دراسة البوليفونية في رواية اللص والکلاب لنجيب محفوظ
على ضوء نظرية باختين

مائدة ظهري عرب
جامعة شهيد تشمران أهواز، إيران

الملخص:

احتلت الرواية البوليفونية (متعددة الأصوات)، مؤخرا مکانة متميزة في الأدب الحديث حيث عالجها الناقد الروسي ميخائيل باختين في أبحاثه المختلفة وکشف جماليتها وأسلوبيتها وأثرى النقد الروائي بكثير من المفاهيم؛ مثل: الشخصية غير المنجزة، والحوارية، وتعدد الرؤى الأيديولوجية... إلخ. إنّ الرواية البوليفونية تحمل في ثناياها عناصر مختلفة لبنائها ومِن أهمّ میزاتها هو التعدد الصوتي الذي يحصل بين الشخصيات الروائية. ينوي هذا البحث دراسة البوليفونية أو تعددية الأصوات في رواية "اللصّ والکلاب" للروائي "نجيب محفوظ" على ضوء نظرية ميخائيل باختين حتی یتبین لنا توظیف السارد لهذا النوع من السرد. حاول الروائي نجيب محفوظ من خلال استخدام النظرية السردية لباختين أن يعکس قضية اجتماعية واقعية في فترة من حياته حيث تعرض لأنواع الخيبات ولذلك يجب أن نتناول هذه الرواية في بحثنا الحاليّ للترکيز على تعدّدية الأصوات التي تمثّلت فيها لنتعرف على فکرة الشخصيات ومواقفها وانفعلاتها. ومن بعد التعمق في النص الروائي وصلنا إلی أنّ البوليفونية، في رواية اللصّ والکلاب تمثّلت في صور وتقنيات مختلفة منها: التهجين، والأجناس التعبيرية، والحوارات الخالصة، والتعددية الأيديولوجية وغيرها.

الكلمات الدالة:

البوليفونية، ميخائيل باختين، اللص والکلاب، نجيب محفوظ.

***
Study of polyphony in the novel Al-las wal-kelab of Naguib Mahfouz
in the base of Bakhtin idea

Abstract:

The Polyphonic Novel (Multiple sounds) recently occupied a distinguished place in modern literature, as the Russian critic Mikhail Bakhtin treated it in his various researches and revealed its aesthetics and style, and enriched the novelistic criticism many concepts, such as: the unfinished personality, the dialogue, and the multiplicity of ideological visions ... etc. The Polyphonic novel contains in its folds various elements for its construction and one of its most important features is the acoustic multiplicity that occurs between the novel characters. This research intends to study the Polyphonic or Multiple sounds in the novel "al-las wal-kelab" by the novelist Naguib Mahfouz in base of the idea of Michail Bakhtin to find out how the novelist uses it for this type of narration. Through the use of Bakhtin's narrative theory, the novelist Najib Mahfouz tried to reflect a realistic social issue in a period of his life when he was exposed to the types of disappointments and therefore we must address this narration in our current research to focus on the multiplicity of voices in which it was represented in order to learn the idea of the characters, their positions and their emotions. After delving deeper into the narrative text, we concluded that the Polyphonic in this novel were represented in various forms and techniques.

Key words:

polyphony, Michael Bakhtin, al-als wal-kelab, Naguib Mahfouz.

***

النص:

المقدمة:

