آليات الخطاب المسجدي
مقاربة تداولية الشيخ أحمد سحنون نموذجا

د. عبد الله بوقصة
جامعة أحمد زبانة غليزان، الجزائر

الملخص:

يروم الخطاب المسجدي في كلّ عصر ومصر تفسير المسائل العقدية والسلوكية، وتبيان الأسس الإيمانية والتوحيدية، وتشريح الظواهر الأخلاقية والاجتماعية من خلال ما يقدّمه أئمة المساجد، وخطباء المنابر. وهو خطاب أهمّ قدوة فيه هو النبي العربي الكريم محمد - صلّى الله عليه وسلم - معلّم البشرية الأول، ومن بعده صحابته وتابعيه من سلفنا الصالح. رجالٌ على اختلاف أعراقهم ومستوياتهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه وتغلغلوا في عقول المتلقين، وتمكّنوا من قلوبهم بحجج صارمة وأدلة قاطعة من شأنها أن تصل بهم إلى درجات قصوى من الإقناع والاقتناع. فكيف يستثمر الأئمة والفقهاء في وقتنا الراهن آليات التواصل واستراتيجيات الحِجاج من خلال خطاباتهم المسجدية؟ وإلى أي مدى تمكّن الكاتب الجزائري الشيخ أحمد سحنون (1907م-2003م) من توظيف تلك الآليات والاستراتيجيات في كتابه "دراسات وتوجيهات إسلامية"؟

الكلمات الدالة:

الخطاب، المسجد، الحِجاج، التداولية، الإقناع، اللغة.

***
The mechanisms of the mosque discourse
a deliberative approach Sheikh Ahmed Sahnoun as a model

Abstract:

The discourse of the mosque is proposed to settle some religious and moral questions, through the orientations of imams and jurists. How do imams and lawyers use the mechanisms of communication and the strategies of argumentation to their discourses? And to what extent the Algerian writer Ahmed Sahnoun invades the argument to his book "Dirassat wa tewdjihat islamia".

Key words:

Mosque speech, argumentation, pragmatic, persuasion, language.

***

النص:

مقدمة:

للخطاب البشري ضروب متنوعة، وأنواع متعددة، تتفاوت قيمتها الحِجاجية، وتتباين كفاءاتها الإقناعية. لكنّ الخطاب المسجدي الذي يؤديه أئمة المساجد، ويتعاطاه فقهاء المنابر الإسلامية يظلّ شديد الخصوصية من حيث بنياتُه وأساليبُه وأفكارُه. ذلك لأنه خطاب منجز منطوق يستهدف السماع أكثر من كونه نصا مكتوبا يتقصّد القراءة. ولعلّنا نلحظ ذلك بجلاء في الخطب المنبرية التي ألقاها الشيخ أحمد سحنون. وقد نشر مجموعة منها في كتابه "دراسات وتوجيهات إسلامية".

ويروم الخطاب المسجدي في كلّ عصر ومصر تفسير المسائل العقدية والسلوكية، وتبيان الأسس الإيمانية والتوحيدية، وتشريح الظواهر الأخلاقية والاجتماعية من خلال ما يقدّمه أئمة المساجد، وخطباء المنابر.

وهو خطاب أهمّ قدوة فيه هو النبي العربي الكريم محمد - صلّى الله عليه وسلم - معلّم البشرية الأول، ومن بعده صحابته وتابعيه من سلفنا الصالح. رجالٌ على اختلاف أعراقهم ومستوياتهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه وتغلغلوا في عقول المتلقين، وتمكّنوا من قلوبهم بحجج صارمة وأدلة قاطعة من شأنها أن تصل بهم إلى درجات قصوى من الإقناع والاقتناع.

