سيمياء الاستشراق من البنائية إلى التفكيك

د. مسعود مكيد
جامعة البليدة، الجزائر

الملخص:

يهدف هذا المقال إلى البحث مجددا في سيمياء الاستشراق من منظور بنيوي تفكيكي لإعادة التفكير في هذا الحقل المعرفي الذي لا يزال يفتقر إلى تطبيقات حقيقية للمنهج البنيوي الإبستيمولوجي الذي شيدته المدرسة الغربية بقيادة ميشال فوكو ودريدا، والتي حرص إدوارد سعيد من خلال عمله هذا على تطبيق المنهج الثوري الحاصل في مجالات العلوم الإنسانية ما أمكن على الحقل الاستشراقي لتحريره من النمطية التاريخية وعلائقها الساذجة عن (الشرق والآخر) بما حقق فيه نتائج متدفقة ومدهشة كشفت عن جوانب من العصابية والانحياز والمركزية الغربية المتحكمة التي تعمل وفق متلازمة الثقافة والكولونيالية (المعرفة والسلطة). أيضا يسعى هذا البحث إلى النظر في بنية الاستشراق من زاوية غير كلاسيكية متعلقة بتحولات الخطاب ما بعد الكولونيالي، ليبقى السؤال هل سيدخل الاستشراق في طور جديد أم أنه سيتحول إلى مجالية تاريخية بعد أن أعلنت مراكز الغرب البحثية عن موته مؤسساتيا وأكاديميا؟

الكلمات الدالة:

البنائية، الشرق، المعرفة، الاعتباطية، الحقل الدلالي.

***
The semiotics of Orientalism from constructivism to deconstruction

Abstract:

This article aims to re-examine the cynicism of Orientalism from a structural, deconstructive perspective, to rethink this field of knowledge that still lacks real applications of the epistemological structuralist method that was constructed by the Western school led by Michel Foucault and Derrida. Through this work, Edward Said was keen to apply the revolutionary approach in the fields of human sciences as much as possible on the Orientalist field to liberate it from historical stereotypes and their naive relationships about (the East and the Other), in which he achieved flowing and surprising results that revealed aspects of neuroticism, bias, and controlling Western centralism that work According to the syndrome of culture and colonialism (knowledge and power). This paper also seeks to examine the structure of Orientalism from a non-classical angle related to post-colonial discourse transformations.

Key words:

constructivism, East, knowledge, arbitration, semantic field.

***

النص:

بما أن السيميائيات تتنزل في المقام الأول على دراسة المدلولات - العلامات - (Signes) بما يجعل ميادين البحث فيها لا متناهية نظريا وتطبيقيا فإننا نسوق في هذا المقام البحثي واحدا من أقوى المدلولات اللفظية المتنازع في شأن دلالتها، لا من حيث مجرد التركيب اللساني لها ولكن لكونها نشأت من أصلاب شتى، فتولد عنها منهج فكري متصارع ذاتيا، ينقاد فيها مرة للحقائق بطواعية ملتوية يصعب معها استنكاه الحق منها، وهو ما نجده متحققا في مدلول لفظ "استشراق"، الذي لم تنطبع له هوية ثابتة إلى الآن رغم أن عمره يمتد من لحظة التزاوج الزمني بين ثقافة آفلة (عربية) وثقافة صاعدة (أوروبية - غربية)، وهي لحظة زمنية تتناهز الخمسة قرون.

ورغم هذا المديد الزمني إلا أننا نجد أن سيميائية الاستشراق لم تتموضع بالشكل الفعلي على قاطرة البحث الخصب منذ صدور كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد والذي أسهم في التشظي الاصطلاحي في الدراسات التراثية بما لم يحدد الأبعاد البُنيوية الحقيقية لهذه الظاهرة التاريخية المتفردة سوسيوثقافيا على جميع مستويات التداخل الثقافي بين الشعوب، فنتجت عنها تلك الظاهرة التي أسست للثقافة الإمبريالية المهيمنة التي غالبا ما تعمل وفق معادلة تلازمية بين المثقف والسلطة. فالاستشراق في مظهره التاريخي ما هو إلا لازِمَة بين الخطاب الموجه المنحاز والكولونيالية المهيمنة. وهذا التلازم الوظيفي بين عقل ماسح مُنَقِّب في أعماق الشرق الثقافي وبين آلة سياسية زاحفة فوق جغرافيته هو الذي جعل الكولونيالية المتوحشة تتغلغل فيه إلى هذا المدى الزمني الطويل وتستمر بجميع امتيازاتها وغاياتها إلى اليوم رغم انحسار الجيوش الغازية ونصب الأعلام المزيفة للشرق المتحرر.