إن الرواية تحتل مکانة کبیرة في الأدب فهي الفن الأکثر قدرة على التأثیر في نفس المتلقي وإنها فن سردي من أهم الفنون السردية کافة، لقد عرف "ميخائيل باختين" الرواية بأنها فنّ نثريّ، تخیّلي طویل نسبیا وإنّ هذا الفن بسبب طوله، یعکس عالما من الأحداث والعلاقات الواسعة والمغامرات المثیرة والغامضة أیضا، وفي الرواية تکمن ثقافات إنسانیة وأدبیة مختلفة(1). إنّ "باختين" یُعد من الشکلانیين الروس الذین کان لهم الاهتمام الواسع والإشراف على هذا الفن. "ركز ميخائيل باختين، في أبحاثه المختلفة، على جمالية الرواية وأسلوبيتها واهتم، بالخصوص، بالرواية البوليفونية (متعددة الأصوات)، فأثرَى النقد الروائي بكثير من المفاهيم؛ مثل: فضاء العتبة، والشخصية غير المنجزة، والحوارية، وتعدد الرؤى الأيديولوجية..."(2).
- أسئلة البحث: هناك أسئلة تعتبر من الدوافع الأساسیة التي بثت فینا رغبة جاذبة نحو دراسة البوليفونية في هذه الرواية على ضوء منهج باختين وتطبیقها على النص الروائي. فقد جهدت هذه الدراسة أن تحلل هذه الرواية بغیة الإجابة على الأسئلة التالیة: - ما البصمات التي خلقتها البوليفونية في رواية اللصّ والکلاب؟ -کیف تتعدد الرؤی والأصوات حول القضایا المطروحة داخل النصّ الروائي؟
- فرضيات البحث: - إن البوليفونية في رواية اللصّ والکلاب تمثلت في صور متعددة منها: التهجين، والأجناس التعبيرية، والحوارات الخالصة، والتعددية الأيديولوجية. - تتعدد الرؤی والأصوات في النصّ الروائي بشکل رائع وبطریقة السرد البولیفونيّ حيث نری نظریات مختلفة حول قضیة واحدة وکل شخصیة تحاول أن تظهر وجهة نظرها حول الموضوع الرئیسي للرواية.
- الدراسات السابقة: لقد وجدنا أن هناك دراسات سابقة حول البوليفونية، اهتمت بالبحث عن تجلیات البوليفونية في روایات عدیدة لکن لا یمکن الإلمام بجمیع الدراسات السابقة ولذلك نذکر على سبیل المثال رسائل جامعیة ومقالات تناولت هذا الموضوع: مقالة "مرایا البوليفونية في رواية الزمن الموحش على ضوء نظرية باختين السردية"، مجلة الأدب العربي، السنة الحادیة عشرة، العدد الأول، 2019م، للباحث رضا آنسته وآخرون. اهتم هذا البحث بدراسة البوليفونية وتحلیلها وإبراز خصائصها من خلال دراسة رواية الزمن الموحش للروائي السوري "حيدر حيدر" لمعرفة کیفیة توظیف الروائي للخصائص البوليفونية.

1 - مفهوم الرواية البوليفونية:

لقد هیمنت فکرة البوليفونية على الرواية الحدیثة باعتبارها ترجمان لروح العصر نظراً لما تحمله من أیدیولوجیة تعکس حیاة الإنسان وتساهم بقدر واسع في تقدیم طروحات مختلفة. "يقصد بالبوليفونية (poliphonie/polyphony) -لغة- تعدد الأصوات، وقد أخذ هذا المصطلح من عالم الموسيقی، ليتم نقله إلى حقل الأدب والنقد. ومن ثم، فالمقصود بالرواية البوليفونية تلك الرواية التي تتعدد فيها الشخصيات المتحاورة، وتتعدد فيها وجهات النظر، وتختلف فيها الرؤى الأيديولوجية"(3)، ويعرف "ميخائيل باختين" الرواية البوليفونية قائلاً: "إنّ الرواية المتعددة الأصوات ذات طابع حواري على نطاق واسع. وبين جميع عناصر البنية الروائية، توجد دائما علاقات حوارية. أي: إن هذه العناصر جرى وضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، مثلما يحدث عند المزج بين مختلف الألحان في عمل موسيقي. حقا إنّ العلاقات الحوارية هي ظاهرة أكثر انتشارا بكثير من العلاقات بين الردود الخاصة بالحوار الذي يجري التعبير عنه خلال التكوين. إنها ظاهرة شاملة تقريبا، تتخلل كل الحديث البشري، وكل علاقات وظواهر الحياة الإنسانية. تتخلل تقريبا كل ما له فكرة ومعنى"(4). الرواية على نمطین: الرواية البوليفونية (polyphony) والرواية المنولوجیة (monolog). إنّ الغرض من الرواية المنولوجیة هي سیطرة وتحکم الراوي العالم بکل شيء وبما أن "أصبحت المنولوجیة غیر محتملة في العصر الحدیث مع التطور الثقافي العریض للعقل البشري"(5)، إنّ الرواية تعتمد اعتماداً رئیسیاً على أصوات الشخصیة وهي التي تمارس في إنجاز العمل الروائي وتکون هذه الأصوات تقنیة تسهم في نمو الرواية وازدهارها(6). تسرد كل شخصية الحدث الروائي بطريقتها الخاصة، بواسطة منظورها الشخصي، ومن زاوية نظرها الفردية، وبأسلوبها الفردي الخاص. بمعنى أن الرواية تقدم عصارتها الإبداعية وأطروحتها المرجعية عبر أصوات متعددة. وهذا ما يجعل القارئ الضمني الواعي يختار، بكل حرية، الموقف المناسب الذي یحبه ويرتضي المنظور الأيديولوجي الذي يلائمه ويوافقه، دون أن يكون المتلقي في ذلك مستلبا أو مخدوعا من قبل السارد أو الكاتب أو الشخصية. ويعني هذا كله أن الرواية البوليفونية مختلفة أيما اختلاف عن الرواية المنولوجية أحادية الراوي، والموقف، واللغة، والأسلوب، والمنظور؛ بوجود تعددية حوارية حقيقية على مستوى السُّرّاد، والصيغ، والشخصيات، والقراء، والمواقف الأيديولوجية. فإنّ أهم سمة من سمات الرواية البوليفونية هي وجود علاقات حواریة بین الشخصیات الروائیة(7).

