قصيدة الحب في شعر التروبادور البروفنسي

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

لقد تأثر الأدب الأوروبي في بداياته بالأدب اليوناني والروماني وكانت اللاتينية هي لغة الكتابة ولغة الكنيسة أيضا. غير أن هذه اللغة لم تكن مفهومة لدى جميع الشعوب الأوروبية، بل كانت لكل منطقة لهجتها الخاصة. كان لابد لهذه الشعوب أن يكون لها أدب يعبر عن آمالها بلغتها. وكان التروبادور البروفنسيون أول من نظم الشعر الغنائي بلهجة محلية هي اللغة الأوكسيتانية. يعد غيوم التاسع كونت بواتيه أول تروبادور نظم الشعر في بداية القرن الثاني عشر للميلاد في جنوب فرنسا. ويعد شعراء التروبادور أيضا، أول من نظم قصيدة الحب الكورتوازي في أوروبا. وهذا يتناقض صراحة مع عادات ومقومات المجتمع البروفنسي في القرون الوسطى، التي لا تسمح للرجل أن يتوسل إلى المرأة. إن الشعر الأوكسيتاني يرجع في نشأته إلى عوامل خارجية منها الأشعار العربية الأندلسية المختلفة باختلاف أشكالها وفنونها وأغراضها. وكان الجونغلير والمنشدون والخدام والتجار والرحّالة باختلاف أجناسهم الجسر الذي مر بواسطته أدب الأندلسيين من الجنوب إلى الشمال. لقد انتشر شعر التروبادور في أرجاء أوروبا الغربية إلى أن بدأ في الانحطاط في نهاية القرن الثالث عشر للميلاد بسبب الحرب الصليبية الألبيجية التي أعلنها البابا إنوسنت الثالث على سكان اللانكدوك في الجنوب.

الكلمات الدالة:

قصيدة الحب، شعراء التروبادور، الأندلس، التأثير والتأثر، تمجيد المرأة.

***
The love poem in the Provençal poetry of the Troubadours

Abstract:

European literature in its beginnings was influenced by Greek and Roman literature and Latin was the language of writing and also the language of the Church. However, this language was not understood by all European peoples, rather, each region had its own dialect. These peoples had to have a literature expressing their hopes in their own language. The Provençal Troubadours was the first to compose lyric poetry in a local dialect, the Occitan language. Guillaume IX, Count of Poitiers, was the first Troubadour to compose poetry at the beginning of the twelfth century AD in southern France. The Troubadours poets were also considered the first to compose the courtly love poem in Europe. This explicitly contradicts the customs and traditions of medieval Provençal society, which did not allow a man to beg a woman. Occitan poetry is due in its creation to external factors, including the Andalusian poetry with their different forms, genres and themes. Jugglers, Minstrels and others were the bridge through which Andalusian literature passed from south to north. The poetry of the troubadours spread throughout Western Europe until it began to decline at the end of the 13th century AD due to the Albigensian Crusade that Pope Innocent III proclaimed against the people of Languedoc in the south.

Key words:

love poem, Troubadours, Andalusia, influence, exaltation of women.

***

النص:

ظهر الشعر الغنائي البروفنسي في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي (السادس الهجري) في منطقة البروفنس (Provence) بجنوب فرنسا. وكان شعراء التروبادور (Troubadours) أول من نظم هذا الشعر بلهجة محلية هي اللغة الأوكسيتانية (l'occitan) التي استخدمها أهل الجنوب لمعارضة اللغة اللاتينية -لغة الكنيسة- من جهة، وتعبيرا عن أدب وطني مستقل من جهة أخرى. وكان لتردد البروفنسيين المستمر على بلاد الأندلس في الجنوب واطلاعهم على حضارتها العامل الأساس الذي دفعهم إلى الرغبة في التحرر من هيمنة الفرنجة الشماليين المتحالفين مع رجال الدين. لذا استخدموا شعرهم الغنائي دفاعا عن كيانهم.

أول من نظم الشعر بلغة أوك (oc) الشاعر غيوم التاسع دوق أكيتانيا وكونت بواتيه السابع (Guilhem IX Comte de Poitiers) (ت 1127م)، وترجع أولى قصائده إلى سنة (496هـ-1102م)، وهو تاريخ عودته من المشرق بعد مشاركته في الحملة الصليبية الأولى(1) ثم جاء بعده أجيال من شعراء التروبادور الذين اتصلوا بالقصور ونظموا الشعر في سيدات أغلبهن من الأميرات. وكان الشاعر غيرو ريكيه الناربوني (Guiraut Riquier) (ت 1292م)، آخر تروبادور من اتصل بالقصور(2).

استعان شعراء التروبادور بالجونغلير (Joglars) لترويج أغانيهم في المجتمع البروفنسي. فكان التروبادور ينظم الأغنية، أما الجونغلير فهو من يحملها إلى القصر ويغنيها. ومن المرجح أن تكون حركة الجوّالين قد تأثرت بشعراء الأندلس، لقد كان العرب يترددون على الأسواق الشعبية التي يعود تاريخها إلى ما قبل العصور الإسلامية، وفيها كانوا ينشدون الأشعار. فما من شك بأن الجونغلير قد تأثروا في طريقتهم بزجّالي ومداحي بلاد الأندلس.

1 - الموضوعات الغزلية:

أ - الحب المؤانس:

من المواضيع التي تطرق إليها شعراء التروبادور الحب المؤانس أو الكورتوازي (amour courtois) وهو حب فروسي يتسم بالقيم النبيلة. هذا المفهوم يتميز بتمجيد المرأة والخضوع لها حتى وإن لم تبادل العاشق الشعور نفسه. ولهذه الأسباب أطلق الشعراء التروبادور الكورتوازيون على هذا النوع من التقديس "الحب الصافي" (fin' amor).

والحب المؤانس يظهر وكأنه عقيدة أو قانون يلتزم به الشاعر العاشق لينال رضا سيدته. ومن مميزات هذا الحب أيضا، أن يتجنب العاشق الابتذال والإسفاف في الكلام حين يخاطب سيدته. لكن هذا الحب يكاد يكون مقصورا على النساء المتزوجات، أو أرامل أمراء الإقطاع. وقد وردَ هذا الموضوع في الشعر العربي واشتهر به العذريون الذين لم يكتب لهم الزواج بمعشوقاتهم، ومع ذلك، ظلّ هؤلاء الشعراء العرب يتغزلون بهن إلى آخر أيامهم. غير أن حب العذريين لصاحباتهم بدأ قبل زواجهن. لكن الحب الأوكسيتاني قصد سيدات متزوجات من قبل أو أرامل، وهو تأويل خاطئ لاعتقادهم أن العذريين لا يتغزلون إلا بالنساء المتزوجات.

يعتقد بعض الدارسين الأوروبيين أن ما ورد في الشعر الأوكسيتاني يرجع إلى أصول رومانية محتجين في ذلك ببعض المقطوعات التي يُشير فيها بعض الشعراء إلى أفكار أوفيديوس (Ovide) (43ق.م-18م) أو يستشهدون بها. غير أن تعاليم هذا الشاعر اللاتيني لا تمت بصلة إلى هذا النوع من الغزل. ومن الممكن أن يكون بعض الشعراء قد أخذوا بأفكاره لكن في موضوع آخر غير الحب النبيل. وعلى العكس من ذلك، لقد كان أوفيديوس يحثّ الرجال على التظاهر بحب المرأة من أجل المحافظة مدة أطول على مودتها(3).

