الإعجاز القرآني ومساره التاريخي

د. أحمد قوفي
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

إنَّ المشتغل في حقل الإعجاز البياني يحتاج إلى جُهد كبير قصد التَّحقيق والتقصِّي لمختلف جوانبه ومظاهره وآفاقه التي لا تنتهي عند حدٍّ، والحقّ إنَّ مباحث الإعجاز البياني للقرآن الكريم هي في حقيقتها فوق قواعد النّحويين وتطبيقات البلاغيين. فالقول بتحديد موضع للإعجاز في القرآن الكريم أو وصفه يُعدُّ ضربًا من عدم الاستقامة. فالعلماء على مرّ العصور خاضوا في إعجازه وذهبوا في تأوله كلّ مذهب وسلّموا أن ليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كتابه الكريم الذي كلّه إعجاز. فهو ثابت قطعيًا أن معجزات الأنبياء الذين سبقوا رسول الله (ص)، قد انقضت بانقضاء العصور التي نزلت فيها. وانتهت بانتهاء الأقوام الذين حلت بينهم، وكانت معجزات حسِّية. أما معجزة القرآن الكريم فهي باقية بقاء الرِّسالة المحمَّدية؛ ذلك أنَّ رسالة رسول الله قد استوعبت الزَّمان والمكان، فكان لابد من استمرار المعجزة، بمعنى أنه إذا ارتاب قوم في صدق رسول الله (ص) في عصرنا الحاضر، فكيف نأتي بالرسول ليطالبوه بمعجزة تدل على صدقه؟ وكلما تقدَّم العلم المادي، انكشف من وجوه إعجاز القرآن وجه يقمع رموز منكريه، ويهدي به الله الآلاف المؤلَّفة في كل عصر.

الكلمات الدالة:

الإعجاز، التأويل، القرآن الكريم، النحو، البلاغة والبيان.

***
The Quranic inimitability and its historical course

Abstract:

Whoever works on the field of the rhetorical miracle needs a great effort to verify and investigate its various aspects, manifestations and endless horizons. In fact, research on the rhetorical inimitability of the Quran is indeed above the rules of the grammarians and applications of rhetoricians. Inimitability in the Quran cannot be determined or described. Scholars throughout the ages who have studied the inimitability of the Quran and have gone through different interpretations have recognized that it was not in man's power to know the purposes of God in his sacred book. If the miracles of the prophets who preceded the Messenger of Allah are over, the miracle of the Quran is eternal as is the message of Muhammad. As material science progresses, the miracles of the Quran are revealed.

Key words:

inimitability, interpretation, Quran, grammar, rhetoric.

***

النص:

مقدمة:

لقد وجَّه الفقهاء واللغويون على مدى التاريخ عنايتهم إلى المصدر الأوَّل للشريعة الإسلامية أي القرآن المجيد، فأحصوا حروفه، وكلماته، وآياته، وسوره، وذهبوا في تصنيف شواهده، وإحصاء شوارده كلَّ مذهب، حتَّى أشبعوا القول فيه؛ وظلَّ - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها - حجَّة في العربية وعلومها، تاه في تراكيبها النَّحويون لأنه كسَر تلك القواعد البشرية، وتجاوز ذلك المنطق المعياري الذي كان محجَّتهم اتَّخذوا منها شواهد لمذاهبهم وانصبَّت معظم جهودهم على تدارس الشِّعر دون اهتمام بالنَّثر. كما حار في دقَّة ألفاظها، وإحكام أبنيتها الصَّرفيون، واحتار في سموِّ معانيها وأسمى مقاصدها البلاغيون ووقف دونها المؤوِّلون والمفسِّرون صاغرين لا يملكون إلى تحديد مظانِّه سبيلا، فكانت تخميناتهم ضربًا من دفع الحرج أمام نظم شديد القُوَّة.

1 - مفهوم الإعجاز:

أ - الإعجاز لغةً:

تعدّدت تعاريف كلمة (إعجاز) في القواميس العربية، وتباينَت مدلولاتها، وأُشفعت بالشواهد توقًا إلى الإحاطة بهذا المفهوم بالشكل الدقيق. فابن منظور يذهب في تفصيل مادة (عجز) "العَجزُ نقيض الحزم، عجز عن الأمر يَعجِز وعَجِزَ عَجزًا فيهما؛ ورجُلٌ عَجِزٌ وعَجُزٌ، عاجِزٌ، ومَرَةٌ عاجزٌ، عاجِزةٌ عن الشيء. والمَعجِزَةُ والمَعجَزَةُ: العَجزُ"(1). قال سيبويه: هو المُعجِزُ والمَعجَزُ: الكسر على النادر، والفتح، على القياس لأنه مصدر... والمَعجَزة، بفتح الجيم وكسرها، مَفعَلَةٌ من العَجز: عدم القُدرة. وفي الحديث: "كلُّ شيء بقَدَر، حتَّ العَجز والكيسُ". وأعجزَهُ الشيء: عَجَزَ عنه.