2 - البوليفونية في رواية اللصّ والکلاب:

نری أسالیب متعددة من تعدد اللغات والشخصیات المتعددة في الرواية المذکورة ومن هذه الأسالیب البوليفونية المختلفة سنعالج في هذه الدراسة: التهجين، والأجناس التعبيرية، والحوارات الخالصة والتعددية الأيديولوجية.

أ - التهجين:

"یشکل أحد أهم عناصر ومظاهر حواریة باختين، وکما یعرفه باختين هو عبارة عن مزج لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ واحد، وهو أیضاً التقاء وعيين لسانيين مفصولين بحقبة زمنية، وبفارق اجتماعي، أو بهما معا، داخل ساحة ذلك الملفوظ وهو إما یكون إرادياً أو غير إرادي"(8). یری ميخائيل باختين تنوّع الخطاب الروائي أمراً یزید العمل الأدبي جمالاً ورونقا بما أنه یسهم في کشف جوانب شخصیات أخری. باختين "لا یُنقّي خطاباته من نوایاها ومن نبرات الآخرین ولا یقتل فیها أجنّة التعدد اللساني الاجتماعي، ولا یستبعد تلك الوجوه اللسانیة وطرائق الکلام، وتلك الشخوص الحاکیة المضمرة التي تتراءی في شفافیة خلف کلمات لغته وأشکاله"(9). وهکذا سرعان ما یکشف السرد عن موقف الشخصیات ومستواها التکویني "وبعبارة أخرى، يستند التهجين إلى الجدل الخفي، والخلط بين حوارين؛ أحدهما حوار صريح، والآخر حوار خفي، يشكلان معا جدلا بين شخصيتين: شخصية حاضرة مشخصة (بكسر الصاد)، وشخصية غائبة مشخصة (بفتح الصاد)(10). وهو عبارة عن "تعالق لغتين غير متكافئتين إحداهما مشخَصة (بفتح الخاء)، والأخرى مشخِصة (بكسرها)، تقدمان عبر وعي فردي منسكن بحمولة رؤيوية للعالم. ومعناه أن البناء الهجين یتأسس على ثنائية الفردي/الجماعي"(11).

یوفّر التهجين ثروة صوتیة بارزة في رواية اللصّ والکلاب ویجسد الحوار بین الشخصیة الحاضرة والشخصیة الغائبة ویلائم بینهما فی النص. لهذا یکتسب التهجين في هذه الرواية رونقاً خاصاً وحضورا رائعا وکثیرا ما یلجأ الکاتب إلی هذا النوع من السرد؛ من أمثلتها نورد النموذج التالي: "فقال الشیخ بعتاب: توضأ واقرأ (قل إن کنتم تحبون اللّه فاتبعونی یحببکم اللّه)، واقرأ (واصطنعتك لنفسی)... ها هو أبي یسمع ویهز رأسه طربا. ویرمقني باسماً کأنما یقول لي اسمع وتعلم. وأنا سعید وأود غفلة لأتسلق النخلة وأرمي طوبة لأسقط بلحة وأترنم سرا مع المنشدین(12).