ولكن تبقى مساهمة إدوارد سعيد على قِدَمِهَا نسبيا متفردة ومتعاظمة طالما أن جل التناولات السيمولوجية اللاحقة - العربية على وجه الخصوص - لشأن الاستشراق لا تتعدى الرؤية الكلاسيكية السطحية المتركزة في الحد والاصطلاح والمنشأ إلى جانب طبعا الموقف العلمي الذي لا يخرج عن إطارين: إما حالة التحفز والتنمر له أو حالة الانبهار والإعجاب، وبالتالي لم نكد نرى منذ عقود عملا فكريا تفجيريا كالذي عرفته حقبة الثمانينيات بمستوى ما قدمه إدوارد سعيد، والذي كان بمثابة "الصدمة الكهربائية" أو كما وصفه أحد كبار مؤرخي الشرق الأوسط الباحث أحمد إعجاز ب"الكتاب القنبلة"(1)، خاصة وأن إدوارد سعيد وظف تيمات جديدة لظاهرة الاستشراق استعار فيها باعترافه منهج المفكر الفرنسي ميشال فوكو (Michel Foucault) (1926م-1984م) وإن جاءت بالشكل العكسي لتطبيقات فوكو نفسه، وهذا ضمن إقحام نصوص فردية ذاتية ساهمت في التشكيل الإنشائي للاستشراق، والتي جعل منها إدوارد سعيد ركائز تاريخية لتحليلاته الإبستمولوجية عن الشرق في المطلق وليس فقط الاستشراق المعرفي الناجم عن شرارات الاحتكاك الغربي بهذا الشرق. وربما يكون قد نحا نحوه نسبيا الباحث على بهداد في كتابه (الرحالة المتأخرون: الاستشراق في عصر التفكك الاستعماري) الذي استثمر أيضا الجهاز النقدي لفوكو، خاصة في تحليله لموضوع المعرفة والسلطة تبعا لما يحكمهما من علاقة داخلية، وهذا من خلال استقراء واسع لمدونات رحالة كشفوا فيها عن أدوارهم المتداخلة بين أزقة الشوارع وأروقة الأجهزة الأمنية الاستعمارية، وهو مسار يظل متكررا طوال المشهد الاستعماري (نرفال، فلوبير، آن بلنت... إلخ)(2).

ورغم ثورية عمل إدوارد سعيد إلا أننا نجد أنه لا يزال يسير على خط الهامشية والغموض طالما أن تراث الاستشراق نفسه لا يزال صنو التراث العربي الإسلامي القابع في مكتباته بعيدا عن أجيج ثورة عقلية عربية جديدة تعالجه بذات الدوافع والروح التي حركت العقل الأوروبي باتجاهه منذ أكثر من ثلاثة قرون استنار العقل الغربي بأكثرية ما فيها ومن ثمة تأسست حضارته بالشكل الذي نلامس اليوم جماليتها وتطورها الفائقين.

وعلى الرغم من انتهاء حالة الوله الغربي بهذا التراث، إلا أن حالة تفكيكية لجهاز الاستشراق البحثي انطلقت منذ السبعينيات على مستوى متناقض داخل هذا المعسكر بين من أعلن عن "موت الاستشراق" تاريخيا ومؤسساتيا كما صرح بذلك المستشرق الفرنسي جاك بيرك(3)، وبين من أطلق دعوات جدية لتصحيح هذا المصطلح أو تغييره بما يُثَمِّن أو ربما يمثل انطلاء جديدا على الذهنية العربية لاستمرار الفاعلية الكولونيالية المهيمنة خاصة إذا كان رائد هذا الاتجاه التصحيحي مخضرم ورائد من رواد العدائية مثل برنارد لويس.

وإن كنا نرى أن هذا المسعى نحو التغيير الدلالي للمصطلح لم يعد ذا جدوانية كبيرة، إذ لم يعد الشرق شرقا بالمعنى الساذج المتخيل الذي تساهل العقل الوافد نحوه في إطلاقه عليه، بعد أن ظهر أنه ليس بتلك الجغرافيا المركزة، كما أن بريق مادته التراثية قد خبا ولم يعد يفاجئ أحدا، ذلك أنها لم تعد أيضا - وفق إدوارد سعيد - سوى "حقائق بالية"(4). وهذا لأن التغير الكوني الهائل والمعقد إلكترونيا قد ساهم ليس فقط في تجاوز بعض هذا التراث (باستثناء المقدس منه) ولكن جميع أنواع التراث الإنساني، ذلك أنه تجاوز الإنسان نفسه وأفقده حتى خاصته، فلم يعد يستطيع الإنسان أن يحفظ حتى ذاته "المُعَلَّبَة إلهي" فضلا عن أن تحتفظ مكاسبه الأخرى بصمودها، وكأنها لحظة عري إنساني فظيع أسقطته في هوة من الفوضى والعبثية. خاصة وأن هذا التعقيد الإلكتروني المتزايد جاء أيضا بعد اختزال العالم في الذهنية الغربية التي أصبح في متناولها كل شيء بسبب ما أحدثته الثورة الإعلامية التي شكلت فيها "المعرفة الشيطانية" كما يقول إدوارد سعيد نمطا ثقافيا مُنمْذَجا عن هذا الشرق جعله يغرق تصويريا في الماضوية أكثر، حتى تحول تراثه من هذا المنظور المُشَيْطَن المزيف إلى "عصور ما قبل التاريخ".

