سيرة فدوى طوقان ومايا أنجلو
دراسة أدبية مقارنة

د. وفاء بنت إبراهيم السبيل
جامعة الإمام محمد بن سعود الرياض، السعودية

الملخص:

حظيت السيرة الذاتية بصفتها جنساً أدبياً مستقلاً بكثير من الدراسات التنظيرية أو النقدية لأعمال أدبية مهمة في تاريخ أدبنا العربي، ولكنها لم تحظ باهتمام كبير من المقارنين العرب على الرغم من أهميتها. وهذه الدراسة تسعى إلى سد هذه الفجوة في الدراسات المقارنة. وقد وقع الاختيار على عملين مهمين في الأدب الذي ينتميان إليه، وهما سيرة الشاعرة العربية فدوى طوقان "رحلة جبلية رحلة صعبة"، وسيرة الشاعرة الأمريكية مايا أنجلو "I Know Why the Caged Bird Sings". فكلا الشاعرتين تحظيان بمنزلة أدبية رفيعة في مجتمعيهما، وكلاهما عاشتا معاناة على المستوى الشخصي أو العام في عصر واحد مطلع القرن العشرين. كما اختارت كل واحدة منهما الكتابة الأدبية عن تجربتها بشكل السيرة الذاتية. والدراسة المقارنة ستنطلق من السمات المميزة لهذا الجنس الأدبي عن غيره من الأجناس الأدبية، والتي تتمثل في العقد القرائي والميثاق المرجعي والوعي الأجناسي المرتبط به. وفي الهوية السيرذاتية التي ترسمها كل أديبة لنفسها من خلال الراوي الذي يضطلع ببنائها. ثم أخيرا في السيرة وعلاقتها بالتاريخ الفردي أو العام لكل من الشاعرتين. وتسعى الدراسة في ختامها إلى المقارنة بين التجربتين ومدى التشابه والاختلاف بينهما، بصفتهما صوتين لامرأتين في بيئتين مختلفتين اختارتا أن تكتبا عنها وتبديان ما خفي منها.

الكلمات الدالة:

السيرة الذاتية، العقد القرائي، الدراسة المقارنة، الهوية، الراوي.

***
The biography of Fadwa Tuqan and Maya Angelou
a comparative literary study

Abstract:

Although there are a lot of theoretical and critical studies on biographies, there are not enough comparative literary studies in Arabic literature. This paper aims to fill in the gaps in Arabic comparative literature, which falls upon two major works in literature: Fadwa Tuqan’s biography, "A Mountainous Journey," and Maya Angelou’s biography, "I Know Why the Caged Bird Sings". Both poets own valuable literary status in their cultures. Also, they both suffered on a personal and social level being a part of the twentieth century. Each one has chosen to express their suffering through writing biographies. The comparative study relies on the distinctive features existing in the biographical genre, which is resembled in the referential pact and related genre awareness. The biographical identity she portrayed for herself was delivered through the narrator. The study finally captures the relationship between the author’s personal and social experiences while comparing them. In conclusion, this paper illustrates and stresses on the similarities and differences between these two women and their literary works in delivering their life experiences.

Key words:

biographies, referential pact, comparative study, identity, narrator.

***

النص:

المقدمة:

حظيت السيرة الذاتية بصفتها جنساً أدبياً مستقلاً بكثير من الدراسات التنظيرية أو النقدية لأعمال أدبية مهمة في تاريخ أدبنا العربي، ولكنها لم تحظ باهتمام كبير من المقارنين العرب. وهذه الدراسة تسعى إلى سد هذه الفجوة في الدراسات المقارنة. وقد وقع الاختيار على عملين مهمين في الأدب الذي ينتميان إليه، وهما سيرة الشاعرة العربية فدوى طوقان "رحلة جبلية رحلة صعبة"، وسيرة الشاعرة الأمريكية مايا

 أنجلو "I Know Why The Caged Bird Sings". فكلا الشاعرتين تحظيان بمنزلة أدبية رفيعة في مجتمعيهما، وكلاهما عاشتا معاناة على المستوى الشخصي أو العام في عصر واحد مطلع القرن العشرين. كما اختارت كل واحدة منهما الكتابة الأدبية عن تجربتها بشكل السيرة الذاتية.

والدراسة المقارنة ستنطلق من السمات المميزة لهذا الجنس الأدبي، والتي تتمثل في العقد القرائي والميثاق المرجعي والوعي الأجناسي المرتبط به والهوية السيرذاتية. وتسعى الدراسة في ختامها إلى المقارنة بين التجربتين ومدى التشابه والاختلاف بينهما.

1 - مبررات الدراسة المقارنة:

ويمكن إيجازها بالآتي:
- التشابه بين حياة الشاعرتين من حيث المعاناة التي عاشتها كل واحدة منهما خاصة في مرحلة الطفولة.
- كلاهما عاشتا في عصر واحد من بداية القرن العشرين وتوفيتا في مطلع الألفية الثانية.
- الكتابة الأدبية عن التجربة الحياتية بشكل السيرة الذاتية، حيث كتبت كل واحدة منهما سيرتها الذاتية في أكثر من جزء.
- المنزلة الأدبية للشاعرتين، ففدوى طوقان من الرموز الأدبية المهمة في الشعر الفلسطيني والعربي الحديث، وكذلك مايا أنجلو الشاعرة الأمريكية المعاصرة التي تبوأت مكانة أدبية واجتماعية كبيرة.
وقبل الشروع بالدراسة المقارنة، لابد من تقديم نبذة موجزة عن حياة كل من الشاعرتين.

