توظيف الطير في الشعر الجاهلي
عنترة بن شداد نموذجا

مامادو دامبلي
جامعة الساحل بماكو، مالي

الملخص:

من المواقف النّقدية التي تكاد تتفق عليها نقاد الأدب العربي قديمهم وحديثهم؛ أنّ الشّاعر الجاهلي وصف كل ما وقع عليه ناظراه، وفي ذلك اعتراف بعفوية وصف الشّاعر الجاهلي وبعده عن التّصنع والتّكلف في هذا الباب، ولكن هذه العفوية في الوصف لم تؤد به إلى السّذاجة في التناول والمعالجة كما قد يتبادر إلى الذّهن، بل رغم هذه العفوية اتصف الوصف في هذا الشّعر بالعمق والدّقة والطّرافة إلى حدّ الجدة والابتكار أحيانا، ولعل أحسن نموذج لذلك توظيف الشّاعر الجاهلي ووصفه للطّير من أنواعه وأوصافه، وخاصة عند الشّاعر عنترة بن شداد الذي استطاع بقدرته الإبداعية وبفضل طاقته الشّعرية العالية، أن يتجاوز التّوظيف السّاذجي المألوف للطّير إلى توظيفات أخرى مبتدعة ومخترعة، في مواقف رومانسية مفرطة، أتاحت له فرصة سانحة ليناجيه تارة، ويحاوره طورا، ويتتلمذ عليه آنا، ويتحدّاه مرة، ويسترثيه مرة أخرى. ويسعى هذا البحث جاهدا إلى إلقاء ضوء ساطع على هذا التّوظيف العنتري للطّير.

الكلمات الدالة:

الأدب العربي، الشعر الجاهلي، الطير، عنترة بن شداد، النقد.

***
The use of birds in the pre-Islamic poetry
Antara Ibn Chaddad as a model

Abstract:

It’s a common saying among poetry observer that the pre-Islamic poets were describing everything they’ve looked, perhaps it has achieved in their using of birds technically in two cases: the legendary poetry and the romantic poetry using. But the hero of the latter is the poet Antara Ibn Chaddad who was acting in the romantic poetry using about bird. He has described it, learnt from it, challenged and commiserated with it.

Key words:

Arabic literature, pre-Islamic poetry, bird, Antara, criticism.

***

النص:

1 - الطّير في الشّعر الجاهلي:

إنّ مما بات واضحا بين الدّارسين والباحثين؛ هو أنّ الشّاعر الجاهلي وصف كل ما وقع عليه ناظراه، مما تكوّن منه عالمه المصغر، من سماء وأرض، وعشب وكلإ، وحيوان وجبال، وسهول ووديان، ومن أهمّ ما وقعت عليه عين الشّاعر الجاهلي هو الطّير بأنواعه وأوصافه، من غراب وبوم، وهدهد وحمامة، ونسر وعقاب...، ولكن تناول الشّاعر الجاهلي للطّير اختلف عن تناوله لبقية مظاهر الطّبيعة، حيث عمد إلى وصف كثير من هذه المظاهر الطّبيعية وصفا موجزا طورا، ووصفا مطنبا طورا آخر، إما في مقطوعات مستقلة أو في لوحات فنية خاصة، بينما لا تكاد تجد لوحة فنية خاصة بالطّير عند الشّاعر الجاهلي ولا مقطوعة مستقلة به. وليس معنى ذلك عدم اهتمامه بالطّير، بل العكس صحيح، إذ من شدّة اهتمامه به وتوظيفه إياه؛ لم يخصص له لا مقطوعة ولا لوحة فنية، بل أحضره في كل لوحة فنية وفي كل غرض شعري كما سيأتي قريبا.

وبهذا يشكل البحث عن الطّير في الشّعر الجاهلي أهمية كبرى، وتلمس كثيرا من أغراض هذا الشّعر، وبحثنا هذا عن الطّير وتوظيفاته لدى الشّاعر الجاهلي؛ يتركّز على جانبين: الجانب الأسطوري والجانب الرّومانسي.

أما الجانب الأسطوري؛ فيشكل حيزا لا بأس به ضمن الرّوافد الأسطورية للشّعر الجاهلي، وقد ساعد هذا الجانب بروزا وظهورا؛ ما أُنشأ حول الطّيور من قصص خرافية أسطورية عند العرب، منها ما يلي:

يزعم العرب أنّ الهدهد الذي على رأسه القنزعة؛ ثواب من الله تعالى له، على ما كان منه من برّ لأمه لما ماتت، فحملها على رأسه(1)، يقول ابن قتيبة: "وكانوا يقولون: إنّ الهدهد لما ماتت أمه أراد أن يبرها، فجعلها على رأسه يطلب موضعاً، فبقيت في رأسه، فالقنزعة التي في رأسه هو قبرها، وإنّما أنتنت ريحه لذلك"(2)، وقد صاغ أمية بن أبي صلت هذه الأسطورة شعرا بقوله(3):

