فقد حاولت أن أستجلي حقيقة هذه النظرية، وأسسها المعرفية، وهل هي حقيقة علمية أم هي مجرد فرض من الفروض التي لا حقيقة لها. ومن أجل هذا فقد كان عليّ أن أعرّف بها، وبظروف تأسيسها، ثمّ أعرّج على حملة ابن مضاء عليها، وأفحص عن الأسس العلمية التي اعتمدها في القول بإلغائها. وفي مرحلة تالية، حاولت أن أصوّر كيف فهم قدامى النحويين هذه النظرية، وكيف فسروا بها الجملة العربية، وأهم ظاهرة من ظواهرها، وهي ظاهرة الإعراب. وختمت بردود المُحدَثين الذين تعقّبوا منكريها، فشرحوا أبعادها، وكشفوا عن أهميتها بالنسبة للغة العربية.

الكلمات الدالة:

النحو، العامل، الإعراب، ابن مضاء، القرطبي.

***
The problematic of grammatical factor between reality and assumption

Dr Youcef Benzahaf
University of Relizane, Algeria

Abstract:

This article deals with the most important theory that the Arabic grammar has been based on since its foundation. That is the theory of grammar government. Through it, it was possible to understand and analyze the Arabic sentence, but it was rejected by Ibn-Madaa al Qurtobi, and so on by many linguists in modern times. So it became problematic. Hence, I have tried to outline the truth of this theory and its cognitive foundations. Is it a scientific fact or is it just an assumption that has no truth. At a later stage, I tried to illustrate how the ancient grammarians understood this theory, how they interpreted the Arabic sentence, and the most important of its phenomena, which is the phenomenon of Al-I'rab. I concluded by the responses of the modern linguists who tracked her deniers, explaining its dimensions and revealing its importance in relation to the Arabic language.

Keywords:

grammar, factor, al-Irab, Ibn-Madaa, al Qurtobi.

***

النص:

مقدمة:

تحتلّ نظرية العامل مكانة رئيسية في التفكير النحوي العربي القديم، بما لها من أهمية في بناء الجملة العربية، وضرورة لمعالجة قضاياها. ولا تزال تطرح هذه النظرية مجموعة من الإشكالات بين الحين والحين، سواء في القديم أم في الحديث. ومع إجماع أغلب العلماء على قبولها، والاهتداء بها في دراسة النحو العربي، إلا أن هناك من الدارسين من وجه إليها سهام النقد عن وعي أو دون وعي، مبطلا الأساس الذي قام عليه النحو العربي منذ نشأ.

ونظرية العامل من أقدم النظريات، إذ ترجع في ظهورها إلى نشأة النحو العربي نفسه؛ وفي ضوئها تمّ دراسة الجملة اللغوية، وعلى هداها تم بناء الهيكل العام للنحو العربي، ومُدّت الفروع على الأصول، وأمكن تقديم تفسير مقنع لمختلف الظوهر الإعرابية المتعلقة باللغة العربية.

بين مؤيديها ومعارضيها يقع الإشكال الذي نناقشه في هذا المقال. فما مدى واقعية هذه النظرية؟ وهل هي حقيقة علمية أم هي وفرض من الفروض، أوقعه العلماء ليبرّروا أساليبَ في التفكير عنّت لهم؟ وهل يمكن الاستغناء عنها؟ وإذا كان من الممكن الاستغناء عنها، هل من الممكن استبدالها بنظرية أخرى أكثر سهولة، وأكثر معقولية؟

1 - مفهوم العامل:

بالرغم من ولع المتقدمين بالحدود والتعريفات، فمن العسير الوقوف على حدّ، أو تعريف واضح لـ"العامل" في كتب المتقدمين من النحويين؛ وذلك يرجع إلى سببين على الأقل:

أولهما، أن العامل كان من وضوح الفكرة في أذهان أصحابه بمكان، ما جعلهم يستغنون عن تعريفه تعريفا دقيقا. وهذا الوضوح يكاد يرتقي إلى درجة البداهة؛ فقد كان من غير المعقول في نظرهم أن يتكلّم المتكلّم عن علل النحو من غير أن يستند إلى فكرة العامل، التي هي لبّ النحو وسُداه.

أما الثاني، فقد حملهم على الاستغناء عن هذا التعريف ما أثبتوه في كتبهم من أمثلة حيّة لما يذهبون إليه من رأي. ومن هنا فقد عوّل هؤلاء على الأمثلة والشواهد التي ضربوها، وعلى العلل التي علّلوا بها مذاهبهم في تحليل الجملة اللغوية، مستغنين عن التعاريف التي لا لزوم لها.

وعلى كل حال فنحن لا نستطيع أن نرتفع بالنصوص التي في حوزتنا عن العامل على طبقة الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ ثم إنّ الخليل نفسه ليس بين أيدينا من نصوصه المباشرة في النحو شيء يذكر؛ وكل ما وصلنا عنه هو ما أثبته عنه سيبويه في الكتاب؛ فيكون الكتاب، إذن، أقدم مصدر يمكن أن نرجع إليه في فهم نظرية العامل.

والمتأمل في كتاب سيبويه، يجزم في غير عناء أن صاحب فكرة العامل هو الخليل بن أحمد، وهو ما يذهب إليه شوقي ضيف(1)؛ ذلك أننا نجد في الكثير من الفقرات ما يدلّ بوضوح على أنه هو صاحبها وأنه هو من أوحى إليه بها؛ ففي باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده، يقول: "وزعم الخليل أنها عملت عملين: الرفعَ والنصبَ، كما عملت كان الرفعَ والنصبَ حين قلت: كان أخاك زيدٌ. إلا أنه ليس لك أن تقول كأنّ أخوك عبدَ الله، تريد كأنّ عبدَ الله أخوك، لأنها لا تَصرّفُ تصرّفَ الأفعال، ولا يُضمَر فيها المرفوع كما يُضمَر في كان. فمن ثمّ فرقوا بينهما كما فرقوا بين ليس وما، فلم يُجروها مجراها، ولكن قيل هي بمنزلة الأفعال فيما بعدها وليست بأفعال"(2). ففي قوله "زعم الخليل" ما يدلّ دلالة واضحة على أنه أخذها عنه؛ وبالتالي ففكرة العامل أقدم بكثير من سيبويه، ولكن هل استنبطها الخليل استنباطا من استقرائه للكلام العربي، أم نقلها عن غيره؟ هذا ما لا نستطيع أن نقطع فيه برأي، لتعدد الآراء فيه(3). وعلى كل حال فالخليل عبقرية فذّة، ولا يَبعدُ أن يكون هو مستبط هذه الفكره. وعبقريته تتجلى في غير ميدان، كما في بناء المعجم، أو في استنباط بحور الشعر، أو في غيرها، ولذلك فمن غير المستبعد أن يكون هو صاحب فكرة العامل، والدالّ على آثارها.