أ - فدوى طوقان (1917م-2003م):

فدوى طوقان(1) من أهم شاعرات فلسطين في القرن العشرين، ولدت عام في مدينة نابلس من عائلة فلسطينية معروفة، ولقبت بشاعرة فلسطين، حيث مثّل شعرها أساسًا قويًا للتجارب الأنثوية في الحب والثورة واحتجاج المرأة على المجتمع. وتلقت تعليمها حتى المرحلة الابتدائية فقط، واستمرت في تثقيف نفسها بنفسها، ثم درست على يد أخيها شاعر فلسطين الكبير إبراهيم طوقان. توالت النكبات في حياة فدوى طوقان بعدما توفي والدها ثم أخوها ومعلمها إبراهيم، وأعقب ذلك احتلال فلسطين عام 1948م. صدرت للشاعرة عدة مجموعات شعرية، وحصلت على العديد من الأوسمة والجوائز.

ب - مايا أنجلو (1928م-2014م):

مايا أنجلو(2) ناشطة حقوقية وشاعرة وكاتبة أمريكية ذات إنتاج غزير، ولدت في سانت لويس بولاية ميزوري الأمريكية. واجهت أنجلو صعوبات كثيرة في حياتها بسبب العنصرية والتعصب ضد السود. كتبت الشعر، والمسرحيات ونصوص الأعمال السينمائية والتليفزيونية، كما اشتهرت بأسلوبها المتميز في الخطابة. حظيت أنجلو بترحيب كبير عندما نشرت سيرتها الذاتية "أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس"، حيث عد النقاد هذه السيرة الذاتية لونًا جديداً في كتابة المذكرات. حصلت أنجلو على التقدير في حياتها من خلال عدد من الجوائز والأوسمة.

جـ - التعريف بالسيرتين محل المقارنة:

"رحلة جبلية رحلة صعبة"، لفدوى طوقان: سيرة ذاتية صدرت عن دار الشروق، عمان، عام 1985م. وقدم لها الشاعر الفلسطيني سميح القاسم. وقامت الكاتبة بسرد حكايتها في مقاطع متتابعة دون أن تضع لها عناوين، إلا عنوان البداية الذي جاء على شكل عبارة تمهد للسيرة: "لقد لعبوا دورهم في حياتي ثم غابوا في طوايا الزمن"(3)، وعنوان في آخر السيرة: "صفحات من مفكرة (1966م-1967م)"(4). وقد ترجمت إلى اللغة الإنجليزية(5).

ملخص السيرة: ولدت طوقان في مدينة نابلس في العام الذي تم فيه احتلال باقي فلسطين من قبل القوات البريطانية، وألقى الإنجليز القبض على والدها ونفوه إلى مصر. ومع محاولات أمها المتكررة لإجهاضها من قبل، وما تلا ذلك من قلة الاهتمام بوجودها كونها الابنة السابعة لأسرة من عشرة أبناء. تولد لدى الكاتبة إحساس بأنها دخيلة على هذه العائلة. وفي المدرسة الفاطمية أمضت طوقان السنوات الثلاث الأولى، وبعدها انتقلت إلى المدرسة العائشية.

مُنعت من استكمال تعليمها، وصدر عليها حكم بالإقامة الجبرية في البيت. ومن الحبس المنزلي إلى نظرات العائلة المتشككة ومعاملتهم المتحفظة معها، انزرع في داخلها فكرة سيئة عن ذاتها.

كان أخوها إبراهيم الذي عاد من بيروت حانيًا عطوفًا واسع الأفق، تصفه بأنه ينبوع حب وحنان، يغدق على أسرته من عطائه، ويمنحهم من وقته ومساعدته إذا لزم الأمر. وفي تلك الفترة القاسية من سنوات مراهقتها كانت يد إبراهيم هي حبل السلامة الذي انتشلها مما هي فيه. إذ لاحظ حبها لكتابة الشعر فعلمها كيف يكون نظم الأبيات باحتراف، حتى بدأت تنشر ما تكتب.

وبعد وفاة أخيها إبراهيم عادت فدوى إلى سجنها في نابلس أو كما تسميه "قمقم الحريم"، وكان الكتاب أنيسها الوحيد. وفي أواخر الأربعينيات انطلقت الشاعرة لنظم القصائد الوطنية والمشاركة في الحياة الثقافية. ثم تذكر بعض تفاصيل حياتها في العامين الذين قضتهما في إنجلترا. وقد كان عنوان السيرة بمثابة الموجه الأول للقارئ في فهم واختزال النص(6)، حيث سمت طوقان سيرتها "رحلة جبلية رحلة صعبة" على سبيل الاستعارة، فحياتها كالرحلة، ولكنها رحلة ليست سهلة، رحلة صعود للجبل الوعر المليء بالعقبات(7).

أما "أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس" لمايا أنجلو، فهي سيرة ذاتية صدرت عام 1969م حول السنوات الأولى من حياة أنجلو. وهي الإصدار الأول من سلسلة من سبعة مجلدات. وتستخدم أنجلو سيرتها الذاتية؛ لاستكشاف موضوعات، كالهوية والاغتصاب والعنصرية وتعلم القراءة والكتابة. كما تستخدم أساليب، وطرق جديدة في الكتابة، تتحدث فيها عن حياة النساء في المجتمعات الذكورية. وقد لاقت السيرة احْتِفَالًا كبيرًا، لخلقها آفاقًا أدبية جديدة للدراسات الأمريكية.

ملخص السيرة: تبدأ أحداث السيرة بذكريات مارغريت (أطلق شقيقها عليها ماي، أو مايا) منذ سن ثلاث أعوام إلى أن تخرجت من الثانوية، وتتعقب الصراعات التي تواجهها خاصة العنصرية. وبعدما تخلى والديهم عنهما، ذهبت مايا، وشقيقها بيلي الأكبر سنًا منها؛ للعيش مع جدتهم (موما)، وعمهم الطريح الفراش (العم ويلي) في إيستامبس، بأركانساس. وتظهر العديد من المشكلات، التي واجهت مايا في طفولتها، بسبب العنصرية المعلنة من جيرانها ذوي البشرة البيضاء، بالإضافة إلى ما تعرضوا له من الجماعات العنصرية كالكو كلوكس كلان(8). وتحملت مايا الكثير من الإهانات بسبب لونها الأسود.