غَيمٌ وظَلماءُ، وفَضلُ سَحَابَةٍ إِذ كانَ كَفَّنَ واستَرَادَ الهُدهُدُ
يَبغِي القَرَارَ لأُمِّهِ ليُجِنَّهَا فبَنَى عليها في قَفَاهُ يَمهَدُ
مَهدًا وَطِينًا فَاستَقَلَّ بِحَملِهِ فِي الطَّيرِ يَحمِلُهَا وَلاَ يَتَأَوَّدُ
مِن أُمِّهِ فَجُزِيَ بِصَالِحِ حَملِهَا وَلَدًا وَكَلَّفَ ظَهرَهُ لاَ تُفقِدُ
فَتَرَاهُ يَدلَحُ ما مَشَى بجِنَازَةٍ منها وما اختَلَفَ الجَديدُ المُسنَدُ

يزعم العرب أنّ الهديل: فرخ حمام كان على عهد نوح فمات عطشا أو صاده جارح، وأنّ كل حمامة تبكي عليه ولا تمل، وتدعوه ولا يجيب(4)، وقد صاغ المعري ذلك شعرا في قوله(5):

أَبَنَاتِ الهديل أَسعِدنَ أَوعِد نَ قَلِيلَ العَزَاءِ بِالإسعَادِ
إِيهٍ لِلَّهِ دَرُكُنَّ فَأَنتُنَّ اللَّاتِي يُحسِنَّ حِفظَ الوِدَادِ
مَا نَسِيتُنَّ هَالِكًا مِنَ الأَوَانِ الخَالِي أَودَى قَبلَ هَلكَ إِيَادِ
بَيدَ أَنِّي لاَ أَرضَى مَا فَعَلتُنَّ وَأَطـ ـوَاقُكُنَّ فِي الأَجيَادِ
فَتَسَلَّينَ وَاستَعَرنَ جَمِيعًا مِن قَمِيصِ الدُّجَى ثَوبَ حِدَادِ

ومن ذلك ما يروى أنّ الحمامة هي التي كانت دليل نوح ورائده، وقد منحه الله تعالى جزاء ذلك، تلك الحلية والزّينة المتمثلة في الطّوق الذي في عنقها، وفي رواية الجاحظ "أنّ نوحاً صلى الله عليه وسلم حين بقي في اللُّجّة أياماً؛ بعث الغراب فوقع على جيفةٍ ولم يرجع، ثم بعث الحمامة لتنظر هل ترى في الأرض موضعاً يكون للسّفينة مرفأً، واستجعَلت على نوحٍ الطَّوق الذي في عنقها فرشاها بذلك أي فجعل ذلك جُعلاً له"(6). وقد صاغ أمية بن أبي صلت ذلك شعرا في قوله(7):

وأرسلتِ الحمامةُ بعد سبعٍ تدلُّ على المهالك لا تَهابُ
تلمّس هل ترى في الأرضِ عيناً وغايته من الماء العُبابُ
فجاءت بعدما ركضت بقِطفٍ عليه الثَّأطُ والطّينُ الكُبابُ
فلما فرَّسوا الآياتِ صاغوا لها طوقاً كما عُقِدَ السِّخابُ

ومما يتصل بهذا ما يحكى من أسطورة فتاة الحيّ وهي زرقاء اليمامة، من تبصريها الأشياء على مسافة ثلاثة أيام، فرأت سربا من القطا فقالت: "ليت هذا الحمام لي ونصفه إلى حمامتي، فتتم لي مائة"، فوقع الحمام في شبكة صائد، فعدّه فإذا هو كما حسبت: ستا وستون قطاة(8)، وقد صاغ ذلك شعرا النّابغة الذّبياني إذ قال(9):

احكُم كَحُكمِ فَتاةِ الحَيِّ، إِذ نظرَت إلى حَمَامِ شِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ
يَحُفّهُ جَانِبا نِيقٍ، وتُتبِعُهُ مِثلَ الزُّجَاجَةِ لَم تُكحَل مِنَ الرَّمَدِ
قَالَت: أَلاَ لَيتَمَا هَذا الحَمَامُ لَنَا إلى حَمَامَتِنَا ونِصفُهُ، فَقَدِ
فَحَسَّبوهُ، فألفُوهُ كَمَا حَسَبَت تِسعاً وتِسعِينَ لَم تَنقُص ولَم تَزِدِ
فَكَمَّلَت مَائَةً فِيهَا حَمَامَتُهَا وأَسرَعَت حِسبَةً فِي ذَلكَ العَدَدِ