فكيف يستثمر الأئمة والفقهاء في وقتنا الراهن آليات التواصل وإستراتيجيات الحِجاج من خلال خطاباتهم المسجدية؟ وإلى أي مدى تمكّن الشيخ أحمد سحنون من توظيف تلك الآليات والاستراتيجيات في كتابه "دراسات وتوجيهات إسلامية"؟

1 - تشكيل السياق في كتاب دراسات وتوجيهات إسلامية:

انبرى الكاتب الجزائري الشيخ أحمد سحنون(1) إلى تأليف كتابه "دراسات وتوجيهات إسلامية"(2)، وهو عبارة عن فصول دينية واجتماعية من الخطب المنبرية ألقاها الشيخ في منابر إسلامية متعددة وبمناسبات مختلفة. وقد نشر بعضها في جريدة "البصائر"، فباركها معظم شيوخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وحازت ثناء الشيخ العلاّمة الفضيل الورتلاني(3) الذي خصّها بتقريظ رائع بعث به من مكان إقامته بمصر الشقيقة آنذاك.

وها هي ذي خطب الشيخ أحمد سحنون ووصاياه قد جُمعت وأُصدرت في كتاب "دراسات وتوجيهات إسلامية"، الذي ارتأينا أن نتّخذه مدونة تطبيقية لبحثنا هذا، مقاربين إياها بمنهج لساني تداولي، مركزين على اقتفاء الملامح الحِجاجية فيها. ونحسب أنّ هذه الخطب حدث كلامي، تشكّل فيه اللغة الطبيعية الوسيلة المثلى للتواصل. ولكي ينجح هذا التواصل ينبغي أن تستند هذه اللغة إلى ضوابط مساعدة أهمّها السياق. إذ يضطلع هذا السياق بوظيفة تحديدية مهمّة للدلالة المقصودة من المفردة في تركيبها. لذا وجب الاهتمام في مثل هذا الحدث الكلامي بكلّ من رسالة المتكلّم وتلقي المخاطب، وكذا الظروف المحيطة بذلك.

وإذا تمعننا في قراءة النماذج المبثوثة بين طيات مدونتنا، سرعان تتملكنا الدهشة حيال إشكالية تجنيسها. فهي نماذج أدبية راقية تتراوح بين الرسائل والوصايا والخواطر والخطب. لكنّها تتضمّن حركية إبداعية تتطلب قراءة جادة وتلقيا جيدا. ممّا يسمح للخطيب المتكلم أن يؤثّر في جمهور المتلقين، لأنّ الغاية التي ينشدها هي إقناعهم، والهدف الذي يصبو إليه هو محاججتهم المفضية إلى اقتناعهم.

ولعلّ الأدوار الإيجابية المنوطة بالقراء بصفة عامّة، والخطوات الحاسمة المتروكة للباحثين على وجه الخصوص، هي جعل مادة هذا الكتاب حيّة تعيش معيشة الأحياء في سلوكهم وأعمالهم، وأقوالهم وأفعالهم. وذلك بإسقاط يومياتنا بمرّها وحلوها على المدونة، ومحاولة تطبيق منطوقاتها ومفاهيمها. وبذلك نعطي مدونة بحثنا قيمتها الحِجاجية ووظيفتها التداولية، ونسعى من أجل إبراز أثرها العملي في الواقع المعيش.

2 - الخطاب المسجدي بين المرسل والرسالة:

ثمّة علاقة وطيدة بين المرسل والرسالة التي يقدّمها إلى متلقيه. فالمرسل هو مصدر الرسالة التي من شأنها أن تعزّز العناصر الأساسية لعملية التواصل (المرسل، الرسالة، المتلقي، القناة، التأثير) في الموقف التواصلي. والحديث هنا يجرنا إلى ضرورة تحديد مصطلحيْن من الأهمية بمكان في موضوعنا هما: المرسل (الخطيب)، والرسالة (الخُطبة).
أ - المرسل:

لعلّ المرسل هو العنصر الأساس من عناصر العملية التواصلية. كما أنه منطلق الرسائل ومصدر الخطابات، ومنه يبدأ تفاعل الموقف الاتّصالي. فالإمام الخطيب في خطابه المسجدي هو الذي يقوم بصياغة الرسالة ووضعها في شكل ملفوظات حِجاجية ضمن مكوِّنات لسانية وصفية، ذات أبعاد تداولية داخل إطار اللغة ذاتها. ولا يخضع تأويل هذه الملفوظات لقوانين منطقية ولا لقواعد استنتاجية، ولكنّها تنضوي تحت مواقع حِجاجية مشتركة. وفي مثل هذه المواقف يكون التمايز بين اللغة بعدّها مؤسسة اجتماعية، والكلام بوصفه استخداما فرديا خاصّا لها(4).