وتأتي نقطة التحول عندما يأتي والد مايا ليأخذ الطفلين معه، ولكنه سرعان ما يتركهما مع والدتهما في سانت لويس. وقد دفعت الحوادث المؤلمة التي عاشتها مايا عند والدتها إلى الاِنْزِواء، والوحدة، والاِعْتِزال عن الناس، ما عدا أخاها بيلي، حيث رجعت معه ثانية إلى الجدة. وتستمر منعزلة عن العالم المحيط بها، وتلزم الصمت تقريبًا، حتى تلتقي مع السيدة بيرثا فلاورز، التي تشجعها من خلال الكتب على استعادة صوتها، وروحها المعنوية مرة أخرى.

وفي وقت لاحق، تقرر موما إرسال أحفادها إلى والدتهم في سان فرانسيسكو لحمايتهم من أخطار العنصرية في إيستامبس. فتَلتحق مايا بمدرسة جورج واشنطن للثانوية، وهناك حملت طفلها وتخرجت من الثانوية ووضعت مولودها في نهاية الكتاب، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها.

العنوان: اختارت أنجلو عنوان سيرتها من مقطع لقصيدة للشاعر بول لورنس دنبار، وهو شاعر من أصل إفريقي، حازت أعماله على إِعجابها، فجاء عنوان سيرتها من المقطع الثالث من قصيدته "التعاطف" (Sympathy)(9):

I know why the caged bird sings, ah me,
When his wing is bruised and his bosom sore,
When he beats his bars and he would be free;
It is not a carol of joy or glee,
But a prayer that he sends from his heart's deep core,
But a plea, that upward to Heaven he flings
I know why the caged bird sings!

ويرمز الطائر في القفص للرقيق المقيدين بالسلاسل، وهي صورة استخدمتها أنجلو في كتابتها عن معاناة السود. وطائر دنبار الحبيس يغني بسبب توتره من الحبس، فغناؤه صلاة ودعاء. أما طائر أنجلو الحبيس فيغني أيضاً بسبب قلقه وتوتره ولكنه بفعله هذا يكتشف أن الغناء يحول القفص من سجن ينكر ويرفض الذات إلى وسيلة للوعي بالذات. فالقفص مجاز يرمز للأدوار التي لأنها أصبحت ثابتة ومؤسساتية لا تتيح العلاقات المتبادلة.

2 - الدراسة المقارنة:

اختارت الشاعرتان فن السيرة الذاتية لنقل تجربتهما الحياتية، والدراسة المقارنة ستنطلق من السمات المميزة لهذا الجنس الأدبي، وهي:

أ - العقد القرائي: الذي يتمثل في الميثاق المرجعي والوعي الأجناسي المرتبط به.
ب - الهوية: أي "الملفوظ التعريفي الذي يؤسس بواسطة فعل السرد ذاته لهوية لغوية سردية مرتكزها وقوامها التعريف باسم العلم"(10).
جـ - الراوي: وهو الذي يضطلع ببناء الهوية السردية، ويمارس سلطة معرفية (الراوي العليم) وسلطة إيديولوجية (يضفي على الأحداث وجهة نظره الخاصة).
د - السيرة والتاريخ: أي العلاقة بين الحياة الفردية والتاريخ العام.
1 - الميثاق المرجعي والوعي الأجناسي لدى الكاتبتين:

تعد السيرة الذاتية من القصص المرجعية التي تقوم على سرد ما وقع فعلا؛ لذلك يقوم بين الكاتب والقارئ ميثاق مرجعي يلتزم فيه كاتب النص بسرد ما جرى له، ويتعهد بدقة ما يروي وصدقه(11). ويسمى هذا الميثاق بالميثاق السيرذاتي أو الميثاق السيري(12)، وهو "ميثاق بين الكاتب والقارئ حول المكتوب المقروء وعمليتي الكتابة والقراءة"(13).

وللوقوف على مدى وعي الكاتبتين بالميثاق المرجعي، لابد من النظر في فواتح النصوص، التي تشمل المبررات التي تشرح ظروف الكتابة. وهذه المبررات جاءت إما ذاتية تتصل بعلاقة الذات الكاتبة بذاتها، أو خارجية تعلن عن تفكير الذات بالآخرين والعالم المحيط، ووعيها بوثيق الارتباط بين الهوية الفردية والجماعية(14).

وقد افتتحت طوقان سيرتها بذكر السبب الذي دفعها للكتابة عن حياتها، فتقول: "لم أكن يوماً براضية عن حياتي أو سعيدة بها... إذن لماذا هذا أكتب الكتاب الذي أكشف فيه بعض زوايا هذه الحياة التي لم أرض عنها أبداً؟ بتواضع غير كاذب أقول إن هذه الحياة، على قلة إثمارها، لم تخل من عنف الكفاح". ثم تؤكد على أن في قصتها خيط نور يمكن أن يزيل اليأس عن البائسين: "فلعل في هذه القصة إضافة خيط من الشعاع ينعكس أمام السارين في الدروب الصعبة"(15). وتذكر أيضا أنها لن تكون سيرة كاملة، حيث ستنتقي منها ما يتناسب مع الغرض الذي من أجله اتجهت للكتابة: "لم أفتح خزانة حياتي كلها، فليس من الضروري أن ننبش كل الخصوصيات... ما كشفت عنه هو الجانب الكفاحي..."(16). لقد كانت الكاتبة تعي حجم معانتها، وترى في الكتابة عنها باب أمل يفتح لنساء كثيرات في وطننا العربي، تعرضن لما تعرضت له الكاتبة من حرمان للتعليم، أو للتعبير عن مشاعرها وأفكارها، لاسيما مرحلة الطفولة والمراهقة.