ومهما يكن من رأي فهذه النظرية هي المفتاح الذي أسعف الخليل في فهم وتحليل الجملة العربية. وسواء أصحّت هذه النظرية بالنسبة إليه أم لم تصحّ، فذلك هو كلّ ما هداه إليه عقله العلمي، ولذلك لم يُلزم بها أحدا غير نفسه. وقد أثبت الزجاجي فقرة غاية في الوضوح تشرح مذهبه هذا، فقد سُئل الخليل عن العلل التي اعتلّ بها: أعن العرب أخذتها أم اخترعتها من عند نفسك؟ فقال: "إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها عِلله، وإن لم يُنقل ذلك عنها، واعتللتُ أنا بما عندي أنّه علّة لما علّلته منه؛ فإن أصبت العلّة فهو الذي التمست، وإن تكن هناك علّة له فمثلي في ذلك مثلُ رجل حكيم دخل داراً محكمة البناء، عجيبة النظم والأقسام، وقد صحّت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق، أو بالبراهين الواضحة، والحجج اللائحة، فكلّما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فُعل هذا كذا لعلّة كذا وكذا، وبسبب كذا وكذا سنحت له، وخطرت بباله، محتملة لذلك؛ فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلّة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلّة؛ إلاّ أن ذلك، مما ذكره هذا الرجل، محتمل أن يكون علّة لذلك؛ فإن سنح لغيري علّة لما علّلته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت به"(4). ثم أردف الزجّاجي، قائلا: "وهذا كلام مستقيم وانصاف من الخليل رحمه الله". ونحن لا نعلم روحا علمية أكثر موضوعية من هذه، ولا سعة أفق أرحب منها.

أما المتأخّرون من النحاة فإننا نجد عندهم أكثر من تعريف. ومن بين هذه التعاريف تعريف ابن الحاجب: "العامل ما به يتقوّم المعنى المقتضي للإعراب"(5)، وتعريف الجرجاني: "هو ما أوجب كون آخر الكلمة على وجهٍ مخصوصٍ من الإعراب"(6). أو تعريف ابن إياز البغدادي، معلّقا على قول ابن الحاجب: "ومعناه أن المقتضي له الفاعلية والمفعولية والإضافة؛ لئلا تلتبسَ، ولا يتقوّمُ كل واحد منها إلا بأمرٍ ينضمّ إليه في التركيب؛ فذلك الأمرُ الذي يستقلّ به ذلك المعنى هو الذي يسمى عاملاً. ألا ترى أن المقتضي للرفع الفاعليةُ، ولا يتقوّمُ إلا بفعل أو شبههِ، نحو: (جاء عمرو)، و(زيدٌ قائم غلامُه)، ولو قطعتَ النظرَ عن ذلك لم تُتصوّر الفاعليةُ، فهو إذاً الرافعُ"(7).

ويجب أن نلاحظ أنّ هذه التعاريف متفاوتة الدقّة والإحكام، فيما يخصّ دلالتها؛ لأن من أصحابها من كان يلتفت إلى الأثر الظاهر الذي يُحدثه العامل، وهو الحركات الإعرابية، كما هو الحال في تعريف الجرجاني؛ ومنهم من كان يلتفت إلى الموجب الذي يوجب عمل العامل، وهو المعنى، كما في تعريف ابن الحاجب؛ ومنهم من كان يلتفت إلى طبيعة العلاقات بين الألفاظ، كما في تعريف ابن إياز. وفي هذا التفاوت يتّضح مدى التعمّق في فهم فكرة العامل، ومدى فهم الأسباب التي أدت بالمؤسّسين للقول به.

ومع هذا التفاوت في التعريف، فإننا نلاحظ إجماعا بين العلماء على أن العوامل لا تعمل على الحقيقة، وإنما هي علامات يستخدمها المتكلّم على سبيل الوحي والإشارة. ومن هنا يكون وجودها دالّا، كما يكون غيابها دالّا كذلك؛ والنحاة يُعربون بالرفع والنصب والخفض، ويُعربون بالحروف كالألف والواو والياء، ويُعربون بثبوت النون، ولكنهم يُعربون أيضا بحذف النون، بالعلامات المقدرة التي منع من ظهورها التعذر أو الثقل، ولذلك يقول ابن الأنباري: "العوامل اللفظية ليست مؤثرة في المعمول حقيقة وإنما هي أمارات وعلامات فالعلامة تكون بعدم شيء كما تكون بوجود شيء"(8).

2 - مذهب ابن مضاء في العامل وأسسه النظرية:

ومع رسوخ القول بالعامل منذ نشأة النحو العربي، فقد تعرضت نظريته إلى نقد شديد في القديم. ونحن لا نعلم محاولة جادة لإلغائها قبل ابن مضاء القرطبي، فهو أشهر عالم أنكر هذه النظرية، ويعدّ كتابه: الرد على النحاة أهمّ وثيقة تلخص مذهبه هذا؛ فقد كان فيه صريحا شديد الصراحة في أنّه يريد أن يحذف هذه النظرية من درس النحو حذفا تامّا، قال: "قصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني عنه النحويّ عنه، وأنبّه على ما أجمعوا على الخطأ فيه. فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبّروا عن ذلك بعبارات تُوهم في قولنا (ضرب زيد عمرا) أن الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمرو، إنما أحدثه ضَرَبَ"(9). وقد ذهب مذهبه هذا بناء على مجموعة من الحجج، هذه أهمها:

- أصل العمل في نظره أن يكون للمتكلّم، واستند في ما يذهب إليه إلى رأي أبي الفتح بن جنّي حينما قال: "وإنما قال النحويّون عامل لفظيّ وعامل معنويّ ِليُرُوك أن بعض العمل يأتي مسبّباً عن لفظ يصحبه كمررت بزيد وليتَ عمرا قائم، وبعضه يأتي عاريا من مصاحبه لفظ يتعلّق به كرفع المبتدأ بالابتداء ورفع الفعل لقوعه موقع الاسم؛ هذا ظاهر الأمر وعليه صفحة القول، فأما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجرّ والجزم إنما هو للمتكلّم نفسِه لا لشئٍ غيرهِ، وإنما قالوا لفظيّ ومعنويّ لمّا ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامّة اللفظ للفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ وهذا واضح"(10). وهكذا، في رأي ابن مضاء، لا يصحّ للألفاظ أن يعمل بعضها في بعض، وإنما العمل للمتكلم، فهو الذي يصرف الألفاظ على هذا النحو أو ذاك، وهو الذي يحدث العلامات الإعرابية بمشيئته.
- ينبغي، في نظره، وجود العامل وحضوره حينما يباشر عمله، وإلا فغيابه دالّ على انعدامه؛ ثم إن العمل لا يحدث إلا بعد انعدامه، فكيف يعمل وهو معدوم؟ قال: "منها أن شرط الفاعل أن يكون موجودا حينما يفعلُ فعلَهُ، ولا يحدُثُ الإعراب فيما يُحدَث فيه إلا بعد عدم العامل، فلا يُنصبُ (زيدٌ) بعد (إنّ) في قولنا (إنّ زيدا) إلا بعد عدم (إنّ)"(11).
- ومنها أنّ العامل إما أن يعمل بالإرادة كالإنسان والحيوان، وإما أن يعمل بالطبع كالماء والنار، والعامل النحوي لا يعمل بالإرادة ولا بالطبع، قال: "الفاعل عند القائلين به إما أن يفعل بإرادة كالحيوان، وإما أن يفعل بالطبع كما تحرق النار ويبرد الماء، ولا فاعلَ إلا الله عند أهل الحقّ، وفعل الإنسان وسائر الحيوان فعل الله تعالى، كذلك الماء والنار وسائر ما يفعل، وقد تبيّن هذا في موضعه. وأما العوامل النحوية فلم يقل بعملها عاقل، لا ألفاظها ولا معانيها لأنها لا تفعل بإرادة ولا بطبع"(12).
- ومنها أن القول بالعامل يؤدي إلى تقدير المحذوفات، وذكر ما هو غير مذكور، وذلك يؤدي إلى الحشو والإطناب، وذلك منافٍ لما عرف عن العرب من دقّة وإيجاز. ويتجلى ذلك في أبواب التنازغ والاشتغال والمنادى وغيرها.
- ومنها أن القول بالعامل يؤدي إلى الحطّ من رتبة العرب في البلاغة. وهكذا، ففي اعتراضه على من يرى أن فكرة العامل لم تقدم إلا على سبيل التشبيه والتقريب، يقول: "لو لم يَسُقهم جعلها عوامل إلى تغيير كلام العرب، وحطّه عن رتبة البلاغة إلى هُجنة العِيِّ، وادّعاء النقصان فيما هو كامل، وتحريف المعاني عن المقصود بها لسومحوا في ذلك، أما مع إفضاء اعتقاد كون الألفاظ عوامل إلى ما أفضت غليه فلا يجوز اتباعهم في ذلك"(13).
- عدم اجتماع العلماء على تقدير العامل، وذلك لاختلاف عباراتهم في الإبانة عنه؛ وعلى أي حال فإن خرق الإجماع ليس حجّة على المخالف، وقد اعتبر كبار النحويين أن الإجماع لا يحصل إلا بتسليم الخصم، فما دام هناك رأي مخالف فلا إجماع حينئذ، ولذلك يقول ابن مضاء: "فإن قيل: فقد أجمع النحويون على بكرة أبيهم على القول بالعوامل، وإن اختلفوا؛ فبعضهم يقول: العامل في كذا: كذا، وبعضهم يقول: العامل فيه ليس كذا، إنما هو كذا... قيل: إجماع النحويين ليس بحجّة على من خالفهم". ثم إن النحو ليس علما مُصمتا، "وإنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة، فكل من فُرق له عن علّة صحيحة، طريق نَهجةٍ، كان خليلَ نفسه"(14).

وبهذه الحجج، التي تمثل أسسه النظرية، سوّغ ابن مضاء رفض العامل، وإنكار عمله، والتقديرات التي تنشأ عن هذا العمل. ولكن السؤال المطروح هو: لماذا ثار ابن مضاء على فكرة العامل؟ والسؤال الأكثر أهمية في هذا هو: هل كان لثورة ابن مضاء على العامل منطلقات علمية، ومسوغات موضوعية؟

ليس في كتاب ابن مضاء ذكر مباشر للسبب الذي دعاه إلى ذلك، ولكن من خلال الحجج التي قدمها نستطيع أن نتلمس هذا السبب. وعلى أية حال فنحن نستطيع أن نذكر أن من أهم الأسباب التي حملته على ذلك نزعته الظاهرية، ففي كتاب ابن مضاء نزعة فقية ظاهرية بادية بوضوح، وهي نزعة نصوصية تضادّ التأويل، وتكتفي بظاهر النصوص، وتفهمها فهما مباشرا خاليا من العقل، بل هي تقصر دور العقل على الإدراك المباشر للنص، ولا تسمح له بالقياس والتعليل(15). والمعروف أن من أشهر أعلامها داوود الظاهري وابن حزم الأندلسي. ولقد كان لهذه النزعة الفقهية التي ازدهرت في الأندلس ثورة حقيقية على الفقه المشرقي بمذاهبه المختلفة، والتي كانت لا تزال تحتفظ لنفسها بنصيب من المعقولية. ومن هنا وجدنا من الباحثين من يردّ هذه الثورة من ابن مضاء، في دوافعها الإبستيمولوجية، إلى تلك النزعة الظاهرية، ومن هؤلاء شوقي ضيف الذي يقول: "إن من يرجع إلى نصوص كتاب الردّ على النحاة يلاحظ ملاحظة واضحة، أن صاحبه ثائر على المشرق، وهي ثورة تعتبر امتدادا لثورة سيّده عليه (يقصد يعقوب بن يوسف، أمير الموحّدين)، وأيضا فإنه يلاحظ نزعة ظاهرية في ثنايا الكتاب، مما يؤكّد صلة صاحبه بثورة الموحّدين على كتب المذاهب، ومن يعرف؟ ربما كان ابن مضاء أحد المؤلبين على (زمن) هذه الثورة، إن لم يكن المؤلّب الأول، كما يقضي بذلك منصبه. والغريب أنه لم يُعنَ بتأليف كتاب ضدّ فقه المشرق، وإنما عُني بالتأليف ضد النحو الشرقي، فقد صبّ عنايته كلها على النحو"(16). ويوافقه على ذلك عبده الراجحي(17). وبهذا تكون ثورة ابن مضاء على نظرية العامل في حقيقتها فرعا عن ثورة مغربية على الفقه المشرقي، وعلى مذاهب المشرق، وما ابتدعوه من قياس وتعليل، ودعوة إلى التمسّك بحرفية نص القرآن الكريم ونص السنة النبوية. ويقتضي هذا التمسك بحرفية النصوص إلى التمسّك بحرفية نصوص اللغة العربية، والتنكّر لتلك الأقيسة والتعليلات والتأويلات والتقديرات التي ابتدعها نحاة المشرق.