بعيدا عن الجدل التاريخي لظروف النشأة الاصطلاحية فإن بعض التأويلات السيميائية المستجدة عن القراءات النقدية الهائلة لاستشراق إدوارد سعيد وترجماته المتعددة والمتكررة داخل ذات اللغة ربما تكون أقرب للظاهرة الاستشراقية، فهو كما وصفته الترجمة الفرنسية المبكرة: "الاستشراق، الشرق كما خلقه الغرب"(5). وحتى آخر بعض الترجمات العربية (ترجمة عناني) وضعت عنوانا فرعيا "المفاهيم الغربية للشرق"، وهذا يجعلنا أقرب إلى جوهر الظاهرة منه إلى سيمياء المصطلح أو يقودنا إلى توافق مبكر مع تلك الدعوات التصحيحية التي تصب في غائية تفكيكية للمصطلح أكثر من محاولة عابثة لإيهام العقل العربي بجدية استمرار هذه الظاهرة المتآكلة، خاصة وأن السجال التعريفي الحاصل حول مصطلح "استشراق" أصبح يدخل في صميم ما يسميه ميشال فوكو "بأزمة الثقافة الغربية"، وربما هذا حاصل كما يرى فوكو نتيجة "أن المعرفة في عصرنا أصبحت تميل إلى أخذ الصياغات الشكلية أو التفسيرات وتتكشف في إطار إدراكنا لعجز الوعي عن تعيين أصله وعجز اللغة عن الكشف عن الموضوع"(6).

هذه الاعتباطية الاصطلاحية للفظ استشراق هنا قد تمثل عمقا سيمولوجيا للاستشراق ككل باعتبار أن مادة السيمولوجيا الأساسية هي "مجموعة الأنظمة التي تقوم على اعتباطية العلامة"، وبالتالي فإن "العلامات التي تتميز بالاعتباطية تحقق - أكثر من غيرها - العملية السيمولوجية"(7). بل إن دو سوسير يرى أن الخاصية الاعتباطية للمدلول (العلامة) هي واحدة من الخصائص الأولية أو الأساسية التي تختص بها السيميائيات عن غيرها(8).

من هنا نجد سيميائيا أو دلاليا (وفق مناطقة العرب) أن العلاقة بين الدال والمدلول، أي العلامة وفق المنظور السوسيري (F. de Saussure) في لفظ استشراق هي اعتباطية بامتياز لما هو عليه من هذا التوسع المدلولي والمنتشر الأنساق أو ربما بشكل أدق تشرذم وظيفي بين عقلين متفاوتين (عربي-غربي) وتشرذم جغرافي (أوروبي-مشرقي) وإن كان حتى هذا البعد الجغرافي خارجا عن حدوده الطول-عرضية منذ التوسع الاستعماري مشرقا ومغربا وصولا إلى عصر فضائي مفتوح المعرفة تلاشت فيه الحدود منذ عقود.

1 - بنائية الاستشراق:

إن معنى الاستشراق الذي تولد من جغرافية الشرق ربما لا يكون موجودا موضوعيا إلا بالمعنى التخيلي الذي انطلق من ذاتية أوروبية بالتحديد هي التي هيكلت فيما بعد "منظومة الحقائق" التي عممت على نطاق واسع ليس في أوروبا فقط ولكن في الغرب ككل، وهو ما جعل إدوارد سعيد يميل أحيانا إلى اعتباره لفظا تخيليا نشأ ربما عن حالة من الحميمية والألفة فرضها المكان بشاعريته المشرقة وجمالياته المتعددة والمتناقضة في ذات الوقت، والتي فرضت قيما متخيلة سرعان ما أصبحت هي القيم المسيطرة، فكما يقول الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (Gaston Bachelard) في (جماليات المكان): "إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكانا لا مباليا، ذا أبعاد هندسية وحسب، فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيز"(9).

لكن هذه الخصيصة التخيلية عن المكان قد زادها في الشرق التباين الزماني (موضوعاتيا) والمكاني (أوروبيا) قوة بما أصبحت فيه الصور والحقائق منساقة وفق فضائية استشراقية لا حدود لها. فقد رأينا كيف أن اللخيال عن الشرق قد سبق الكتابة عنه، ورغم توفر عنصر الصدمة من "حقيقة المكان" إلّا أن هذا الميل الجارف المسبق إلى الشرق الساحر الدافئ بقي هو الدلالة التخيلية المستمرة عنه رغم ترسانة الأعمال التشويهية المزيفة التي فبركها لاحقا العقل الغربي الادعائي لمنهجية "لا علمية" متحيزة موضوعيا، بعيدا عن عاطفة المكان الذي تعلقت به قلوب الوافدين إليه، والذين قادتهم تلك التصورات التي صاغها الرحالة المستكشفون لاستلهاماتهم الأدبية للشرق ومشاهداتهم وترجماتهم لأعمال مثل "ألف ليلة وليلة" أدبيا، وأعمال فنية أخرى تصورية عن حياة الشرق الزاخم المزدان بالتناقضات رغم حالة التأخر والانحطاط.

وهذه الرومانسية الاستشراقية ربما تعكس حالة من "الاغتراب الروحي" على حد وصف عبد الرحمن بدوي لشخصيات أدبية أجنبية في بيئة جديدة قادها وجدانها العنيف إلى "روحانيات الشرق" بعميانية جارفة خلقت بها شرقا متخيلا أكثر منه واقعيا، وهو ما يفسر حجم التناقضات الكبيرة الموجودة في "تراث الاستشراق"، خاصة وأن النزعة الرومانتيكية قد تقاطع أوجها مع أوج الرحلات إلى الشرق وهوس الهجرة إليه والدعوة إلى البحث في أسراره كما كان يدعو إلى ذلك المستشرق الألماني فريديش شليجل (Friedrich Schlegel) الذي عني أكثر بأخريات الشرق كالهند وإيران التي كان أول من نشر عنها قطعة من كتاب "الشاهنامه" للفردوسي.

