المخيال الصوفي وإنتاج المعنى
قراءة في الرمز والإشارة

طارق زيناي
المركز الجامعي ميلة، الجزائر

الملخص:

إذا كان المخيال الصوفي يتجلّى كنمط أو شكل من أشكال الوعي المستبطن، فقد استطاع أن يؤسس العلاقة بين البيان والعرفان، مما انعكس على تفعيل المعنى الصوفي وإنتاجه وتوليده ضمن هذه العلاقة، ولعل مفاهيم الرمز والإشارة قد أسهمت في بلورة هذه العلاقة، ودفعت بالخطاب الصوفي إلى بناء هوية أدبية ومعرفية متعالية ومتجددة، بما تحمله من قابلية على مراوغة القارئ، ودفعه إلى ممارسة فعل القراءة والتأويل، بوصفها علامات سيميائية، لها قابلية غير محدودة على البوح بالمسكوت عنه من المعنى المستبطن بين طبقات النص.

الكلمات الدالة:

المخيال، العرفان الصوفي، المعنى، الرمز، الإشارة.

***
The mystic imagination and the production of meaning
reading in the symbol and the signal

Abstract:

If the mystical imagination is manifested as a pattern or form of implicit consciousness, it has been able to establish the relationship between the statement and the gratitude, which has been reflected in the activation of the mystical meaning and its production and generation within this relationship, and perhaps the concepts of symbol and reference contributed to the crystallization of this relationship, The construction of a high and progressive literary and cognitive identity, with the ability to evade the reader, and to induce him to practice reading and interpretation, as semiotic signs, with an unlimited ability to express silence from the meaning hidden between the layers of text.

Key words:

imagination, Sufism, meaning, symbol, sign.

***

النص:

إن محاولة تتبع مفهوم الرمز والإشارة في المعطى الفكري والفني الصوفي، يفتح مسارات متعددة تقوم على نوع من التكامل البنيوي، المنطلق من رؤية عرفانية جامعة يستبطنها المخيال الصوفي، بما يقدّمه من قابلية الانفتاح المستمرّ على التجربة الإنسانية في مستوياتها المختلفة، ولا يمكن الحديث عن الرمز والإشارة إلا باستحضار الخصوصية اللغوية للمصطلح الصوفي إجمالا، فالمتأمل في نقود الدارسين للبنيات التكوينية للنص الصوفي، يدرك أنّ أصحابها "لم يتبنوا قط الخصوصية الإنتاجية، التي تميّز بها هذا المصطلح، والتي تتجلى في أمرين أساسيين هما: قوة التأثير وقوة التوليد"(1).

فقوة التأثير: تتأتَّى له بوصفه يتجاوز المستويات المباشرة للذات المتلقية، إذ هو يخاطب فيها جوهرها، يخاطب لطافةَ الرُّوح فيها، عبر مساراتها الباطنية، فهذا المصطلح بطبعه له قابلية لا متناهية في مخاطبة ميتافيزيقا الروح الإنسانية، وتبلغ قوة التأثير فيه حدًّا مضاعفا عندما يُوظّف في سياقات فنيّة متعالية، كما في الرمز والشطح والإشارة، وفي المنجزات الأدبية عموما.

أمّا قوة التوليد: فيظهر من خلالها المصطلح الصوفي لا كغيره من المصطلحات الأخرى يقوم على آلية استدعاء فضاءات جمالية وعرفانية تتلون بحسب أذواق المتكلمين بها، لأن الصوفي ذاتٌ تمتح من قرآنين؛ ناطق وصامت، أحدهما كلام الله المرقوم(2) الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، سورة فصلت، الآية 42، والآخر هو تجليات الله في أكوانه جلالا وجمالا، فمصطلح - هذا حالُهُ - يتوسَّل فيه صاحبه بالعصمة القرآنية وجلال وجمال الأسماء الإلهية السارية في الوجود، لخليقٌ به أن يكتسب قوة التجدُّد والانطلاق والنضارة المستمرة الخالدة.

إنّ اللغة في التجربة الإبداعية الصوفية تتغيّا توسيع مدارات الرؤية، هذه الأخيرة تشكّل هاجسا حقيقيا للمخيال المجسّدة فيه، لأنها قائمة على نزوع مستمرِّ لطلب وقصد ما وراء المحدودِ والمعدودِ، فهي تجربة تجاوز لجميع الفضاءات المكانية والزمانية، تتداعى فيها الرؤى والأخيلة عبر حتمية "الانتساب إلى لغة المطلق، أو إحراز صلة به، والانقطاع عن اللغة المتداولة والإعراض عنه"(3)، وفيما يأتي محاولة مقاربة وقراءة الرمز والإشارة ضمن المخيال الصوفي، ومحل إعرابها من إنتاج المعنى:

1 - الرمز في الفكر الصوفي:

إن تمركز الصوفي حول نسق كلامي متعال كالرمز جعله يعيد إنتاج علاقة الدال بالمدلول، حيث أضحت تنتظم سلسلة جديدة من الدلالات ذات الخصوصية العرفانية، التي بها تمكّنت الكتابة الصوفية من أن تجد لها محل إعراب، له خصائصه التكوينية والروحية، التي نأت به عن الإكراهات المتتالية للمؤسسات السوسيو ثقافية، التي تغذّي فكرة التمركز حول سلطة النص في مستوياته السطحية الظاهرة، ونموذجه النمطي المتداول، واستبدلت هامشا بمركز ثابت الأركان؛ استطاعت من خلاله زعزعة البنية المعرفية وخطابها الدّوغمائي السائد، ووسعت الشُّقَّة بين الأنساق الكلامية المستحدثة وبين المتلقي المصدوم بعدم امتلاكه أدوات قرائية فاحصة تمكّنه من فهم العرفان ورؤية يستطيع من خلالها اختراق آفاق هذه النصوص المتعالية.

فالخطاب الصوفي نظامٌ كونيٌّ يتجلى في أثواب رمزية بعدد أنفاس أصحابه، لأنه يمارس سلطته كانعكاس للوعي الذاتي للمبدع، ما يجعل منه كيانا خاصا يتجدد مع كل تجربة شعورية يعيشها، الأمر الذي يجعل من محاولة استكناه دلالاته أمرًا من الصعوبة بمكان، لأنه قائم على جدلية كونية بينه وبين مؤوله، تقول أسماء خوالدية مبرزة العلاقة بين القارئ والرَّاموز الصوفي: "لمّا كان الرمز كتوما ضنينا بمضامينه، فإنّ جهد القارئ يكون مضاعفا؛ إذ ليس تدبّره منحصرا فيه، بل يمتدُّ إلى مداليل أعمق يستنبطها من المسكوت عنه"(4).