إن الشعر الذي نظمه شعراء التروبادور البروفنسيون لا يعكس واقع المجتمع الأوروبي في القرون الوسطى، وهو بعيد كل البعد بأشكاله ومواضيعه عن الأدب الأوروبي الذي سبق القرن الثاني عشر الميلادي، فالحب النبيل الذي ظل يتغنى به هؤلاء الشعراء طيلة قرنين من الزمن هو من مقومات العرب، وقد ذهب الكاتب الفرنسي ستاندال (Stendhal) إلى القول: "إن البحث عن نوع الحب الحقيقي وموطنه يجب أن يكون في البادية تحت خيمة العربي"(4).

غير أن المتقدمين من الشعراء التروبادور لم يلتزموا دائما بقوانين الكورتوازية، وحتى وإن كانوا يذكُرون خضوع العاشق لسيدته والتضحية من أجلها والقدرة على تحمُّل العذاب، إلا أن بعضهم غالبا ما تتغلب عليهم الرغبات فيخرجون من إطار الحب النبيل إلى حب جمال المرأة ومفاتنها.

أما برنار دي فنتادور (Bernart de Ventadorn) شاعر القصور (ت 1195م)، فهو من بين الشعراء البروفنسيين الأوائل الذين طرقوا باب الحب الطاهر وهو من المجددين لشعر الحب المؤانس(5). وكان برنار ملازما لقصر آليينور داكيتان (Aliénor d'Aquitaine) (ت 1204م) حفيدة غيوم التاسع، وبعدها تردد على قصر ابنتها ماري دي فرانس (Marie de France) كونتيسة شمبانيا (ت 1198م)، التي كانت مولعة بالتراث العربي وقد كلفت بعض الشعراء والكتاب من بينهم كريتيان دي طروا (Chrétien de Troyes) (ت 1191م) وغيره بتأليف حكايات على منوال قصص العذريين. فالحب الطاهر الذي نظمه برنار دي فنتادور لا يختلف كثيرا عن الحب العذري الذي وردَ عند العرب.

وإذا كان غيوم التاسع أول من نظم قصيدة المجاملة وبرنار دي فنتادور الحب الطاهر، فإن غيوم دي مونتانياغول (Guilhem de Montanhagol)، (ت 1268م) الذي كان قد نظَم بعضا من أغانيه في هجاء رجال الدين المتواطئين مع الفرنسيين، هو أول تروبادور يتطرق إلى العفاف في الشعر الأوكسيتاني، فهو يرى "أن العاشق الحقيقي لا يقبل المساس بشرف سيدته"(6). عاش غيوم دي مونتانياغول -وهو من المتأخرين- في القرن الثالث عشر الميلادي وعاصر محاكم دواوين التفتيش أثناء الصليبية الألبيجية (Croisade albigeoise)، وقد انتقد شعراء التروبادور القدامى الذين لم يتطرقوا إلى العفاف. ويعتقد أنه لم يأتِ في شعره إلا بالجديد، ومن هذا القبيل، الحب العفيف(7). ويذهب مؤرخو الشعر الأوكسيتاني إلى أن غيوم دي مونتانياغول هو أول من تطرق إلى موضوع الحب العفيف.

وهكذا ظهر الحب مجاملا عند أوائل التروبادور في بداية القرن الثاني عشر للميلاد، ثم أصبح نبيلا عند الجيل الثاني وانتهى عفيفا صوفيا عند المتأخرين. أما العرب فقد وردَ عندهم هذا الموضوع منذ الجاهلية، وقد وردَ في القصائد إلا أنه يقلّ في الموشحات والأزجال الأندلسية لارتباطها بالغناء واللهو. ومن أشهر الشعراء الأندلسيين في العفاف ابن فرج الجيّاني صاحب كتاب "الحدائق" الذي جمَع فيه مختارات من الشعر(8).

ب - الحبيبة المجهولة:

قصيدة الحبيبة المجهولة (la dame jamais vue) وتسمّى أيضا بالحب المستحيل، والحب البعيد (l'amour lointain) ظهرت لأول مرة عند شعراء التروبادور البروفنسيين. في هذه القصيدة يتحدث الفارس عن همومه واشتياقه لرؤية حبيبته التي لم يرها في حياته. قد تكون القصة ملغزة وقد تكون صريحة، كما قد يستخدم هذا النوع من الغزل لمقاصد أخرى. وغالبا ما يتوفى الشاعر دون أن يرى سيدته. وكان الشاعر غيوم التاسع أول من تطرّق إلى هذا الموضوع في قصيدة من شعره(9).

هذا النوع من الشعر لم يقع في الشعر الأوروبي من قبل، غير أن العرب كانوا قد تطرقوا إلى هذا الموضوع في مختلف أشعارهم. ومع ذلك، ذهب بدزولا (Bezzola) إلى القول إن "الحبيبة المجهولة التي جاء بها الشعراء العرب هي امرأة حقيقية، في حين أن الكونت غيوم التاسع تحدّث عن امرأة خيالية"(10). لكن الكونت غيوم التاسع كان يتحدث عن سيدة مجهولة وليس خيالية، وربما يكون قد سمع عنها في أحد القصور فأحبها بالوصف، والدليل على ذلك أنه يريد أن يبعث بهذه القصيدة إلى قصر أنجو (Anjou).

ارتبط موضوع "الحبيبة المجهولة" بالشاعر جوفري روديل (Jaufré Rudel) أمير بلايا (Blaya) الذي يعد من أشهر شعراء التروبادور في هذا المجال. لقد هام بحب كونتيسة طرابلس الشرق، ولم يرها أبدا في حياته ولكنه فعل ذلك لما كان يسمع عن أوصافها وخصالها من الحجّاج العائدين من المشرق، فنظَم فيها شعرا كثيرا سمّاه "الحب البعيد" (amor de lonh)، ولم يصل إلينا منه في هذا الموضوع سوى ثلاث قصائد.

ولعل أشهر قصائده عن "الحبيبة المجهولة" تلك التي أولها(11):

Lanquan li jorn son lonc en may
M'es belhs dous chans d'auzelhs de lonh,
E quan mi suy partitz de lay
Remembra' m d'un' amor de lonh :
Vau de talan embroncx e clis
Si que chans ni flors d'albespis
No' m platz plus que l'yverns gelatz
وترجمتها:
لمّا تطولُ الأيامُ في شهر مايو
يعجبني غناءُ العصافير البعيد
وعندما أبتعدُ وينقطعُ هذا الغناء
حينها أتذكرُ حبيبا بعيدا
أغدو مشغول البال مطأطأ الرأس
لا الغناء ولا أزهار الزعرور
تعجبني أكثر من الشتاء البارد

استخدم جوفري روديل في هذه القصيدة الأسلوب نفسه الذي استخدمه غيوم التاسع في قصيدته المذكورة. وهذا ما يدعو إلى القول إن ما جاء به جوفري روديل حول هذه الأميرة ما هو سوى شعر صرف استخدمه لغرض آخر وهو تحمسه للمشاركة في الحرب الصليبية. لقد انقطعت أخبار روديل سنة 1147 ميلادية أثناء الصليبية الثانية التي قادها الملك لويس السابع (Louis VII) (ت 1180م) زوج الملكة آليينور حفيدة غيوم التاسع.