أما مايا أنجلو فقد افتتحت نصها بقولها(17):

"I thank my mother, Vivian Baxter, and my brother, Baily Johnson, who encouraged me to remember… and to Kobina O. Killens, who told me I could write"

ولم تكن ذات الكاتبة بمعزل عن محيطها، فقد كان الآخرون هم المحفز الأول للكتابة (الأم - الأخ - الصديقة) حيث شجعوها على أن تتذكر وأن تكتب. ولعل وعيها بهويتها جعلها هنا تكتب ليس فقط من أجل ذاتها، بل من أجل الجماعة وهم هنا السود في الولايات المتحدة؛ فتشابكت هنا المبررات الفردية والجماعية.

ولقد ظلت الذات الساردة في كلا السيرتين تنشد إلى الجماعة، وتسعى للجمع بين مطلبين مختلفين: قصة الحياة الفردية والتاريخ العام الذي تندرج فيه تلك الحياة ولا تنفصل عنه(18). ومن المنطقي أن نجد ذلك الوعي بالهوية الفردية والجماعية أثناء الكتابة في السيرتين؛ حيث لا نميز بين الحياة الخاصة للكاتبة والحياة العامة، فكلا الكاتبتين عاشتا في عصر مضطرب، ففدوى عاشت تجربة الاحتلال الإسرائيلي، ومايا عاشت احتلال من نوع آخر؛ احتلال للحرية الشخصية تحت قمع العنصرية المقيتة في الثلاثينيات من القرن العشرين.

2 - الهوية:

الهوية السيرذاتية هوية سردية تكتمل من خلال إخضاع الوقائع اليومية بمختلف أنواعها (اجتماعية أو فكرية أو انفعالية) إلى رؤية تنظيمية جديدة تزامن فعل الكتابة وتوجهه(19). وتتحول الهوية الفردية في السيرتين (فدوى ومايا) إلى إشكالية وجودية، حيث تعبر الكاتبتين عن شعورهما العميق باهتزاز شخصيتهما، وفقدانهما لتوازنهما النفسي -في فترة ما من حياتهما- الذي دفعهما إلى ترميم هوياتهما وإعادة بنائها من خلال الكتابة السيرذاتية حيث تقوم الكتابة بوظيفة نفسية(20). لقد نشرت طوقان سيرتها وهي في الثامنة والستين من عمرها، بينما كتبت أنجيلو سيرتها وهي في الواحدة والأربعين من عمرها، وكلا العمرين عمر نضجت فيه التجارب الحياتية حتى تستطيع كل منهما اكتناه الهوية. وقد قامت كل منهما بمراجعة أحداث حياتهما الماضية مراجعة نقدية في محاولة إنتاج هوياتهما النصية.

ويظهر ذلك على مستوى الخطاب والحكاية. فعلى مستوى الخطاب تعمد الكاتبتان إلى النسق الزمني التعاقبي أو بنية التعاقب الحدثي(21) التي تقوم على متابعة أحداث السيرة الحياتية وفق تعاقبها التاريخي. فهو زمن تاريخي مستعاد حادث في العالم قبل حدوثه في النص، وهو مجرد إطار خارجي لقصة الحياة المروية، يمكننا بصفتنا قراء من متابعة اكتمال الشخصية السيرذاتية (الكاتبتين) وتبلورها في الخطاب. وهو يوهمنا بمحاكاة الحياة الورقية المسرودة لحكاية الحياة كما حدثت في الواقع، ولكنه في الحقيقة زمن أعاد تشكيله الراوي (الكاتبتين) وقام بالفرز والانتقاء من الأحداث الواقعية واستقراء الماضي وإعادة تشكيله من جديد ليقدم معنى للحياة. ويمكننا تقطيع النص السردي وفق مقاطع حدثية زمنية كبرى تبرز بنيته القائمة على التعاقب الزمني.

فالتعاقب الزمني في رحلة جبلية رحلة صعبة جاء عبر الأطوار الزمنية: الطفولة المراهقة الشباب ثم النضج. فهي كما يحكي عنوان السيرة رحلة حياتية تروي فيها الكاتبة محطات حياتية تتوقف عندها لتبني هويتها الحقيقية. ومحطتها الأولى كانت طفولتها الأولى منذ ولادتها(22) ثم مرحلة المدرسة(23) مرحلة البلوغ(24) الشباب (سمتها الخروج من القمقم الحريمي)(25) وأخير النضج(26). وزمن هذه الرحلة مشدود إلى الأحداث العائلية (سجن أبيها، عودة أخيها إبراهيم، نفي أبيها إلى مصر، إقالة إبراهيم من عمله، موت أبيها، موت إبراهيم...) أو الأحداث السياسية الكبرى التي تحيط بموطن الكاتبة (احتلال فلسطين، ثورة عز الدين القسام، سقوط فلسطين 1948م). ولم يكن هذا التعاقب الزمني مترابطا بإحكام، فهي كما ذكرت سابقاً محطات حياتية قد يقطعها وثائق تنشرها كما هي (رسائل بينها وابن عمها فاروق طوقان)(27).

أما التعاقب الزمني في أعرف لماذا يغني الطائر الحبيس فجاء في أطوار زمانية ترتبط بفضاءات مكانية مخصوصة تأخذ في التنامي إلى أن تبلغ ذروتها أو نهايتها. لقد بدأت السيرة برحلة الانتقال إلى مدينة "ستامبس" عندما كانت في الثالثة من عمرها وعاشت عند جدتها لأبيها وهو طور العنصرية البغيضة التي عاشتها(28). ثم تنتقل إلى مدينة "سانت لويس" حيث تعيش أمها، وهي في الثامنة من عمرها وهو الطور الذي تعرضت فيه للاغتصاب وما تبعه من أحداث(29). ثم يأتي الطور الثالث(30) عندما عادت إلى بيت جدتها في "ستامبس" وعاشت عزلة وصمتاً اختيارياً وتعرفت خلاها على السيدة فلاورز التي ساعدتها على الاندماج مجددا في المجتمع إلى أن تخرجت من المرحلة الثامنة وهي في عمر الثانية عشرة. ثم الطور الرابع عندما قررت جدتها أن تبعثها مع أخيها إلى والدتها في كاليفورنيا(31)، ويستمر هذا الطور إلى أن تصل سن السادسة عشرة من عمرها وتعيش مغامرات المراهقة فتصبح حبلى وترزق بطفل صغير تتولى رعايته(32).