والتَّعجيزُ: التَّثبيط، ذلك إذا نسبتَه إلى العجز. وعجَّز الرجل وعاجَزَ: ذهب فلم يُوصَل إليه، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ سَعَوا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُم عَذَابٌ مِن رِجزٍ أَلِيمٌ)(2)، وكذلك في قوله عز وجل: (وَالَّذِينَ سَعَوا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصحَابُ الجَحِيم)(3). قال الزجَّاج: معناه ظانين أنهم يعجزوننا، لأنهم ظنُّوا أنهم لا يُبعثون، وأنه لا جنَّة ولا نار. وفي التنزيل العزيز: (وَمَا أَنتُم بِمُعجِزِينَ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ)(4)؛ قال الفرَّاء: يقول القائل كيف وصفهم بأنهم لا يُعجزون في الأرض ولا في السماء، وليسوا في أهل السماء؟ فالمعنى ما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا مَن في السماء بمُعجِز، وقال أبو إسحاق: معناه والله أعلم، ما أنتم بمُعجِزِين في الأرض، ولا كنتم في السّماء، ومعنى الإعجاز الفَوت والسَّبق، ويُقال: أعجزني فلانٌ أي فاتني(5)، ومنه قول الأعشى:

فذاك ولم يُعجِز من الموت ربَّهُ ولكن أتاهُ الموتُ لا يتأبَّق

وعاجَزَ إلى ثِقَةٍ: مال إليه، وعاجزَ القومُ: تركوا شيئًا وأخذوا في غيره، ويُقال فلانٌ يُعاجِزُ عن الحقِّ إلى الباطل أي يلجأ إليه. والمُعجِزة: واحدةٌ معجِزات الأنبياء، عليهم السلام. وأعجاز الأمور: أواخرها، وعَجزُ الشيء وعِجزُه وعُجزُه وعُجُزُه، وعَجِزُه: آخره، يُذكَّر ويُؤنَّث، قال أبو خِراش يصف عُقابًا:

بَهيمًا غَيرَ أنَّ العَجزَ منها تَخال سَراتَهُ لَبَنًا حليبًا

والعِجزة وابنُ العِجزة: آخر ولد الشيخ، وفي الصِّحاح: العِجزة، بالكسر، آخر ولد الرَّجُل، وعِجزَة الرَّجُل: آخر ولد يولد له(6).

أمّا الفيروز آبادي فيقول: "العجز كتف مؤخر الشيء والعجز والمعجز والمعجزة، والعجُزان، والعجوز التي تدلّ على الوهن... والتّعجيز التّثبيط، ومعجزة النّبي (ص) ما أعجز به الخصم عند التحدّي(7)، والهاء للمبالغة. وقوله تعالى: "معاجزين" أي يعاجزون الأنبياء وأولياءهم؛ يقاتلونهم ويمانعونهم ليصيِّروهم إلى العجز من أمر الله تعالى أو معاندين مسابقين أو ظانين أنّهم يعجزونن"(8).

فصاحب "القاموس المحيط" يشتغل في البداية على المادة اللغوية (ع، ج، ز) لينتقل إلى التّغيير الدّلالي من خلال تنويع الحركات، من باب تغيُّر المعاني بتغيُّر المباني في اللغة العربية؛ ويخلص إلى الاستشهاد بالقرآن الكريم ومختلف السياقات التي وردت فيها.

وجاء في (معجم المحيط في اللغة) للصَّاحب بن عباد في مادة (ع، ج، ز): "العَجزُ: نَقِيضُ الحَزم، عَجَزَ عَجزاً وعُجُوزاً وعَجَزَاناً، وهُذَيلُ وَحدَها تَجمَعُ العَاجِزَ على العَواجِزِ. ويُقالُ: لا تُلِثُّوا بِدَارِ مَعجَزَةٍ ومَعجِزَةٍ. ويُقالُ في العَجُوزِ من النساء: عَجُوزَةٌ، والفِعلُ: عَجَزت عَجزاً وعَجزَت وتَعجزَت، والجَمعُ: عُجُز وعَجَائِز. واسمُ رَملَةٍ. والعَجُزُ: مُؤخرُ الشيء؛ حتى يُقال: عَجُزُ الأمرِ، ويُقال: عَجُز وعَجزٌ وعُجزٌ وعَجِزٌ. وعجز دابتَكَ: ضَع عليها الحَقِيبَةَ. والعَجزُ: الأرضُ لا تُنبتُ شَيئاً. والعَجِيزَةُ: عَجِيزَةُ المَرأةِ خاصَّةً، وامرَأةٌ عَجزَاءُ، وقد عَجِزَت، والجَميعُ عَجِيزاتٌ، ولا يُقال عَجَائز. والعِجزَةُ وابنُ العِجزَة: آخِرُ وَلَدِ الشَّيخ. ووُلدَ لِعِجزَةٍ: أي بَعدَ ما كَبِرَ أبوه"(9).

أما (المعجم الوسيط) فساق المدلول المعجمي لكلمة إعجاز "عجَزَت المرأة عجوزًا: كبرت وأسنّت، وعجزت عن الشيء عجزًا وعجَزانًا: ضعُف ولم يقدر عليه. ويُقال: عجز فلان: لم يكن حازمًا. وأعجز فلان: سبق فلم يدرك، وأعجز الشيء فلانًا: فاته ولم يدركه، ويُقال: أعجزه، وأعجزه: صيّره عاجزًا، وأعجزه فلانا: وجده عاجزًا، وعاجز فلان: ذهب فلم يوصل إليه ولم يقدر عليه. يُقال: طلبتُه فعاجزَ؛ سبق فلم يدرك... والمعجزة أمر خارق للعادة يُظهرُه الله على يد النبي" تأييدا لنبوّته، والمعجزة ما يعجز البشر أن يأتوا بمثله"(10).