وفي فرنسا برزت أسماء ناشطة لهذه الحركة مثلها شاتوبريان ولامارتين وفيكتور هيجو في "المشرقيات" الذي لخص التلاقي الأوروبي-المشرقي بمقولته التاريخية: "في عهد لويس الرابع عشر كان المرء هيلينيا، واليوم أصبح مشرقي". ولكن أعظم من صنع للشرق صورة خيالية ربما لم تتحقق له حتى في داخل تراثه، تلك التي صاغها الشاعر الألماني غوته في عمله الخالد والمؤثر "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي"، هذا الديوان المتأجج روحيا هو الذي جعل وسيجعل من الشرق خياليا ربما إلى الأبد، كيف لا وهو يردد: "الشمال والغرب والجنوب، تتحطم وتتناثر، والعروش تثل، والممالك تتزعزع وتضطرب، فلتهاجر إذن إلى الشرق في طهره وصفائه كي تستروح جو الهداة والمرسلين"(10).

2 - دلالة المصطلح:

كما قلنا سابقا بأن الاعتباطية التمثلية الكامنة في هوة الأوروبي الذي كان يعيش في جغرافيا منحسرة عن الشمس هي التي ولدت لديه نزوعا عاطفيا جارفا لعالم تشرق منه الشمس شروقا أخاذا دفعه إلى كل ذلك الخيال عن الشرق ليس بحالته المدنية الاجتماعية التي ازدراها طوال الوقت، ولكن بطبيعته المتميزة وآفاقه الجغرافية الممتدة كنسيج واحد من أقصى شرقه إلى حدود انتهاء هذا الشروق غربا (المغرب-المستشرق أيضا)، كل هذا الفضاء المشرق أدخله في حتمية التسميات: "الشرق، المشرق، استشراق، مستشرق"، وهذه التراكيب اللغوية المشتقة كلها من المصطلح اللاتيني (Orient) لم تكن عن سابق تصميم أو نابعة من جنس العمل الثقافي الذي تولد من الزحف إلى هذا الشرق، ولكن هذا المصطلح هو اعتباطي بامتياز تحول مع التحولات الكبرى في عالمنا إلى صنعة موهومة في الذهنية المشرقية بمغالطة غربية، فكان بحق كما قال إدوارد سعيد "الشرق الذي صنعه الغرب"، وهذه الجغرافية التخيلية لم تنشأ إلا من تاريخ هو الآخر أيضا كان تخيليا وباعثا على السعادة والحبور في نفوس الوافدين إلى الشرق وقد أغراهم الانبعاث مجددا في زخم تاريخه الحافل والعيش في مآثر تناقضاته الواسعة عبر بقايا من المخطوطات لم تعد تشغف عقل المشرقي، فتركها للإهمال والتلف ولصوص الحضارة النهمة المنطلقة خلف البحار.

ولعل تصوير إدوارد سعيد لظاهرة الاستشراق من داخل المنظومة الغربية وبرؤية مستغربة إلى أبعد الحدود هي التي ساهمت في إرجاع النظر في الخصيصة اللغوية لمصطلح "استشراق" الذي نبع من جغرافية تخيلية لا علاقة لها بالاستشراق الإنشائي الذي حصل لاحقا، فالمكون الأدبي له ومفرزات العقل الغربي عموما عنا ليس الإشراق أو المشرق منها في شيء، فهي حافلة بأوهام الرحالة الأوائل واكتشافاتهم التي صنعت العجائبية الغربية التي دفعت أمواجا من الهواة والباحثين و"المغتربين روحي" إلى هذا الشرق للتنقيب في تراثه وإعمال المنهج الديكارتي المبتكر فيه، لكن النتيجة كانت عكسية بما لم ينتج سوى تراثا آخر موازيا مليئا بالمغالطات التاريخية والدراسات المشوهة والتصورات المسبقة.

والاستشراق (Orientalisme) المشتق من شرق (Orient) لم يكن سوى تحويرا لفظيا غير مدروس البتة، مقارنة مع طبيعة البحث الاستشراقي الذي شمل جميع البلاد العربية شرقا ومغربا من أقصى آسيا إلى أقصى إفريقيا، كما خرجت موضوعاته من مجالات مشرقة وحالمة إلى مجالات صماء ومعقدة ومتداخلة إنسانيا مع جميع الثقافات والأديان والأعراق والأمكنة بما لا يجعلها حكرا على الشرق، ورغم ذاتية هذا البحث الغربي الخالص الذي لم يشاركه فيه صاحب هذا التراث إلا بمساهمات يسيرة ومتأخرة جدا ومتوافقة مع ذات المنهج المتشكك (طه حسين وقضية الشعر الجاهلي)، إلا أن هذا الغربي لم يتراجع قيد أنملة عن هذا المصطلح أو يعدل فيه بما هو حقيق أن يتسمى به، خاصة وأنه أصبح واضحا أن الاستشراق منذ بدايته ووصولا إلى العصر الحديث يمثل نفسية ومنهجية وذاتية غربية كَيَّفَ فيها الباحث والسياسي الغربي موضوعاته على هواه الخالص وعقائده ومصالحه المطلقة دون أدنى احترام أو تشاركية مزعومة على الأقل.