يمكن القول بوضوح بأن هنا يلاحظ المتلقي نوعا من التهجين والخلط بين الحوارات والأساليب داخل هذا الكلام الذي ورد في صيغة الأسلوب غير المباشر الحر. في هذا المشهد نری بعدما أقام سعید عند صدیق أبیه الشیخ، یقوم الشیخ بدعوته نحو قراءة الآیات القرآنیة ویشکل هذ الفضاء الروحاني حافزاً لیتذکر سعید أباه الذي فارق الحیاة منذ سنین ویستحضر أب سعید بکل لطافة داخل کلام سعید وینقل سعید کلام الشخصیة الغائبة "کأنما یقول لی اسمع وتعلم" ویضمّها ضمن حواره وهکذا کأن الشخصیة الغائبة تحضر في السرد وترد على الآخرين، وهذا يعني أن كلام الغير حاضر في النص حتی وإن کان صاحبه غائبا. ومن ثم، يبدو أن هذا النوع من الحوار الذي تمتزج فیه لغة الشخصیة الحاضرة مع الشخصیة الغائبة یزید النص روعة وجمالاً لا سیّما عندما یضمّ السارد انفعالات الشخصیة الغائبة وحالاتها وکأن الشخصیة لیست غائبة بل متواجدة مع کل حالاتها وهذا ما نلمسه عندما یصف السارد شخصیة الأب بجالاتها الکاملة مثل "یرمقني باسماً ویهز رأسه طرب". "ففي هذا الكلام يبدو وكأن ردودا غيرية تندس، هذه الردود التي تعتبر من الناحية العملية غائبة في الحقيقة، إلا أن أثرها تترتب عليه بنية نحوية ونبرية حادة للكلام. لا وجود للردود الغيرية، إلا أن ظلها يخيم بكثافة على الكلام(13). وهکذا استخدم السارد بتقنیاته الفنیة والجمالیة نشاطه الإبداعي في عملية التجديد في داخل متن الرواية.

نجد أوضح مثال للتهجین في رواية اللصّ والکلاب في مشهد آخر من الرواية نذکره هنا: "یا له من ظلام! انقلب خفاشا فهو أصلح لك. وهذه الرائحة الدهنیة المتسربة من باب شقة ما في هذه الساعة من اللیل! متی تعود نور وهل تعود بمفردها؟ وهل یمکن أن أبقی في بیتها؟ لعلك تظن یا رءوف أنك تخلصت مني إلی الأبد؟ بهذا المسدس أستطیع أن أصنع أشیاء جمیلة على شرط ألا یعاکسني القدر. وبه أیضا أستطیع أن أوقظ النیام فهم أصل البلایا. هم خلقوا نبویة وعلیش ورءوف علوان"(14).

نری في هذا المقطع إن الشخصیة الرئیسة "سعید مهران" یتکلم مع نفسه عندما یذهب لبیت نور وفي ضمن کلامه یحضر شخصیة غائبة وهي رءوف، حيث لا حضور له مع المتکلم بل یضم المتکلم کلامه وأفکاره ضمن کلامه ویعبر عنه حيث لم نجد لغة رئوف حاضرة. إن سعید بهذا الکلام "تظن یا رءوف أنك تخلصت مني إلی الأبد؟" یفصح عن أفکار رءوف الذي کان یفکر بأن ینجو سالماً من أیدي سعید. الظاهرة اللافتة للانتباه هنا هي أنّ اللغة هنا ليست أحادية، بل هي لغة حوارية غيرية ومزدوجة الصوت. وهكذا نستطیع القول إن "جميع لغات التعدد اللساني، مهما تكن الطريقة التي فردت بها، هي وجهات نظر نوعية حول العالم، وأشكال لتأويله اللفظي، ومنظورات غيرية دلالية وخلافية. بهذه الصفة يمكنها جميعا أن تتجابه، وأن تستعمل بمثابة تكملة متبادلة، وتدخل في علائق حوارية. بهذه الصفة تلتقي وتتعايش داخل وعي الناس، وقبل كل شيء داخل وعي الفنان"(15)، والإشارة التي یجدر بنا ذکرها هي أنّ السارد في رواية اللصّ والکلاب لا يؤمن بالصوت الفردي بل یجعل في الرواية خطاب هجين تشكله الخطابات الأجنبية. وبناء على ما سبق، إذا كانت الرواية المنولوجية ذات صوت إيديولوجي واحد، تعتمد على السارد المطلق العارف بكل شيء، وتستند إلى سارد واحد، ورؤية سردية واحدة، ولغة واحدة، وأسلوب واحد، وأيديولوجية واحدة، فإن الرواية البوليفونية رواية متعددة الأصوات، على مستوى اللغة، والأساليب، والمنظور السردي، والأيديولوجي، وكذلك من حيث الشخصيات.