لقد باتت عملية الاستشراف والتأمّل الدائمين لحركة وطبيعة النفس البشرية بالنسبة للصوفي، تمكّنه من إعادة إنتاج حالات نفسية وروحية، ما يكفل له عدم التقيد بالعوالم الدلالية المحدودة، حيث إن تفعيل الرمز في منظومة الخطاب الصوفي يعطي حركة كبيرة للنص من أجل التجاوز والاختراق، وبناء أنموذج إبداعي/معرفي يجسّد ويرسم ملامح هوية التجربة الصوفية القادرة على العروج المكثّف للمعنى إلى مدارج التجريد المستعصي والمتأبِّي على اللغة المباشرة.

لاشك أن الكلام عن ماهية الرمز الصوفي وطبيعته يحتم التطرُّق إلى التجربة الروحية ذاتها، إذ إنّها في علاقة تلازمية مع البناء الرمزي، فهي الدافع الفطري له، الذي بوسعه إعادة إنتاج هوية معنى مفارق يقوم على تأسيس واقع معرفي جديد، يخرج عن حدود وضيق المعاجم والمفردات إلى سعة الحقائق والأسرار والتجليات، لأنه يتناول محدِّدات العلاقة بين اللغة والوجود من خلال الطبيعة المتعالية للتجربة الصوفية.

ولمّا كان الرمز على حد تعبير أدونيس: هو "اللغة التي تبدأ حيث تنتهي لغة القصيدة"(5)، فإنّه لا يحمل نوعا من الانكفاء على الجهاز اللغوي والدلالي في مستوياته الظاهرة، بل هو يعيش رحابة الانفتاح على الأبعاد المتعددة، ذات البنيات المعرفية، التي تجيد لعبة تحريك المعنى وإنتاجيته، وفق حجم الكثافة الماثلة في دلالات الخطاب الصوفي، واللّطافة المحددة لمسارات التواصل والتداول، بما يتناسب والهوية الروحية لمتلقي هذا الخطاب، أي أنّه كلما اقتربت المسافة الروحية بين العبد وربّه كلّما تباعدت مسافة التوتر بين الدال والمدلول في الرمز الصوفي.

إن الخطاب الأدبي غير المأدلج أو الموجّه نجد فيه حرية في إيجاد المقابلات الدلالية للرموز المختلفة، لأن السياق فيها - عادة - هو الذي يتحكم في طبيعة إنتاجية المعاني فيه، لكنّنا عندما نكون "إزاء لا نهائية غير قابلة للتحكم كتلك التي تميز الرمز الصوفي"(6)، حينها فقط ندرك حجم المفارقة بين الرمز الأدبي المجرّد والرمز الصوفي، وما يمتلكه هذا الأخير من سلطوية قادرة على الفرار المستمر من أية مراقبة/مقاربة خارج نطاق الفكر الذي تتبنّاه، والتي تجعل في - الغالب - من يريد القبض على المعنى واقعا في حتمية الاندماج في الحلقة الصوفية، حتّى تتيسر لديه أدوات التأويل ووسائل القراءة، لأنه في هذه الحالة فقط لديه قابلية الفهم.

إن ّالرمز في تحققه العادي يتخذ من العالم مصدرا يمتحُ منه صوره، ويلتمس منه خبرته، ويرسم من خلاله الإنسان عالمه الموازي والخاص، أنه على حسب توصيف أدونيس: "إضاءة للوجود المعتم، واندفاع صوب الجوهر"(7)، بيد أن الرَّمز الصوفي المتجاوز للنظرة النمطية المحدودة للعالم في مستوياته المباشرة، يتميّز بنوع من الخصوصية الرؤيوية والأداتية، لا يقوم على الاعتراف بوجود قائم بذاته منفصل عنه؛ تحكمه علاقة فعل وانفعال من خلال فعل المحاكاة أو إعادة ترتيب مكوناته أو استلهام صوره على حسب مقتضيات حركة الوعي لديه، بل يقوم على نوع من التّماهي والاتحاد به، بحيث تتعطل معه الحواس وينطمسُ من خلاله الإدراك، حتى تصبح علاقة الصوفي بالوجود علاقة الروح بالجسد والدال بالمدلول، فهو في قربه منه واتحاده به مصدر قلق دائم، ورغبة جامحة في الاغتراب عنه، فهو مندمج فيه ظاهريا مباين له باطنيا، لأنه يحجبه عن رؤية الحق، وتشغله صوره عنه، إلَّا أن يكون مظهرا وتجليا يستلهم من خلاله الأسرار الإلهية والفتوحات الربّانية.

إنّ المتأمل لعلاقة الصوفي بالوجود في مستواه الروحي، والمعبّر عنه بالأنساق الرمزية المختلفة، التي تنشد تقديم توصيف ومعرفة؛ هي "حال لا ثبات لها، أي لا نهاية، فهي معرفة ترفض المسبق والمغلق، معرفة تُشعِرُ أنها ما تزال ضيقة بقدر ما تتسع، فكلما ظنّنا أننا اقتربنا بها من الطمأنينة ازددنا حيرة"(8).

ومع هذا العجز عن إدراك هذه الحقائق، يمكن أن تتمظهر الرُّموز الصوفية في علاقتها مع الوجود في الأشكال الآتية:
أ - الاندماج الكلي والتّماهي مع الوجود لا مجرّد تقديم انطباع وتوصيف.
ب - العطاء المستمر لهذا الوجود من خلال إعادة إنتاجيه عبر استبطان تجلياته لا الأخذ السطحي لمرآويته الظاهرة، فاللغة الرمزية بهذا المعنى "تستوي حاضنا جامعا لعلاقة الصوفي بالمطلق لا قيام لها خارجه، ولا تحقق لها إلّا بشرطه، ومن داخل ما يوفّره وينطوي عليه من قابليات التفاعل والنمو والتحول"(9).
جـ - تطويع اللغة واعتبارها أداة خلق تتوازى حروفها مع أسرار الكون ومظاهره.