يرى إدوارد سعيد أن الاستشراق بوصفه حقلا بحثيا جغرافيا جلي الدلالة، لا يحتمل أن يكون له مقابل دلالي اسمه "الاستغراب" كنوع من التناظر الوظيفي، لأن الاستشراق حقل ذو طموح جغرافي وافر وهو ما يشكل الموقف الخاص والشاذ للاستشراق، طبعا هذا على خلاف ما يراه آخرون كحسن حنفي ومحمد أركون والجابري وهاشم صالح، الذين يسعون إلى تكريس هذا المصطلح كدعوة لدراسة الغرب والغربيين على منوال دراستهم لنا، ولكن موقف إدوارد سعيد المتشكك ينطلق بدرجة أساسية من فكرة البعد والارتباط الكولونيالي الذي دفع البحث والباحثين باتجاه الشرق وهو الأمر الذي لا يتوفر في حالة الاستغراب، لا من حيث البعد الجغرافي والمكاني كما هو حاصل مع "الشرق" ولا من حيث التوجهات الإنسانية للباحثين المستغربين الذين لا يعملون وفق سياسة ممنهجة أو مخطط مسبق. فالاستشراق كما يقول علي بهداد: "ما هو سوى قوة إنتاجية في علاقات السلطة الكولونيالية"(11). كما يضيف إدوارد سعيد أن الاستشراق لا متناه في الأقسام والفروع فهو غير متمايز الملامح وبالتالي فإن ارتباط اللاصقة اللغوية (ism) في كلمة الاستشراق (Orientalism) تؤدي وظيفة الإلحاح على تمييز هذا الفرع عن جميع الفروع الجامعية الأخرى(12).

بعيدا عن المحددات المتعددة لمصطلح "استشراق" فإننا نجد أنفسنا بشكل أدق بين مصطلحين "استشراق مؤسسي" و"استشراق تَمَثُلي" وهذا الأخير هو الذي جسده خيال الرحالة والمكتشفون الأوائل الذين حاولوا تغريب الشرق المستعصي حسب نمطية أوروبية خالصة، فجاءت أعمالهم في كثير من الأحوال وربما - عن غير قصد - مزدانة بتناقض شديد بين الإبهار والتقزز، فكما قال مكسيم رودنسون (Maxime Rodinson): "لقد جذبت أعمالهم الخيال الأوروبي وفتنت جمهورا واسعا للغاية... فقد كانت الصور المستعملة... تتميز بمشاهد عنيفة وباذخة في تتابع وحشي من الألوان: حريم وقصور، أجساد مقطوعة الرأس، سفن شراعية عليها أعلام الهلال، قباب مستديرة فيروزية الألوان، ومآذن بيضاء صاعدة إلى السماء، وزراء وخصيان ومحظيات، ينابيع منعشة تحت أشجار النخيل، سبايا مسيحيات مع آسريهم الشهوانيين..."(13)، كما لعبت صورة المرأة المسلمة دورا أساسيا في هذا التصوير الثقافي المشين الشهواني عن النساء، فهن مقموعات وخاضعات للإشباع الجنسي لرجال مسلمين قمعيين، وهي صورة نمطية معروفة ومكرسة عن المرأة والرجل العربي حتى يومنا هذا. وهذا الافتتان من الكتاب والفنانين الأوروبيين جسدته أكثر تلك الصور العارية والمكشوفة للنساء العربيات في ما يعرف ب"الحريم" وقد ساهم التصوير الفوتوغرافي الضوئي لاحقا في تصوير المرأة العربية والحياة المشرقية أكثر بشكل غريب وغامض في شرق مثير ينحصر كما قال إدوارد سعيد في كوكبة من الأفكار الشرقية (الاضطهاد الشرقي، الأبهة الشرقية، القسوة الشرقية، الحواسية الشرقية)(14).

كل هذه التمثلات الضوئية والأدبية الوصفية سَرَّعت من توظيف هذا الاستشراق المُتَخيل والمبتذل إلى تأسيس الاستشراق الرسمي بمعناه المهيمن، حيث عملت الإمبراطوريات الأوروبية الصاعدة على تأسيس قاعدة علمية لها داخل الشرق، ومن هنا تأسست المعاهد والكليات المتخصصة في دراسة التراث العربي في الجامعات الأوروبية وتوالت البعثات الرسمية والممولة، ليبدأ عصر جديد للتدخل الأوروبي السافر في البلاد العربية، فكانت حملة الجنرال الشاب بونابرت على مصر سنة 1798م هي المفصل التاريخي الحقيقي والعملي لفرض السلطة الأوروبية على المشرق بعدما تهيأت لها الصورة الكاملة عنه من خلال دراسات وأعمال وصفية كان لها طابع المسح والاستقصاء لعلماء وباحثين ورحالة عملوا بشكل دائب على كتابتها وتصنيفها بما سهل إلى حد بعيد مهمة المستعمر الغازي، فقد كان من أهم مصادر وبواعث بونابرت على الزحف إلى الشرق رواية الكونت دو فولني (De Volney) عن رحلته إلى مصر وسوريا سنة 1787م، كما أن غزو بونابرت نفسه الذي جاء بصحبة فريق كبير من الباحثين والعلماء تكلل بدراسة ضخمة عن مصر نشرت في مجلدات كثيرة بعنوان "وصف مصر" (Description de l’Egypte).