ولم يكن غيوم التاسع وجوفري روديل وحدهما من طرقا هذا الموضوع في الشعر الأوكسيتاني، بل هناك أكثر من شاعر أحب بالوصف دون أن يرى حبيبته، ومنهم رامبو دورانج (Raimbaut d'Aurenja) (ت 1173م) الذي هام بحب فتاة لمباردية، هي كونتيسة أورجل (Urgel). لم يرها رامبو بل أحبها لما سمع عنها من أوصاف حميدة شدته إليها. بعث لها عددا من القصائد، بواسطة صديقه الجونغلير الذي يسميه "البلبل". تقول أخباره إنه أحب هذه الفتاة مدة طويلة ولم تكن له الفرصة للقائها ومات دون أن يراها(12).

قد يكون هذا الشاعر أحبّ فعلا هذه الكونتيسة دون أن يراها ونظَم فيها الأشعار. وربما أيضا، نظَم هذا اللون من الشعر تقليدا لمتقدميه، خاصة الأمير جوفري روديل والكونت غيوم التاسع، لأن الشعراء التروبادور البروفنسيين كان أكثرهم من المقلدين. وكونتيسة أورجل امرأة معروفة، وهذا دليل على أن السيدات اللائي تغزل بهن شعراء التروبادور في هذا المجال لسن من نسج الخيال كما زعم صاحب الدراسات الرومانية السويسري بدزولا السالف الذكر.

الحب بالوصف نوع من الشعر ظهر في الأندلس قبل عصر غيوم التاسع وجوفري روديل ورامبو دورانج، وقد وردَ عند الأندلسيين في مختلف الأشعار، من قصائد ومقطّعات وأزجال وموشحات، كما نظمه أيضا الشعراء المكفوفون. وفي هذا الموضوع نفسه أورد ابن حزم الأندلسي (ت 1064م) في "طوق الحمامة" باباً في الحب بالوصف(13).

يعد سعيد بن جودي الأندلسي أمير العرب في ألبيرة (Elvira) من أبرز الشعراء الفرسان الذين اشتهروا بالخصال النبيلة. وهو أقدم من طرق هذا الموضوع فيما وصلنا من شعر الأندلسيين. لقد سمع جارية نصرانية تغنّي في قصر الأمير عبد الله، وهو من أمراء قرطبة، اسمها "جيجان" ولم يرها، كانت موصوفة في زمانها بالجمال والحسن، فهام بذكرها، وبحث عن اسمها، فقال فيها شعرا كثيرا ولم يبق منه سوى مقطوعة واحدة يقول فيها(14).

سمعي أبى أن يكونَ الرّوحُ في بدني فاعتاضَ قلبي منهُ لوعةَ الحزنِ
أعطيتُ جيجانَ روحي عن تذكرها هذا ولم أرها يوماً ولم تَرنِي
فقلْ لجيجان يا سُولي ويا أملي استَوْصِ خيراً بروح زالَ عن بدنِ
كأنني واسمها والدمعُ منسكبٌ من مُقلتي راهبٌ صلىّ إلى وثنِ

ولم يختلف شعراء التروبادور عن أمير ألبيرة في هذا الموضوع من "حيث الأفكار والواجبات نحو الحبيبة"(15). غير أن الشاعر سعيد بن جودي المتوفى سنة (284هـ-897م)، قد سبق بكثير شعراء التروبادور الذين ظهروا لأول مرة في البروفنس في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي.

جـ - قصيدة الفجر:

الفجرية (alba) قصيدة غزلية يتحدث فيها الشاعر عن لقاء فارس وسيدته في ليل حالك، غير بعيد عن قصر أمير من أمراء الإقطاع، لكنهما يستقصران الليل ويشتكيان من طلوع الفجر المبكّر. وغالبا ما يكون معهما شخصية ثالثة تتمثل في الصديق الذي يسهر على راحتهما وأحيانا الرقيب الذي قد يكتشفهما. هذه القصيدة التي تتهجم فيها الفتاة على بزوغ الفجر استخدمها شعراء التروبادور للسخرية من رجال الإقطاع الذين يتحصنون في قلاعهم خوفا من أي مكروه خاصة أثناء الليل. غير أن فكرة استقصار الليل ظهرت في الشعر العربي منذ عصوره الأولى، وهو موضوع قديم ارتبط بالغزل(16).

أربعة عناصر بُنيتْ عليها قصيدة "الآلب" في الشعر الأوكسيتاني، هي استقصار العاشق لليلة الوصال وحزن الحبيبة بعد الفراق، وشخصية المنادي، ثم يقظة الأهل أو الرقيب أو الغيور. ومن الفجريات الجميلة قصيدة غيرو دي بورناي (Guiraut de Bornelh) (ت 1215م) التي يقول منها(17):

أيها الرفيق الجميلُ إني أناديك
لا تنمْ لقد سمعتُ العصفورَ يغني
وسيأتي معه النهارُ عبْرَ الغابة
فيهجم عليكم الغيورُ إن لمحكم
وقريبا سيبزغُ الفجرُ

موضوع "استقصار الليل" ظهر في الشعر العربي قبل ظهور التروبادور، طرقه أيضا الوشّاحون والزجّالون الأندلسيون، كما نظمه المتأخرون من شعراء الملحون في بلاد المغرب والمشرق. ومن الأزجال التي طرقت هذا الموضوع قول الإمام أبي بكر بن قزمان (ت 555هـ-1160م) من زجل له(18):

الكلام يدورْ والشراب يُشربْ
وأنا نَغني وهي تطربْ
وطلبتُ منها الذي يُطْلَبْ
هي تقول نعم وتمنّيني
أصبحَ الصباح وهوْ الظالمْ
لِما أصبحْ؟

مثل هذا الزجل وغيره من النظم العربي سارت عليه قصيدة "الآلب" الأوكسيتانية. وكان ابن قزمان قد سبق أول من نظَم قصيدة الفجر من البروفنسيين، لأن هذا الموضوع ظهر بعد جيل غيوم التاسع وسركامون وجوفري روديل وهم من معاصري ابن قزمان، إلا أن الإمام نادرا ما يتغزل بالمرأة.

إن التشابه بين الشعر الأندلسي والأوكسيتاني لا يكمن فقط في الموضوع بل أيضا في العناصر المكونة له، إلا أن الشعراء البروفنسيين يسمّون هذا النوع من الشعر "الفجرية"، في حين أطلق عليه الشعراء العرب اسم "استقصار الليل". كما أن شعراء التروبادور استخدموه في قصائد مستقلة، أما الشعراء العرب فقد يأتي عندهم ضمن مواضيع أخرى في ثنايا القصيدة أو الموشحة.