فعين الفِعل عَجَزَ أي (الجيم) في الماضي تُقرأ مُثَلَّثةً، بالفتح والكسر والضم، وفي كلّ حركة لها معنى:
بالفَتح: تقول: عَجَزَ، يَعجِزُ، عَجزًا، من باب ضَرَبَ، يَضرِبُ، والمعنى: ضَعُفَ عن الشيء، ولم يقدِر عليه.
بالكَسر: تقول: عَجِزَ، يَعجَزُ، عَجَزًا، من باب شَرِبَ، يَشرَبُ، والمعنى عَظُمَت عَجِيزَتُهُ، وكَبُرَت مؤخِّرَتُهُ. بالضمِّ: تقول: عَجُزَ، يَعجُزُ، عجوزًا، من باب كَرُمَ، يَكرُمُ، والمعنى: صار عجوزًا ضَعيفًا عاجِزًا(11).

ويبقى أنَّ هذه المعاني كلّها لا تتباين فيما بينها، ولا تختلف اختلاف التعارُض، وإنّما تصُبُّ في معنى عام هو (العَجزُ)، فالعَجزُ: عن المعنى اللغوي للجذر الثُّلاثي للمادّة (العَجزُ)؛ أمّا (الإِعجازُ) فهو مصدر الفعل الرُّباعي (أَعجَزَ).

وقد حدّد مالك بن نبي المفهوم السّابق قائلاً: "أهل اللغة يرون أنّ الإعجاز هو الإيقاع في العجز، وأهل الإصلاح يرون أنّ الإعجاز هو الحُجّة التي يقدّمها القرآن إلى خصومه من المشركين ليعجزهم بها. فأما حين تريد تحديد هذا المصطلح في حدود التاريخ أي في تطوّر إدراك البشر لحجّة، وإدراك المسلم لحجة الإسلام بخاصة فلا بدّ من مراجعة القضية في ضوء التاريخ"(12).

وقال الزجَّاج: "هو وصف على فعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع ومنه قرأت الماء في الحوض أي: جمعته. قال أبو عبيدة: وسُمِّي بذلك، لأنه جمع السور بعضها إلى بعض. وقال الراغب لا يُقال لكل جمع قرآن، ولا لجمع كل كلام قرآن، قال: وإنما سمِّي قرآنا لكونه جمع ثمرات الكتب السّالفة المنزلة، وقيل لأنه جمع أنواع العلوم كلّها أو سُمّي قرآنا، لأنَّ القارئ يظهره ويبينه من فيه آخذا من قول العرب: ما قرأت النّاقة سلا قط، أي ما رمت بولد أي: ما أسقطت ولدا أي: ما حملت قط، والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه فسمِّي قرآن"(13).

ورأى اللّحياني وتبعه غيرهم إذ يقول: "لفظ" قرآن هو في اللُّغة مصدرٌ مرادف للقراءة ومنه قوله تعالى: (إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُ وَقُرآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبع قُرآنهُ)(14). ثم نقل من هذا المعنى المصدري، وجعل اسمًا للكلام المعجز المنزل على النبي (ص)، من باب إطلاق المصدر على مفعوله. وهو المختار استنادًا إلى موارد اللغة، وقوانين الاشتقاق.

أما القول بأنه وصف من القرء بمعنى الجمع، أو أنه مشتق من قرنت الشيء بالشيء. أو أنه مرتجل أي: أنه موضوع من أول الأمر علمًا على الكلام المعجز المنزل، غير مهموز، ولا مجرد من (أل) فكل أولئك لا يظهر له وجه وجيه، ولا يخلو توجيه، ولا يخلو توجيه بعضه من كلفه، ولا بعد عن قواعد الاشتقاق وموارد اللغة(15).
ب - الإعجاز اصطلاحا:

تباينت التعاريف في شأن القرآن، ولكن أجمع الفقهاء على أنه: "كلام الله المعجز المنزل على محمد (ص)، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته"(16).

وانتقل مالك بن نبي من الجانب اللغوي إلى الضفّة الأخرى من أصل مادة الكلمة ليربطها بالدِّين، فالقرآن حجّة النبوّة، وتشريع للدين الجديد. ثنائية "الإعجاز والإبلاغ" يضيف إليها صفات محدّدة يتعيّن وجودها في المعنيين(17):
- الإعجاز بوصفه دليلا ماديا ومعنويا لا بدّ أن يدركه الجميع، فلا يحتمل التّنزيل البيّن اللّبس وإلاّ قلّ الفهم الإقناع والاقتناع.
- من حيث كونه لتبليغ دِين: أن يكون فوق طاقة الجميع ولا سبيل إلى مضاهاته أي ينزل إلى مستوى المُشاكلة.
- ومن حيث الزّمن: أن يكون تأثيره بقدر ما في تبليغ الدِّين من حاجة إليه. وهذه الصفة الثالثة تحدّد نوع صلته بالدّين، الصّلة التي تختلف من دين إلى آخر، باختلاف ضرورات التّبليغ؛ ويكشف هذا التوجّه عن مستوى من التحليل يحدّد صفات الإعجاز من حيث الحُجّة والوسيلة والزّمن.