ويجدر بنا أن نلحق بابن مضاء رجلا من قدماء النحويين، وهو في الحقيقة تلميذ لسيبويه، وهو أحمد بن المستنير، المشهور بقطرب، فإنه لم يوافق أستاذه في أن الحركات الإعرابية دوالّ على المعاني، فقال: "لم يُعربِ الكلام للدلالة على المعاني، والفرقِ بين بعضها وبعض، لأنّا نجد في كلامهم أسماء متفقة في الإعراب مختلفة المعاني، وأسماء مختلفة الإعراب متفقة المعاني... قال: فلو كان الإعراب إنما دخل الكلام للفرق بين المعاني، لوجب أن يكون لكلّ معنى إعراب يدلّ عليه لا يزول بزواله. قال قطرب: وإنما أعربت العرب كلامها، لأن الاسم في حال الوقف يلزمه السكون للوقف، فلو جعلوا وصله بالسكون أيضا لكان يلزمه الإسكان في الوقف والوصل، وكانوا يبطئون عند الإدراج، فلمّا وصلوا وأمكنهم التحريك، جعلوا التحريك معاقبا للإسكان، ليعتدل الكلام"(18). ولا نعلم غير هذين العلَمين من القدماء من أنكر العامل.

3 - مذاهب المُحدَثين الذين أنكروا نظرية العامل:

ومن المُحدَثين الذين رفضوا نظرية العامل إبراهيم مصطفى في كتابه: إحياء النحو، وكتابه هذا نتيجةُ بحث طويل، كما يقول، وكانت نتيجة هذا البحث أن انتهى إلى رفض نظرية العامل؛ ومن هنا فقد شنّع على النحاة هذا الاهتمام الزائد بها، قال: "أساس كلّ بحثهم فيه أن "الإعراب أثر يجلبه العامل"، فكلّ حركة من حركاته، وكل علامة من علاماته، إنما تجيء تبعا لعامل في الجملة - إن لم يكن مذكورا ملفوظا، فهو مقدّر ملحوظ - ويطيلون في شرح العامل وشرطه ووجه عمله، حتى تكاد تكون نظرية العامل عندهم هي النحو كلّه. أليس النحو هو الإعراب، والإعراب أثر العامل؟! فلم يبق إذا للنحو إلا أن يتتبّع هذه العوامل، ويستقرئها ويبيّن مواضع عملها، وشرط هذا العمل؛ فذلك كل النحو"(19). ومن هنا فقد كان من الطبيعي أن يرفض ما تستتبعه من دلالة علامات الإعراب على المعاني المختلفة؛ ولعلّ في هذه الفقرة من مقدمة كتابه ما يلخص مذهبه، قال: "أما علامات الإعراب، فقلّ أن يشعرنا النحاة بفرق بين أن تنصب أو ترفع؛ ولو أنه تبع هذا التبديل في الإعراب تبديل في المعنى لكان ذلك هو الحكم بين النحاة فيما اختلفوا فيه، ولكان هو الهادي للمتكلم أن يتبع في كلامه وجها من الإعراب. فلو أن حركات الإعراب كانت دوالَّ على شيء في الكلام، وكان لها أثر في تصوير المعنى، يحسّه المتكلم ويدرك ما فيه من الإشارة ومن وجه الدلالة، لما كان الإعراب موضع هذا الخلاف بين النحاة، ولا كان تعلّمه بهذه المكانة من الصعوبة، وزواله بتلك المنزلة من السرعة"(20). على أنه لم يكتفِ بإنكار أهمية العلامات الإعرابية، ولكنه قدم لها قراءة جديدة، مما يوحي بأنه يقدم بديلا للأسس التي قام عليها النحو العربي القديم. وهو يلخّصها كما يلي(21):

- إن الرفع علم الإسناد، ودليل أن الكلمة يتحدث عنها.
- إن الجر علم الإضافة، سواء أكانت بحرف أم بغير حرف.
- إن الفتحة ليست بعلم على إعراب، ولكنها الحركة الخفيفة المستحبة، التي يحب العرب أن يختموا بها كلماتهم ما لم يلفتهم عنها لافت؛ فهي بمنزلة السكون في لغتنا الدارجة.
- إن علامات الإعراب في الاسم لا تخرج عن هذا إلا في بناء، أو نوع من الإتباع. وإن التنوين علم التنكير.
- لك في كل علم ألا تنكره، وإنما تلحقه التنوين إذا كان فيه حظ من التنكير.
- لا تحرم الصفة من التنوين حتى يكون لها حظ من التعريف.
ومن هؤلاء أيضا إبراهيم أنيس، فقد قال صراحة أن ظاهرة الإعراب في العربية ظاهرة مصطنعة، اصطنعها النحاة في القرنين الأول والثاني، بناء على استقراء ناقص للواقع اللغوي، قال: "ما أروعها قصة! لقد استمدت خيوطها من ظواهر لغوية متناثرة بين قبائل الجزيرة العربية، ثم حيكت وتمّ نسجها حياكة محكمة في أواخر القرن الأول الهجري أو أوائل القرن الثاني على يد قوم من صناع الكلام، نشأوا وعاشوا معظم حياتهم في البيئة العراقية. ثم لم يكد ينتهي القرن الثاني الهجري حتى أصبح الإعراب حصنا منيعا، امتنع حتى على الكتاب والخطباء والشعراء من فصحاء العربية، وشقّ اقتحامه إلا على قوم سموا فيما بعد النحاة"(22).

كما لا ننسى محقّق كتاب الرد على النحاة شوقي ضيف، فقد انتهى إلى ما انتهى إليه ابن مضاء من ضرورة تحطيم نظيرة العامل. وفي المقدمة التي عقدها للكتاب نلاحظ بوضوح تنكره لهذه النظرية ودعوة ملحّة لإعادة تبويب فصول النحو العربي بما يتماشى مع روح العصر الجديدة، وفي غنى عن فكرة العامل من الأساس، قال: "وإنه لحريّ بنا الآن أن نستجيب إلى هذا النداء (نداء ابن مضاء للتخلص من نظرية العامل)، حتى نخلص الناس من صعوبات النحو التي ترهقهم من أمرهم عسرا، ولن يكلفنا ذلك جهدا، فقد مهّد ابن مضاء الطريق أمامنا بما وضع فيها من صُوًى وأعلام. أليس يدعو إلى إلغاء نظرية العامل، وقد طبّقها في أبواب النحو؟ وإذن فلنعمّم هذا التطبيق، فننصرف انصرافا تامّا عنها وعن كل ما يتصل به"(23).