من هنا نجد أن الاستشراق بهذا التكون الغرب-شرقي قد أصبح كما يراه إدوارد سعيد منهجا أو أسلوبا فكريا واسعا للغاية وليس مجرد مكون معرفي بدأ استكشافيا وانتهى أكاديميا، إنه كما يعرفه سعيد: "أسلوب من الفكر قائم على تمييز وجودي (أنطولوجي) ومعرفي (إبستمولوجي) بين الشرق والغرب"(15). وهو ما يعني أن الاستشراق نشأ بين عالمين أو حضارتين مختلفتين إلى حد بعيد وربما جوهري، بما يستحيل معها دراسة الشرق بنفس طرق ومناهج الغرب. كما أن التبادل بين الاستشراق التخيلي والاستشراق الجامعي الأكاديمي هو تبادل دائم خاصة مع بداية القرن التاسع عشر الذي أصبح الاستشراق فيه أسلوب غربي للسيطرة على الشرق(16)، ويجنح إدوارد سعيد إلى معنى أكثر إنزياحا في مسألة الاستشراق عندما يقرر أن الثقافة الغربية حرصت على أن تضع نفسها منذ البداية موضع التضاد مع الشرق لتكون ذاتا بديلة، وهو بهذا يؤكد جوهرية فكرة الاستعمار القائمة على مشروع الاستشراق الثقافي والتي ربما عارضه فيها الكثير من المستشرقين كبرنار لويس الذي اعتبرها رؤية مبالغة تنم عن عدوانية.

ورغم ذلك يعترف سعيد بأن الاستشراق ليس استهاما تخيليا فارغا عن الشرق، بل إنه جسد مخلوق من النظرية والتطبيق حتى تحول إلى نظام من المعرفة بالشرق وهذا هو ما دعاه إلى توظيف آليات فوكو في التحليل الإبستمولوجي لهذا الجزء المعرفي الهام من العالم في ظل عولمة كاسحة، إلى جانب منهج غرامشي(17) في نظريته عن السلطة والإقرار(18).

يسوق إدوارد سعيد مثالا شيقا ومعقدا عن وظيفية الاستشراق الثقافي داخل منظومة التسلط الاستعماري ليحدد إبستيمولوجيا كيف تمت إدارة المعرفة من قبل هذه المنظومة، فيأتي بنموذج المستشار البريطاني كرومر(19) كتقني وإداري حصيف للإمبراطورية الإنجليزية الذي استفاد جدا من الاستشراق في تحديد أنماط السياسة داخل إمبراطورية تكاد تسيطر على نصف العالم آنذاك، فالمشكلة في نظره كانت دائما هي كيف تستطيع بريطانيا وهي أمة من الأفراد أن تدير شؤون إمبراطورية مترامية لا تكاد تغرب عنها الشمس؟ وهنا كان يرى كرومر بأنه لا بد لهذه السلطة المركزية من آلة تهضم ما يغذيه به فروعها في الشرق (العلماء والباحثون) لتحوله إلى مزيد من القوة حيث يقوم المختص (السياسي) إلى ترجمة هذه المادة الشرقية إلى جوهر ذي فائدة: يصبح الشرقي، على سبيل المثال، عرقا محكوما مثلا، على عقلية شرقية(20). ولم يكتف كرومر بهذه النصيحة أو هذه القاعدة بل ساهم في كتابة مقالات عن "حكم العروق الخاضعة" التي استشف منه إدوارد سعيد أنه "ما دام الشرق ينتمي إلى عرق محكوم، فقد كان ينبغي له أن يُحكَم"(21). فكانت مثل هذه الأطروحات هي أخطر مفاصل الاستشراق وتحولاته الراديكالية نحو إمبريالية تبريرية، لم تتأسس بوحشية فقط على مستوى المشرق، ولكنها روح أوروبية قديمة منذ أن رست أقدامهم يابسة العالم الجديد وربما كان وضعنا كمشرق (أي عالم عربي) أقل سوءا من إبادة الهنود الحمر. بل إن هذه الروح كانت مستمرة حتى ما بعد عهود الحرية، وعهود الثورة الفرنسية، فعندما غزا نابليون الثالث الجزائر كان النقاش الدائر في فرنسا حول مشروعية إبادة الأهالي، وكان السؤال: هل من الأفضل لنا أن نبيد ثلاثة ملايين جزائري، أو نرميهم في الصحراء؟ ولكن نابليون الثالث قرر أن يمنح الجزائريين "شرف الاستعمارية" فأعلن أمام الجمعية الفرنسية أنه سيكون إمبراطور الجزائر (العرب كما وصفهم) مثلما هو إمبراطور على الفرنسيين(22).