د - الأغنية الرعوية:

القصيدة الرعوية (pastorella) تخص فتاة ريفية وغالبا ما تكون ترعى الغنم وحدها. ينظم هذا النوع من الشعر في شكل حوار بين الراعية والفارس الذي يحاول إغراءها بوعود جميلة، لكن الفتاة، وبأسلوب لطيف، تحبط كل المحاولات التي يبادر بها الفارس الغاوي(19). وفي الخرجة يثني الشاعر على الفتاة مستعرضا خصالها ونبلها.

غير أن بعض القصائد قد تخرج عن المألوف، عندما تستسلم الريفية في بعض الأحيان لإغراءات الفارس، وهذا لا يترجم المعنى الحقيقي لهذا النوع الشعري. وبهذه الحالة، تفقد الأغنية الرعوية قيّمها الكورتوازية. وقد يتبين أن الشاعر يتعمد هذا النظم لمعارضة اللون الأصيل.

وهناك أنواع من الأغاني الرعوية في الشعر الأوكسيتاني، تتفق جلها على المطلع نفسه. وللشاعر ماركبرو (Marcabru) (ت 1150م) قصيدة في هذا الموضوع(20)، وهي أقدم رعوية في الشعر الأوكسيتاني(21)، والتي تمثل الاتجاه الصحيح للأغنية الرعوية. ففيها يحاول الفارس إرضاء الفتاة الريفية، ولكن هذه الأخيرة تظهر أكثر ذكاء ويقظة حتى يدرك الغاوي أن لا جدوى من محاولاته. وفي الأخير يعترف الشاعر في الخرجة بالعقل السليم والشجاع للفتاة الريفية.

لقد ظهر هذا الموضوع في ثنايا القصائد عند العرب، فالشاعر يتغنى بخصال الفتاة البدوية في المشرق والريفية في المغرب، إلا أن العرب لم يوظفوا موضوع الإغراء كما فعل شعراء "أوك" في مستهل قصائدهم، ومع ذلك جاءت قصائد التروبادور أكثر انسجاما وكأنهم كانوا ينسجون على منوال نماذج ملزمة.

2 - خصائص شعر الغزل:

أ - شكوى الفتاة:

تأتي في الشعر الأوكسيتاني عند التروبادور أمثلة كثيرة تُصوّر لنا الفتاة وهي تبكي فراق حبيبها. ومن ذلك صوّر ماركبرو في قصيدة حوارية بكاء الفتاة على فراق حبيبها الذي سيق إلى الحرب، لائمةً في ذلك الملك لويس السابع الذي أمر بهذه الحرب وهي الصليبية الثانية سنة 1147م(22).

يرِد هذا الموضوع في الموشحات والأزجال الأندلسية، إذ يجعل الوشّاحون الكلام على لسان الفتاة في المقطوعة الأخيرة بما فيها الخرجة من موشحاتهم. فمن ذلك قول أبي القاسم المنيشي الإشبيلي في الخرجة(23):

وربّ فتاة غنّتْ إذ جاءتْ لدارِه
وتشكو له إذ حنّتْ لبعدِ ديارِه
وتشدو لما أن غنّتْ بقربِ مزارِه
غريم أم يا مَمّ أكن يرتاب ذويّه
مَمّ ياي أصطارْ ممّا أسري اللسِيه

بعض كلمات هذه الخرجة عجمية يلجأ إليها الوشّاح لإخفاء حديث الفتاة مع أمها عن الرقباء. وقد وردت كلمة "مَمّ" بمعنى أمّي، بعامية أهل الأندلس وعجميتهم أيضا. وبالطريقة نفسها وردَ هذا الموضوع عند عدد من الوشّاحين الأندلسيين(24) وكأنهم كانوا يحاكون بعضهم بعضا في هذا الموضوع، لأنهم اتفقوا على طريقة واحدة في الحديث عن شكوى الفتاة.

لقد وردَ هذا الموضوع أيضا في بعض الأزجال، ومن ذلك قول أبي بكر بن قزمان في الخرجة من زجل له(25):

ولدْ علي إذ نقول الأبياتْ
في ذا الطريقَه
صُبَيَّه مليحَه قد غنّاتْ
غُنّه رشيقَه
غناتْ ولمْ يفتضَحْ مَنْ سمّاتْ
على الحقيقَه
عشَقْتُ مَمّا أذ أشتَ الجاري
على الخُمَاري

ولم يختلف ابن قزمان عن الوشّاحين في توظيف بعض الألفاظ العجمية في هذا الموضوع عند مخاطبة الفتاة أمها، فهي تناديها "مَمّ" بالعجمية، كما تشير إلى محبوبها بالإشارة العجمية "إذ أشت" بمعنى "هذ"، حتى لا يفتضح من سمّات كما قال ابن قزمان الذي نقل هذا الموضوع من خرجات الموشحات.

إن هذا الموضوع أصيل في الشعر الأندلسي، وقد وردَ في الموشحات وفي الأزجال. أما هذه الخرجات فقد كانت تغنّيها الفتيات رفقة العود في مجالس الأنس التي كانت تقام في قصور المسلمين وفي قصور النصارى أيضا بشمال الأندلس، ونظم على منوالها تروبادور إسبانيا الأغاني المسماة (cantigas di amigo) بمعنى "أغاني الحبيب". وهذا من جملة الأسباب التي أدّت إلى انتقال هذا الموضوع إلى ما وراء جبال البرانس من قبل الجونغلير المتكسبين وهم مداحو الأسواق الذين ترددوا أيضا على قصور بلاد أوك (Pays d'oc)، فتناوله الشعراء التروبادور وتناقله الذين جاءوا من بعدهم من شعراء اللغة الأوكسيتانية(26).

ب - الشخوص:

الرقيب من الشخوص المزعجة التي عانى منها التروبادور، فالرقيب الذي يمنع الفتاة من أي اتصال خارجي قد يُصعّب من مهمة الفارس العاشق الذي يطمح إلى لقائها. فيقظة الرقيب تزيد من غبن العاشق وشوقه لا سيّما بعد استحالة اللقاء. والشعر العربي الغزلي يكاد لا يخلو من شخصية الرقيب التي حتّمتها تقاليد القبيلة في المجتمع العربي القديم حينذاك. وقد وظفها شعراء اللغة الأوكسيتانية في شعرهم، ومنهم التروبادور غيوم التاسع كونت بواتيه الذي تحدث في قصيدة من قصائد اللهو عن شكوى امرأة من رقبائها(27).

يحاول غيوم في قصيدته الدفاع عن السيدة ناصحا رقباءها أن يتخلوا عن فكرتهم، وعدم إرغامها على شيء لا يرضيها مما ينافي قوانين الحب. غير أن هؤلاء الرقباء لم يكونوا قد سمعوا بهذه القوانين من قبل، وربما يندهشون لهذه الفكرة التي جاء بها هذا الشاعر المتمرد. لأن الكونت غيوم التاسع يكون قد نقل هذه الفكرة من خرجات الموشحات الأندلسية التي تحدثت عن شكوى الفتاة العاشقة، إما من فراق الحبيب أو من مضايقة الرقيب لها وتشديده الحصار عليها. وقد يأتي في الموشحات موضوع شكوى العاشق عندما يحجب عنه الرقباء حبيبته، كما وردَ في موشحة من موشحات أبي القاسم المنيشي(28).