وقد اقترنت بعض قصصهم الأسطورية بالطّيور، كقصة لقمان بن عاد تلك الشّخصية الأسطورية التي زعموا أنه عاش عمر سبعة أنسر، ومات بموت آخرها اسمه لبد، وقد ألمح إلى ذلك طرفة بن العبد بقوله(10):

فَكيفَ يُرجّي المرءُ دَهراً مُخلَّداً، وأعمالُهُ عمّا قليلٍ تُحاسبُه
ألم تَرَ لُقمانَ بنَ عادٍ تَتابَعت عليه النّسورُ، ثمّ غابت كواكبه؟

وغيرها من الحكايات الأسطورية الخرافية التي تحكى عن الطّيور في المجتمع العربي الجاهلي، التي البحث فيها يقود إلى ضرب من البحث في المعتقدات الموروثة عبر العصور عند الإنسان العربي المتوغلة في اللاّشعور الجمعي، ومن هذه الطّريقة تسربت تلك اللاّشعوريات الجماعية إلى الشّعر الجاهلي حتى غدت رافدا ممتازا ضمن روافد هذا الشّعر، وقد مثل هذا الاتجاه الأسطوري في توظيف الطّيور خير تمثيل من الشّعراء الجاهليين؛ أمية بن أبي صلت الذي تحدث عن خرافات كثيرة وحكايات عديدة عن الهدهد والغراب وغيرهما.

2 - أنواع الطّير في الشّعر الجاهلي:

لقد كثر حضور الطّير بأنواعه وأساميه في الشّعر الجاهلي، وهاك ذكر بعض الطّيور الواردة مع ذكر طبيعته ومواضع توظيفه غالبا لدى الشّاعر الجاهلي:
1 - الغراب: شاع عند العرب أنّ لئام الطّير ثلاثة: الغربان والبوم والرخم، فالغراب أكثر من جميع ما يتطير به في باب الشّؤم(11)، وقد وظّفه الشّاعر الجاهلي بناء على هذه الخلفية الاجتماعية الموروثة، فتشاءموا به وتتطيّروا بظهوره كثيرا، وخاصة في غرض الغزل والتّشبيب في المقدمات الطّللية، ومن ذلك قول النّابغة الذّبياني(12):

زَعَمَ البَوارِحُ أنّ رِحلَتَنا غَداً، وبذاكَ خبرنا الغرابُ الأسودُ
لا مرحباً بغدٍ، ولا أهلاً بهِ، إن كانَ تَفريقُ الأحبّة ِ في غَدِ

فقد قرن النّابغة الغراب في هذا التّوظيف بشيئين اثنين أعطى الغراب أبعادا متغلغلا في التّشاؤم والتّطير، وهما "البوارح" و"السّواد"، البوارح: "هو كل طير يأتيك عن يمينك، فيوليك ليساره، فتتفاءل به العرب كثير"(13)، وهو ضد السّائح الذي يتطيّرون منه، فالبوارح قد أخبرت الشّاعر بفراق الأحبة ورحليهم، ثم جاء الغراب مؤكدا ذلك بخبر مماثل له، وهذا الأخير غراب أسود وعلاقة الإنسان العربي الجاهلي باللّون الأسود وكرهه له معروفة ومشهورة.

وعلى هذا النّهج درج الشّاعر الجاهلي موظفا الغراب في سياق التّشاؤم والتّطيّر، كقول لقيط بن زرارة(14):

لمن دمنةُ أقفرت بالجنابِ إلى السّفح بين المَلاَ فالهضاب
بكيتَ لعرفان آياتها وهاج لك الشّوقَ نعبُ الغرابِ

ولا يعني ذلك قصور توظيف الشّاعر الجاهلي الغراب في هذا المقام فحسب، بل استخدمه في مقامات وسياقات أخرى كقول النّابغة الذّبياني(15):

فإن يَكُ عامِرٌ قد قالَ جَهلاً، فإنّ مَظِنّةَ الجَهلِ الشّبابُ
فكُن كأبيكَ أو كأبي بَراءٍ، توافقكَ الحكومةُ والصّوابُ
ولا تَذهَب، بحِلمِكَ طامِياتٌ منَ الخيلاءِ، ليسَ لهنّ بابُ
فإنكَ سوفَ تحلمُ، أو تناهى، إذا ما شبتَ، أو شابَ الغرابُ

2 - الحمامة: يقول الجاحظ: "إنّ الحمام منه وحشي وأهلي، وبيوتي وطوراني، وكل طائر يعرف بالزّواج، ويحسن الصّوت والهديل، والدّعاء والتّرجيع فهو حمام، وإن خالف بعضه بعضا في الصّوت واللّون، وفي بعض النّوح والهديل والّترجيع فهو حمام"(16). وللحمام حضور كبير في الشّعر الجاهلي لما له من الطّبيعة المؤنسة الذّات الصّوت الجميل غناء وترجيعا ونوحا، فوظّفه الشّاعر الجاهلي توظيفا يليق بهذه الصّفات، وخاصة في التّشبيب والنّسيب في لوحات المقدمات الطّللية وغيرها، فها هو عبيد بن الأبرص واقفا على طلول سلمى، مقارنا حاله بحال حمامة، آخذا الدّرس منها شجوا وبكاء، فقال(17):