ب - الأجناس التعبيریة:

یری باختين "إن الرواية تسمح بأن ندخل إلى كيانها جميع أنواع الأجناس التعبيرية، سواء كانت أدبية (قصص، أم أشعار، أم قصائد، أم مقاطع كوميدية) أو خارج-أدبية (دراسات عن السلوك، نصوص بلاغية وعلمية، ودينية، الخ) وتحتفظ تلك الأجناس، عادة، بمرونتها، واستقلالها، وأصالتها اللسانية والأسلوبية"(16). إن بعض هذه الأجناس تعد من السمات الرئیسة في عمل ما بحيث لا یمکن أن یستغني عنها السارد في عملیة السرد، أو بالأحری لا یمکن أن یتشکل السرد دون هذه الأجناس التعبيرية. ومن هذه النصوص الدینیة نستیطع الإشارة إلی النموذج التالي:

"جلس عند النخلة یشاهد صفی المریدین تحت ضوء الفانوس... وأغمض الشیخ عینیه فکأنه نام... وتساءل لیوقظه:
- ألا تزال تحیا الأذکار هنا؟
فلم یجبه. وساوره القلق فعاد یسأل:
- ألا ترحب بي؟
ففتح الشیخ عینیه قائلا:
- ضعف الطالب والمطلوب...
فقال سعید:
- على کل حال فهذا البیت بیتي، کما کان بیت أبي، وبیت کل قاصد، وأنت یا مولاي جدیر بکل شکر.
فقال الشیخ:
- اللهم إنك تعلم عجزي عن مواضع شکرك فاشکر نفسك عني، هکذا قال بعض الشاکرین!"(17).

نلاحظ هنا إن لغة الرواية تتسم بعبارات دینیة تجري على لسان الشخصیة الروحانیة في الرواية وهي شخصیة الشیخ. فنری إن معظم کلمات الشیخ کلمات معنویة ودعائیة تنساب شخصیته. إن الشیخ في حواره مع سعید کثیرا ما یستعمل هذا الأسلوب وإن إجاباته متخذة من الأحادیث والأدعیة مثل "ضعف الطالب والمطلوب" وجاء أکثر کلامه على أسلوب النداء والدعاء مثل هذا الکلام: "اللهم إنك..." قد رأینا إن الصورة العامة في هذا المقطع هي النصوص الدینیة المهیمنة على لغة السرد. ومن الأجناس التعبيرية الأخری في الرواية نشیر إلی لغة الشعر حيث استخدمت الرواية العربیة الحدیثة هذه اللغة الشعریة بهدف استخدام سحرها وجمالیاتها للتأثیر في المتلقي، من خلال السحر الذي تمارسه هذه اللغة علیه، کما یؤکد الناقد الروسي "ميخائيل باختين" على دور هذه اللغة الشعریة؛ "فالجوهر الشعري لا یخص الشعر وحده بل هو موجود في کل کلام بأقدار متفاوتة، واحتضان الرواية للشعر صورة من صور هذا التواجد، وقد أشار باختين في حدیثه عن الأجناس المتخللة للرواية، إلی أن الشعر کان حاضرا دائما في الکتابة الروائیة"(18)، ومن أمثلة صورة الشعر في رواية اللصّ والکلاب نورد المثال التالي:

"ردد الشیخ علي الجنیدی ثلاثا "الله" فردد الآخرون النداء في نغمة... وعند ذاك علا صوت رخیم مترنما:
واحسرتي، ضاع الزمان، ولم أفز
منکم، أهیل مودتي بلقاء
ومتی یؤمل راحة مَن عُمره
یومان، یوم قلی، ویوم تناء
وارتفعت التأوهات في الأرکان، ثم ارتفع صوت آخر یترنم:
وکفی غراما أن أبیت متیما
شوقي أمامي والقضاء ورائي"(19).