وقد ذهب كثير من الفقهاء والعلماء مذاهب شتّى في الإحاطة بهذا المفهوم ويكاد يتّفق الجمهور على جملة من التّعريفات تتقاطع فيما بينها مضمونًا وتختلف شكلاً. فعلى سبيل الذِّكر يقول: مصطفى صادق الرافعي: "إنّما الإعجاز شيئان: ضعف القدرة الإنسانية في محاولة المعجزة ومزاولته على شدّة الإنسان واتّصال عنايته، ثم استمرار هذا الضعف على تراخي الزّمن وتقدّمه، فكأن العالَم كلّه في العجز إنسان واحد ليس له غير مدّته المحدودة بالغة ما بلغت؛ فيصير من الأمر المعجز إلى ما يُشبه في الرّأي مقابلة أطول الناس عمرا بالدّهر على مداه كلّه، فإنّ المعمّر دهر صغير، وأنّ لكليهما مدّة من العمر هي من جنس الأخرى، غير أنّ واحدة منهما قد استغرقت الثّانية؛ فإن شاركتها الصُّغرى إلى حدّ فما عسى أن يشركهما فيما بقي"(18).

هو إقرار بعجز الإنسان وضعفه عن مقارعة "آي" التنزيل، فإذا وهن الأوّل في مشاكلته فلا ريب أنّ يعجز الآخر، فصفة العجز مقدّرَة على أبناء البشر وازداد الجِنُّ إلى زمرة من أرادوا مناهضته أيضا.

ووقع التحدِّي لصفوة فطاحلة العرب، لذلك لم يسلم أدباء الطّبع الذين باتوا عاجزين حتَّى عن معارضة أقرانهم من الشعراء في القصيدة الواحدة، فما بالك مقارعة أساليب الكتاب المجيد! والأغرب أنَّ فترة تحدِّي القرآن لقريش دامت 23 سنة، وهي مدة كافية لمن تتيح له فرصة القيام بالمعارضة، فقد أفحمهم الحُجَّة، وأبطل مزاعمهم كلَّها وحملهم على الإقرار بوحدانية الله، وسلطانه على العالمين. كما يُضيف الرّافعي أنّ الإعجاز إعجاز في كلّ زمان ومكان، مهما بلغ الإنسان من العمر عِتِيّا. وإذا كان "الإعجاز" يُرى آية من آيات الخالق في الأرض فلينظر الإنسان إلى نفسه وكيفية خلقه، وأطوار تكوينه، فكلّ شيء في الكون آية. وصدق "أمية ابن أبي الصّلت" قولاً(19):

وفي كلّ شيء ترى آية تدلُّ على أنّه الواحد

كان يُطلق - من ذي قبل - على معنى "الإعجاز" لفظة "آية"، فالقرآن الكريم آية من آيات الله إلى نبيّه، والمعجزات التي أُيّد بها النبيّون من قبل هي آيات بيّنات محكمات (وَرَبُّكَ أَعلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَلَقَد فَضَّلنَا بَعضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعضٍ وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُوراً)(20)، فالتفضيل - ههنا - يُقصد به اختلاف معجزاتهم الإلهية(21)، غير أنّ معجزة محمد (ص) تختلف عمّا سبقه من الأنبياء "إنّ معجزة النّبي، وهي القُرآن، هي في الوقت نفسه منهجه، على عكس الأنبياء الآخرين الذين كانت معجزتهم غير منهجهم، فمنهج موسى على سبيل المثال، التوراة، ومعجزته العص"(22).

فالمُعجزات السّابقة حِسِّيّة مرئية، وكأنّها حُجّةٌ على الشّاهد وليست كذلك على الغائب؛ وسُرعان ما يطويها الزّمان فلا نجد لها أثرًا إلاّ في متون الرّوايات، وشذَرات الأخبار، فقد "أراد الله لختام رسالاته الإعجاز الدّائم، فاختار له (الكلمة). والكلمة تسمَعُها وتتصفَّحُها، وتعودُ إليها: إنّها معك في كلِّ حين، تُدوِّي في أذنك، ماثلة في سمعك"(23). فالقرآن العظيم مُعجزٌ بذاته ولا يُمكن مقارنته بالكُتُب السّماوية الأخرى.

2 - المَسَار التاريخي:

صدر الإسلام: شهد العرب - أيام التنزيل - أرقى البيان، وأروع الخطاب، وأعجز القَصَص، وأرفع إخبار عن حوادث الدَّهر، فيها للناس عِبرٌ وفي الحياة ناموس إلهي وضَّح لهم شريعتهم التي ارتضاها خالقهم، وحدَّد مآلهم "فإذا جاء أمر القرآن نظرت إلى الشيء الذي هو أوحد والقول الذي هو منبتٌّ، ألا ترى أنَّ الله جعله الحُجَّة والبيان والداعي والبرهان وإنما وضع السراج للبصير المستضيء لا للأعمى والمتعامي"(24)، وأضحى القرآن مَعلما لفن الكتابة حاولوا مجاراته في فن القول - مع الاستحالة - والاقتباس من آيه المُعجز في الخُطب والأشعار لأنه ملَك ألبابهم، وسحر عقولهم، وتجاوز أفانين أقوالهم.