تُحاوِلُ رَسماً مِن سُلَيمَى دَكادِكا خَلاءً تُعَفّيهِ الرٍّياحُ سَوَاهِكا
تَبَدَّلَ بَعدِي من سُلَيمَى وأَهلها نَعَاماً تَرَعَّاهُ وَأُدماً ترَائِكا
وَقَفتُ به أَبكِي بُكاءَ حَمَامَةٍ أَراكِيَّةٍ تَدعُو الحَمامَ الأَواركا
إذا ذكرت يوماً من الدَّهر شجوها على فرع ساقٍ أذرَت الدَّمعَ سافكا

3 - البوم: وهو نوع من الطّيور يظهر ليلا غالبا، سواء في الخلوات أو في القرى، له صوت مخيف، فبناء على هذه الخلفية استخدم البوم مقترنا باللّيل غالبا، فقال المرقش الأكبر واصفا اللّيل بما فيه من مخيفات ومروعات، فقال(18):

قَطَعتُ إِلى مَعرُوفها مُنكَرَاتِها بِعَيهَامَةٍ تَنسَلُّ واللَّيلُ دَامِسُ
ترَكتُ بها لَيلاً طَوِيلاً ومَنزِلاً ومُوقَدَ نارٍ لم تَرُمهُ القَوَابِسُ
وتَسمعُ تَزقاءً منَ البُومِ حَولَنَا كما ضُربت بعدَ الهُدُوءِ النَّوَاقِسُ

وقال علقة بن عبدة في وصف فرسه ذاهبا إلى أنه يقطع به الموماة العريضة وسط تبغم البوم في ليلة ليلاء:

بِمِثلِها تُقطَعُ المُوماةُ عن عُرُضٍ إِذَا تَبَغَّمَ في ظَلمَائِهِ البُومُ

4 - العُقاب "العقبان": لقد كثر ورود العُقاب في الشّعر الجاهلي في مواقف مختلفة، فورد في مقام السّرعة من باب تشبيه الأشياء السّريعة به، كقول الحارث بن وعلة واصفا كيفية فراره عندما هزم قبيلته في معركة بين أهل اليمن وبني تميم، فولّى الشّاعر مدبرا ولم يعقب في سرعة فائقة كالعُقاب(19):

نجوتُ نجاءً لم يَرَ النّاسُ مثله كأنِّي عٌقابٌ عندَ تيمن كاسِرُ

5 - النّسر: والنّسر من الطّيور الضّارية ذات المنقار الطّويل والأظفار الدّقيقة، فوظفه الشّاعر الجاهلي في مكان يليق بهذه الأوصاف الضّارية، كقول عنترة في وصف أحد قتلاه وما تفعل بجثثه وحوش الغابة(20):

تُقَلِّبُهُ وَحشُ الفَلَا وَتُنوّشُهُ مِنَ الجَوِّ أَسرَابَ النُّسُورِ القَشَاعِمِ

وغيرها من الطّيور الواردة الذكر في تضاعيف الشّعر الجاهلي، من خلال رسمه الدّقيق لكل ما وقع عليه ناظرا الشّاعر الجاهلي.

والملاحظ فيما تقدّم أنّ الطّير له حضور مكثف في الشّعر الجاهلي وله أهمية كبيرة لدى شاعره، فاحتاج إليه لتشكيل لوحته الفنيّة في أغراض كثيرة، فعند الحماسة وظفه تهديدا لخصمه، وفي وصف المعارك استخدمه مظهرا قوّة ممدوحه وكثرة جيشه من إنسان وحيوان وطير، وعند البكاء على الأطلال اتخذه أستاذا وقدوة له في البكاء والعويل، وعند الغزل تشاؤم به جاعلا ظهوره رمزا للفراق، وقد رمز بالطّير أحيانا إلى الأمن والأمان حيث قال الشّاعر(21):

لقد علم القبائلُ أنّ بَيتي تفرَّعَ في الذّوائبِ والسَّنامِ
وأنَّا نَحنُ أولُ من تَبَنَّى بمكّتها البيوتَ معَ الحَمام

ونخلص من هذا كله، مثبتين زعمنا السّابق بأنّ الشّاعر الجاهلي قد وظّف الطّير في الاتجاهين الكبيرين: الأسطوري والرّومانسي، وقد سبق القول بأنّ الشّاعر أمية بن أبي صلت يمثل الاتجاه الأسطوري خير تمثيل، ولعل الشّاعر الذي يمثل الاتجاه الرّومانسي هو عنترة بن شداد العبسي بما أولاه من اهتمام بالغ بالطّيور في المواقف الرّومانسية، متخذا إياه جسرا فرّ عبره من واقعه الأليم.