من خلال هذا النص الروائي نجد في الرواية لغة شعریة عذبة تتجلی بوضوح في هذا المقطع. إن لغة الشعر في هذا النص تصور إحساسا رائعا وتوحي بما یختلج بالنفس من مشاعر وتعکس لنا العوالم النفسیة للشحصیات بأسلوب جماليّ. وهذا الأسلوب هو الذي یحقق التنوع الکلامي داخل الخطاب الروائي الأمر الذي یؤکد علیه باختين. والجدیر بالذکر هو أن الأجناس التعبيرية في رواية اللص والکلاب تتیح للسارد أن یتحرر من اللغة الأحادیة ویحتفل بعوالم تتعدد فیه اللغات والأسالیب.

جـ - الحوارات الخالصة:

"یقصد باختين بالحوار الخالص ما سماه أفلاطون منذ زمن بالمحاکاة المباشرة (mimesis)، أي حوار الشخصیات فیما بینهم داخل الحکي، وباختين کعادته یستخدم صیغا متعددة للتعبیر عن الشيء الواحد، لذلك نجده یتحدث أیضا عما یسمی "الحوارات الدرامیة الخالصة"، ثم عن "حوار الرواية"، وهو یقصد دائما حوار الشخصیات المباشر في الحکي، کما نجد الحوار الخالص یأتي غالبا بعد فعل القول أو ما فیما معناه، ویکون مسبوقا بنقطتین وموضوعا بین قوسین مزدوجین، مثاله: قالت له: أغرب عن وجهي"(20). یؤکد باختين أن الاتجاه الحواري للخطاب یعطیه إمکانات أدبیة جدیدة وجوهریة، کلما کانت التنافرات والتناقضات الفردیة والاجتماعية أکبر ازدادت الصناعة الحواریة الدّاخلیة قوّة وفنّیة(21). الجدیر بالذکر هنا إن الحوار الذي نجده في رواية اللصّ والکلاب هو هذا النوع من الحوار الخالص أو المباشر؛ والمثال على هذا هو الحوار الذي دار بین بطل الرواية سعید مهران والشیخ علي:

"والتفت الشیخ نحوه وقال برقة:
- أنت متعب، قم فاغسل وجهك...
فقال بضیق وهو یطوي الجریدة:
- سأذهب وأریحك من منظري...
فقال في مزید من الرقة:
- هذا مأواك...
- نعم، ولکن لم لا یکون لي مأوی آخر؟
فقال وهو یطرق:
- لو کان آخر ما جئتني!"(22).

نلمح هنا کیف یوظف الروائي الحوار المباشر بین الشخصیات ویخلق البنیة الحواریة داخل الرواية. نری هنا مجالا رحبا لتجسید الحوار ونجد أنّ المقاطع الحواریة قد بدأت بفعل "قال". یشکل الحوار بین سعید والشیخ علي الانسجام والتکامل في الرواية وینقل لنا السارد من خلال هذا الحوار مفاهیم ومشاعر عن الشخصیات وینقل إلینا کلامهم وأفکارهم وبهذا التوظیف استطاع الکاتب أن يلج داخل البطل ويحلل مشاعره ونفسيته، فهو ينظر إلى العالم الخارجي من وجهة نظر هذه الشخصية.

د - التعددية الأيديولوجية:

"يرى باختين أن تعدد الأصوات لا يتلاءم وأحادية الفكرة في النمط الاعتيادي على هذا يعتبر تعدد الأيديولوجيات وتباينها وتساوي قيمتها في العرض من صلب البوليفونية. وعلى غرار حوارية أنماط الوعي يصر باختين على الطبيعة الحوارية للأفكار؛ فالفكرة الإنسانية تصبح فكرة حقيقية، وذلك فقط عندما تقيم اتصالا حيا مع فكرة أخرى غيرية تتجسد في صوت غيري، فلا قيمة للفكرة إذا ظلت منعزلة داخل الوعي الذاتي للشخصية، فهي تكتسب حياتها وفعاليتها فقط من خلال التأثير المتبادل الذي تقيمه خارجا مع باقي الأفكار المتواجدة في أنماط الوعي المختلفة. وكما قلنا من قبل، الأيديولوجيا لابد أن تكون ملتحمة بالشخصية الروائية لأنها أولا وأخيرا هي التي تحقق لها وجودها المستقل. فكل شخصية لديها وجهة نظر خاصة وتعبر عن أيديولوجيا معينة في مقابل أيديولوجيات تحملها شخصيات أخرى؛ كما يشترط باختين أن تحمل كل شخصية أيديولوجيا محددة، ففي كل رأي تقدم تقريبا شخصية بكامله"(23). إن التعددية الأيديولوجية أساس الرواية البوليفونية بحيث لا نری رواية بولیفونیة إلا وتشتمل علیها کما هو الحال في رواية اللصّ والکلاب حيث نجد التعددية الأيديولوجية بكثرة فيها ومن أمثلتها ما نورده في ما یلي:

"وعاد بیاظة یتساءل:
- العودة من أین؟
- لدي حساب یجب أن أسویه...
فتساءل بوجه ممتعض:
- مع من؟
- أنسیت أنني أب؟ وأن ابنتي الصغیرة عند علیش؟
- نعم، ولکل خلاف حل في الشرع...
وقال آخر:
- التفاهم خیر...
وثالث قال بنبرة المسالم:
- سعید أنت قادم من السجن والعاقل من اتعظ!...
اسکت یا بن الثعلب، ماذا ترید؟
- جئت للتفاهم على مستقبل ابنتي...
- أنت تعرف التفاهم!
- نعم، من أجل ابنتي...
- عندك المحکمة...
- سألجأ إلیها عند الیأس!"(24).

کما نلاحظ في هذا النموذج أنّ کل شخصیة في حوارها مع بطل الرواية "سعید" تدلي برأیها وتعبر عن فکرة فریدة کما أنّ کل شخصیة لدیها وجهة نظر خاصة تطرحها ولهذا تجتمع الأیدیولوجیات المختلفة من خلال کلام الشخصیات. "في الفکر الباختيني تعرف الأیدیولوجیا من خلال الفعل الکلامي الذي یکون نتاجا لاصطدام الفکرة بالفکرة الأخری، وهذا ما یسمح بتعدد الأفکار، وینتج عنه التطور المستمر للعلاقات الاجتماعية عموما والوعي الفردي بخاصة"(25). أما سعید الشخص التعیس والذي عاش تحت ظل أنواع الظلم والاضطهاد فلم یکن یقنع إلا بالانتقام وممارسة خطة انتقامیة لیشفي غلیله. تظهر في طول الرواية تعدد الرؤی والمنظورات الأيديولوجية حول هذا الموضوع حيث نری لکل شخصیة وعي خاص وأیدیولوجیا فریدة حسب المواقف الفردیة، کانت أیدیولوجیا البطل رفض الظلم والثورة على کل خائن وکان یحلم البطل بتغییر الوضع لکن في النهایة وفي نقطة ختام الرواية استسلم ولم یتمکن من الانتقام حتی من شخص واحد من الأشخاص الذین حطموا حیاته حيث حالفه سوء الحظ في کل مرة وأخیرا استسلم رغم إرادته لتکتمل مأساته بطریقة مؤلمة.

الخاتمة:

في ختام الدراسة وصلنا إلی مجموعة من النتائج المهمة نوردها فيما یلي:
- ظهرت البوليفونية لتحتوي على وعي الشخصیات من خلال استقلال کل شخصیة وحریتها في صوتها ونری بوضوح في هذه الرواية أن لا وجود لهیمنة الکاتب على خلاف الرواية المونولوجیة. على هذا الأساس نستطیع القول إنّ الرواية البوليفونية تقابل الرواية المنولوجیة أي أحادیة الصوت بحيث لا یقف الأمر في هذه الرواية على السارد العالم بکل شيء؛ بل تبرز الشخصیات المختلفة وتتمیز الرواية بالتعدد الصوتي الذي یحکم التماسك بین الشخصیات لذلك تؤدي البوليفونية دورا هاما في العمل السردي.
- إن رواية اللصّ والکلاب تعد إنجازا فنیا یعکس قضیة الخیانة والخیبة في المجتمع التي تحول دون طموح الإنسان. نری أسالیب متعددة من تعدد اللغات والشخصیات المتعددة في الرواية حيث تنوعت الرؤی بتنوع الأصوات داخل الرواية وتمثلت في منظورات وأسالیب مختلفة منها: التهجين، والأجناس التعبيرية، والحوارات الخالصة والتعددية الأيديولوجية.
- یکتسب التهجين في رواية اللصّ والکلاب رونقاً خاصاً وحضورا رائعا وکثیرا ما یلجأ الکاتب إلی هذا النوع من السرد؛ حيث یجسد الحوار بین الشخصیة الحاضرة والشخصیة الغائبة ویلائم بینهما في النص.
- إنّ الخطاب الدیني واستعمال الآیات والأحادیث له حصته الوافرة في رواية اللصّ والکلاب وهذا الأمر وهو المزج بین أسالیب متعددة قد یزید اللغة نشاطا وحیویة ویتماشی مع هدف الرواية الحدیثة وهو تعدد الأشکال والأیدیولوجیات.
- إنّ نجيب محفوظ یقوم بتوظيف الحوار الخالص في معظم الرواية ویشغل الحوار الخالص حیزا واسعا من رواية اللصّ والکلاب. ولا شك أن الحوار في هذه الرواية یرتکز على التعددية وله علاقة بالبعد الاجتماعي والأيديولوجي الذي یرمي إلیه الکاتب ولهذا نجد التعددية الأيديولوجية بكثرة في رواية اللصّ والکلاب.