إن الاستبطان لتجليات الجمال الإلهي في الوجود يتساوق مع مفهوم الرمزية، التي تجعل العالم المشهود والصور المحسوسة رموزا لعالم متخيل، يحمل نوعا من الديالكتيك، ونوعا من الوعي، بما تختزنه مظاهر الوجود الخيالي من إحالات ولمحات في الوجود الحقيقي المتخيَّل؛ الذي يتعذَّر التعبير عنه بلسان الظاهر، لأنه في الحقيقة لا يعدو أن يكون - في التجربة الصوفية - إلا نقطة انطلاق وتجاوز إلى مستويات باطنة(10)، يقول ابن عربي معبّرا عن هذا المعنى: "اعلم أيها الوليُّ الحميم - أيدك الله بروح القدس وفهَّمكَ - أن َّ الرموز والألغاز ليست مرادة لأنفسها، وإنما هي مرادة لما رمزت له، ولما أُلغز فيه"(11) فلا يمكننا أن نتحدث في الرمزية الصوفية عن حضور مستويات اللغة المختلفة، لأنها محكومة - مواضعةً - بنسق عرفاني ابتداءً، لكن الحديث يجب أن يتناول الأبعاد الدلالية لهذه اللغة في مستوياتها الجمالية الغائبة المحكومة بالأسرار والحقائق المودعة خلف الحجب المتداعية في بحر الدلالات الصوفية، التي تُدرك انطلاقا من عمليات تأويلية منتظمة مصاحبة لطبيعة الرمزية الصوفية، المتمركزة أساسا في صياغة معادلة انعكاس حركية الوجود المطلق على قلب العارف، ومن ثمة على اللغة، في ظل الدائرة الكبرى، التي يمكن أن نطلق عليها "دائرة الرؤية المتخيلة"، القائمة بوظيفة "الربط بين المرئي وغير المرئي، بين المعروف والغيب، والتوحيد بين المتناقضات"(12) والتي تتحد من خلالها حركة المستويات الرمزية على حسب تجليات حركة الوجود على مرآة قلب العارف.

بعد هذه الإطلالة السريعة على طبيعة الرمز الصوفي، نجد لا مناصَ من التطرُّق لمفهومه في الفكر الصوفي، والذي سيكون إجمالا لما تمّ تفصيله في الكلام السابق، فقد أورد أبو نصر السراج الطوسي أن "الرمز معنى باطنٌ مخزونٌ تحت كلامٍ ظاهرٍ لا يَظفرُ به إلا أهلُهُ"(13).

إن الكلام عن تلقي الرمز الصوفي، ومدى قدرته على كشف المعنى الباطني المخزون تحت الكلام الظاهر - على حسب تعبير الطوسي - يقتضي استحضار البعد العرفاني والسلوكي المشترك بين النَّاص والمتلقي، الذي وحده يضمن تأثيث السياق الرمزي وتأويله من خلال وظيفته الكشفية، التي تنفتح معها العوالم القصيَّة، عبر تفعيل شبكة العلاقات المجسّدة للتحقق الفعلي للمعنى الصوفي، في إطار القاسم المشترك لمناطات الإدراك، الذي به يغدو المعنى من خلالها محكومًا بالاعتبارات المنتجَة عرفانيا في سياق العملية التواصلية، حيث تفرز وتعيد تشكيل ورسم معالم لغة أخرى، يتمُّ إنتاجها بين النَّاص والمتلقي عبر فضاء ذهني /روحي مشترك يتجاوز نمطية التلقي في صورته العادية، هذه العملية التي تقوم بتنشيط فعل التخييل في الذات الصوفية، بقدر ما يتشبَّع الرمز الصوفي بقابلية التعدد وإنتاجية المعنى بقدر ما ينفتح مجالٌ شاسعٌ ورحبٌ لمخيال هذا الخطاب، الذي يتحرّك ضمنه، في حركة جدلية "فلكيْ يوجد المتخيَّل عليه أن يتشمِّر الرمزي، وكي يرسم الرمزي نظامه عليه أن يرتكز على المتخيل"(14). هذا اللقاء المتبادل بينهما هو المنوط به تحصيل إمكانات القراءة والتأويل، ضمن سيرورات تدليلية متتابعة ومتوالية، لا تقف عند حد بعينه؛ فلحظة انفتاح المخيال على الرموز باعتماد الكشف والذوق كآلية معرفية بالنسبة للنَّاص الصوفي، يفتح أمام قارئه فضاء تأويليا مماثلا، لأن التجربة الكشفية - أساسا - هي مشترك روحي بين الصوفي بوصفه ذاتا مرسلة، وبين متلقِّيه، الذي تتشكل فعاليته التأويلية في لحظة تلقّفه لرسالة معينة وفهمها، فهو بذلك يرسي لنفسه مجالا قرائيا، يتأسس من خلاله معنى معين، فوظيفة الرمز في الخطاب الصوفي لا يمكن أنّ تتجلى ك"بنية مغلقة ملكيتها للصوفي مطلقة، بل هي فرضية تأويلية مؤجلة، لا يكتسب دلالته إلا إذا قرّر قارئ ما أنْ يكشفه"(15)، بحيث يصبح اقتناص المعنى بالنسبة للمتلقي نوعا من الكشف الموازي، الذي يمكن أن يكون أعمق من رؤية مقروئه، وقصد صاحبه، ويمكن أن يكون دون ذلك على حسب درجات التحقّق والكمال.

إن ميزان قوَّة الرمز الصوفي ومعينُ سلطته، يرجع أساسا إلى فرادة الخطاب المنتمي إليه، الذي يتأسس عمله على التجديد الدائم للتصورات الخاصة بأساليب التعبير اللغوي، والتي تتصل عنده وجوديا مع التجربة الروحية فيه، حيث تقوم على حوارية مع المفاهيم العرفانية المدركة ذوقا وحدسا، عبر سلم المقامات والأحوال؛ القائمة بتأطير السلوك الفردي للمتصوف، كما تتقاطع مع معطيات الأنساق اللغوية في أنظمتها الرمزية من جهة ثانية، ومدى قدرتها على استكناه جوهر حقائق اللغة المودعة في بنيتها التكوينية الباطنة داخل هذا الخطاب، وقابليتها لاستيعاب وتمثل الأنساق العرفانية المختلفة عن طريق التوحيد بين العوالم الداخلية للذات الصوفية "المبدعة/المتلقَّية" والتجارب الخارجية، التي تسهم في صناعة الإنسان روحيا وتوجّه سلوكه، وتؤثِّر في وعيه، وتطبعه بقيم معرفية متفاوتة.