ذلك لأنّ الكاتب الإمام الخطيب في منابر المساجد ينتهج نهج تفسير الأفكار الأساسية بوصفها نتائج، ثمّ يشرع في شرح الجزئيات المتفرعة عنها، والمنحدرة منها على أنها حجج مدعمة لها في أول الأمر من الحديث، ومفضية إليها في نهايته. وما سلوك الخطيب المسجدي هذا السبيل إلاّ لكونه مرتبطا بزمن مخصوص، ولتركيزه على الموضوع المختار الذي يؤدي الإلمام به دورا مهما في طريقة التناول ونوعية المعالجة. ناهيك عن امتلاك هؤلاء الخطباء الثقافة الإسلامية والكفاءة النقاشية، ممّا يمكّنهم من السيطرة على المواقف اللغوية الشفهية والارتجالية في أحايين كثيرة.

والكاتب هو الذات المتكلمة المتمكنة من فاعلية الكلام باستخدامها شيفرة اللسان قصد التعبير عن فكرها. ويمكننا عدّ ما يقوله الإمام الخطيب على منابر المساجد كلاما متجاوزا درجة الإبلاغ إلى الإمتاع، وهو بذلك يصنّف خطابا. ويكون هذا الكاتب الخطيب المتكلم في سعي حثيث إلى إيصال أفكاره وتغيير محيطه.
ب - الرسالة:

الرسالة جملة المعلومات التي يرسلها المرسل إلى المتلقي لتعديل سلوكه. ويمكن صياغتها بطرائق شتّى لغوية وغير لغوية. وتمرّ الرسالة اللغوية بمرحلتيْن متتاليتيْن هما: التصميم والتنفيذ. وفي ضوئهما يتمّ التأثير والتعديل، تبعا للموقف الاتّصالي.

ورسالة الأئمة الخطباء في المساجد أقوال تقال قصد إنجاز أفعال. فهي إذن ذات طابع لساني تداولي بامتياز. وإذا عددنا الكلام قولا، كما ذهب بنفنيست (Emile Benveniste)، فإنّنا نردّ هذا الكلام إلى "الفعل الناتج ضمن أحوال سياقية معينة"(5)، من شأنها أن ترتقي بدراسته ومعالجته. كما يمكننا بهذا الصدد عدّ الكلام خطابا، لغته تتعدّى المعنى الحرفي المعجمي إلى نظيره السياقي المتنوع حسب المقامات، والمنفتح على الأحوال. وبالنظر إلى المرسل إليه، يتجسّد مفهوم الخطاب في ذلك "الملفوظ الموجه إلى الآخرين، لإفهامهم قصدا معينا... كما أنه ذلك الشكل اللغوي الذي يتجاوز الجملة"(6).

3 - آليات الخطاب المسجدي:

ينبري الخطاب المسجدي من خلال وظائفه التواصلية إلى التعبير عن مقاصد معينة، وتحقيق غايات محدّدة، إذ تبرز في الخطاب مقاصد كثيرة قد تظهر مباشرة من شكل الخطاب وقد لا تظهر، وعندها تصبح لغة الخطاب شكلا دالا يقود إلى المدلولات الثانوية خلفه من خلال المعطيات السياقية، والعلاقات التخاطبية، والافتراضات المسبقة التي يعيها المتكلّم أو يفترض وجودها، فيبني لغة خطابه عليها، كما يدركها المتلقي ليستدلّ على المقاصد من خلالها. ويتوخّى المرسل لتحقيق ذلك خططا معينة، هي التي يمكن أن نطلق عليها آليات أو استراتيجيات.
أ - الإقناع:

وهو بمثابة الخطة العملية الخطابية التي يهدف من خلالها الخطيب إلى تسخير المخاطب لفعل سلوك معين أو تركه، بتوجيه مقنع مستند إلى أدلة كافية وحجج مقبولة. ولا شكّ أنّ لاستراتيجية الإقناع قيمة مهمة يحتاجها كل الذين يخاطبون عقول الناس وأفكارهم، ويرتجون جذب انتباههم تجاه تعديل سلوكهم نحو الهدف المرجو. وثمّة مسوغات جمة تحمل المرسل على اعتماد استراتيجية الإقناع أهمّها ما يأتي:
- تأثيرها التداولي في المرسل إليه أقوى، ونتائجها أنجع، لأنها ناجمة من حصول الاقتناع عند المرسل إليه، كما أنّها تنأى عن الجبر أو الإكراه.
- تمايزها عن غيرها من الاستراتيجيات المتاحة كالإكراهية، والذاتية.
- اشتغال الخطاب فيها بشكل تكافئي بين طرفيه (المرسل، المرسل إليه) عن طريق توظيف الحِجاج، فالحِجاج شرط مهم من شروط التداول اللغوي، فالمرسل "عندما يطالب غيره بمشاركته اعتقاداته، فإنّ مطالبته لا تكتسي صبغة الإكراه، ولا تدرج ضمن منهج القمع، وإنّما تتّبع في تحصيله سبلا استدلالية متنوعة تجرّ الغير جرّا إلى الاقتناع"(7).
- الرغبة في تحصيل الاقتناع، إذ يغدو الهدف الأسمى لجلّ أنواع الخطابات.
- إبداع السلطة، فالإقناع سلطة عند المرسل في خطابه، ولكنّها سلطة محمودة إذا استطاعت أن تقنع المرسل إليه، إذ لا تحقّق استراتيجية الإقناع نجاحها إلاّ عند التسليم بمقتضاها إمّا قولا أو فعلا ممّا يجعل الإقناع سلطة محمودة. و"دفع المخاطَب إلى العمل بها يكون إمّا بقوة الحُجّة أو بالسلطة"(8).
- شمولية استراتيجية الإقناع، فهي تُمارَس على كافة الأصعدة مهما تباينت مستويات مستعمليها (مسئولون، موظفون، عمال، بطالون، رجال، نساء، أطفال).
- أهدافها ذات طابع تربوي، فهي تُستعمَل كثيرا في الوعظ والإرشاد، وهذا يرجع إلى الأثر الذي يحدثه المرسل في المرسل إليه.
- جهل المرسل إليه المسبق بدعوى المرسل، وبحُججه.
- الحذر من سوء تأويل الخطاب.
- الفراغ الذهني المبدئي من القيم الحِجاجية المطروحة، إذ التسليم من طرف طرفي التواصل يجيء تدريجيا مع تنامي الخطاب وتبادله وتداوله.

يقتضي التواصل وجود طرفين هما المتكلّم (المخاطِب) والمتلقي (المخاطَب)، يرمي أحدهما إلى تحقيق التأثير في الآخر، وتبرز فيه الأدوات والآليات التي ينتقيها أحدهما ويوجّهها إلى الآخر الذي يؤولها. قد تظهر بشكل واضح ومباشر، وقد لا تظهر، وعندها تكون مضمرة في معطيات سياقية، وافتراضات مسبقة وتلميحات يدركها المخاطِب أو يفترض وجودها فيبني كلامه عليها، ويصل إليها المتلقي بمعونة السياق والقرائن، ولتحقيق ذلك يتبنى المخاطِب طرائق مخصوصة ومبادئ معينة، تنعت بالاستراتيجيات، تجسّدها كفاءته اللغوية.