3 - تفكيك الاستشراق:

ليس المقصود بالتفكيك هنا المعنى السلبي الذي انزاح إليه هذا اللفظ في اللغة العربية والذي - للأسف - أعاق استخدامه أكثر كمصطلح فلسفي دالا على منهج فكري كامل تأسس في أدبيات الغرب ساهم أكثر في تسريع مرحلة ما بعد البنيوية، ولكنه تفكيك أقرب ما يكون إلى تفكيكية جاك دريدا (Jacques Derrida)، فنظرية التفكيك (La déconstruction) التي ينشأ عنها بالشكل العملي الإيجابي تركيب جديد للواقع هو ما تحتاجه المفهومية الاستشراقية ككل وليس بالمعنى التفكيكي لأدبيات هذا الاستشراق لأنها بذلك تخرج عن إطار "فلسفة النصوص" إلى إطار "فلسفة المفهوم".

رغم أن المهمة الأصيلة للمنقبين في تراثنا العربي لم تنته إلا بالشكل المعهود لها تاريخيا حيث أصبح يقودها جيش آخر من المستغربين المتنوعين ما بين غربيين وعرب من أبناء الجلدة تولوا بدورهم قيادة التنقيب والبحث في بقايا التراث العربي بذات المنهج والروح الاستلابية، إلا أن دعاوى منابذة المصطلح لوحت منذ عقود باتجاه ربما تغيير تكتيكي رغم تصريح أكثر من رائد في هذا المجال "بموت الاستشراق" كما هو الحال مع الجبهة الفرنسية بالذات التي تقود هذا المنحى التفكيكي لمصطلح "استشراق" بقيادة مستشرقين كجاك بيرك وأندريه ميكال بما يوحي "بعقدة ذنب" أو هروب من سلطة استشراقية عاتية تولتها هذه الجبهة على وجه الخصوص لأغراض استعمارية مهيمنة طوال الوقت، خاصة وأن هذه السلطة الاستشراقية الممتدة أوروبيا (إنجلترا، إسبانيا، بلجيكا، إيطاليا، ألمانيا) كانت لا تتمايز ولا تتنافر إلا في المجالات الضيقة، بما كانت تمارسه من قمع فكري وتوجيه منهجي لمجالات البحث بما لا يسمح لأي منصف أن يهدد هذه المؤسسة العاتية والشواهد التاريخية عن مفكري الظل أو المقموعين داخلها كثيرة، بدأ من اللاهوتي الألماني الكبير يوهان ريسكه (Johann Reiske) الذي أطلق على نفسه "شهيد الأدب العربي"(23) لمعاناته داخل المعسكر الاستشراقي،(24) وانتهاء ببعض الباحثين الموضوعيين المخلصين نسبيا من أمثال سيجموند هونكه وآنا ماري شمل وحتى هؤلاء بالمصادفة كلهم ألمان، إلا أن جهودهم بخست أو ظلمت من ذات الثقافتين، فعلى الصعيد الأوروبي تكاد تكون هذه الأسماء وما قدمته من بحوث غير ذات قيمة علمية فعلية وعلى الصعيد العربي هم جزء من لبنات الجدار العازل الذي تشكل في وعي العقل العربي تجاه المعسكر الاستشراقي ككل.

وإن كنا لا نرى في هذا التجديد الاصطلاحي ما يمنع من تزاوج جدي وشرعي إذا صح القول هذه المرة بعيدا عن المسافحة والمخادنة الفكرية التي مارسها (الآخر-المفكر) مع بنات الفكر العربي بلا هوادة وبلا استحياء رغم الأصالة القوية والاكتناز العلمي الذي تميزت به قياسا على الزمن الذي كتبت فيه، إلا أن الروح العربية كانت منذ القديم-القديم تتنافر والروح العلجية (عرب وعلوج).

وقد يعكس هذا التجديد الاصطلاحي تثمينا - من قبلنا على الأقل - لجهود لا يمكن نكرانها علميا ومنهجيا وأيضا محوا لصفحات مظلمة من التاريخ المشين لمستشرقين أساؤوا أيما إساءة لعيون وجواهر خدشوها بقسوة من هذا التراث الهائل المُشَرٍّف والذي رأوا بشهادتهم أنه لا يوجد له مثيل حقيقي في جميع أنواع التراث الإنساني.

طبعا لا يمكن درء فكرة المراوغة عن مثل هاته الدعوات خاصة إذا كان لا يزال يتنادى بها عات من عتات الاستشراق من أمثال المعمر لويس برنار الذي عرف عنه بأنه كان من أوائل الداعين لنبذ هذا المصطلح وهذا حسب رأيه لما يشتمل عليه من معاني ودلالات سلبية وأيضا للتخلص من حمولاته التاريخية التي تمثل عبئا على الباحثين المستجدين، كما أن هذا المصطلح لم يعد يعكس مسميات جهودهم الفكرية، ولكن هذه الدعوة التي صدرت من مثل برنارد لويس هي ليست جدية بالمعنى الخالص طالما أنه لا يعكس فعليا ذلك الباحث الموضوعي المتحرر من هذه الحمولات، فأمثاله لم وربما لن يتغيروا مطلقا من منهج التحامل والتزييف الذي مارسه هو عبر عقود طويلة من عمره المديد ومارسته المؤسسة الاستشراقية منذ عرفت وبالتالي فإن مجرد المراوحة الاصطلاحية لن يحرز تقدما حقيقيا باتجاه التصحيح الثوري الفعلي لمنهج الاستشراق ككل.