فكان أن ظهر الإعجاز القرآني جليًّا في خُطب الصحابة(25) والتابعين من بعدهم، إذ ضمَّنوها بالشواهد القرآنية، ترغيبًا وترهيبًا، وعظًا وإرشادًا، فتعلموا براعة الإيجاز وانتقاء اللفظ وسبك العبارة أكثر من ذي قبل. لقد صقل الذِّكر الحكيم مواهبهم، وأذكى سجيتهم، فصاروا إلى مدارسة القرآن ألصق، وببيان قصَصه أحوج، وبرواية الأخبار أميل بل انشغلوا بالتفسير مع التركيز على الجوانب الفقهية ونشر الدعوة إلى الدين الجديد أكثر من البحث في "الإعجاز".

إن قضية الإعجاز البياني شغلت بال العرب قديما وحديثا، وعدُّوا مدارسته طريقا إلى الحق والإيمان بل فرضا للدخول في علوم القرآن؛ القرآن الذي كان ولا يزال الموجِّه الأكبر للبلاغة العربية، وأضحوا يقابلون بين القرآن المجيد وكلام العرب لاستشفاف أوجه الإعجاز، وبم كان القرآن معجزا وليس من باب التطاول على التنزيل.

أما في العصر الأموي فقد ارتقى أسلوب الرسائل، وازدانت الحِكم والأقوال بالإيجاز وسحر العبارة، وانتشرت المبارزات في فنون الكلام، واللُّجوء إلى إيراد الحُجج تأييدًا للملك أو طلبا للمساندة خصوصًا في عصر الفتوحات الإسلامية التي أخذت من المسلمين ردحا من الزمن في بلاد فارس والصين والهند.

فظهر أثر القرآن المُعجز، وأحاديث الرسول الكريم (ص) جليًّا في كل الرسائل الديوانية المرسلة إلى مختلف الأمصار، والتاريخ حافل بنماذج - ليس مجال ذكرها - كخطب أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب صاحب كتاب "نهج البلاغة" كرم الله وجهه؛ وعمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين وعبد الملك بن مروان وعمرو بن العاص وزياد بن أبيه في خطبته البتراء والحسن البصري وطارق بن زياد وغيرهم كثير.

أما في العصر العباسي فمن شدَّة تأثير الأسلوب القرآني البديع في المسلمين، فقد هبُّوا إلى مدارسته، وتبيان فضائله، والوقوف على كنه آياته ووقعها في النفوس، إذ روى أبو عبيدة قائلاً: أرسل إليَّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة، فقدمت إلى بغداد، واستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت عليه، ثم دخل رجلٌ في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي، وقال لي: إني كنت مشتاقًا إليك، وقد سألت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت: هات، فقال: قال الله عز وجل: (طَلعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)(26)، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عرفه مثله، وهذا لم يعرف، فقلت: إنما كلَّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس(27):

أيقتلُني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال

وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به؛ فاستحسن الفضل ذلك... فلما رجعت إلى البصرة عملتُ كتابي الذي سمَّيتُه "المجاز"(28)؛ ففي كتابه "مجاز القرآن" تناول قضايا إعجازية عدَّة منها: أنَّ كتاب الله جاء مجاراة لسنن العرب في كلامها، منظومًا من جواهر بلاغتها، وحسن تراكيبها، مبطلاً كيد الكائدين ومزاعم المتقوِّلين ومن نحا نحوهم متماديا في جدله وبهتانه.

فكان ظهور الأحزاب السياسية الجديدة المناوئة للأمويين من الدواعي التي جعلت الأدباء يخوضون في الدعوة إليها "فكان العباسيون محتاجين إلى إتقان فن القول بقدر حاجتهم إلى بيان سياستهم، وتوطيد حُكمهم، وكذلك كانت الوفادة ومجالس العلماء والوعظ الديني من الدواعي التي دفعت إلى هذا الرقي"(29). ومن هؤلاء الكتَّاب الجهابذة والخطباء المفوهين وعلماء اللغة المصاقع: داوود بن علي بن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن علي؛ ومن الموالي جعفر بن يحيى البرمكي، والفضل بن سهل. بالإضافة إلى ظهور فن المقامات بأسلوبها البديع من شدَّة افتتان الكُتاب بالأسجاع وألوان البديع.

إنَّ المعجزات - معجزات الأنبياء - جاءت حسب عقول الأقوام ومستويات فُهُومهم، وتبعًا لما اشتُهِر به العصر، وشاع بين الناس بالشكل الذي تتسامع به الأمصار، ويطبع العصر فترتبط الظاهرة بالقوم فيصدقونها، كالطب في عصر عيسى - عليه السلام - والسِّحر في زمن موسى - عليه السلام - "والعرب أصحُّ الناس أفهامًا وأحدُّهم أذهانًا، قد ابتكروا من الفصاحة أبلغها، ومن المعاني أعذبها، ومن الآداب أحسنها، فخُصُّوا من معجز القرآن بما تجول فيه أفهامهم وتصل إليه أذهانهم فيدركوه بالفطنة دون البديهة، وبالروية دون البادرة لتكون كلُّ أمة مخصوصة بما يشاكل طبعها، ويوافق فهمه"(30).