يولي الإمام الخطيب المسجدي اهتماما بالغا بالخطاب الحِجاجي، ذلك أنه يرى فيه الأداة الأقوى لإقناع حشود الجماهير، والانتصار لأفكاره والتحفيز لمشاريعه وإكسابها المصداقية. فيجنّد لذلك كافة التقنيات والآليات اللغوية لإقناع الآخر وجعله يفهم الرسالة، وبالتالي تغيير موقفه من الأشياء، ثم دفعه إلى اتخاذ ردّ فعل من الواقع كما هو شأن الكاتب الإمام الخطيب الشيخ أحمد سحنون. ولتحقيق الفاعلية التأثيرية الإقناعية للغة يستعين بجملة من الاستراتيجيات تتنوع بين الصريح والضمني.
ب - التضامن:

يوظفه المرسل لتوضيح علاقته بالمرسل إليه. ويسعى من خلاله إلى توطيد أواصر الاحترام المتبادل بين طرفي التواصل (المرسل والمرسل إليه)، وإزالة الحواجز بينهما. وبعبارة أدقّ هو تعبير الملقي عن إمكانية التقرب من المتلقي، وتقريبه(9). ويتمظهر هذا النوع من الاستراتيجيات غالبا في مستهل كل خطاب ضمن عبارات بعينها من قبيل: "يا أيها الإخوة والأخوات، يا أيها السيدات والسادة، يا معشر المسلمين، يا أيها المستمعون..." يلفظها الخطيب مجردا من كلّ استعلاء على جمهوره، ولسان حاله يردّد: أنا وأنتم في الهمّ سواء. وما توظيفه صيغ النداء إلاّ لكونها تنبيها بالمشاركة الكلامية بين المرسل والمتلقي، وإيحاء بالقرب المعنوي بينهما.

ويستغل الشيخ أحمد سحنون هذه الاستراتيجية التضامنية في قوله: "ومن يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشد"(10). ومع تنامي توظيفه لها، نجده ينزاح في خطابه من ضمير المتكلم المفرد (أنا) إلى ضمير المتكلمين بصيغة الجمع (نحن)، الذي يحيل إلى الوصل المعنوي بين (أنا وأنتم) بالرغم من الفصل المادي بينهما. ويبدو أنّ الخطيب لجأ إلى هذا الأمر من أجل توحيد الأهداف بين طرفي الخطاب، في سبيل بلوغ تواصل جماعي ناجح بينه وبين جمهوره.

وقد أتاح هذا التواصل الانفعالي بين الخطيب ومتلقيه قوة خطابية إقناعية، من شأنها أن تحفّز القارئ على القراءة، مثلما تجبر السامع على الإنصات. ويستمرّ تصاعد الوظيفة الانفعالية الإغرائية للخطاب نحو تضامن منشود بين المرسل والمرسل إليه، وذلك عندما ينصهر الخطيب في بوتقة جمهوره. ويشاركهم سراءهم وضراءهم، وكذلك لمّا يلهج بالقول، مستعملا ضمير المتكلمين (نحن): "نسخناها بعملنا... ولا نسكت إذا سكتن"(11).
جـ - التوجيه:

وتجلّى في خطابات الشيخ أحمد سحنون من خلال بعض الأوامر والنواهي ذات الطابع الودي. إذ إنّها تنأى عن السلطوية الصارمة المعتادة بين الراعي والراعية. فالخطيب لا يفتأ يعلي من شأن المتلقي، مانحا إياه قدرا من المشاركة والاختيار والحرية في عملية التلقي، بعيدا عن كلّ أشكال الاستعلاء والسيطرة والجبر والإكراه. وذلك في مثل قوله: "فلينفق كلّ ممّا عنده"(12).

ودأب المتكلّم أن يحاول تمتين حبل المودة بينه وبين المخاطبين بدعوتهم إلى الاعتبار بسنة الرسول - صلّى الله عليه وسلم - وصحابته المهديين. على نحو ما قال الشيخ أحمد سحنون في خُطبته: "وليذكر المؤمن أنّ كلّ إنسان رهين بعمله"(13).