وبهذا العرض تطرح نظرية العامل إشكالا حقيقيا. وعلى تعدّد الدوافع التي دفعت بعض العلماء إلى تبني فكرة إلغاء نظرية العامل، فإن الذي لا شك فيه أنها غدت إشكالية حقيقية، بما تطرحه على العقل من تحديات. فهل فكرة العامل هي من الصعوبة التي يصورها هؤلاء؟ وإذا كانت بهذه العواصة فكيف تسنى للقدماء أن يستنبطوها؟ أهو وهْم توهّموه، أم هي حقيقة علمية تخضع لها اللغة العربية؟

4 - كيف فهم القدماء نظرية العامل؟

إزاء هذه الثورة على نظرية العامل، يجدر بنا أن نعود إلى علماء النحو القدامى لكي نستكشف كيف فهموا نظرية العامل، ولأي ضرورة استنبطوها، وهل هي حقيقة علمية، أم هي وهم من الأوهام؟ ولعل من المستحسن أن نبدأ مع الإرهاصات الأولى لبداية تشكل النحو العربي، فممّا لا شك فيه أن النحو العربي بدأ يتشكل بناء على تلك الملاحظات التي كان يسجلها العلماء على الكلام العربي، وذلك من خلال رصد ظواهر الاطّراد والشذوذ في الظاهرة اللغوية، وهذا ما دفع إلى محاولة الوقوف على العلل والأسباب التي تقف وراء هذا الاطراد أو الشذوذ، فكان هذا التساؤل، ومن ثمّ البحث، هو الفتيل الذي قدح زناد فكرة التعليل والقياس، وإلحاق الأشباه بالنظائر؛ وأنت إذا رأيتهم يؤرخون للخليل مثلا تجدهم يقولون عنه: إنّه "كان الغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله"(24). وهذه ملاحظة واضحة في أن الأسس الأولى التي قام عليها النحو العربي هي القياس والتعليل.

فإذا جئنا إلى سيبويه وجدناه يضرب في التعليل النحوي بسهم وافر، مستثمرا إيحاءات الخليل وغير الخليل؛ ففي باب ما يحتمل الشعر نجده يقول: "وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يريدون به وجه"(25). ومعنى هذا أن أي ظاهرة لغوية هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بقصد المتكلم. ويقتصر دور النحوي هنا على إدراك العلل والأسباب التي تحمل المتكلم على هذا النحو من القول أو ذاك، وعلى إيقاع العلامات التي تدلّ على هذا القصد أو ذاك.

ولكن هل تحدّث سيبويه عن العامل بصورة مباشرة؟ أعتقد أنه من الإسراف أن نزعم أن سيبويه تحدّث عن العامل بصورة واضحة ومباشرة، ومع هذا فإننا نجده في غير ما موضع يتحدّث عنه، ويبيّن أثره في تحليل الجملة اللغوية، والسبب في ذلك، فيما يبدو، أن سيبويه كان يرى في العامل أنه مسألة بديهية، وضرورة طبيعية لفهم الجملة العربية وتحليلها، ومن ثمّ لم يقف عنده وقوفا خاصا، بل أشار إلى دوره عرضاً، ومن ذلك أنه عندما تحدث عن ظاهرة الإعراب، ذكر الأصناف التي يدخلها، وفي هذا التصنيف دلالة واضحة على أنه كان مدركا أن هذه الاختلافات لا يمكن أن تكون إلا باختلاف العامل، يقول: "هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربية؛ وهي تجري على ثمانية مجارٍ... وإنما ذكرت لك ثمانية مجارٍ لأفرّق بين ما يدخله ضربٌ من هذه الأربعة لما يحدث فيه العامل، وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه، وبين ما يبنى عليه الحرف بناءً لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل، التي لكلّ منها ضرب من اللفظ في الحرف، وذلك الحرفُ حرفُ الإعراب"(26).

ويتكرّر ذكر العامل في الكتاب في مواضع كثيرة، ولمناسبات مختلفة، وقد ذكره في باب الفاعل، قال: "هذا باب الفاعل الذي لم يتعدّهُ فعلُه إلى مفعول، والمفعول الذي لم يتعدّ إليه فعلُ فاعلٍ، ولا يتعدّى فعلُه إلى مفعول آخر، وما يعمل من أسماء الفاعلين والمفعولين عمل الفعل الذي يتعدى إلى مفعول، وما يعمل من المصادر ذلك العمل"(27).

وليس من هدفنا أن نتتبع المواضع التي تحدث فيها سيبويه عن العامل، ولكن الذي يجب أن نلاحظه عليه أنه يرى أن الحركات الإعرابية لا تحلق الكلمات اعتباطا، وإنما تلحقها للدلالة على المعنى، وأن المتكلم، عندما يعدل عن هذا الوجه من الحركة الإعرابية إلى ذاك، فإنما يعدل عن وجه من المعنى إلى آخر. مثال ذلك في الباب الذي عقده لما يجري من الشتم مجرى التعظيم، أي النصب على الشتم، يقول "تقول: أتأتي زيدٌ الفاسقَ، الخبيثَ؛ لم يرد أن يكرّره ولا يعرّفك شيئا تُنكره، ولكنه شتمه بذلك. وبلغنا أنّ بعضهم قرأ هذا الحرف نصبا: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)، لم يجعل الحمّالة خبرا للمرأة، ولكنه كأنه قال: أذكُرُ حمّالةَ الحطب شتما لها، وإن كان فعلا لا يستعمل إظهاره. وقال عروة العبسي:

سَقَوني الخمر ثم تكنّفوني عُداةَ الله من كذبٍ وزورٍ

إنما شتمهم بشيء قد استقر عندهم عند المخاطبين"(28). واختار الزمخشري هذا الرأي في تأويل نصب (حمالة) من سورة المسد(29)؛ فأنت تلاحظ، إذن، أن عدوله عن الرفع إلى النصب، كان لغاية محدّدة، لا يمكن أن يدلّ عليها إلا بحركة إعرابية مناسبة، هي النصب، وأنت تلاحظ كذلك أن هذا النصب يحدثه فعل غير مذكور على وجه صريح.