3 - التوظيف العنتري للطير:

يعد عنترة بن شداد العبسي من الشّعراء الجاهليين الذين أولو الطّير اهتماما كبيرا، فاستعان به كثيرا في تشكيل صوره الفنية، فتكرر الطّير في تشكيلات عديدة عنده، ونعني بالتّشكيل هنا التّصوير: "وهو في الشّعر جوهر لا عرض، على أساس أنه لا شيء بغير صورة أي بغير صياغة، وأنه لا يمكن إدراك المصاغ أو تخييله في غير شكل معين"(22)، وتميزت تشكيلات الطّير وتوظيفاته عند هذا الشّاعر بشيئين اثنين: التّشكيل الرّومانسي والتّوظيف الغزلي غالبا، أي حضوره في غرض الغزل في جوّ رومانسي مفرط، وذلك أنّ عنترة بن شداد قد أكثر طروق غرض الغزل في ديوانه، مستفيدا في ذلك بقدر الإمكان من تركيبات البيئة الجاهلية، وخاصة الطّير بأسلوب رومانسي رائع، مستنطقا إياه تارة، محاورا له طورا، ومتتلمذا عليه آنا آخر، وعليه، سنستقرئ تشكيلات الطّير وتوظيفاته عند عنتر، عسى أن نصل إلى تجسيد الدّور المحوري الذي يلعبه في الصّورة الشّعريّة العنتريّة.
أ - الطّير المستخبر:

وهو نوع من الطّير يستخبره عنترة بن شداد عن حال محبوبته وقبيلتها، من حلّهم وترحالهم وصروف الدّهر بهم، وحرص الشّاعر في هذا التّشكيل الرّومانسي بالتّصريح باسم الطّير وهو غالبا "غراب البين"، على عكس التّشكيلات الآتية الذكر، الذي قد لا يبوح باسم الطّير فيه، وهذا الحرص من الشّاعر له مدلولاته ودوافعه اللاشعوريّة، وقبل إيراد نماذج من هذا التّشكيل نستمع إلى بعض صفات هذا النّوع من الغربان المسمى بغراب البين وسبب تسميته به، يقول الجاحظ: "ومن الغِربان غراب اللّيل: وهو الذي ترك أخلاقَ الغربان وتشبَّه بأخلاق البوم، ومنها غرابُ البَينِ، وغراب البين نوعان: أحدهما غربانٌ صغارٌ معروفةٌ بالضَّعف واللُّؤم، والآخر كُلُ غرابٍ يُتَشاءَم به، وإنما لزمه هذا الاسم؛ لأنّ الغراب إذا بان أهلُ الدّار للنُّجعة وقع في مرابض بيوتهم، يلتمس ويتقمَّم فيتشاءمون به ويتطيَّرون منه، إذ كان لا يعترى منازلهم إلا إذا بانوا فسمَّوه غراب البين"(23). وانطلاقا من هذا اللاوعي الجمعي قلق الإنسان الجاهلي - ومنهم الشعراء - من ظهور هذا الطّير وجعلوه رمز البينونة والفراق، من هنا لا غرو من حضوره الكثيف عند شاعرنا عنترة حيث عاش طيلة حياته ولم يفز - ولو صدفة - بمحبوبته "عبلة"، دائما تحول بينهما الفيافي والصّحاري، وكلما وقف عنترة على أطلالها يجد غراب البين قد أخلفهم فيها، وكلما سأل عنترة تلك الأطلال يجيبه هذا الغراب(24):

وقفتُ به والشَّوقُ يكتبُ أسطراً بأَقلاَم دَمعي في رُسوم جَناني
أُسائلُه عن عبلة ٍ فأَجابني غرابٌ به ما بي من الهيمان
ينوحُ على إلفٍ لهُ وإذا شكا شكا بنَحيبٍ لا بنطق لِسان
ويندبُ من فرطِ الجوى فأجبتُه بحسرة قلبٍ دائم الخفقان
ألا يا غرابَ البين لو كنت صاحبي قطَعنا بلاَدَ الله بالدَّوران
عسى أن نرى من نحو عبلة مخبراً بأيَّة ِ أرضٍ أو بأيِّ مكان

وكثيرا ما لا يضن غراب البين بإخبار الشّاعر بهجرة الأحبة ورحيلهم، بل قد يندب وينوح عليهم كما في الأبيات السّابقة، ولكن هذا لا يهم عنترة في شيء، وإنّما يهمه معرفة محلهم ومقامهم، وماذا فعلت بهم اللّيالي(25).