وقد تطرق شعراء اللغة الأوكسيتانية أيضا إلى الوُشاة والعذّال والحُسّاد، ذكَروهم في قصائدهم وتحدثوا عما يسببونه من متاعب للعشاق، فهم في نظر الشعراء أداة التفريق بين الحبيبين يجب الاحتراس منهم وعدم تصديقهم. فغالبا ما يلوم العاشق حبيبته على تصديقها كلام الرقباء والوشاة والعذّال. أما برنار مارتي (Bernart Marti)، وهو من شعراء منتصف القرن الثاني عشر للميلاد، فهو لا يرى فرقا ما بين هذه الفئة من الأشخاص والكفّار، فكلاهما لا يدخل الجنة، فهو يتمنّى لهم الجحيم لأنهم فرّقوه عن سيدته(29). وكان ابن قزمان أيضا يتمنّى كل المصائب للرقيب كما يتمنّى له أن يموت غير مسلم حتى يدخل نار جهنم(30).

وكان ابن حزم الأندلسي قد أورد في "الطوق" أبوابا في هذا المجال، منها "باب العاذل" و"باب الرقيب" و"باب الواشي"، ولا يستبعد أن يكون شعراء لغة "أوك" الأوائل قد ألمّوا بهذه المضامين التي جاء بها ابن حزم في كتابه.

جـ - السر والكتمان:

تعَوّد الشاعر البروفنسي على ألا يتحدث عن المرأة إلا بألفاظ متسترة، وذلك احتراما لشرفها ومكانتها في المجتمع، وفي هذا الظرف، يعرض الشاعر عن ذكر اسم سيدته، لكنه يشير إليه بكنية ملغزة، تسمى (senhal) بمعنى الإشارة أو الرمز. ومن ذلك "الفارس الجميل"، و"الجار الطيب"، و"سيدي"، و"مولاي" (Midons) وغيرها. هذه التسميات جلها مذكّرة، وكأن هؤلاء الشعراء يخاطبون رجالاً عظاما لا نساء.

كان غيوم التاسع أول شاعر استخدم في الشعر الأوكسيتاني الألفاظ الملغزة لمخاطبة سيدته، فهو يسمّيها الجار الطيب(31). أما رامبو دي فاكيرا (Raimbaut de Vaqueiras) (ت 1207م) فهو يلقّب سيدته بالفارس الجميل(32)، وذلك من أجل التكتم على اسم السيدة الحقيقي؛ وقد ذهب ألفريد جانروا (Alfred Jeanroy) إلى القول بأن هذا الاستخدام لم يظهر، حسب علمه، في أي أدب(33) قبل حركة التروبادور. لكن في الشعر الأوروبي، أما في الشعر العربي، والذي لم يطلع عليه السيد جانروا، فقد ظهر موضوع السر والكتمان منذ العصر الجاهلي.

وفي "طوق الحمامة" أفرد ابن حزم الأندلسي في كتابه حديثا عن هذا الموضوع سمّاه "باب طي السر"(34). وقد استخدمه الشعراء البروفنسيون في شعرهم بطريقة شديدة الشبه بما وردَ عند الشعراء المشارقة والأندلسيين.

د - الخضوع والطاعة:

كانت المرأة الأوروبية في القرون الوسطى تعد من أحقر المخلوقات، لا يأبه بها أحد، بل ومنبوذة من قبل الكنيسة. وفجأة، من خلال الشعر الأوكسيتاني، أصبح التروبادور يخضع للسيدة ويكنّ لها كل الاحترام الطاعة ويستسلم لها من أجل الحب، بل ويخدمها كما يخدم العبد سيده، في حين أن تاريخ المجتمع الأوروبي في تلك الفترة، يكشف عما يخالف ذلك. هذا التوجه الجديد أثار حفيظة رجال الدين الذين اعتبروه منافيا لتعاليم الكنيسة.

الشاعر غيوم التاسع، مع أنه كونت ودوق، أول من دعا إلى الخضوع (obedienza) للسيدة وطاعتها مقابل الرضا، لأن الخضوع هو صفة من صفات الحب الفروسي. تمرُد التروبادور على قيم المجتمع يطرح أكثر من سؤال. هل يعقل أن يسمح رجل بروفنسي، ذو سلطان وجاه، لنفسه أن يخدم امرأة ويطيعها، خاصة في القرون الوسطى، مثلما ذهب إليه الكونت غيوم التاسع في أشعاره. إن فكرة هذا الشاعر التروبادوري لا علاقة لها بواقع المجتمع البروفنسي.

إن طاعة الحبيبة فكرة ليست أصيلة في الشعر الأوروبي، ولم يرثها شعراء التروبادور من كتبِ أوفيديوس الروماني مثلما ذهب فريق من الدارسين الأوروبيين، بل أخذوها عن العرب الذين عَرفوا هذا الموضوع قبل ظهور الشعر الأوكسيتاني. لم يطرح أوفيديوس المواقف الفروسية كما أوردها شعراء "أوك" في قصائدهم، فكل ما جاء به هذا المفكر الروماني هو نصائح للعشاق من أجل مخادعة الآخرين والاستحواذ على مودتهم(35). وهذا ليس مما قلّده الشعراء التروبادور، بل جاءت صورهم مطابقة تماما لما جاء في الشعر العربي من قصائد وموشحات.

ومن النماذج الرائعة في هذا الموضوع الذي يجسد طاعة العاشق لحبيبته ما جاء به ابن زيدون (ت 463هـ-1071م) في هذه المقطّعة إذ يقول(36):

بيني وبينك ما لو شئتَ لم يضعْ سرّ إذا ذاعتِ الأسرارُ لم يَذِعِ
يا بائعاً حظّهُ مني ولو بذِلتْ ليَ الحياةُ بحظي منه لم أبعِ
يكفيكَ أنك إن حملتَ قلبيَ ما لا تستطيعُ قلوبُ الناسِ يستطعِ
تِهْ أحتملْ واستطلْ أصبرْ وعزَّ أهُنْ وولِّ أُقبلْ، وقُلْ أسمعْ ومُرْ أطعِ

أما ابن قزمان فهو يرى ما من أحد يستحق أن يكون عبدا للحبيب إلا الشاعر والكاتب(37). وهذا ما ذهب إليه أيضا شعراء الأوكسيتانية حين نراهم يفتخرون بخدمتهم لسيداتهم عند تطرقهم إلى هذا الموضوع. هذه الفكرة التي لا تعكس مقومات المجتمع البروفنسي في ذلك الوقت، قد اقتبسها الشعراء التروبادور من الأدب الأندلسي(38).