وقد سار على نهج سيبويه تلميذه أبو العباس المبرّد، فقد كان يرى كما كان يرى أستاذه أن العلامات الإعرابية، حركات يحدثها المتكلم للدلالة على أغراض بعينها، يقول المبرد: "فإذا قلت: ضرب عبدُ الله زيدا، فإن شئت قلت: ضَربَ عبدُ الله، فعرّفتني أنه قد كان منه ضربٌ، فصار بمنزلة: قامَ عبدُ الله، إلا أنك تعلم أن الضرب قد تعدى إلى مضروب، وأن قولك: قام لم يتعدّ فاعله، فإن قلت: ضرب عبد الله زيدا، أعلمتني من ذلك المفعول؟"(30). وأنت تلاحظ أن قوله: "عرّفتني" و"أعلمتني" فيه دليل واضح أن الحركات الإعرابية تبعٌ لإرادة المتكلّم، وأنه هو الذي يحدثها تبعا للعلاقات التي يريد أن ينشئها بين الكلمات.

وكذلك الأمر عند ابن الأنباري، فهو يفهم العمل في إطار التأثير الذي تحدثه اللفظة في غيرها، إلا أن التأثير ليس هو الأصل، وإنما الأصل التعلّق؛ ففي باب ظنّ وأخواتها، يتساءل عن العلّة في إعمالها قائلا: "فإن قيل: فلم أعملت هذه الأفعال وليست مؤثرة في المفعول؟ قيل: لأن هذه الأفعال وإن لم تكن مؤثرة إلا أن لها تعلّقا بما عملت فيه، ألا ترى أن قولك: ظننتُ يدلّ على الظنّ، والظنّ يتعلّق بمظنون، وكذلك سائرها. ثم ليس التأثير شرطا في عمل الفعل وإنما شرط عمله أن يكون له تعلّق بالمفعول، فإذا تعلق بالمفعول تعدّى إليه، سواء كان مؤثرا أو غير مؤثر، ألا ترى أنك تقول ذكرت زيدا فيتعدّى إلى زيد، وإن لم يكن مؤثرا فيه، إلا أنه لمّا كان له به تعلق لأنّ "ذكرتُ" يدلّ على الذكر، والذكر لا بدّ له من مذكور تعدى إليه"(31). وقد سار النحاة على درب المؤسّس الأول في الاهتداء بنظرية العامل، ولا داعي لإثبات أقوالهم فيها جميعا.

أما أهل البلاغة فمنهم الجرجاني، وقد فهم نظرية العامل في الإطار العام لنظريته في النظم، بل نحن نستطيع أن نقول بأن نظرية النظم هي أساسا نظرية في علم النحو، قال: "اعلمْ أنْ ليسَ النظُم إلا أن تضعَ كلامَك الوضعَ الذي يَقتضيه علمُ النّحو وتعملَ على قوانينه وأُصوله وتعرفَ مناهجَهُ التي نُهِجَتْ فلا تزيغُ عنها وتحفَظُ الرُّسومَ التي رُسمتْ لك فلا تُخلَّ بشيءٍ منه"(32). وبمعنى آخر، فليس النظم إلا توخّي معاني النحو؛ ونحن نجد عبد القاهر يصرّح في الكثير من المواضع في الدلائل أن ليس النظم شيئا غير هذا؛ بمعنى أن الكلمات ليس لها أي معنى في أنفسها مفردًة، وإنما في نظمها متوخًى بها معاني بعينها، هي معاني النحو، قال: "وكنَّا قد علمنا أنْ ليس النظمُ شيئاً غيرَ توخّي معاني النحو وأحكامِه فيما بينَ الكلمِ وأنَّا إنْ بقينا الدهرَ نُجهدُ أفكارَنا حتى نعلمَ للكلم المفردةِ سِلْكاً ينظمها وجامعاً يجمعُ شملَها ويؤلِّفها ويجعل بعضَها بسببٍ من بعضٍ غيرَ توخّي معاني النحو وأحكامه فيها طلبنا ما كلُّ محالٍ دونه"(33). ومن ثمّ فهو يبني معاني النحو على كيفيات تعلّق الكلمات بعضها ببعض. وإذا كان معلوما أنه ليسَ النظمُ سِوى تَعليقِ الكَلِمِ بعضِها إلى بعضٍ وجعلِ بعضِها بسببٍ مِن بعضٍ، ف"ذاكَ لأنه ليس مِنْ عاقلٍ يفتح عينَ قلبه إلاّ وهو يَعْلَمُ ضرورةً أن المعنى في ضَمِّ بعضِها إلى بعض، تعليقُ بعضِها ببعض، وجعلُ بعضِها بسبب من بعض، لا أنْ يُنطَـقُ ببعضها في أثر بعضٍ من غير أن يكون فيما بينها تعلُّق، ويعلم كذلك ضرورةً، إِذا فَكَّر، أنَّ التعلُّقَ يكونُ فيما بين معانيها لا فيما بينها أنفُسِه"(34). وبهذا يبدو من الواضح أن التعلّق هو الذي يؤدّي إلى تأثير الكلمات بعضها في بعض، فتكون هذه عاملة وتلك معمولة.

5 - آراء المدافعين عن نظرية العامل من المُحدَثين:

وكما كان لنظرية العامل منتقدون في القديم والحديث كان لها مدافعون في القديم والحديث، وإذا كنا قد تكلمنا عن مذاهب القدماء في فهمها وتعليلها، فإن هناك الكثير من المُحدَثين الذين دافعوا من منطلقات لا تختلف كثيرا عما ذهب إليه القدماء. ومن هؤلاء عبده الراجحي فقد دافع عنها من منطلق علمي بحت، ومستفيدا من تقدمه البحوث اللسانية المعاصرة، وبخاصة ما تقدمه هذه البحوث عما هو موجود في بعض اللغات الأوروبية، كاللغة الألمانية، التي لا تزال تحتفظ بظاهرة الإعراب بشكل جزئي، فالعامل عنده ليس اختراعا اخترعه العلماء القدامى من العدم، وليس اختراعا مبنيا على نزوع تبريري، يُرجع استعمال العرب للحركات الإعرابية إلى علل مجهولة اختُرع لها اسم العامل؛ وإنما ينهض مفهوم العامل على إدراك العلاقات التي تنشأ بين الكلمات عندما تدخل في التركيب. فليس من اختصاص النحو أن يدرس الكلمات مُفردةً، لا يربط بينها أي رابط؛ وإنما النحو دراسة العلاقات التي تنشأ بين الكلمات عندما تدخل في التركيب فيؤثر بعضها في بعض. ولذلك نجده يقول عندما يتحدث عن ابن جني: "ومن الواضح أن ابن جنّي فهم فكرة (العامل) فهما لغويا صحيحا؛ لأنه فهمها من خلال (التركيب) أو (النظم)؛ فالذي لا شك فيه أن الكلام حين يتركب في جمل، تنشأ بين كلمة أخرى علاقات (نحوية) تؤثر على شكل الكلمة كما هي الحال في العربية، ليست هذه العلاقات سوى العوامل التي تحدث عنها العلماء العرب، وذلك جليّ من تقرير ابن جني أنها تنشأ (بمضامّة اللفظ للّفظ)"(35).