وعلى مستوى الحكاية قامت الكاتبتين بغربلة الأحداث وإعادة تشكيلها من أجل الوصول إلى المعنى الأعمق للحياة، فالحدث السير ذاتي مولود في العالم الحقيقي أولاً ثم يبعث من جديد في الملفوظ السردي، حيث يخضع لرؤية السارد الارتجاعية التي تقوم بصهر الأحداث المفردة وتركيبها في بنية تفسيرية موحدة(33). وهذا أدى إلى تدخل الراوي (الكاتبة) تدخلاً مباشراً وكثيفاً تظهر فيه رؤية الذات الساردة لذاتها وللعالم التي تجعل لكل واحدة منهما قصة حياة مختلفة ومتفردة. ومقياس فدوى الذي تنتقي فيه ما ترويه من أحداث هو مقياس شعوري صرف، يتأسس على إحساس قوي بالألم. فقد مرت في حياتها بحوادث مؤلمة. أولها إحساسها الدائم بأنها غير مرغوبة، فتقول عن أمها عندما حملت بها: "حملت بالرقم السابع على كره، وحين أرادت التخلص من هذا الرقم السابع ظل متشبثاً في رحمها تشبث الشجر بالأرض..."(34)، ولم تكن تعرف تاريخ ميلادها لأنه "ضاع في ضباب السنين، كما ضاع في ذاكرتيهم"(35). وتقول في موضع آخر عن أسرتها والمحيطين بها: "لقد كنت في نظرهم النغمة النشاز في البيت والنعجة التي خرجت على راعي القطيع... كانوا يعملون بمختلف الطرق على زرع بذور عدم الثقة بنفسي والشك بإمكاناتي"(36). ثم ضيقها الشديد من المعاملة التي تعامل بها البنات والنساء في مجتمعها، تقول: "في هذا البيت، وبين جدرانه العالية التي تحجب كل العالم الخارجي عن جماعة "الحريم "الموؤدة فيه، انسحقت طفولتي وصباي وجزء غير قليل من شبابي. أما الجو العائلي فيسيطر عليه الرجل كما في كل بيت. ومن المفارقة أن يكون الرجل الذي تتذمر من سلطته عليها هو المنقذ أيضاً؛ إذ تعزو كل تغيير صنعته في حياتها للخروج من حالة الألم التي عاشتها في طفولتها إلى أخيها إبراهيم الذي رعاها وعلمها واكتشف موهبتها الشعرية: "مع وجه إبراهيم أشرق وجه الله على حياتي... مع إقامة إبراهيم في نابلس بدأ سطر جديد في حياتي"(37).

أما مايا أنجلو فنجد في سيرتها محاولة لتحويل وتبديل الماضي من خلال وعيها بأن الأحداث مهمة ليس لذاتها ولكن لأنها تجاوزتها. فهي تصف محاولتها للتكيف لدور الفتاة الصغيرة السوداء، وفشلها المؤلم والمضحك، ووعيها المتدرج لكيفية تجاوز القيود والعقبات وكان ذلك في الفترة التي عاشتها عند جدتها، حيث الفصل بين السود والبيض، والإهانة اليومية التي يمارسها البيض على السود. لقد بدأت السيرة بمقطع شعري يجب على مارغريت أن تحفظه "لماذا تنظر إلي" وبينما كانت تجاهد كي تحفظ المقطع كانت واعية بذاتها المزدوجة التي كانت موضوع خيالاتها المستمرة. كان يختبئ تحت القناع القبيح، فستانها البنفسجي الذي كان مصدره ثوب سيدة بيضاء، والسيقان النحيفة والأقدام العريضة وشعرها المفلفل وأسنانها المفرقة، تختبئ مارقريت جونسون الفتاة اللطيفة البيضاء ذات الشعر الأشقر. وفي سن مبكرة جدا كانت أنجلو طفلة واعية بذاتها، كانت تشعر أن ذاتها الحقيقية محجوبة أو مستترة، وهي السن التي تعرضت فيه للاغتصاب من قبل زوج أمها وهي في الثامنة من عمرها، واختارت الصمت طوال فترة بقائها عند أمها بعد تلك الحادثة. ثم تلتها فترة اكتشاف الذات والدور الحقيقي الذي ستلعبه في حياتها وذلك عندما قررت أن تحتفظ برضيعها الذي حملت به عندما كانت تسعى لاكتشاف حقيقة ذاتها كأنثى وعلاقتها بالرجل بعد تجربة الاغتصاب المريرة التي استطاعت أن تتجاوزها. لقد قامت أنجلو بتشكيل هويتها الخاصة من خلال السرد. قدمت نفسها بصفتها مثالاً يحتذى به للمرأة الأمريكية السوداء، وذلك من خلال إعادة بناء صورة المرأة السوداء في سيرتها، واستخدمت عدة أدوار، ورموز وهويات لتربط بين طبقات من الاضطهاد والإجحاف وتاريخها الشخصي. والمرأة التي قدمتها أنجلو في سيرتها، سواء كانت جدتها أو أمها أو معلمتها أو حتى الشخصيات التي ظلمتها وأهانتها، أثرت على المرأة التي أصبحتها فيما بعد، لتكون رمزاً لكل فتاة سوداء تعيش في أمريكا.