يُقسم عنترة في الأبيات السّابقة بحق أبّ غراب البين إلا أن يجود بثلاثة: مداواة جرح القلب، ترويح نار السّر، الإخبار عن عبلة أين حلت؟ وما استجدّ من أمرها؟، ولما بخل غراب البين بهذه المتطلبات الثّلاثة، ويئس منه الشّاعر؛ تقدم هذا الأخير بطلب آخر وهو أن يعيره جناحه عله يبحث بنفسه عنهم ويتتبّع أثرهم، فقال(26):

عِرني جَناحَكَ واستعِر دمعي الذي أفنى ولا يفنى له جريان
حتى أَطيرَ مُسائلاً عن عبلةٍ إن كان يُمكنُ مثليَ الطَّيرانُ

رغم كل هذه الاقتراحات والطلبات من عنترة تجاه غراب البين، لم يعر الأخير أي انتباه ولا أي اهتمام بالأوّل، ولم يمده بأي مساعدة خلال بحثه عن المحبوبة، من هنا شرع الشّاعر حاذرا هذا الغراب زاجرا إياه من أن يصيبه ما أصاب الشّاعر من فراقة الأحبة(27):

ظعنَ الذينَ فراقهم أتوقعُ وجرى بينهُمُ الغُرابُ الأَبقعُ
خرقُ الجناح كأنَّ لحيي رأسه جَلَمَانُ بالأَخبار هَشٌّ مُولعُ
فَزَجرتهُ ألاَّ يُفرِّخَ عُشَّهُ أبداً ويصبحَ واحداً يتفجعَ
كمدلة ٍ عجزاءَ تلحمُ ناهضاً في الوكر مَوقِعُها الشَّظاءُ الأَرفعُ

وهكذا تشكل غراب البين دورا كبيرا عند الشّاعر عنترة بن شداد، إذ استطاع مجاوزة الاستخدام التّطيري الشّائع والسّائد له في الشّعر الجاهلي، إلى استخدامات رومانسية خارقة للمألوف متنوعا مواقفه معه، من استخبار منه، ومحاورة معه، واستعانة به، واستصحاب له، وخوف منه، وأخيرا من زجر إيّاه.
ب - الطّير المعُلِّم:

من أوجه استخدامات عنترة الرّومانسية للطّير اتخاذه أستاذا ومعلّما يتعلم منه دروسا في الشّجو والبكاء والعويل، فقال(28):

وقد غنّى على الأَغصانِ طيرٌ بصوتِ حَنِينه يَشفي الغليلاَ
بكى فأعرتهُ أجفانَ عيني وناحَ فزادَ إعوالي عَويلاَ

وأحيانا يجرّد عنترة من نفسه شخصا آخر مخاطبا له، مستغربا تعلّمه من الطّير على سبيل الاستفهام الإنكاري بقوله(29):

أفَمِن بكاءِ حمامة في أيكة ذرفت دموعكَ فوق ظهر المحمل؟
كالدرِّ أو فضض الجمانِ تقطعت منهُ عَقائِدُ سِلكهِ لم يُوصل

ففي هذا التّوظيف التّعليمي للطّير توطّدت العلاقة بين الشّاعر وأستاذه "الطّير" إلى حد كبير، على خلاف التّوظيف الاستخباري السّالف الذكر، وذلك يدفعنا إلى البحث عن ماهية الطّير الموظّف في هذا المقام، والاستقراء أثبت كثرة حضور طائر "الحمام" مصرحا باسمه، فلم يرد فيه "الغراب" إلا مرتين فحسب في جميع الدّيوان، وورد اسم الجنس "الطّير" تعميما مرات عديدة، وعليه؛ فبطل هذا التّوظيف التّعليمي هو "الحمامة" في تشكيلات ودية تفاعلية، وقد وفق الشّاعر في توظيف الحمامة في هذا المقام إلى حد كبير، إذا استطاع أن يعرّفنا بمواصفات الحمامة ومناقبها، إنّها "تتخذ لضروب؛ منها: ما يتخذ للأنس والنّساء والبيوت، ومنها ما يتخذ للرّجال والسّباق، ومن مناقبه حبّه للنّاس، وأنس النّاس به، وأنّك لم تر حيوانا قط أعدل موضعا، ولا أقصد مرتبة من الحمام"(30). لقد استغل عنترة هذه الموصفات الإيجابية للحمامة أيما استغلال، فراح يوظفها في مقام الشّجو والغناء والإنشاد، بل اتخذه معلّما له فيه، فهي أجدر بذلك المقام وذلك الاستخدام مناسب جدا لذاك المقام.