إلا أنّ هناك دفاعا منهجيا مستفيضا، تقدم به رمضان عبد التواب عن نظرية العامل، وكان أكثر إلماما بحيثياتها، وهو يربط ظاهرة العامل بظاهرة أوسع، وهي ظاهرة الإعراب في اللغات السامية ككلّ. وعلى كلّ حال فهو قد عمد إلى تلخيص آراء إبراهيم أنيس، وذكر جملة ما يذهب إليه، والحجج التي قدمها. ثم انبرى لتقديم حججه، وهي في مجملها كما يلي(36):

- وجود الإعراب كاملا في بعض اللغات السامية القديمة، كالأكادية، وتشمل اللغتين: البابلية والأشورية، وهذا قانون حمورابي المدوّن باللغة البابلية القديمة، يوجد فيه الإعراب، كما هو في اللغة العربية الفصحى تماما.
- القرآن الكريم الذي وصل إلينا متواترا، وصل إلينا معربا، ولا يعتقد أحد أن النبي الكريم كان لا يحرّك أواخر الكلمات في تلاوته إلا حيث اقتضته ضرورة وصل الكلمات، أي حيث أراد التخلص من التقاء الساكنين.
- الرسم القرآني الذي نقل إلينا متواترا، وأنه ليس من اختراع النحاة، وإلا فكيف نفسر وجود الألف في الخط العثماني، في حالة المنصوب المنون، ويوافق على هذا الرأي عبد الواحد وافي.
- الشعر العربي بموازينه وبحوره، لا يقبل نظرية الدكتور إبراهيم أنيس بحال من الأحوال.
- هذه الأخبار الكثيرة، التي وصلت إلينا، والتي تدلّ على فطنة العلماء في الصدر الأول إلى هذه الحركات الإعرابية ومدلولها، وعيبهم من يحيد عنها ممن فسدت ألسنتهم بمخالطتهم الأعاجم.
- ومما يؤيد رأينا في أن الإعراب ليس مصنوعا، أن العلماء في عصر هارون الرشيد، كانوا يسمعونه بكل دقائقه من الأعراب الذين كانوا يلقونهم. وهذا هو سيبويه يروي في كتابه كثيرا عنهم.

ونحن نستطيع أن نحشد الكثير من آراء المُحدَثين مثل عبد الواحد وافي، أو محمد عرفة وغيرهما، ولكن ما يجب ملاحظته أن العلماء الذين وجهوا انتقادات لنظرية العامل لم يستطعوا تقديم بدائل مقنعة لفهم وتحليل الجملة العربية. وعلى رأس هؤلاء ابن مضاء نفسه(37). صحيح أنهم اتخذوا من التعقيد الذي عُرف به النحو العربي، وكثرة التعليل والتأويل، واختلافات العلماء في تحقيق الإشكالات اللغوية، اتخذوا من كلّ ذلك تعلّة لرفض نظرية العامل، ولكن في المقابل يجب أن نسجل أنهم لم يستطيعوا أن يقدموا بديلا مقنعا لفهم وتحليل الجملة العربية.

خاتمة:

نستطيع من خلال هذا المقال أن نخرج بمجموعة من النتائج هذه أهمها:
- لقد كانت نظرية العامل هي العمود الفقري الذي بُني عليه النحو العربي كلّه، واستطاع العلماء من خلالها أن يفهموا تركيب الجملة العربية.
- ويوجد إلى جانب هذه النظرية مجموعة من الآراء الاجتهادية، ولكن التحقيق العلمي لا يسعف هذه الآراء في إلغاء نظرية العامل، ولا في تقديم بديل عنها. سواء عند المتقدمين أم عند المُحدَثين.
- ومع هذا يجب أن نعترف أن مسائل النحو يجب تصنّف تصنيفا جديدا يسمح بدراسة الجملة العربية دراسة واقعية ومناسبة، مثال ذلك دراسة الجمل الأسلوبية كالشرط والنداء والقسم وغيرها كجمل مستقلة عوض دراستها أجزائها في أبواب مختلفة من النحو، وهذا على نحو ما فعل عبده الراجحي في كتابه التطبيق النحوي.
- تقتضي دراسة النحو دراسة جيدة ربطه بسياق التلفّظ، ولذلك فمن الخير تدريس النحو في علاقته بالمعنى ووظائف الكلمات في الجملة، لأن النظر إلى الجملة العربية من منظور شكلي خال من المعنى هو الذي يوحي في أحيان كثيرة بتعقيد هذا النحو، وهو منه براء.