عبّر شعراء التروبادور عن هذه الفكرة بلفظة الخادم، بمعنى أن العاشق يخدم سيدته مثلما يخدم الفرسان والعبيد رجال الإقطاع والأمراء في العصور الوسطى، وهي وسيلة للسخرية من رجال الإقطاع. أما الشعراء العرب فقد عبّروا عن هذه الفكرة بلفظة العبد، وهي تختلف عن لفظة الخادم عند الأوروبيين، بمعنى أن العاشق يكون مُلكا للمعشوقة وعبدا لها، تماما كما يفعل السلاطين والملوك الذين اشتهروا بجمع العبيد من غلمان وجوار، وكأن الشعراء أرادوا من خلال مذهبهم، السخرية من هؤلاء الملوك حين سمحوا للضعفاء مثل النساء أن يستعبدوهم.

هـ - الوفاء والتضحية:

يأتي في الشعر الأوكسيتاني أن الفارس يعاهد سيدته على الإخلاص والوفاء لها حتى وإن تمادت في تمنّعها. وأما فكرة العهد والوفاء للحبيبة، فلم ترد في الشعر الأوروبي قبل القرن الثاني عشر الميلادي، بل ظهرت لأول مرة مع ظهور حركة التروبادور، وأن الذين كتبوا عن الحب من الأوروبيين قبل عصر التروبادور لم يذهبوا إلى هذا الموضوع بل منهم من ذهب إلى عكس ذلك، فأوفيديوس مثلا في كتابه "فن الحب" (ars amatoria) نجده يعلّم الناس كيف يتخلصون من حبهم الأول من أجل حب جديد(39).

وفي الأدب العربي أفرد ابن حزم الأندلسي باباً لهذا الغرض في كتابه "طوق الحمامة"، سمّاه "باب الوفاء"(40) وأثنى عليه. لقد صوّر الشعراء القدامى ضروبا من الوفاء لم يسبق لها مثيل في أشعار الأمم، فمن ذلك قول عنترة العبْسي(41):

لو كان قلبي معي ما اخترتُ غيركُمُ ولا رضيتُ سواكُمُ في الهوى بدَلا
لكنّه راغبٌ فيمَنْ يعذّبُهُ فليس يقْبلُ لا لوما ولا عذَلا

ثم انتقل هذا الموضوع من المشرق إلى بلاد المغرب والأندلس ونظم على منواله شعراء القصيد والوشّاحون والزجّالون، معبرين عن إخلاصهم ووفائهم لحبيباتهم.

ذهب ستاندالْ إلى أن "المساواة بين المرأة والرجل عند العرب هي التي دفعتهم إلى الوفاء للعهد واحترام المرأة، في حين أن هذه المساواة منعدمة في الغرب، والمرأة المهجورة تبقى دائما تعيسة"(42). غير أن العرب لم يقرّوا المساواة بين المرأة والرجل إلا بعد ظهور الإسلام، ومع ذلك فإن هذا الموضوع وردَ في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي. وهذا يدل على أن الوفاء جزء من تقاليد المجتمع العربي قبل أن يكون مصدره المساواة بين المرأة والرجل.

في الشعر الأوكسيتاني يضحّي العاشق بكل ما يملك من أجل سيدته وهو مستعد للموت شهيدا من أجلها. وكان جوفري روديل قد هام بحب أميرة طرابلس الشرق ولم يرها قط، ومع ذلك فهو يصرّح في إحدى قصائده بأنه مستعد لأي تضحية من أجل رؤيتها حتى وإن كان ذلك الأسر عند المسلمين(43). ومن الغرابة أن يحدث مثل هذه الظاهرة في المجتمع البروفنسي الذي كان يسوده الصراع المادّي في القرون الوسطى. لقد تحدّث بعض الشعراء التروبادور عن الاستشهاد في سبيل الحب والحبيبة. لكن أوروبا في ذلك الوقت لم تكن تعرف معنى الشهادة حتى في حروبها المقدسة.

التضحية من أجل الحبيبة والاستشهاد في سبيل الحب موضوع عريق في الأدب العربي، اشتهر به شعراء العصر الأموي، وإن قصص العذريين الذين قتلهم العشق لتبرز جليا هذا الموضوع وأصالته العربية. وعصور العرب الأدبية على اختلافها، لم تخلُ من هذا الغرض. كما تطرّق الأندلسيون أيضا إلى هذه الفكرة وعبّروا عنها في قصائدهم وموشحاتهم.

3 - الحب والأغراض الأخرى:

أ - وصف الطبيعة:

تعَوّد شعراء التروبادور على استهلال قصائدهم الغزلية بمقدمات ربيعية، فموضوع الطبيعة في الشعر البروفنسي الأوكسيتاني لا يأتي إلا متصلا بغرض الحب، ولم يصلنا من شعر التروبادور قصائد خالصة لموضوع الطبيعة، إلا عند المتأخرين في عصر النهضة الأوكسيتانية. وكأن هؤلاء الشعراء لا يشعرون بالحب إلا مع تفتح الأزهار ولا يستعذبون الغناء إلا مع تغريد العصافير. وهذا جوفري روديل لا يغنّي إلا على أنغام البلبل والأزهار المتفتحة في الربيع، فيقول(44):

عندما تنساب المياه من النبع
صافية عذبة، مثلما يحدث عادة
ويتفتح زهر النسرين في الربيع
والبلبل فوق الغصن يغرّد ألحانا
عذبة ومنسجمة، ثم يُعيدها
ويُغيّرها من حين إلى آخر
عليّ أن أغيّر أنا أيضا أغنيتي

أما في الشعر العربي فإن موضوع الربيع قد يقترن بأغراض أخرى كالحب والخمر والوصف، وقد يأتي أيضا مستقلا. وما جاء منه مقترنا بالغزل ينتشر انتشارا واسعا في الموشحات؛ فالشاعر يستلهم محاسن حبيبته من جمال الطبيعة. وفي الأزجال يقول أبو بكر بن قزمان في الموضوع(45):

لا نزاهَ إلا في الواد والنَشم والخضرَ والدّل
وأنا مع المليحَه نشرُب والطير تولْول

من خلال بعض الأمثلة في شعر التروبادور والشعر الأندلسي، يتجلى لنا أن استحضار لحظات الوصل والوجد وربطها بأزهار الربيع وتغريد العصافير وغيرها من عناصر الطبيعة عند الشاعر، هي من الخصائص التي تكاد تكون مطابقة في كلا الشعرين. غير أن الشعراء الأندلسيين ذهبوا بهذا الموضوع إلى أبعد الحدود حينما قاموا بتشخيص عناصر الطبيعة الجامدة والحية في أشعارهم وهذا ما لم يذهب إليه شعراء البروفنس.

ب - الشعر الديني:

إن الشعر الديني الذي سبق حركة التروبادور، كان عبارة عن مدائح نظَمها الرهبان بأسلوب لاتيني مباشر لا يختلف عن النثر. وفي عصر التروبادور ارتبط هذا اللون من الشعر بالحب وتمجيد المرأة. فمن الشعراء من استخدم الحب للهجوم على الكنيسة ورجالها، وأما الشعراء الموالين للكنيسة فقد عارضوا الحب الكورتوازي الذي اعتبروه دينا جديدا ودعوا إلى تمجيد السيدة مريم.