فكل المعجزات اندرست مع ذهاب الأقوام لأنها حسية مشاهَدة، ومرتبطة بزمن معيَّن إلاَّ معجزة القرآن الكريم، فهي باقية إلى يوم الدين، معجزة عقلية حملت في طياتها الشريعة؛ شريعة الكون، كلما جاء عصر اكتشف من القرآن معجزات عُجاب.

تاريخ استعماله: لفظ "الإعجاز"، أوّل من نُسب إليه استعمال هذا اللفظ هو "النظّام" البصري المعتزلي سنة 231هـ، ويظهر أنه مسبوق كذلك لأنه كان يقول بأنّ العرب عجزوا بصرفهم عن المعارضة، وهو مذهب باطل.

وأمّا أوّل من بحث هذه القضيّة وتصدّى لها بالبحث فهو أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ المتوفَّى سنة 255هـ. ويذهبُ مصطفى صادق الرّافعي إلى أنّ أوّل من قال إنّ لفظ القرآن غير معجِز هو الجعد بن درهم - الزّنديق المعروف - الذي قُتل يوم النّحر عام 118هـ(31). ولم ترِد كلمة "الإعجاز" في القرن الأوّل ولا في القرن الثاني، والله أعلم، إنّما ظهرت أوّل مرّة في أوائل القرن الثالث الهجري على لسان المعتزلة غالبًا وعلى لسان بعض أهل السنّة(32).

القرآن والنبوَّة: فلا يجب الخلط بين إعجاز القرآن كدليل على صدق النبوّة وبين كلّ دليل على النبوّة يكون معجزًا "فالمعجزة ما عجز البشر عن الإتيان بمثلها... لذلك كان لكلّ نبيّ معجزة تدلّ على صدق نبوّته، ولو بعث الله نبيًّا(33) دون معجزة لما وجب على النّاس الإيمان به"(34).

وعليه جاء تحدِّي القرآن للجنّ والإنس أن يأتوا بمثله، فلمّا عجزوا كان ذلك "المعجز" دليلاً على صدق الرسالة حقًّا، قال تعالى: (وَإِن كُنتُم فِي رَيبٍ مِّمَّا نَزَّلنَا عَلَى عَبدِنَا فَأتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثلِهِ وَادعُوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ. فَإِن لَم تَفعَلُوا وَلَن تَفعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّت لِلكَافِرِينَ)(35).

وكيف بإنسان أُمّي لا يعرف القراءة والكتابة بدليل قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكتُوباً عِندَهُم فِي التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأمُرُهُم بِالمَعرُوفِ وَيَنهَاهُم عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنهُم إِصرَهُم وَالأَغلاَلَ الَّتِي كَانَت عَلَيهِم فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ)(36)، يغدو مالكًا لناصية اللغة، وقمّة البلاغة (إنّما أوتيتُ جوامع الكلم)(37).

رجلٌ جاء من صحراء قاحلة سوف تتسامع به العرب والعجم، تنهدُّ له ثهلان، ويرتعد أُحد، وتتهاوى قصور "كسرى أنو شروان"، وتقرّ بعض حقيقة الفرقان العلومُ التّجريبية والفضائية الحديثة.

ولقد توصّل العلماء والفقهاء إلى أنّ الإعجاز قائم إلى يوم الدِّين لأنّ المسألة تتعلّق بقضايا ربّانية أسمى ممّا يتصوّره العقل البشري القاصر، لذلك حثَّنا الله سبحانه وتعالى على تدبُّر آي كتابه الكريم والنَّظر في مخلوقاته "فإذا كان القرآن كتاب الله المقروء، فإنَّ الكون هو كتاب الله المنظور"(38)، تمامًا كما نصَّ الذكر الحكيم (قُل سِيرُوا فِي الأَرضِ فَانظُرُوا كَيفَ بَدَأَ الخَلقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشأَةَ الآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ علَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ)(39).

وحريٌّ بنا مجانبة الصّواب إذا ذهبنا إلى القول: أعجز القرآنُ العرب ببيانه فكيف أعجز غير العرب من الفُرس والرّوم وغيرهم من العجم في عصر النبوّة؟

وقد انبرى باحثون كُثُر في محاولة لتحقيق مفهوم الإعجاز إلاّ أنها ظلّت تحوم حول قضايا لغوية وأخرى بلاغية شابها كثير من التَّكرار فغدت مقولات جزئية تفضي في النهاية إلى سؤال مفتوح أمام بلاغة القرآن أي الخطاب الإلهي السماوي العُلوي. يقول عبد الصبور شاهين "تُنُويل الإعجاز القرآني من جوانب مختلفة... أشهرها الإعجاز البلاغي، وأحدثها الإعجاز العلمي، وبين هذين البُعدين ظهرت بحوث تُحقِّق مفهوم الإعجاز، كالإعجاز الاقتصادي، والإعجاز القانوني، والإعجاز التشريعي، والإعجاز الاجتماعي، والإعجاز العلمي، وكان الإعجاز البياني هو مناط التحدّي"(40).