لقد حاول أمبرتو إيكو (Umberto Eco) طرح تساؤل حول طبيعة الرمز الصوفي، الذي هو في الأغلب يستند إلى أحوال فردية ينطبع بخصوصيتها النفسية والروحية من يحكم بقبوله الجماعي؟(16) أو بمعنى آخر من الذي يعطي الرمز مصداقيته وقابليته للاعتراف من طرف الجهات المتلقية لهذا الرمز؟ هذا التساؤل وإن كان موجها نحو الصوفية في طبعتها المسيحية، إلا أنّه يمكن أن ينسكب على التوجّه الصوفي الإسلامي، وللجواب عن هذا الإشكال لابد من استحضار البنية المعرفية للمتصوف بوصفه صاحب رؤية مكتملة المعالم بها يستطيع أن يعجن خبزة الرمز خاصَّتِه، فإذا كان المتصوف واقعا تحت مطرقة التواصل، فلابد له من سندان الإيضاح؛ أي - بتعبير إيكو - "ضرورة وجود منشئ يجعل الرمز متداولا بين العموم ويحدُّد معناه"(17)، لعل إيكو يقصد بالمنشئ صاحب الرؤية الذي توفرت لديه معطيات حول مأزق انقطاع قنوات التواصل على الصعيد التداولي بالنسبة للرمز، والذي يعمل على رأب الصدع من خلال العمل على استيعاب الرمز في صورته الرؤيوية المبهمة، وإعادة تدجينه، حتى يصبح قابلا للإدراك عند جملة المتلقين ومشتركا دلاليا بين منشئه وقارئه.

من خلال الطروحات السابقة لابد من الإقرار بأن الصوفي في لحظة المكاشفة، هو كائن رامز بامتياز، لأنه يعيش نوعا من الكثافة الدلالية المحكومة بالتجربة الروحية المعاشة، التي هي بطبيعتها تسير وفق الأجهزة الرمزية المختلفة وتجلياتها المتعددة، المتساوقة مع العرفان، الذي يؤثث مخياله ورؤيته للقضايا المختلفة، والتي تنبع من أعماق الذات الصوفية المحمّلة بمنظومات من الدلالات المتعالية عن معيارية اللغة في شقها الوظيفي، المتماثل مع دوائر المواضعة، والمندمجة كليا مع عوالم إيحائية مفارقة.

في منطق اللغة الصوفية هناك ارتباط جدلي بين العرفان كسلطة روحية حاكمة، وبين دلالات الخطاب داخل النسق الكلامي لهذه اللغة، تجعل من الرمز في مستوياته الباطنية وسيطا حيّا يقوم على الجمع بين التجربة الصوفية واللغة المعبَّر عنها، هذه الخاصية الرمزية التي هي قائمة أساسا على فعل تأويلي يؤسس للعلاقة بين رغبة المؤول في استجلاء مواطن الرمزية الكامنة في النص الصوفي، بحيث يصبح هذا الفعل التأويلي "محكوماً بتلاؤم سياقي بين الرغبة الهرمينوطيقية باعتبارها عملا تحويليا، وبين المعطى الرمزي للنص"(18) والذي يعمل من خلال هذا الجمع على محاولة تطبيع اللغة في مستوياتها الروحية المتعالية على حد تعبير أدونيس(19)، فالتأويل بهذا المعنى يعمل على توطيد الصلة بين النص الحامل للرمزية الصوفية ومتلقيه الخاص، الذي يستند في الوصول إلى هذه الرمزية الكامنة إلى ما يمتلكه من مؤهلات قرائية قائمة بالدرجة الأولى على المستويات الروحانية، ثم على آليات البيان؛ التي يتوسّل بها إلى معرفة مقاصد الكلام وأبعاد الرؤية في هذا النص الصوفي، فالرموز الصوفية بهذا المعنى "أجنّة يخلّقها الصوفي وينمّيها القارئ"(20) كما تقول أسماء خوالدية.

إن دلالات الخطاب الصوفي ترجع مبدئيا، في تأسيس منظومتها العرفانية، إلى منطلقات لغوية، يعاد إنتاجها وفق معايير تجريبية تم بناؤها حسب مراحل زمنية متوالية، لعل أهمها الغرض المتحدث عنه والمعجم التقني وكيفية استعماله والمقصدية(21)، وإن كانت التجربة الصوفية الماثلة في مقصدية الخطاب الصوفي، هي المنوط بها إعطاء ماهية هذا الخطاب عمقه وحقيقته، فربّ مدّع الكتابة الصوفية في شكلها الإبداعي أو في قضاياها العرفانية أو الفلسفية، ولكنه في حقيقة الأمر صادر - في هذا التمثل الأدبي - عن علم وصناعة واطِّلاع على مصطلحات القوم ومقاصدها، فكلامه وروح كتابته لم تخالط المعاناة الصوفية ببشاشتها شغاف قلبه(22)، فأضحى يكتب عن خبر لا عن معاينة، وشتان ما بينهما، فالذي يقوم بفعل الكتابة الصوفية دون أدنى تجريب للروحانية الماثلة في هذا الخطاب، هو لا يتلمَّس إلا رسوماً ظاهرة تسلم قيادها لكل أحد، له الحدّ الأدنى من وسائل وآليات القراءة، أما من يتكلم ويعبّر عن إحساس عميق وتربية سلوكية وازنة، فهو يغرف من بحر الحقائق ولجج الأسرار، التي تجعل منه يقترب من حمى الكمال الإنساني، يشير ابن عربي في الباب السادس والعشرين من فتوحاته المكية "في معرفة أقطاب الرموز، وتلويحات من أسرارهم وعلومهم في الطريق" إلى هذا المعنى، بُعيدَ إيراده لبيتين من الشعر(23):

ألا إن الرموز دليل صدق على المعنى المغيب في الفؤاد
وإن العالمين له رموز وألغاز ليدعى بالعباد

في قوله: "ولهذا العلم رجال كبير قدرهم، من أسرارهم سرّ الأزل والأبد والخيال والرؤيا والبرازخ، وأمثال هذه من النسب الإلهية، ومن علومهم: خواص العلم بالحروف والأسماء، والخواص المركبة والمفردة من كل شيء من العالم الطبيعي"(24).