كان الشاعر غيوم فيغيرا (Guilhem Figueira) (ت 1250م) الذي خصّص أغنية كاملة لهجاء البابوية، قد تجرأ على شتم الرهبان والحط من قيمتهم(46). وأما الكونت غيوم التاسع فقد دعا المرأة ألاّ تحب أحدا من رجال الدين، فيقول(47):

سترتكب خطيئة كبيرة وقاتلة
من لا تحب فارسا مخلصا
أما إذا عشقتْ راهبا
فخطؤها لن يغتفر أبدا
ويجب حرق هذه المرأة بالنار

يرى شعراء التروبادور الذين كانوا في صراع دائم مع رجال الكنيسة، أن رجال الدين لا يحبّون بل هم أعداء الحب والمجتمع معا. وفي الأندلس، كان بعض الشعراء أيضا في خصام دائم مع الفقهاء، ومنهم ابن قزمان الذي أكثر في أزجاله من هجو الفقيه الذي كان يضايقه في مغامراته المجونية. يقول الإمام في الخرجة من زجل له(48):

نمضي إن شاء الله
من سرورْ لسرورْ
والسعاد بشَاشَتْ إذ مطورْ
وعدُوك يذاق في شوال طلورْ
لعَنَ الله مَن لا يقول نعمْ

والعدو في هذا الزجل هو الفقيه، بمعنى رجل الدين الذي كان يمنع أهل الخلاعة والمجون من انتهاك حرمة شهر رمضان، فابن قزمان يتهجم عليه في شهر الصيام ويتوعّده في شهر شوّال، إذ ما من أحد يمكنه في هذا الشهر أن يشدّه عن لهوه وغرامه وشرب الخمر. والغريب في الأمر أن نصيحة الفقيه بالابتعاد عن الخمر، لم تسلم حتى من الأزجال الصوفية. فأبو الحسن الششتري (ت 668هـ-1269م) كان يتحدى الفقيه وينسج هذا الموضوع على الطريقة التي وردَ بها في أزجال ابن قزمان(49). إلا أن ما قصده الششتري يختلف جذريا عما ذهب إليه أبو بكر بن قزمان إمام الزجالين.

وفي الشعر الأوكسيتاني يستغل التروبادور المناسبات الدينية، كرأس السنة الميلادية وغيرها، من أجل لقاء سيدته. وكذلك الشعراء الأندلسيون لم تفتهم هذه المناسبات، أما ابن قزمان فكان لما يتحدث عن "الناير" ينسى الحب ولا يذكر سوى أطباق الطعام وأنواع الفواكه(50)، وهذا يدل على الوضعية المزرية التي كانت تعيشها بعض الطبقات الاجتماعية في عهدي المرابطين والموحدين.

والناير أو الينير كما يسميه ابن قزمان هو عيد رأس السنة الميلادية وكان الأندلسيون يحتفلون به يوم أول يناير بتقويم جوليان (Julien)، وبعد سقوط الأندلس، استقر في شمال غرب الجزائر وشمال المغرب دون غيرها من المناطق. والناير لا علاقة له بخرافة الفرعون شيشنق (Sheshonq) كما يزعم دعاة الوثنية. وشيشنق كان مقربا من العائلة المالكة، فاعتلى العرش سلميا بعد وفاة بسوسنس الثاني سنة 945 قبل الميلاد لأن ابنه كان متزوجا من ابنة الفرعون.

جـ - الشعر السياسي:

قصيدة الحرب في الشعر الأوكسيتاني قد تكون أحيانا ممتزجة بإشارات إلى السيدة وذكر لحظات الوصال، وقد تأتي أيضا إشارات إلى الحرب في قصيدة الحب. يعد برطران دي بورن (Bertran de Born) (ت 1215م) من أكثر الشعراء تحمسا للحروب وقد عرف أيضا بشاعر الهجاء والتكسب. ولما تخلّف عن المشاركة في الحملة الصليبية الثالثة لمواجهة صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ-1193م)، نظم قصيدة يعتذر فيها للقائد كونراد مركيز مونفِرّا (Conrad 1er) (ت 1192م) بحجّة أن عددا من الفرسان تأخروا هم أيضا عن المشاركة، وقد برّر موقفه بسخرية ظريفة فيقول(51):

Puois vi midonz bell'e bloia,
Per que s'anet mos cors afebleian,
Qu'ieu fora lai, ben a passat un an
وترجمتها:
ثم إنني رأيت مولاي، جميلة
وشقراء، ثم بدأ قلبي يضعف
وإلا، لكنت هناك منذ عام

أما التروبادور ماركبرو فقد نظم قصيدة رعوية تهجم فيها على الحرب الصليبية، لأنها تسبّبت في فراق الحبيبين، فيصوّر لنا ذلك على لسان الفتاة الريفية التي تبكي فراق حبيبها الذي سيق إلى الحرب، لائمة الملك لويس السابع (ت 1180م) الذي دعا إلى الحرب الصليبية الثانية سنة 1147م(52).

وفي الشعر العربي، على مر العصور، غالبا ما تكون المرأة رمزا للوطن، الذي يجب الدفاع عنه بكل الوسائل، فشرف الوطن من شرف المرأة. غير أن الشعراء العرب في القرون الوسطى لم يستخدموا قصيدة الغزل للسخرية من الملوك والأمراء، باستثناء العذريين الذين يكون بعضهم قد وظّف ليلاه البعيدة المنال، رمزا للسطلة المغتصبة من قبل الأمويين حسب تصور الشاعر.

وفي الختام، فإن الشعر الأوكسيتاني الذي نظَمه الشعراء التروبادور في جنوب فرنسا في القرون الوسطى طرق أغراضا أخرى غير التي ذكَرناها، تأثر فيها هؤلاء البروفنسيون بالشعر العربي. وفي هذا المقال اقتصرنا على الموضوعات فقط، وكان شعر التروبادور الذي يعد أول شعر عرف القافية في أوروبا، قد اقتبس بعضا من أشكاله وموسيقاه من الموشحات والأزجال الأندلسية. غير أن شعر التروبادور الغنائي لم يدم أكثر من قرنين، فالحرب الصليبية التي أعلنتها الكنيسة سنة 1209م على الألبيجيين (Albigeois) ودامت إلى غاية سنة 1229م، كانت سببا في انحطاطه في "بلاد أوك".

وكان شعر التروبادور الأوكسيتاني قد ألهم تروبادور بريطانيا وتروبادور إيطاليا ومينيسانجر ألمانيا (Minnesänger). أما تروبادور إسبانيا فكانوا أول من اتصل بالشعر العربي من خلال قصور الشمال. فشعراء النصارى الإسبان في عهد الأندلسيين نظَموا أشعارهم على نظام المقطوعات، كما نظَموا الملاحم على منوال الأراجيز التاريخية الأندلسية، وأما "أغاني الحبيب" التي اشتهروا بها، فقد تأثروا فيها بموضوع "شكوى الفتاة" الذي يرِد في خرجات الموشحات بالعربية والعجمية والعامية. وكان للمدجنين (Mudéjars) والمستعربة (Mozarabes) الفضل في نقل عناصر الشعر العربي إلى أوروبا.