3 - الراوي:

عندما يتطابق الراوي في السيرة الذاتية مع المؤلف والشخصية، يأتي السرد بضمير المتكلم الذي يحيل على المؤلف والشخصية. وباستخدام ضمير المتكّلم يؤكد الراوي حضورا مباشرا في معاينته للأحداث، وفي علاقته بها، لأنه يتولّاها بنفسه. وهذا ما اختارته كلا من طوقان وأنجلو في رواية سيرتيهما.

ويقوم الراوي بتنظيم تلك الأحداث والذكريات في حكاية مترابطة "ولا يكتفي الراوي بسرد ذكريات حياته وتنظيمها في كتلة سردية مفيدة، بل يسعى دائما إلى أن يضفي على الأحداث المسرودة وجهة نظره الخاصة"(38). فتفسيرات الراوي تبعث الحياة في السيرة وتمنحها المعنى.

وفي الوقت الذي نجد في سيرة أنجلو تصويراً محكما لذلك الطائر الحبيس (الكاتبة) في صورة محركة للمشاعر ومؤثرة ومتكررة خلال العمل كله تنقلها لنا (الراوي)، وتختبر فيها الكفاح بشكل بليغ إلى أن تتحرر الكاتبة/الراوي من قيود العنصرية ومعاداة المرأة. لقد قدم لنا الراوي (الكاتبة) منظومة تأويلية للأحداث التي مرت بها الشخصية (الكاتبة) ليصل إلى المعنى الذي هو دافع الكتابة الأول(39):

"The black female is assaulted in her tender years by all those common forces of nature at the same time that she caught in in the tripartite crossfire of masculine prejudice, white illogical hate and black lack of power… It is seldom accepted as inevitable outcome of struggle won by survivors and deserves respect if not enthusiastic acceptance".

نجد في رحلة جبلية رحلة صعبة الحيرة والتردد التي تعيشها الذات (الكاتبة) يعكسها الراوي (الكاتبة) في ظل الظروف الحياتية المختلفة التي عاشتها: "حين خرجت إلى الحياة كنت عزلاء من سلاح الخبرة ومعرفة الناس، فكانت المواجهة صعبة يعوزها التكافؤ... ووجدتني أقف حائرة مبلبلة"(40). لقد كان الراوي (الكاتبة) يتنقل بين الأحداث الحياتية اليومية والأحداث السياسية الكبرى للشخصية دون أن ينسج رباطا منسجما يشد بعضه إلى بعض. وهو في حين يصور مشاعر الألم والغضب التي تعيشها الشخصية نراه ينتقل منها إلى وصف التجربة الشعرية للشخصية (فدوى) مع إيراد بعض النصوص الشعرية في مواطن مختلفة. ويظهر التفكك أكثر في الجزء الأخير من السيرة الذي تتداخل فيه الأحداث السياسية الكبرى في فلسطين مع ذكريات الرحلة التي قامت فيها الشخصية إلى بريطانيا لتعلم الإنجليزية، وكأننا أمام تيار متدفق من الذكريات.

4 - السيرة والتاريخ:

يختار كاتب السيرة في علاقته مع التاريخ الجانب الذي يعنيه في قول التاريخ، وقد اختارت الكاتبتان في سردهما تصوير التاريخ الاجتماعي لكل من الأسرة الفلسطينية، والأسرة الأمريكية السوداء. فالقارئ يجد في ثنايا السرد صوراً من الحياة الاجتماعية ذات قيمة وثائقية عن العصر الذي نشأت فيه كل واحدة منهما، وأثر ذلك على تصوراتهما وعلاقاتهما وحياتهما بشكل عام. فتسرد فدوى طوقان التجربة العائلية والوطنية مع الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية قبل عام1947 م وبعده(41). كما قدمت صورة تعد وثيقة في التاريخ الاجتماعي للعائلة الفلسطينية في تلك الفترة، والوضع الاجتماعي للفتاة والمرأة في المجتمع الفلسطيني التقليدي. فتقول عن عائلتها: "لقد كنت معزولة عزلة تامة عن الحياة الخارجية، وكانت تلك العزلة مفروضة علي فرضاً ولم أخترها بإرادتي. فالعالم الخارجي كان (تابو) محرماً على نساء العائلة فلا نشاطات اجتماعية ولا اهتمامات سياسية"(42). وهذه العزلة المفروضة أشعرتها بالعجز في مرحلة من مراحل حياتها: "كنت أعي ذاتي، وكنت على وعي بأن الذات لا تتكامل إلا في الجماعة، وكانت الجماعة هناك وراء الجدران التي تحاصرني، وبينها وبيني مسافة قرون طويلة من عالم (الحريم)"(43). وترسم جوانب من الهندسة العمرانية والاجتماعية في بعض البيوت العربية في فلسطين (العائلات الموسرة): "كانت غرفتنا تواجه غرفة زوجة عمي وبناتها الثلاث... لم يكن يفصل غرفتنا عن غرفة زوجة عمي وبناتها سوى ساحة صغيرة مسقوفة تتوسطها بركة تتدفق المياه من نافورتها..."(44). وترصد العادات وبعض التناقضات التي يعيشها المجتمع في مواجهة التغيير: "كان الغناء ووجود آلة عزف في البيت من الممنوعات، غير أن وجود الفونغراف كان مباحاً. وكثيرا ما كان أبي يمضي أوقات راحته في الاستماع إلى أغاني فتحية أحمد...كنت أتساءل: مادام يحب الطرب فلماذا يحرمنا من العزف والغناء؟"(45).