ولعلّ السلطة المعنوية الوحيدة التي امتلكها المتكلم هي هيبته بوصفه إماما خطيبا، ممّا خوّل له التنحي عن الكلام التقريري المباشر إلى نظيره الإنجازي ذي الدلالات المكثّفة. بقوله: "ولكن لنذكر قبل كلّ شيء أنّ صلاح الألسنة من صلاح القلوب. فلنصلح قلوبنا لنستطيع إصلاح ألسنتن"(14). ومن المسوغات التي سوغت للخطيب توظيف استراتيجية التوجيه: رغبته الملحة في نقل تجاربه النضالية ضدّ بطش الاستدمار، وخبراته الوعظية في منابر المساجد.
د - التلميح:

تراوح خطاب الشيخ أحمد سحنون بين نمطين متباينين:
الأول: نمط تقريري مباشر، تستند ألفاظه إلى المعاني الحرفية والمعجمية. فلا تكلّف المتلقي إجهادا ذهنيا من أجل تلقيها واستيعابها.
الثاني: نمط إنجازي غير مباشر، مكثّف الدلالات، وزاخر بالانزياحات. ممّا يستدعي من المتلقي جهدا فكريا لإدراك كنهه وتأويل معناه.

ويزداد الأمر خصوصية، إذا علمنا أنّ المتلقي في الخطاب المسجدي يختلف كثيرا عن غيره من المتلقين. فهو جمهور غير متجانس أبدا يجمع أفرادا من كلّ فئات المجتمع، ومن مختلف الأعمار، والمستويات.

لذلك بات من الصعوبة بمكان تحقيق الأهداف الحِجاجية أمام هذا الزخم من الجماهير، إلاّ إذا تضافرت الآليات اللسانيات التداولية، والملفوظات اللغوية الإقناعية، والحجج المنطقية العقلية، والأدلة الشرعية النقلية. إضافة إلى الملامح المضمونية والشكلية أخرى التي يلجأ إليها الخطيب من نبر وتنغيم وإشارات وإيماءات... وغيرها.

وندعو النمط الخطابي الثاني غير المباشر الاستراتيجية التلميحية أو ما يطلق عليه في تراثنا البلاغي العربي معنى المعنى(15). وعندما يحسن الخطيب توظيف هذه الاستراتيجية يكون أمام مهمة تحقيق الخطاب في معناه الشامل. ومن الصور البلاغية التي استثمرها الشيخ أحمد سحنون في خطابه التشبيه البليغ في قوله: "الناس أوعية... ومن كان وعاء للخير فلا يصدر منه إلاّ الخير"(16). إلى جانب توظيف العديد من الآليات اللغوية. مثل: أداة التوكيد (إنّ) في مواضع كثيرة منها: "إنّ إصلاح الألسنة منوط بإصلاح القلوب" و"إنّ الكلام لفي الفؤاد" و"إنّ أبغضهم إليّ الثرثارون..."(17)، ليحاجج جمهوره بين الفينة الأخرى مؤكدا أقواله، ومعزّزا خطابه بعناصر التشويق ولمسات الإمتاع.

كما استغل الخطيب الأداة (إنّما) التي تدلّ على الحصر، وتحقّق الإيجاز، وترمي إلى التأثير في التلقي. مثل قوله: "فليس صلاح اللسان كما نفهمه اليوم...، إنّما صلاح اللسان في النطق بما يليق..."(18) حيث يبدأ الجملة بالنفي بواسطة الفعل الجامد (ليس)، ثمّ ينعطف إلى الإثبات بالأداة (إنّما)، ليحصل على أسلوب حصر، سرعان ما يوظفه لغرض تأكيد ما ذهب إليه.

واستثمر الخطيب أيضا ألوانا أخرى من البديع الذي ظلّ لحقبة زمنية طويلة مرتبطا بالوظيفة الشكلية المتمثلة في تحسين الكلام وتنميقه. لكنّه عاد من خلال نظريات الحداثة وما بعدها، ليؤدي دورا حِجاجيا. فصنوف البديع من جناس وطباق ومقابلة وغيرها ليست اصطناعا للتحسين والزخرفة فحسب، وإنّما هي أصلا أساليب للإبلاغ والتبليغ(19). ومن ألوان البديع التي أوردها أحمد سحنون في خطابه طباق الإيجاب في قوله: "وهل يستقيم الظلّ والعود أعوج"(20) وذلك لتبيان مدى سوء الأحوال التي آل إليها المجتمع الجزائري في تلك الحقبة. وهو بموازنته هذه بين السلوك الحسن (مستقيم)، ونقيضه القبيح (أعوج)، إنّما يسعى إلى إقناع جمهور المتلقين بالقيمة الحِجاجية للخطاب الذي يتلقونه.