الهوامش:
1 - Réto Roberto Bezzola : Les origines et la formation de la littérature courtoise en Occident, Ed. Champion, Paris 1944-1963, 2e P., T.2, p. 209.
2 - انظر،
Ernest Hœpffner : Les Troubadours, dans leur vie et dans leurs œuvres, Ed. Armand Colin, Paris 1955, p. 119.
3 - Ovide : l'Art d'aimer, Paris 1924, L.2, p. 42.
4 - Stendhal (Henri Beyle) : De l'amour, Ed. Garnier Flammarion., Paris 1966, p. 190.
5 - André Berry : Anthologie de la poésie occitane, Ed. Stock, Paris 1979, p. 29.
6 - Alfred Jeanroy : La poésie lyrique des Troubadours, Ed. Privat-Didier, Toulouse-Paris 1934, T.2, p. 168.
7 - Henri-Irénée Marrou : Les Troubadours, Ed. du Seuil, Paris 1971, p. 159.
8 - انظر شعره في هذا الموضوع، الحميدي: جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الثانية، بيروت 1983، ص 170.
9 - Alfred Jeanroy : La poésie lyrique des Troubadours, T.2, p. 7.
10 - Réto Roberto Bezzola : Les origines et la formation de la littérature courtoise en Occident, 2e P., T.1, p. 163.
11 - Alfred Jeanroy : Les chansons de Jaufré Rudel, Ed. Champion, 2e éd., Paris 1974, pp. 12-13.
12 - Jacques Roubaud : Les Troubadours, Ed. Seghers, Paris 1980, p. 142.
13 - ابن حزم: طوق الحمامة في الألفة والألاّف، دار مكتبة الحياة، بيروت 1980، ص 20.
14 - ابن الأبار: الحلة السيراء، القاهرة 1963، ج1، ص 157-158.
15 - Reinhart Dozy : Histoire des Musulmans d’Espagne, Ed. Brill, Leyde 1932, Vol. 2, p. 37.
16 - انظر في هذا الموضوع، رائية عمر بن أبي ربيعة التي يحدثنا فيها عن قصة وقعت له مع فتاة تدعى "نُعْم"، والتي مطلعها:
أمنْ آل نُعْم أنت غادٍ فمُبكرُ غداةَ غدٍ أم رائح فمهجِّرُ
17 - André Berry : Anthologie de la poésie occitane, p. 41.
18 - ابن قزمان: الديوان، تحقيق ف. كورينطي، المعهد الإسباني العربي للثقافة، مدريد 1980، زجل (141)، ص 888.
19 - Ernest Hœpffner : Les Troubadours, Ed. Champion, Paris 1929, pp. 13-14.
20 - Cf. Jacques Roubaud : Les Troubadours, p. 92.
21 - Alfred Jeanroy : La poésie lyrique des Troubadours, T.2, p. 286.
22 - Pierre Bec : Anthologie des Troubadours, Coll. 10/18, U.G.E., Paris 1979, p. 89.
23 - لسان الدين بن الخطيب: جيش التوشيح، تحقيق هلال ناجي، مطبعة المنار، تونس 1967، ص 110.
24 - انظر هذه الموشحات في جيش التوشيح، ص 77-222.
25 - ابن قزمان: الديوان، زجل (76)، ص 490.
26 - راجع في هذا المجال:
Juan Luis Alborg: Historia de la literatura española, Ed. Gredos, 2a ed., Madrid 1981, p. 93.
27 - Alfred Jeanroy : Les chansons de Guillaume IX, p. 3.
28 - انظر موشحته، لسان الدين بن الخطيب: جيش التوشيح، ص 111.
29 - Ernest Hœpffner : Les poésies de Bernart Marti, Ed. Champion, Paris 1929, p. 31.
30 - ابن قزمان: الديوان، زجل (9)، ص 60.
31 - A. Jeanroy : Les chansons de Guillaume IX, Ed. Champion, 2e éd., Paris 1972, p. 26.
32 - André Berry : Anthologie de la poésie occitane, p. 52.
33 - Alfred Jeanroy : La poésie lyrique des Troubadours, T.1, p. 317.
34 - ابن حزم: طوق الحمامة، ص 36.
35 - Ovide : l'Art d'aimer, L.2, p. 39.
36 - ابن بسام الشنتريني: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت 1979، ج1، ص 371.
37 - ابن قزمان: الديوان، زجل (2)، ص 16.
38 - René Nelli : L'érotique des Troubadours, U.G.E., Paris 1974, T.1, p. 104.
39 - Ovide : Remèdes à l'amour, 2e éd. Paris 1961, pp. 26-27.
40 - ابن حزم: طوق الحمامة، ص 78.
41 - انظر، علي بن سعيد: المرقصات والمطربات، بيروت 1973، ص 224.
42 - Stendhal : De l'amour, p. 291.
43 - Alfred Jeanroy : Les chansons de Jaufré Rudel, p. 14.
44 - Ibid., pp. 3-4.
45 - ابن قزمان: الديوان، زجل (28)، ص 200.
46 - Joseph Anglade : Anthologie des Troubadours, Paris 1953, p. 149.
47 - Alfred Jeanroy : Les chansons de Guillaume IX, p. 9.
48 - ابن قزمان: الديوان، زجل (9)، ص 76. إذ ماطور: أصلها (d'amator) عجمية بمعنى "للعاشق"؛ طلور: أصلها (dolor) عجمية بمعنى "الألم".
49 - انظر زجلا في هذا الغرض لأبي الحسن الششتري: الديوان، تحقيق علي سامي النشار، الإسكندرية 1960، ص 276.
50 - انظر قصيدة في هذه المناسبة، ابن قزمان: الديوان، زجل (72)، ص 464.
51 - Ernest Hœpffner : Les Troubadours, p. 118.
مولاي (midonz): سيدتي؛ هناك (lai): في المشرق.
52 - Pierre Bec : Anthologie des Troubadours, p. 90.
الإحالة إلى المقال:

* د. محمد عباسة: قصيدة الحب في شعر التروبادور البروفنسي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد العشرون 2020. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

نشأة الشعر الديني عند العرب وأثره في الآداب الأوروبية
حوليات التراث، العدد 1، 2004.
العلاقات الاجتماعية بين العرب والفرنجة وتأثيرها على الأدب والفكر
حوليات التراث، العدد 3، 2005.
حب الآخر في الشعر الأندلسي والبروفنسي
حوليات التراث، العدد 4، 2005.
الترجمة في العصور والوسطى
حوليات التراث، العدد 5، 2006.
اللهجات في الموشحات والأزجال الأندلسية
حوليات التراث، العدد 9، 2009.
التصوف الإسلامي بين التأثر والتأثير
حوليات التراث، العدد 10، 2010.
الفلسفة العقلانية عند ابن رشد
حوليات التراث، العدد 11، 2011.
الحروب الصليبية ونزعة الحب الكورتوازي
حوليات التراث، العدد 12، 2012.
العلاقات الثقافية بين العرب والفرنجة خلال القرون الوسطى
حوليات التراث، العدد 13، 2013.
مصادر شعر التروبادور الغنائي
حوليات التراث، العدد 14، 2014.
المدرسة العربية في الأدب المقارن
حوليات التراث، العدد 17، 2017.

***