كخلاصة لما سبق يمكن إجمال خصائص الرمز في أبعاده العرفانية فيما يلي:
أ - الرمز معرفة قلبية:

إذ إنَّه يختلف عن الرموز الموظّفة في الخطابات الأخرى، المدركة بالنظر والاستدلال، فالرمز الصوفي قائم - أساسا - على تجربة باطنية؛ تدرك ذوقا ووجدا، بما يفيض على قلب العارف من الكشوفات والفتوحات المتجلية عليه هذا من جهة، ومن جهة ثانية أنّ الرمز الصوفي هو وليد أحوال خاصة؛ يصلها السالك، فانكشاف الحقائق وقابليتها للتعبير عنها بالرمز منوطة بمدى المداومة على الإخلاص في العبادات، والابتعاد عن الشهوات، ومخالفة الأهواء واجتناب الآثام والمنكرات، لا كحال الرمز غير الصوفي، الذي يطاوع صاحبَه، ما دام مالكا للغة قادرا على التعبير وكفى!
ب - التكثُّر في الرمز الصوفي:

لاشك أن المتتبع للرموز المختلفة في المنجزات الصوفية، تهوله كثرتها واختلاف أنواعها وسياقات استحضارها، وتشعب مقاصده وشموليتها، وتوزعها بين الشعر والنثر، وبين التصوف العربي والفارسي والمغربي والمشرقي، الأمر الذي اقتضى كثافة دلالية، واستيعابا للمعاني؛ والذي يمكن إرجاعه إلى: الحالات الروحية المعاشة من طرف النّاص، واختلافها من حيث التدرّج السلوكي، وقوة الوارد على قلب السالك، وبالأخص وصوله إلى أحوال المشاهدة والمعاينة والفناء؛ الذي به تتكشف له الأسرار والحقائق، بما يستوعب التعبير عن الرمز بلغة الإشارة في الغالب.
جـ - قابلية الرمز لمتعدد التأويل:

يقول نصر حامد أبو زيد مقررا الجدلية القائمة بين الرمز الصوفي والتأويل إن: "دراسة قضية التأويل وما يرتبط بها من مفاهيم بلاغية ولغوية من شأنه أن يكشف عن مفهوم الرمز عند المتصوفة... وهذا من شأنه أن يفتح لنا في التراث آفاقا ما تزال مجهولة إلى حدّ كبير"(25)، وهذا يرجع إلى أنّ الرمز الصوفي بطبعه يفتح مجالا قرائيا متعددا، وذلك من حيث جنوحه إلى استحضار المحسوسات للتعبير من خلالها عن معان غير محسوسة، الأمر الذي حدا به إلى فتح الباب على مصراعيه لقراءة تحولات الدلالة وإنتاجية المعنى وقابلية التأويل، يقول بول ريكور (Paul Ricoeur) عن الجدلية بين الرمزية والتأويل: "إن الرمزية لا تعمل إلا حين يتم تأويل بنيتها، بهذا المعنى لابد من تأويلية في حدّها الأدنى لتشغيل أية رمزية"(26)، ما من شأنه أن يوسّع مسافة التأمل والحوار بين القارئ والنص الصوفي، في إطار من التوتر الدلالي في العلاقة؛ والتي ينتج عنها استقطاب الأطراف المتقابلة في ظل مجال عمل الرمز في السياقات العرفانية المختلفة، حيث يمكّن قارئيه من الاطلاع على أكثر من تأويل، هذا الأخير، الذي لا تتكشف جزئياتُه إلا بقدر ما ينحجب مثله من المعاني؛ لأنه كما يقول لوك بنوا: "في التعبير عن الحقيقة يبقى دائما شيء لا يعبّر عنه"(27). فالرمز الصوفي - كأداة للكشف عن حقائق التجربة الصوفية - يحمل في نفسه خاصية الجمع بين الأضداد(28)؛ جلاء وغموضا، ضمورا وظهورا، وهذا يرجع إلى أن الرمز ومنه الإشارة، ليس قائما على المطابقة والموافقة شأن العبارة والرُّموز المنطقية، فهو دائم الانفلات وعدم الاستقرار على معنى معين، تقول نزهة براضة في هذا الصدد: "تنبني الرمزية على منهج التأويل، الذي يغني الفكر عندما يسمح بتوالد المعاني، والارتفاع بها من المستوى المباشر والحسي إلى المستوى الكلّي اللانهائي"(29). أضف إلى ذلك أن الرمز من أهم خصوصياته التلويح، الذي من خلاله لا يظهر المقصود النهائي، بل هو كيان منطلق، ينفتح على عديد الدلالات؛ التي تنكشف حجبها باختلاف أصناف ومستويات المتلقين، إنَّ تقرير هذه الحقيقة في اختلاف الناس، وتباينهم في فهم الرموز والإشارات الإلهية وأسرار وحقائق الشريعة، نجد له إشارة في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، سورة الرعد، الآية 4، وقول رسول الله (ص): "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث كثير، أصاب أرضا، فكان منه طائفة طيبة، قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، فإنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي جئت به"(30).

إن قصد الدراسة في محاولتها استجلاء الرّاموز الصوفي في شعر ابن الفارض، تتجاوز التحديدات الضيقة لمفهومه في البيان العربي بوصفه من أنواع الكنايات القائمة على التلويح، إلى الرمز في صورته الموضوعاتية(31) المتداولة في أبجديات هذا الخطاب، والذي يفتقر القارئ في إدراكه - في الغالب - لقرائن سياقية تمنع إرادة المعنى الظاهري، فتفهُّمه يتم عبر قراءة تأخذ في الحسبان الارتباط الجدلي بين الإبداع الصوفي والرمز الأدبي والمعجم الموظف والمقصدية، لكن مع هذا هناك استثناءات؛ تجعل مهمة القبض على المعنى المراد لابد أن يشفع بتأويل يفك الاشتباه، ويفصل في المعنى التقريبي المراد من الخطاب، فالرمز الأنثوي على سبيل المثال، حين تطفو بعض مفاهيمه ومصطلحاته، التي لابد من صرف معناها عن إرادة الذات الإلهية بالكلام لدلالتها على معان غزلية صريحة، تجعل الأمر يحتاج إلى أكثر من قراءة ساذجة، تصرف الانتباه إلى إرادة الحب البشري، بحجة عدم التشبيه وحتمية التنزيه، أو إرادة الحب الإلهي، ولكن بصرف المعاني الغزلية في صورتها المادية إلى دلالات روحية وعرفانية، يصبح تأويلها - مع وجوبه - يدخل في باب التمحّل والإقحام وليّ أعناق النصوص.