خاتمة:

ختامًا، لا يسعنا إلاّ أن نقول إنّ استثمار المقاربة التداولية في تحليل الخطاب المسجدي، وتوضيح استراتيجياته المختلفة من تضامن وتوجيه وتلميح وإقناع يعدّ أمرا محمودا في الدرس اللساني الجزائري. كما أنّ اختيار مدونة تطبيقية جزائرية مثل كتاب "دراسات وتوجيهات إسلامية" نحسبه مسألة إيجابية على مستوى تحليل الخطاب الأدبي الجزائري.

وثمّة رسالة لغوية حِجاجية ينهض عليها الخطاب المسجدي، قوامها الخطيب بوصفه محاججا، فالخطاب بعدِّه استراتيجيات تخاطبية، ثمّ الجمهور المتلقي بإكسابه إقناعا واقتناعا. فالإمام الخطيب على منبر المسجد لا يستهدف إصغاء المأموم السامع فقط، بل يروم تعديل سلوكه الديني والدنيوي.

إنّ خطابات الشيخ أحمد سحنون المبثوثة في ثنايا كتابه "دراسات وتوجيهات إسلامية" يمكن إسقاطها على الحياة اليومية للجمهور المتلقي، واستثمارها في واقعهم المعيش.

ليس الخطاب المسجدي في حقيقة أمره شعارات وأقوال، بل سلوكات وأفعال. فهو التزام بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وتأدّب بآدابه السمحة.

الهوامش:
1 - كاتب وشاعر وإمام وخطيب جزائري مشهور، من مؤلفاته: - ديوان الشيخ أحمد سحنون. - كتاب "دراسات وتوجيهات إسلامية". - كتاب "كنوزن". - ديوان "حصاد السجن". - ديوان "تساؤل وأمل".
2 - أحمد سحنون: دراسات وتوجيهات إسلامية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1981.
3 - هو الفضيل بن محمد حسين الورتلاني، من أعلام جمعية العلماء الجزائريين، رحل إلى مصر، ودرس بالأزهر الشريف، وانضمّ إلى هيئة التدريس فيه.
4 - ينظر، فرديناند دي سوسير: محاضرات في الألسنية العامة، ترجمة يوسف غازي ووحيد النصر، المؤسسة الجزائرية للطباعة، الجزائر 1986م، ص 19.
5 - ذهبية حمو الحاج: لسانيات التلفظ وتداولية الخطاب، دار الأمل، تيزي وزو، ص 14.
6 - عبد الهادي بن ظافر الشهري: استراتيجيات الخطاب، مقاربة لغوية تداولية، دار الكتاب الجديد، بيروت 2004م، ص 37.
7 - طه عبد الرحمن: في أصول الحوار...، المركز الثقافي الغربي، الدار البيضاء 2000، ص 38.
8 - حسان الباهي: الحوار ومنهجية التفكير النقدي، دار إفريقيا الشرق، الدار البيضاء 2004، ص 224.
9 - ينظر، عبد الهادي بن ظافر الشهري: استراتيجيات الخطاب...، ص 227.
10 - أحمد سحنون: دراسات وتوجيهات إسلامية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1992، ص 22.
11 - المصدر نفسه، ص 21.
12 - نفسه.
13 - المصدر نفسه، ص 22.
14 - نفسه.
15 - ينظر، عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ص 263.
16 - أحمد سحنون: المصدر السابق، ص 21.
17 - المصدر نفسه، ص 20.
18 - نفسه.
19 - ينظر، طه عبد الرحمن: مراتب الحجاج وقياس التمثيل، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة فاس، العدد 19، 1987، ص 18.
20 - أحمد سحنون: المصدر السابق، ص 20.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد الله بوقصة: آليات الخطاب المسجدي - مقاربة تداولية الشيخ أحمد سحنون نموذجا، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد التاسع عشر 2019. http://annales.univ-mosta.dz

***