وقد حرص عنترة على الإحاطة بأخبار أستاذه "الحمامة" وأحواله، فراح يشخص مكان الشّجو وزمانه، فتارة يذكر لنا موضع نحيبه: من على الغصون والأيكة والدّوح، كقوله(31):

ولقد ناحَ في الغُصونِ حمامٌ فشجَاني حنينُهُ والنَّحيبُ

وأحيانا يردف الشّاعر ذلك كلّه بذكر عبلة بكاء هذا الحمام وهو ما حل به من حنين إلى الأحبة(32). ويخلص الشّاعر من ذلك كله بإقناع المتلقي أنّ الحالتين: حالة الشّاعر والطّير في تشاطر تام(33):

به مثل ما بي فهو يخفى من الجوى كمَثل الذي أخفِي ويُبدي الذي أبدي

فكلاهما يبكيان على إلف بعيد وفراق أحبة، وهذا التّشاطر سوغ للشّاعر مساءلة الطّير المعلم هذا إن كان لهم رفقاء بهم مثل ما بهم، وإن كان ثمت شخص آخر سبقه في التّتلمذ عليه، فقال(34). ومن هنا يُعلم الشّاعر الطّير انعكاسات شجوه السّلبية عليه روحا وجسما، بمثل قوله(35):

بكى فأعرتهُ أجفانَ عيني وناحَ فزادَ إعوالي عَويلاَ
فقُلتُ له: جَرحتَ صَميم قَلبي وأبدى نوحك الداءَ الدَّخيلا
وما أبقيتَ في جفني دموعاً ولاَ جسماً أعيشُ به نحيلاَ

وهكذا يغدو الشّاعر مضخما ذاته في نرجسية فائقة، ذاكرا الآثار المأساوية لأثر نوح الطّير عليه مبالغا في ذلك أيما مبالغة، من فناء جفن دموعٍ، ونحافة جسم، ونحالة قامة، من شدة البكاء والعويل، ولكن سرعان ما استفاق شاعرنا من هذه الرّومانسية المفرطة، ومن سباطه العميق، حاول عكس اللّعبة من كونه متتلمذا على الطّير إلى أستاذ له، متحديا معلمه متّهما إياه بالتّملق والتّصنّع(36):

لو كنتَ مثلي ما لبثت ملوّناً وهتفتّ في غضن النّقا المتأوّد

وبهذا عكّس الشّاعر اللّعبة وخرج على أستاذه، حين جعله تلميذا له في مثل قوله(37). وهذا يقودنا إلى نوع آخر من التّوظيفات العنترية للطّير اصطلحنا عليه ب"الطّير المتحدي".
جـ - الطير المتحدَى:

الطير المتحدَى: إن هو إلاّ طير آنس به عنترة كثيرا، واتخذه قدوة له في الحب والنحيب والعويل، ولكن من شدة تضخمه لذاته وقوة نرجسيته يتعالى على هذا الطير متجاهلا تعليمه على يديه بادئ ذي بدء، نافيا عنه كل صفات الوجد بأدلة كثيرة(38):

وقد هتفت في جنح ليل حمامةٌ مغردة تشكو صروف زمان
فقلتُ لها لو كُنتِ مثلي حزينة بكيتِ بدمعٍ زائدِ الهملان
وما كنتِ ذي دوحٍ تَميسُ غصونهُ ولا خَضّبت رجلاكِ أحمَر قاني

وبهذا يغلب الشاعر بنرجسيته المتعالية على الطير المسكين الذي صوّره ضعيفا ليتسنى له سلب كل صفات الوجد والهوى منه، إذ كيف يهوى ويعشق وينحب ويبكي على فراق أحبته؛ وهو على فوق غصن رطيب، تميل به الرياح شمالا ويمينا، ذهابا وإيابا، متمتعا بذلك لعبا ولهوا، وكيف يدّعي العشق والغرام؛ وقد أخذ أهبته وعدته كاملة من الزينة كإخضاب الرجل بالأحمر القاني.
د - الطير المسترثي:

وهو نوع من الطير كلّفه عنترة الندب عليه، في مثل قوله(39):

أيا صادحاتِ الأيكِ إن متُّ فاندُبي على تُربتي بين الطُّيور السَّواجع
ونُوحي على من مات ظلماً ولم ينل سِوى البُعدِ عن أحبابِهِ والفَجائع

وبهذا اختتم الشّاعر هذه السّلسلة من السيناريوهات بينه وبين الطير بأوصافه المتعددة، الطير الذي خدع الشّاعر بمظهره بادئ ذي بدء حتى اتخذه أستاذا وقدوة له لما تراءى له التّشابه في الحالة، فإذا به يكتشف خدعة الطّير وتملّقه في الحبّ، فأدار له ظهره واصلا دربه وحيدا فريدا بلا رفيق، بعاطفة قوّية جيّاشة على وتيرة واحدة، إلى أن غدت هذه الأبيات كلها كأنّها مقطوعة واحدة مع أنها مقتطفات من قصائد متفرّقة.