كما تتجلّى تمظهرات ذلك كلّه في تراتبية مستويات التحدّي كقوله تعالى: (وإِن كُنتُم فِي رَيبٍ ممَا نَزَّلنَا عَلَى عَبدِنَا فَأتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثلِهِ وَادعُوا شُهَدَاءكُم مِن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ)(41)، أو (أَم يَقُولُونَ افتَرَاهُ قُل فَأتُوا بِعَشرِ سُوَرٍ مِّثلِهِ مُفتَرَيَاتٍ وَادعُوا مَنِ استَطَعتُم مِن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ)(42)، وقد جاء التحدّي بعشر سور من باب "التوسيع على المُنكِرين، فضلاً عن التوسيع أمامهم بأنهم مقلّدون وليسوا مبتكرين"(43).

ثمّ يأتي الحكم القاطع المانع الخاتم والحقيقة الثابتة في قوله تعالى (قُل لَّئِنِ اجتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلَى أَن يَأتُوا بِمِثلِ هَذَا القُرآنِ لاَ يَأتُونَ بِمِثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ظَهِيراً)(44).

أمّا الكاتب والمفكّر الإسلامي مصطفى صادق الرافعي في كتابه عن الإعجاز القرآني والبلاغة النبوية، فيتحدّث عن أسلوب القرآن فيقول "إنّما هو مادة الإعجاز العربي في كلام العرب كلّه، ليس من ذلك شيء إلاّ وهو معجز، وهو الذي قطع العرب دون المعارضة، واعتقلهم عن الكلام فيه، وضربهم بالحجّة من أنفسهم، ثم هو مثّل لهم اليأس قائمًا لا يتّصل به الطّمع، وصوّر لهم العجز غالبًا لا تنال منه القدرة"(45).

وذاك يتبيّن من طرق نظمه، ووجوه تركيبه، ونسق حروفه في كلماتها، وكلماته في جملها، ونسق هذه الجُمل في جملته، وما أذهل العرب عن أنفسهم من هيبة علوية، حتّى أحسّوا الفطرة الإلهية الأقوى، ورأى بلغاؤهم أنّ هذا التركيب جنس من الكلام، غير ما هم فيه.

فالدراسات القرآنية - بشكل عام - تحتاج إلى إمعان النظر، وإطالة التدبُّر لأن الخطأ في تأويل "آية" أو إصدار حُكم ليس كالخطأ في تحليل النص البشري. لماذا؟ لأن التنزيل فيه مناط التشريع، والتحليل، والتحريم، فلا يجوز معه التخمين غير المؤسس، والرأي غير المتين، وإطلاق العنان للأحكام العامة.

خاتمة:

فلا يسعُ كلُّ باحث إلاَّ التسليم بصعوبة المبتغى، واستحالة تطويق بعض أسراره. فمع أنّ القرآن نُجّم في تنزيله على ثلاثة وعشرين عامًا فإنّ أوّله كآخره لا يتفاوت ولا يمكن أن يوصف بعض الكلام بأنّه متقدّم على بعض أو بعضه أنقص من بعض، وإنّما هو يتنافس في الكمال، ويتطاول في الجمال، ويسمو في الجلال. فهو يتكامل على مرّ التنزيل دون أن يُسبق بمرحلة نقص أو توهّم نقص، فقد بدا كاملاً وانتهى كاملا وسيظلّ إلى الأزل.

فالقرآن الكريم - إذًا - يأتي بألفاظ مأنوسة يستعملها كلّ الناس في معانٍ لا يعرفها الناس، ولا يتطرقون إليها، ولا تقع في مِخيالهم أو تصوّراتهم، وقد كان فعلاً هو الجانب المحيّر للّذين يعارضون القرآن. وربّما كانت كلمة سحر تعبيرًا عن تلك الهزّة الكونية التي أحدثها محكم التنزيل في صميم اللغة العربية فقلبها رأسًا على عقب، فلا يستعمل اللفظ القرآني في معنى جاهلي، وإنما يأتي اللفظ القرآني بمساحة في الدلالة أوسع وأرحب من أيّ استعمال لغوي جاهلي سبق، وهذا هو الجانب الدلالي الذي يُعدّ من أصعب بحوث الدراسات اللغوية وأشقّها، نعم، جاء القرآن الكريم بمعانٍ جديدة لألفاظ قديمة، وإذا ما تكشّف سرٌّ تداعت تحته أسرار عظيمة.