الهوامش:
1 - میمون زوینة: البنیة الحواریة في روایة دمیة النار لبشیر مفتي، جامعة محمد بوضیاف، الجزائر 2015-2016، ص 16.
2 - جمیل حمداوي: النظریة الشکلانیة في الأدب والنقد والفن، شبکة الألوکة، ص 10. www.alukah.net
3 - المرجع نفسه، ص 97.
4 - میخائیل باختین: شعریة دویستفسکي، تر. جمیل نصیف الترکیتی، دار توبقال، ط1، الدار البیضاء 1986، ص 59.
5 - المصدر نفسه، ص 95.
6 - میمون زوینة: البنیة الحواریة في روایة دمیة النار لبشیر مفتي، ص 25-26.
7 - جمیل حمداوي: المرجع السابق، ص 97-98.
8 - رضا آنسته وآخرون: مرایا البولیفونیة في روایة الزمن الموحش علی ضوء نظریة باختین السردیة، مجلة الأدب العربي، السنة الحادیة عشرة، العدد الأول، 2019م، ص 59.
9 - میخائیل باختین: الخطاب الروائي، تر. محمد برادة، دارالفکر، ط1، القاهرة 1987م، ص 67.
10 - جمیل حمداوي: المرجع السابق، ص 114.
11 - أحمد فرشوخ: جمالیة النص الروائي، مقاربة تحلیلیة لروایة لعبة النسیان، دار الأمان، ط1، الرباط 1996م، ص 103.
12 - نجیب محفوظ: اللصّ والکلاب، دار الشروق، ط9، القاهرة 2015م، ص 24.
13 - میخائیل باختین: شعریة دویستفسکي، ص 3.
14 - نجیب محفوظ: اللصّ والکلاب، ص 66.
15 - جمیل حمداوي: المرجع السابق، ص 112.
16 - میخائیل باختین: الخطاب الروائي، ص 88.
17 - نجیب محفوظ: اللصّ والکلاب، ص 22-23.
18 - صوریة داودي: تماهي السّردي والشّعري في الخطاب الروائي عند فرج الحوار وروایة التبیان في وقائع الغربة والأشجان أنموذجاً، مجلة أبولیوس، العدد الثامن، 2018م، ص 54.
19 - نجیب محفوظ: اللصّ والکلاب، ص 121.
20 - لطیف زیتوني: معجم مصطلحات نقد الروایة، مکتبة لبنان ناشرون-دار النهار للنشر، بيروت 2002م، ص 91.
21 - میخائیل باختین: الخطاب الروائي، ص 57.
22 - نجیب محفوظ: اللصّ والکلاب، ص 64-65.
23 - وردیة الجاحضة: شعریة البولیفونیة، قراءة في روایة إرهابیس لعز الدین میهوبي، جامعة محمد لمین دبّاغین، الجزائر، 2015-2016م، ص 66.
24 - نجیب محفوظ: اللصّ والکلاب، ص 10-11.
25 - إیمان ملیکي: الحواریة في الروایة الجزائریة، جامعة العقید الحاج لخضر، الجزائر، 2012-2013م، ص 5.
الإحالة إلى المقال:

* مائدة ظهري عرب: دراسة البوليفونية في رواية اللص والکلاب لنجيب محفوظ على ضوء نظرية باختين، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد العشرون 2020. http://annales.univ-mosta.dz

***