والأمر نفسه يتكرر عند أنجلو التي وصفت وصفاً دقيقاً مظاهر العنصرية والفصل العنصري في المدن الأمريكية في الثلاثينات من القرن العشرين، من خلال سرد الوقائع والأحداث اليومية التي عاشتها في بيت جدتها التي تملك دكاناً في مدينة ستامس، تلك المدينة التي يعيش أهلها فقراً مدقعاً وحياة كادحة. وذكرت مواقف كثيرة تعرضت لها هي وأخيها وجدتها وعمها المقعد شعروا فيها بالإهانة(46):

"They took liberties in my store that I would never dare. Since Momma told us that the less you say to white folks the better…"

وحتى بعد تنقلها بين المدن المختلفة في سانت لويس أو لوس أنجلس وسان فرانسيسكو. ووثقت تاريخ جماعة كو كلوكس كلان التي كانت تعمد إلى إرسال رجالاتها الذين يجوبون الشوارع ويتصيدون ذوي البشرة السوداء(47):

"Anni tell Willie he better lay low tonight. A crazy nigger messed with a white lady. Some of the boys’ll be coming over here later".

عندها اضطرت جدتها أن تخبئ ابنها في صناديق البطاطس والبصل بعد أن أزالت الحواجز التي بينها. كما أشارت إلى الكساد الاقتصادي الذي عاشته الولايات المتحدة خلال عامين كاملين وكيف تعامل كل من البيض والسود مع هذه الحالة(48):

"The country had been in the throes of the Depression for two years before the Negroes in Stamps knew it".

وتحدثت عن التعليم في المدارس، والثورة التي في سان فرانسيسكو بعد الحرب العالمية في منطقة فيل مورو(49)، وغيرها من الأحداث الشاهدة على ذلك العصر.

الخاتمة:

انطلقت الدراسة المقارنة للسيرتين من السمات المميزة لهذا الجنس الأدبي. وقد كانت الكاتبتين على وعي بالميثاق المرجعي الذي يتعهد فيه الكاتب برواية حياته. كما ظهر لدى الكاتبتين الوعي بالهوية؛ حيث قامت كل منهما بمراجعة أحداث حياتهما الماضية مراجعة نقدية في محاولة إنتاج هوياتهما النصية على مستوي الخطاب والحكاية. فعلى مستوى الخطاب عمدت الكاتبتان إلى النسق الزمني التعاقبي أو بنية التعاقب الحدثي التي تقوم على متابعة أحداث السيرة الحياتية وفق تعاقبها التاريخي. وعلى مستوى الحكاية قامت الكاتبتين بغربلة أحداث حياتهما وإعادة تشكيلها في بنية تفسيرية موحدة.

وفي الوقت الذي نجد في سيرة أنجلو تصويراً محكما لذلك الطائر الحبيس (الكاتبة) في صورة محركة للمشاعر ومؤثرة ومتكررة خلال العمل كله تنقلها لنا (الراوي)، وتختبر فيها الكفاح بشكل بليغ إلى أن تتحرر الكاتبة/الراوي من قيود العنصرية ومعاداة المرأة. حيث قدمت لنا منظومة تأويلية للأحداث التي مرت بها الشخصية (الكاتبة) لتصل إلى المعنى الذي هو دافع الكتابة الأول. نجد في رحلة جبلية رحلة صعبة الحيرة والتردد التي تعيشها الذات (الكاتبة) يعكسها الراوي (الكاتبة) في ظل الظروف الحياتية المختلفة التي عاشتها، حيث كان الراوي (الكاتبة) يتنقل بين الأحداث الحياتية اليومية والأحداث السياسية الكبرى للشخصية دون أن ينسج رباطا منسجما يشد بعضه إلى بعض. واختارت الكاتبتان في علاقتهما مع التاريخ الجانب الذي يعنيهما في قول التاريخ حيث صورتا تصويراً حياً التاريخ الاجتماعي لكل من الأسرة الفلسطينية، والأسرة الأمريكية السوداء.

أخيرا، يبرز سؤال مهم هنا بالنسبة للدراسة المقارنة وهو: ما مدى نجاح الكاتبتين في كتابة السيرة الذاتية وتوظيفها لنقل تجربتهما الحياتية؟ خاصة أنها التجربة الأولى لكتابة هذا الجنس الأدبي لكل منهما. فأما من حيث مضمون السيرة وموضوعها، فقد نجحت كلاهما في إبراز المعاناة على المستوى الشخصي أو العام. معاناة بيئة التنشئة الأولى التي مرت بها كل منهما سواء داخل البيت أو خارجه، وأثر ذلك في تشكيل هويتهما فيما بعد. وكلاهما نموذج مثالي للمرأة القدوة التي استطاعت التغلب على كل الصعوبات لتصبح شخصية مؤثرة في مجتمعها واسماً أدبياً بارزاً لا يستهان به. وأما من حيث الكتابة الأدبية فلا شك بأن أنجلو تفوقت على طوقان بمراحل. ففي حين أن سيرة طوقان جاءت مفككة البناء، ومبعثرة الأحداث، كأنها أحاديث أو مقالات متفرقة جمعتها في دفة واحدة، جاءت سيرة أنجلو محكمة البناء في مقاطع سردية متسلسلة يشد بعضها بعضاً. وقد ذكر كثير من النقاد أن أنجلو استخدمت تقنيات الرواية مثل الحوار والحبكة والشخصيات ونمط العرض لدرجة أنهم صنفوا سيرتها ضمن السيرة الذاتية الروائية التي ابتعدت عن المفهوم التقليدي للسيرة الذاتية بوصفها قصة واقعية(50).