2 - الإشارة في الفكر الصوفي:

أورد الطوسي تعريفا للإشارة بقوله: "ما يخفى عن المتكلّم كشفه بالعبارة للطافة معناه"(32) وشفع تعريفه بقول أبي علي الروذباري: "علمنا هذا إشارة فإذا صار عبارة خفيَ"(33).

ويضيف ابن قيم الجوزيّة تعريفا أشمل وأجمع من تعريف الطوسي، بقوله: "هي المعاني التي تشير إلى الحقيقة من بعد، ومن وراء حجاب، وهي تارة تكون من مسموع، وتارة تكون من مرئي، وتارة تكون من معقول، وقد تكون من الحواس كلها، فالإشارات من جنس الأدلة والأعلام"(34).

جمعا بين تعريف الطوسي وابن القيم، يظهر لنا بوضوح أن الإشارة تتوسط منطقة برزخية جامعة، فهي من جهة تنأى عن التصريح والانكشاف لاتساع الرؤية وعدم قدرة اللغة على التعبير عنها، ومن جهة ثانية؛ هي قائمة على معان تشير إلى حقائق محجوبة تتوزع بين مسموع ومرئي ومعقول، ويمكن أن تشملها جميعا، فهي ممكنة الفهم والإدراك شأنها شأن الأدلة لأنها من جنسها، ولكنها لا تتكشف بطبعها إلا لمن فتحت لهم من الله أبواب المعرفة والأسرار، وفيما يلي شاهدان ذكرهما شمس الدين السفاريني عن حقيقة الإشارة عند الصوفية، فقد "حكي أنّ أبا حكمان الصّوفيّ سمع رجلا يطوف وينادي (يا سعتر برّي) فسقط وغشي عليه فلمّا أفاق قيل له في ذلك فقال سمعته وهو يقول اسع تر برّي، ألا ترى أنّ حركة وجده من حيث هو فيه من وقته لا من حيث قول القائل ولا قصده كما روى بعض الشّيوخ أنّه سمع قائلا يقول: الخيار عشرةٌ بحبّة، فغلبه الوجد فسئل عن ذلك فقال إذا كان الخيار عشرةٌ بحبّة فما قيمة الأشرار فالمحترق بحبّ اللّه لا تمنعه الألفاظ الكثيفة، عن فهم المعاني اللّطيفة"(35). فمراد القوم فيما يسمعون إنما هو مصادف لما في قلوبهم من الأسرار والتحقق بالمعارف، ولهذا يقول ابن القيم عن أوصاف أصحاب الإشارات أنهم: "يسمّون أخبارهم عن المعارف وعن المطلوب إشارات، لأن المعروف أجلُّ من أن يُفصح عنه بعبارة مطابقة، وشأنه فوق ذلك، فالكامل من إشارته إلى الغاية، ولا يكون ذلك إلا لمن فني عن رسمه وهواه وحظه، وبقي بربه ومراده الديني الأمري، وكل أحد إشارته بحسب معرفته وهمّته"(36)، عطفا على ما سبق يمكن إيجاد نقاط اشتراك دلالي بين الرمز والإشارة بوصفهما في المتداول الصوفي يستبطنان معنى خفيًا(37)؛ يتمّ إنتاجه في حالات سلوكية خاصة، لكنّنا إذا تساءلنا أيهما أعمُّ من صاحبه، فسنجد أنه هناك من يرى أن الرمز أعم من الإشارة وأشمل منها؛ إذ إنَّ هذه الأخيرة هي المعنى الباطني المقصود من إيراد الرمز الصوفي؛ ولأن الإشارة تتناول معانٍ فرديةً يدركها صاحبها ذوقا، يقول الطوسي في تقرير هذه الفكرة: "وللصوفية أيضا مستنبطات في علوم مشكلة على فهوم الفقهاء والعلماء، لأن ذلك لطائف مودعة في إشارات لهم تخفى على العبارة من دقتها ولطافتها؛ وذلك في معنى العوارض والعلائق والحجب وخفايا السرِّ ومقامات الإخلاص وأحوال المعارف وحقائق العبودية، ومحو الكون بالأزل، وتلاشي المحدث، إذا قورن بالقديم، وفناء رؤية المعطى بفناء رؤية العطاء، وعبور الأحوال والمقامات، وجمع المتفرّقات، وسلوك سبل منطمسة، وعبور مفاوز مهلكة"(38).