الهوامش:
1 - ابن منظور: لسان العرب، المجلد الخامس، باب (العين)، ط1، دار المعارف، القاهرة، ص 2817.
2 - سورة سبأ، الآية 5.
3 - سورة الحج، الآية 51.
4 - سورة العنكبوت، من الآية 22.
5 - ابن منظور: المصدر السابق، ص 2818.
6 - نفسه.
7 - خصَّ الله تعالى نبيه (ص) بمعجزات كثيرة، من أعظمها القرآن الكريم الذي تحدى به الله العرب.
8 - مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي: القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، ط8، 2005، ص 180.
9 - الصّاحب بن عبّاد: معجم المحيط في اللغة، الجزء الأول، مادة: (ع، ج، ز)، نسخ وترتيب وتنسيق مكتبة مشكاة الإسلامية، ص 58-59، الموقع:
http://www.almeshkat.com/books/
10 - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، القاهرة، دار الدّعوة، استانبول 1989م، ج1، ص 591.
11 - المصدر نفسه، ص 585.
12 - مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر المعاصر، ط4، بيروت 1987م، ص 59.
13 - عبد العزيز عبد المعطي عرفه: قضية الإعجاز القرآني وأثرها في تدوين البلاغة العربية، عالم الكتب، ط1، بيروت 1985م، ص 23.
14 - سورة القيامة، الآيتان 17-18.
15 - عبد العزيز عبد المعطي عرفة: المرجع السابق، ص 25.
16 - المرجع نفسه، ص 26.
17 - يُنظر، المرجع نفسه، ص 64.
18 - محمد تحريشي: النقد والإعجاز، دراسة، اتحاد الكُتّاب العرب، دمشق 2004م، ص 14-15.
19 - سمع رسول الله (ص) هذا البيت الشّعري فقال: "إنّه شاعر آمن شعره وكفر قلبه".
20 - سورة الإسراء، الآية 55.
21 - أورد السلف شروطًا دقيقة للمعجزة الحقَّة ومنها:
أ - مما لا يقدر عليه إلاَّ الله: كفلق البحر، انشقاق القمر، وإحياء الموتى.
ب - خرق العادة: كمخالف طلوع الشمس وغروبها، اختلال تعاقب الليل والنهار.
جـ - يستشهد بها مُدَّعي النبوَّة ويحصل التصديق: كقلب الجماد إلى حيوان أو إنسان مثلاً.
22 - محمد متولي الشعراوي: معجزة القرآن، ص 65.
23 - رؤوف أبو سعدة: من إعجاز القرآن وجه في إعجاز القرآن جديد، العَلَم الأعجميّ مفَسَّرًا بالقرآن، ج1، ص 39.
24 - المبرد: البلاغة، تحقيق رمضان عبد التواب، مكتبة الثقافة الدينية، 1985م، ص 90.
25 - يُسدي الجاحظ عبارات المدح والثناء للصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - لقيامهم بجمع القرآن الكريم بطريقة عصمته من التبديل والتحريف - بإذن الله الذي تعهَّد بحفظه - الذي طال الكتب السماوية الأخرى. ينظر، عبد العزيز عبد المعطي عرفة: المرجع السابق، ص 152.
26 - سورة الصافات، الآية 65. والمُراد وصف شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم فإذا أكل منه الكافر تقطَّعت أمعاؤه.
27 - أبو عبد الله الحسين الزوزني: شرح المعلقات السبع، دار الكتاب العربي، بيروت 1984م، ص 56. المشرفي: سيفه الصارم، والمسنونة: رمحه الحادة.
28 - ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج19، ص 158.
29 - مختار عطية: الإيجاز في كلام العرب ونص الإعجاز، دراسة بلاغية، دار المعرفة الجامعية، الأزاريطة، الأسكندرية 1997م، ص 150.
30 - محمود السيد حسن: روائع الإعجاز في القصص القرآني، دراسة في خصائص الأسلوب القصصي المعجز، المكتب الجامعي الحديث، ط2، الأزاريطة، الأسكندرية 2003م، ص 14.
31 - عبد الله بن عبد العزيز: الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة تاريخه وضوابطه، ص 16-17. وقد أخذ هذه المسألة من لسان الميزان، ج1، ص 67.
32 - يُنظر، محمد بن موسى الشريف: جهود العلماء في بيان إعجاز القرآن العظيم، الهيئة العالمية للإعجاز في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ص 1074.
33 - معجزة عيسى عليه السلام التكلم في المهد صبيًّا والمشي فوق الماء، وإبراء الأبرص، ومعجزة موسى عليه السلام فلق البحر بعصاه بإذن ربه.
34 - عماد حسن مرزوق: المعتزلة ونظرية إعجاز القرآن، مكتبة بستان المعرفة، ط1، 2005، ص 6.
35 - سورة البقرة، الآيتان 23-24.
36 - سورة الأعراف، الآية 157.
37 - رواه مسلم.
38 - السيِّد الجميلي: الإعجاز العلمي في القرآن، ص 7.
39 - سورة العنكبوت، الآية 20.
40 - يُنظر، مقال تحت عنوان: الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم، مجلة الأمة، العدد 43، ص 61.
41 - سورة البقرة، الآية 23.
42 - سورة هود، الآية 13.
43 - نعيم الحمصي: فكرة إعجاز القرآن من البعثة النبوية إلى عصرنا الحاضر، ص 324.
44 - سورة الإسراء، الآية 88.
45 - مجلة "الأمة"، العدد 43، ص 64.
الإحالة إلى المقال:

* د. أحمد قوفي: الإعجاز القرآني ومساره التاريخي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد التاسع عشر 2019. http://annales.univ-mosta.dz

***