الهوامش:
1 - شوقي ضيف: المدارس النحوية، دار المعارف، ط8، القاهرة، (د.ت)، ص 38.
2 - أبو بشر سيبويه: الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ط3، القاهرة 1988، ج2، ص 131.
3 - انظر: محمد عيد: أصول النحو العربي، عالم الكتب، القاهرة 1989، ص 202 وما بعدها.
4 - أبو القاسم الزجاجي: الإيضاح في علل النحو، تحقيق مازن المبارك، دار النفائس، ط3، بيروت 1979، ص 65-66.
5 - جمال الدين بن الحاجب: الكافية في علم النحو والشافية في علمي التصريف والخطّ، تحقيق صالح عبد العظيم الشاعر، مكتبة الآداب، القاهرة، ص 11.
6 - محمد علي التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تحقيق علي دحدوح، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، بيروت 1996، ج2، ص 1160.
7 - جمال الدين بن إياز البغدادي: قواعد المطارحة في النحو، دار الأمل، إربد 2010، ص 52.
8 - كمال الدين بن الأنباري: أسرار العربية، تحقيق بركات يوسف هبّود، دار الأرقم، ط1، بيروت 1999، ص 73.
9 - ابن مضاء القرطبي: الرد على النحاة، تحقيق شوقي ضيف، دار الفكر العربي، ط1، القاهرة 1947، ص 85.
10 - أبو الفتح ابن جني: الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، (د.ت)، ج1، ص 109-110.
11 - ابن مضاء القرطبي: الرد على النحاة، ص 87.
12 - نفسه، ص 87-88.
13 - نفسه، ص 88.
14 - نفسه، ص 93.
15 - جورج طرابيشي: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، دار الساقي، ط1، بيروت 2010، ص 337.
16 - شوقي ضيف: مقدمة كتاب الرد على النحاة، ص 11-12.
17 - عبده الراجحي: دروس في المذاهب النحوية، دار النهضة العربية، بيروت 1980، ص 218.
18 - أبو القاسم الزجاجي: الإيضاح في علل النحو، ص 70-71.
19 - إبراهيم مصطفى: إحياء النحو، ط2، القاهرة 1992، ص 22.
20 - المرجع نفسه، الصفحة هـ-و.
21 - المرجع نفسه، الصفحة ز.
22 - إبراهيم أنيس: من أسرار اللغة، مكتبة الأنجلو مصرية، ط3، القاهرة 1966، ص 183.
23 - شوقي ضيف: مقدمة كتاب الرد على النحاة، ص 49-50.
24 - ياقوت الحموي: معجم الأدباء، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت 1993، ج3، ص 1261.
25 - سيبويه: الكتاب، ج1، ص 32.
26 - المصدر نفسه، ج1، ص 13.
27 - المصدر نفسه، ج1، ص 33.
28 - المصدر نفسه، ج2، ص 70.
29 - أبو القاسم الزمخشري: الكشاف، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، مكتبة العبيكان، ط1، الرياض 1998، ج6، ص 455.
30 - أبو العباس المبرّد: المقتضب، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة 1994، ج3، ص 116.
31 - كمال الدين بن الأنباري: أسرار العربية.
32 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، مطبعة المدني، ط3، جُدّة - القاهرة 1992، ص 81.
33 - المرجع نفسه، ص 391-392.
34 - نفسه، ص 466.
35 - عبده الراجحي: فقه اللغة في الكتب العربية، دار النهضة العربية، بيروت، ص 158.
36 - رمضان عبد التواب: فصول في فقه اللغة، مكتبة الخانجي، ط6، القاهرة 1999، ص 375.
37 - محمد خير الحلواني: أصول النحو العربي، الناشر الأطلسي، ط2، الدار البيضاء، ص 215.
References:
1 - ‘Abd al-Tawwāb, Ramadān: Fuṣūl fī fiqh al-lugha, Maktabat al-Khānjī, 6th ed., Cairo 1999.
2 - ‘Eīd, Muḥammad: ’Usūl an-naḥw al-‘Arabī, ‘Ālim al-Kutub, Cairo 1989.
3 - Al-Baghdādī, Jamāl al-Dīn ibn Iyāz: Qawā‘id al-muṭāraḥa fī an-naḥw, Dār al-Amal, Erbid 2010.
4 - Al-Ḥamawī, Yāqūt: Mu‘jam al-’udabā’, edited by Iḥsān ‘Abbās, Dār al-Gharb al-Islāmī, 1st ed., Beirut 1993.
5 - Al-Jurjānī, ‘Abd al-Qāhir: Dalā’il al-i‘jāz, edited by Maḥmūd Shākir, Maṭba‘at al-Madanī, 3rd ed., Jeddah-Cairo 1992.
6 - Al-Mubarrad, Abū al-‘Abbās: Al-muqtaḍab, edited by Muḥammad ‘Abd al-Khāliq ‘Uḍayma, Lajnat Iḥyā’ al-Turāth al-Islāmī, Cairo 1994.
7 - Al-Qurṭubī, ibn Maḍḍā’: Ar-rad ‘alā an-nuḥāt, edited by Shawqī Ḍayf, Dār al-Fikr al-‘Arabī, 1st ed., Cairo 1947.
8 - Al-Rāhī, ‘Abdou: Durūs fī al-madhāhib an-naḥwiyya, Dār al-Nahḍa al-‘Arabiyya, Beirut 1980.
9 - Al-Rājiḥī, ‘Abdou: Fiqh al-lugha fī al-kutub al-‘arabiyya, Dār al-Nahḍa al-‘Arabiyya, Beirut.
10 - Al-Tahānawī, Muḥammad ‘Alī: Kashshsāf iṣṭilaḥāt al-funūn wa al-‘ulūm, edited by ‘Alī Daḥdūḥ, Maktabat Lubnān Nāshirūn, 1st ed., Beirut 1996.
11 - Al-Zajjājī, Abū al-Qāsim: Al-iḍāḥ fī ‘ilal an-naḥw, edited by Māzin al-Mubārak, Dār al-Nafā’is, 3rd ed., Beirut 1979.
12 - Al-Zamakhsharī, Abū al-Qāsim: Al-kashshāf, edited by ‘Ādil Aḥmad ‘Abd al-Mawjūd, Maktabat al-‘Ubaykān, 1st ed., Riyadh 1998.
13 - Anīs, Ibrāhīm: Min asrār al-lugha, Al-Anglo Miṣriyya, 3rd ed., Cairo 1966.
14 - Ḍayf, Shawqī: Al-madāris an-naḥwiyya, Dār al-Ma‘ārif, 8th ed., Cairo (n.d.).
15 - Ibn al-Anbārī, Kamāl al-Dīn: Asrār al-‘arabiyya, edited by Barakāt Yūsuf Habbūd, Dār al-Arqam, 1st ed., Beirut 1999.
16 - Ibn al-Hājib, Jamāl al-Dīn: Al-kāfiyya fī ‘ilm an-naḥw wa ash-shāfiyya fī ‘ilmaẙ at-taṣrīf wa al-khaṭ, edited by Ṣālah A. al-Shā‘ir, Maktabat al-Ādāb, Cairo.
17 - Ibn Jinnī, Abū al-Fatḥ: Al-khaṣā’iṣ, edited by Muḥammad ‘Alī al-Najjār, Dār al-Kutub al-Miṣriyya, Cairo.
18 - Muṣṭafā, Ibrāhīm: Iḥyā’ an-naḥw, 2nd ed., Cairo 1992.
19 - Sibawayh, Abū Bishr: Al-kitāb, edited by ‘Abd al-Salam Hārūn, Maktabat al-Khānjī, 3rd ed., Cairo 1988.
20 - Trabishī, Georges: Min Islām al-Qur’ān ila Islām al-ḥadīth, Dār al-Sāqī, 1st ed., Beirut 2010.
الإحالة إلى المقال:

* د. يوسف بن زحاف: مشكلة العامل في النحو العربي بين الحقيقة والادعاء، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد العشرون، سبتمبر 2020. http://annales.univ-mosta.dz

***