إنّ مجموع ما ذكره الطوسي من لطائف الإشارات، إنما هي تدرك في حالات فردية خاصة، يدركها العارف من خلال تحققه بالأحوال والمقامات، وفي المقابل هناك من لا يجد فرقا بين الإشارة والرمز، ويرى أنهما مترادفان، فابن عجيبة على سبيل المثال في شرحه حكمَ ابنَ عطاء الله السكندري يسندُ مواضيع الرمز لاهتمامات الإشارة، حينما يقول: "فإشارة الصوفية هي تغزّلاتهم وتلويحاتهم بالمحبوب كذكر سلمى وليلى وذكر الخمرة والكؤوس والنديم، وغير ذلك مما هو مذكور في أشعارهم وتغزلاتهم"(39) ويضع ما للإشارة للرمز في قوله: "وأمَّا الرموز فهي إيماء وأسرار بين المحبوب وحبيبه لا يفهمها غيرهم"(40) إن مثل هذه المصطلحات السلوكية الخاصة، يتعذر الإمساك بمنظومتها المفهومية؛ إذ إنها محكومة بسياقات ذاتية للتجربة الصوفية لدى السالكين، فمحاولة إيجاد منطقة جامعة بين إلماعات اللغة وطبيعة التجربة في عوالمها السلوكية المستبطنة للرؤية العرفانية، ولحقائق الأشياء، وكلمات الله في قرآنه وفي أكوانه، لابد أن تصطدم بمأزق صناعة الكلام أو المصطلح، بما يمكن أن يكون السالك قد عاش تجربته الصوفية إزاء هذا المصطلح أو ذاك، وهذا يرجع "إلى أن ما كان إشارة عند البعض اعتبر رمزا عند البعض الآخر، لأن المراتب متفاوتة تفاوت المقامات المعرفية"(41). إن التَّوسع في الإشارة عند المتصوفة جعل حذّاقهم والفقهاء المعتدلين من غيرهم يجعلون ضوابط يحتكمون إليها في التعبير عن الأحوال والمواجيد، يمكن أن نوجز أهمها فيما يلي: أن يكون المعنى الإشاري المراد لا يتعارض مع المعنى الظاهر من العبارة، بل يجب أن يكون مقتضيا له. أن يكون لهذا الذوق مرتكزًا، يشهد له من القرآن والسنة، يقول الجنيد: "من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنَا هذا مقيدٌ بالكتاب والسنَّة"(42). ألَّا يحجر صاحبه على غيره ذوقا يخالف ذوقه، لأن الأمر منوط بمستويات التفاوت الروحي في إدراك الحقائق والأسرار، فهو من باب اختلاف التنوع لا التَّضاد.

إنَّ هذه الشروط وجدت لها أصداء في بيئة المفسرين، حيث اعتبروا أنَّ معالم التأويل الإشاري عند الصوفية، القائم على آليات القراءة المستبطن للطائف الحقائق، له ما يبرره في الخطاب القرآني، الذي هو في حقيقة الأمر التأسيس الفعلي لمشروعية الأخذ بالإشارة، كما الأخذ بالعبارة، والتي هي من جنس فهم مراد الله في القرآن كأنواع التفاسير الأخرى (التفسير القرآن بالقرآن، والتفسير بالأثر، والتفسير باعتماد أسباب النزول، التفسير بالرأي)، وغيرها من صور تلقِّي النص القرآني. إن تلقي الصوفية لكلام الله بالاعتماد على ما انقدح في قلوبهم من أسرار ولطائف، يعدُّ تلقيا له دلالاته، ومستنداته وقيمته، يقول الطوسي في هذا المعنى: "اعلم أيدك الله بالفهم، وأزال عنك الوهم، أن أبناء الأحوال وأرباب القلوب، لهم مستنبطات في معاني أحوالهم وعلومهم وحقائقهم؛ وقد استنبطوا من ظاهر القرآن، وظاهر الأخبار معان لطيفة باطنة، وحكما مستطرفة، وأسرار مذخورة"(43).

إنّ الكلام عن محاولة تأسيس مشروعية لاعتماد التأويل الإشاري في مقاربة النص القرآني، أو ما هو دونه من الخطابات الوضعية الأخرى، لا يمكن البتة أن يفهم منه إقصاءٌ أو تطاولٌ على أنواع التلقي الأخرى، التي استقبلتها الأمة - قديما وحديثا - بالقبول والرّضا، ولا هو من باب التقول على الله بغير علم، ولا هو من باب التأويل الباطني المحكوم بخلفيات مذهبية وفكرية منكرة، بل هو يندرج ضمن الإطار العام للقرآن الكريم من خلال مقاصده وإعجازه وسعة بحره، وعلو قدره، وقابليته لأوجه النظر المختلفة، التي لا تعارضُ أصلاً متفقا عليه، ولا تُخرِجُ المعنى إلى غير المراد به لغة ولا شرعا، وفيما يلي بعض النقولات عمّن تكلّم من العلماء عن التفسير الإشاري للقرآن الكريم: فقد أورد أبو حامد الغزالي في إحيائه، بعد أن ذكر طرفا من إشارات تفسير القرآن ما نصّه: "وإنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم، وتوفُّر دواعيهم على التدبّر وتجرّدهم للطلب، ويكون لكل واحد حدٌّ في الترقي إلى درجة أعلى منه فأما الاستيفاء فلا مطمع فيه، ولو كان البحر مداداً والأشجار أقلاماً فأسرار كلمات الله لا نهاية لها، فتنفد الأبحر قبل أن تنفد كلمات الله عز وجل، فمن هذا الوجه يتفاوت الخلق في الفهم"(44).

وفي الأخير، يمكن القول إن الصوفية مقرّون بأن التفاوت واقع بين الناس في درجات الوضوح والخفاء في الفهم عن الله، فالقرآن الكريم يأخذ أبعادا وأوجها تأويلية عدة، منعكسة على مراتب العروج والترقي، فهناك من جملة المتلقين من تصل مراتب فهمهم إلى إدراك الحقائق ومنهم من يصل إلى إدراك اللطائف، ومنهم من يصل إلى إدراك الإشارات، ومنهم من لم يتعدّ الوصل إلى إدراك العبارات، فالقرآن الكريم بهذا التحديد يخاطب الجميع على حسب تفاوت درجاتهم في الإدراك والفهم والفتح.