وفي مقطوعة بعنوان "يا طائر البان قد هيجت أشجاني"، جمع فيها عنترة كل أوصاف الطّير المذكورة أعلاها، من تهييج الطّير أشجانه، والحوار معه من أمر ونهي، وطلب النعي والنّدب عليه متى ما مات غما على فراق الأحبّة(40).

وهكذا تغدو أبيات عنترة في الطّير كأنها قصيدة طويلة، أنشأت جملة متسلسلة من حلقة لأخرى، متناسقة متماسكة، كل حلقة أو مشهد تؤدي إلى الآخر، من غراب البين، إلى الطّير المعلّم، ومنه إلى الطّير المتحدّى، ثمّ إلى الطّير المسترثي، فكأنّ هذه أوصاف لطير واحد، التقى به عنترة في الطّريق وهو باحث عن فراق أحبّته، فوقف معه الشّاعر وقفة قصيرة من خلالها التعلّم منه، حتى نافسه وتحدّاه، وأخيرا عند رفع جلسة اللّقاء بينهما أعلمه عنترة قبالته التي هي البحث عن المحبوبة طلبا منه الرثاء في حالة ما لا يرجع من هذا البحث.

الهوامش:
1 - الجاحظ: الحيوان، تح. يحيى الشّامي، دار مكتبة الهلال، 1992م، ج1، ص 537.
2 - ابن قتيبة: الشّعر والشّعراء، تح. أحمد محمد شاكر، دار الحديث، القاهرة 1427هـ- 2006م، ج1، ص 451.
3 - الجاحظ: المصدر السابق، ص 537.
4 - ابن قتيبة: أدب الكاتب، تحقيق محمد محيي الدّين عبد الحميد، المكتبة التّجارية، ط4، مصر 1963م، ص 160.
5 - أبو العلاء المعري: ديوان سقط الزند، دار صادر، بيروت 1957م، ص 8-9.
6 - الجاحظ: المصدر السابق، ص 429.
7 - النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق مفيد قمحية وآخرون، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 1424 هـ-2004م، ج10، ص 178.
8 - الشّنتمري: أشعار الشّعراء السّتة الجاهليين، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 2001م، ج1، ص 34.
9 - ديوان النّابغة الذّبياني، تقديم وشرح د. علي بو ملحم، دار مكتبة الهلال، ط1، بيروت 1991م، ص 139.
10 - ديوان طرفة، دار صادر، بيروت، ص 13.
11 - الجاحظ: المصدر السابق، ص 540.
12 - النّابغة الذبياني: المصدر السابق، ص 139.
13 - نفسه.
14 - الأصفهاني: المصدر السابق، ج22، ص 195.
15 - النّابغة الذّبياني: المصدر السابق، ص 139.
16 - الجاحظ: المصدر السابق، ج3، ص 413.
17 - ديوان عبيد بن الأبرص، شرح أشرف أحمد عدرة، دار الكتاب العربي، ط1، 1994م، ص 87.
18 - الضّبي: المفضليات، تح. أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، ط1، بيروت، ص 87.
19 - أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، تحقيق سمير جابر، دار الفكر، ط2، بيروت، ج22، ص 223.
20 - ديوان عنترة، تح. محمد خداش، دار الغد الجديد، ط1، 2014م، ص 105.
21 - الجاحظ: المصدر السابق، ص 448.
22 - د. أحمد كمال زكي: التشكيل الخرافي في الشعر القديم، مقالة في مجلة كلية الآداب، جامعة الرياض 1977م-1978م، مج5، ص 201.
23 - الجاحظ: المصدر السابق، ج2، ص 339.
24 - عنترة: المصدر السابق، ص 135.
25 - المصدر نفسه، ص 90.
26 - المصدر نفسه، ص 128.
27 - المصدر نفسه، ص 70.
28 - المصدر نفسه، ص 97.
29 - المصدر نفسه، ص 89.
30 - الجاحظ: المصدر السابق، ج3، ص 413.
31 - المصدر نفسه، ص 23.
32 - نفسه.
33 - المصدر نفسه، ص 75.
34 - المصدر نفسه، ص 38.
35 - المصدر نفسه، ص 97.
36 - المصدر نفسه، ص 38.
37 - المصدر نفسه، ص 125.
38 - المصدر نفسه، ص 135.
39 - المصدر نفسه، ص 73.
40 - المصدر نفسه، ص 129.
الإحالة إلى المقال:

* مامادو دامبلي: توظيف الطير في الشعر الجاهلي - عنترة بن شداد نموذجا، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد التاسع عشر 2019. http://annales.univ-mosta.dz

***