الهوامش:
1 - سلمى الجيوسي: موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 1997م. ليانة بدر: فدوى طوقان ظلال الكلمات المحكية، دار الفتى العربي، ط1، القاهرة 1996م، ص 15.
2 - Maya Angelou: The biography, 18/1/2020, www.biography.com
3 - فدوى طوقان: رحلة جبلية، دار الشروق، ط4، عمان 2005م، ص 7.
4 - المرجع السابق، ص 215.
5 - Naomi Shihab Nye: A mountainous journey, a poet's autobiography,
Graywolf Press, 1st edition, 1990.
6 - جليلة الطريطر: مقومات السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث، مركز النشر الجامعي، ط2، تونس 2009م، ص 525.
7 - تقول في افتتاحية السيرة: "على هذا الطريق الصعب رماني المجهول، ومن هذا الطريق الصعب بدأت رحلتي الجبلية. حملت الصخرة والتعب، وقمت بدورات الصعود والهبوط..." فدوى طوقان، رحلة جبلية رحلة صعبة، ص 11.
8 - اختصارا تدعى أيضا "KKK" وتؤمن بتفوق البيض وتعمد لاستخدام العنف والإرهاب كالحرق على الصليب لاضطهاد من يكرهونهم مثل الأمريكيين الأفارقة.
9 - Paul Laurence Dunbar: The collected poetry of Paul Laurence Dunbar, Joanne M. Braxton Ed., Charlottesville, University of Virginia Press, 1993, p. 102.
وترجمتها:
أعرف لماذا يغرد الطائر في قفص، وهو يتوجع،
عندما تظهر رضوض جناحه، وقرحة في صدره،
عندما يضرب القضبان، ويريد أن يصبح حرًا؛
فهي ليست أنشودة للفرح، أو الغبطة،
ولكنها الصلاة، التي يرسلها من عمق قلبه،
لكنها النداء، الذي تصاعد إلى عنان السماء، وهو يحاول الهروب،
أعرف لماذا يغرد الطائر في قفص.
10 - جليلة الطريطر: مقومات السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث، ص 343.
11 - نور الدين بنخود: السرد والتاريخ والتخييل، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط1، 1437هـ، ص 83.
12 - هكذا سماه نور الدين بنخود في: فن السيرة في التراث العربي، ص 122.
13 - نفسه.
14 - نور الدين بنخود: السرد والتاريخ والتخييل، ص 107.
15 - فدوى طوقان: رحلة جبلية رحلة صعبة، ص 9.
16 - المرجع نفسه، ص 10.
17 - ويمكن ترجمته: "أشكر أمي، فيفيان باكتسر، وأخي بيلي جونسون، اللذين شجعاني لأتذكر... وإلى كابينا كيلينز التي قالت لي أنني أستطيع الكتابة".
Maya Angelou: I know why the caged bird sings, Ballantina books 2009.
18 - نور الدين بنخود: السرد والتاريخ والتخييل، ص 90.
19 - جليلة الطريطر: مقومات السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث، ص 512.
20 - المرجع نفسه، ص 343.
21 - وقد اعتبرها بنخود نوعا مما يسميه البنية الصافية للسيرة، ص 136.
22 - فدوى طوقان: رحلة جبلية رحلة صعبة، ص 12.
23 - المرجع نفسه، ص 51
24 - المرجع نفسه، ص 54.
25 - المرجع نفسه، ص 142.
26 - المرجع نفسه، ص 148.
27 - المرجع نفسه، ص 163-168.
28 - المرجع نفسه، ص 23-95.
29 - المرجع نفسه، ص 96-140.
30 - المرجع نفسه، ص 141-282.
31 - المرجع نفسه، ص 283.
32 - المرجع نفسه، ص 363.
33 - جليلة الطريطر: مقومات السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث، ص 553.
34 - فدوى طوقان: رحلة جبلية رحلة صعبة، ص 13.
35 - المرجع نفسه، ص 13.
36 - المرجع نفسه، ص 98.
37 - المرجع نفسه، ص 60-61.
38 - جليلة الطريطر: مقومات السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث، ص 598.
39 - انظر،
Maya Angelou: I know why the caged bird sings, p. 272.
وترجمته: "هذه الأنثى السوداء تأذت في شبابها كثيراً، تكالبت عليها القوى، إن الجميع أراد النيل منها. لقد وقفت في منطقة تبادل النيران، وسط العدوان الثلاثي، فسلط الكل أسلحته عليها: تحيز الذكور، كراهية ذوي البشرة البيضاء الغير مبررة، وافتقاد السود لأي قوة يدافعون بها... لا أحد ظن أنها تستحق الاحترام، ولا أحد تقبلها بصدر رحب"، أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس، ص 372-373.
40 - فدوى طوقان: رحلة جبلية رحلة صعبة، ص 158.
41 - المرجع نفسه، ص118-126.
42 - المرجع نفسه، ص 132.
43 - المرجع نفسه، ص 134.
44 - المرجع نفسه، ص 21.
45 - المرجع نفسه، ص 81.
46 - انظر،
Maya Angelou: I know why the caged bird sings, p. 28.
وترجمته: "لقد تمادوا كثيراً في تجاوز حدود ما كان لأحد أن يتجاوزها، بيد أن ماما أخبرتنا أنه كلما تجاهلنا ذوي البشرة البيضاء كلما كان أفضل لنا..."، ص 54.
47 - المرجع نفسه، ص 17، وترجمته: "آني أخبري ويلي ألا يبرح الدار الليلة فثمة رجل أسود قد أساء لامرأة بيضاء واعتدى عليها. بعض شباب الكلان سيأتون إلى هنا بعد قليل"، ص 42.
48 - المرجع نفسه، ص 50، وترجمته: "لقد عاشت الولايات المتحدة عامين كاملين من الكساد قبل أن يدرك زنوج مدينتنا متأخرين حقيقة ذلك..."، ص 85.
49 - المرجع نفسه، ص 293.
50 - Maria Lauret: Liberating literature, feminist fiction in America, Routledge Press, New York 1994.
الإحالة إلى المقال:

* د. وفاء بنت إبراهيم السبيل: سيرة فدوى طوقان ومايا أنجلو - دراسة أدبية مقارنة، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد العشرون 2020. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

شعر الغزل عند الشاعرات الأندلسيات وشاعرات التروبادور
حوليات التراث، العدد 14، 2014.

***