الهوامش:
1 - من كلام طه عبد الرحمن في تقديمه لكتاب محمد مصطفى العزام: الخطاب الصوفي بين التأوّل والتأويل، مؤسسة الرحاب الحديثة، ط1، بيروت 2010م، ص 11.
2 - للقرآن الكريم بيان كامل (مطلق) جامع لكل الحقائق الإلهية المودعة في بواطن الأكوان، ولهذا من حكمته تعالى جعل دليل القرآن ودليل الأكوان، هما سبيل العبد لمعرفته، فنجد في القرآن الكريم إشارات إلى حقيقة البيان المودع في القرآن من مثل قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، سورة النحل، الآية 89.
3 - وفيق سليطين: رمزية الناي في الشعر الصوفي، مجلة ثقافات، كلية الآداب، جامعة البحرين، عدد 14، 2005م، ص 76.
4 - أسماء خوالدية: الرمز الصوفي بين الإغراب بداهة والإغراب قصدا، منشورات الاختلاف، ط1، الجزائر 2014م، ص 87.
5 - أدونيس: زمن الشعر، دار العودة، بيروت 1972، ص 160.
6 - أمبرتو إيكو: السيميائية وفلسفة اللغة، ترجمة أحمد الصمعي، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت 2005م، ص 378.
7 - أدونيس: زمن الشعر، ص 160.
8 - أدونيس: الصوفية والسريالية، دار الساقي، ط3، بيروت، (د.ت)، ص 116.
9 - وفيق سليطين: رمزية الناي في الشعر الصوفي، ص 75.
10 - إن العارف الصوفي في علاقته بالوجود لا ينظر إليه انطلاقا من وظيفته المادية المتشيأة، التي كبّلت التفكير والسلوك الإنساني في مجتمع تحكمه كدورات القوانين العقلية، الرّافضة والمخاصمة لكل ما له معنى روحي، وإنما هو يحاول استنفاذ طاقته التأملية في استنطاق المعاني والأسرار الإلهية السّارية في الأكوان والماثلة في دلالات القرآن.
11 - ابن عربي: الفتوحات المكية، تحقيق عثمان يحيى، الهيئة المصرية للكتاب، 1992م، ج3، ص 196.
12 - أدونيس: الصوفية والسريالية، ص 160.
13 - الإمام الطوسي: اللمع، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، دار الكتب الحديثة، مصر 1960م، ص 414.
14 - نور الدين الزّاهي: المقدس والمجتمع، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب 2011م، ص 12.
15 - أسماء خوالدية: الرمز الصوفي بين الإغراب بداهة والإغراب قصدا، ص 86.
16 - أمبرتو إيكو: السيميائية وفلسفة اللغة، ص 353.
17 - نفسه.
18 - فريد الزاهي: النص الأدبي من الرمزية إلى التأويل، مجلة علامات، جدة، المملكة العربية السعودية، مجلد 16، جمادى الأولى 1428هـ - مايو 2007م، ج10، ص 190.
19 - أدونيس: الصوفية والسريالية، ص 158.
20 - أسماء خوالدية: الرمز الصوفي بين الإغراب بداهة والإغراب قصدا، ص 89.
21 - يُنظر، محمد مفتاح: دينامية النص، تنظير وإنجاز، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، المغرب 2006م، ص 129-130.
22 - "إن الصوفية لهم فلسفة أعمق من غيرهم للقلب، فليس هو ذلك العضو اللحمي في الجهة اليسرى من الجسد، لأن شيئا هذا وصفه نجده حتى عند البهائم والموتى، وشيء هذا وصفه لا ينفك عن عالم الشهادة، الذي لا مزية فيه، فالمتأمل للآيات القرآنية التي جاء فيها ذكر القلب يدرك أن حقيقة القلب أعم وأعمق من مجرّد عضو مادي كثيف، فعنصره لا يمتّ لهذا العالم بصلة، بل هو كائن غريب عنه، لأنه علويٌّ بالطبع من جنس الأنوار المرتبطة بالعوالم الملكوتية، يقول أدونيس في هذا الصدد: "القلب هو تلك اللطيفة الإلهية؛ التي يدرك بها الصوفي الله وأسرار الكون، إنه مركز المعرفة والحب معً". أدونيس: الثابت والمتحول، دار العودة، ط2، بيروت 1979م، ج2، ص 95.
23 - ابن عربي: الفتوحات المكية، ج3، ص 196.
24 - المصدر نفسه، ص 197-198.
25 - نصر حامد أبو زيد: فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين بن عربي، دار التنوير، ط1، بيروت 1983م، ص 17.
26 - بول ريكور: نظرية التأويل والخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، ط2، الدار البيضاء، المغرب 2006م، ص 107.
27 - لوك بنوا: المذهب الباطني في ديانات العالم، ترجمة نهاد خياطة، المؤسسة الجامعية للدراسات، ط1، بيروت 1998م، ص 15.
28 - الملاحظ أن جدل الأضداد في الفكر الصوفي يحتل مكانة مفصلية في توجيه الرؤية العرفانية لعديد القضايا. ابن عربي: الفتوحات المكية، ج3، ص 200.
29 - نزهة براضة: الأنوثة في فكر ابن عربي، دار الساقي، ط1، بيروت 2008م، ص 23.
30 - رواه البخاري، الجامع الصحيح، تحقيق محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، ط1، مصر 1400هـ، ج1، ص 45، الحديث رقم 79 من حديث أبي موسى الأشعري.
31 - من صور الرُّموز الموضوعاتية في الأدب العربي التي تماثل في جنسها الرموز الصوفية مع الاختلاف في المضامين والرؤى نجد كليلة ودمنة، ورسائل إخوان الصفا، ورسالة الغفران للمعري، وحي بن يقظان لابن طفيل...
32 - أبو نصر السراج الطوسي: المصدر السابق، ص 414.
33 - نفسه.
34 - ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ج2، ص 389.
35 - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي: غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، مؤسسة قرطبة، ط2، مصر 1993م، ج1، ص 164.
36 - المرجع نفسه، ص 503.
37 - للصوفية مصطلح موازي للمعنى الخفي وهو السِّمسمة، التي هي عندهم "معرفة تدقّ عن العبارة والبيان". الشريف الجرجاني: معجم التعريفات، تحقيق محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة، مصر 2004م، ص 105.
38 - الإمام الطوسي: اللمع، ص 32.
39 - أحمد بن محمد بن عجيبة الحسني: إيقاظ الهمم في شرح الحكم، دار المعارف، القاهرة، (د.ت)، ص 198.
40 - نفسه.
41 - محمد مصطفى العزام: الخطاب الصوفي بين التأوّل والتأويل، ص 54.
42 - أبو القاسم القشيري: الرسالة القشيرية، وضع حواشيه، خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت 2001م، ص 51.
43 - الإمام الطوسي: اللمع، ص 150.
44 - يقول أبو حامد الغزالي مبيّنا أوجه التأويل الفاسد المعتمد على الرأي المجرّد المائل إلى الهوى: "وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة؛ لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل، فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا، أنها غير مرادة به". ابن عربي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، (د.ت)، ج1، ص 291.
الإحالة إلى المقال:

* طارق زيناي: المخيال الصوفي وإنتاج المعنى - قراءة في الرمز والإشارة، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثامن عشر 2018. http://annales.univ-mosta.dz

***