ولكن الاستعاضة عن مصطلح "استشراق أو "مستشرق" على وجه الخصوص باتت عمليا متوافرة ومتداخلة في آن واحد ضمن الأعمال المستجدة في حقل البحث التراثي خاصة من قبل معسكر المستغربين الجدد والمتلقين الخالصين من أمثال أركون والجابري وحنفي وغيرهم ممن أصبحت أعمالهم تعج بمصطلحات من عينة "مستعرب"، "إسلامي"، "مستغرب" رغم أن هذه التغييرات الإجرائية لم تعدل كثيرا في المنهج الاستشراقي أو الاستغرابي الجديد سواء من طرفهم أو حتى من داخل المعسكر التقليدي، بل إن طينة المنهج زادت ابتلالا بعد أن أصبح يجترئ على الخوض في المسائل التراثية أدعياؤه من أبناء الجهلة على وجه الخصوص وهذا الاجتراء يتماهى إلى حد بعيد مع الحالة التي كان عليها جل المستشرقين منذ أزيد من قرنين عندما كانت تتملكهم الشجاعة الزائفة للبحث في تراثنا رغم افتقارهم للآلة اللغوية بما لم يمكنهم مطلقا من الوصول إلى غايات عميقة أرادها كتاب هذا التراث والتي لم يدركها حتى الكثير من أحفاد الأجيال السابقة من علماء كلام وفلسفة وفقهاء ومفسرين وأصوليين.

طبعا في أعقاب ما بعد استشراق "إدوارد سعيد" نشأت حركة تفكيكية كبيرة لتحليل النصوص ضمن ما يعرف بما "بعد الكولونيالية" كان الهدف منها مزدوجا ومتناقضا في ذات الوقت، ما بين من يؤكد وجود الشرق كنظام تمثلي للآخر (الغرب) كرس فيه أحادية متسقة أدت إلى تكوين كل ذلك التراث النمطي المنمذج عن الشرق المتخلف غير العقلاني وغير القابل للتغير (رينان - كرومر)، وما بين معترض على النظرة المتحاملة وغير العادلة للاستشراق والمستشرقين الذين حركهم البحث العلمي كما يؤكد برنار لويس بعيدا عن فكرة العمالة الكولونيالية وإن تم استغلال أعمالهم ورواياتهم التاريخية للشرق كوسائل لفهمه وتسييره لاحقا.

اليوم نجد أن الاستشراق عمليا قد دخل في طور جديد من الدراسات الملحة تحت مسميات جديدة، ليس لفهم الشرق التقليدي ولكن لفهم المسلم أين ما كان، خاصة فيما يتعلق بفهم النص المقدس (أصل الأصولية)، ولكن هذا الطور لم يعد يُعَلَّبْ في إطار الاستشراق الحالم المتخيل الممزوج بهيمنة الدَّارِسْ المتعالي والمتسلط الكولونيالي الذي كان طوال هذه الأحقاب الزمنية الاستعمارية يُجَيٍّر تلك الأعمال والدراسات لمصلحته وتحديد سياساته التسلطية ليس في الشرق المبتكر والمتخيل فقط ولكن في عموم الجغرافيا الممتدة للعالم الإسلامي، وهذا الطور الجديد من البحث في تراث العرب والمسلمين عامة أصبح يتم اليوم بتشاركية واضحة من قبل أصحاب هذا التراث (عرب ومسلمين) ممن ملكوا زمام اللغات الأجنبية بما جعلهم مساهمين كبار في مراكز البحث الجامعي الغربي، وهذه المرة ليس لصالح كولونيالية محددة ولكن على الأقل كسعي لتحرير العقل المسلم من أعباء وتراكمات هذا التراث وهذا هو ما يجعل ربما مسار الاستشراق يأخذا منحى جديدا وتاريخيا مقارنة مع مراحله التاريخية السابقة.

وهذا السعي لتحديث الاستشراق بدأ جديا مع تجدد النزعة الإسلامية في العالم الإسلامي رغم أيديولوجية العلمانية الطاغية، فنشأت مراكز غربية جديدة لبحث "الإسلام الصاعد" تحت مسميات جديدة: "دراسات الشرق الأوسط، الدراسات الآسيوية، الدراسات الإقليمية... إلخ". ولكن هذه المحاولات المكشوفة لتغيير جلد الاستشراق لم تغير كثيرا من النمطية الثقافية، فها هو لويس برنار يكتب مجددا عن "جذور الغضب الإسلامي" الذي يغذي في نظره الحركات الإسلامية، مصورا أن الإسلام نفسه يكتنز بخطاب عدائي (صراع الكفار مع المؤمنين)، مما يزيد من مشاعر الكراهية تجاه أمريكا باعتبارها ممثلة للعلمانية والحداثة، وبالتالي نجد أن هذه المراكز الجديدة لدراسة العرب والمسلمين على توافرها وتنوعها لم تزد سوى من تكريس ثنائية الغرب والعالم الإسلامي من منظور استشراق جديد بعناصر أساسية للاستشراق التقليدي.

الهوامش:
1 - زكاري لوكمان: تاريخ الاستشراق وسياساته، ترجمة شريف يونس، دار الشروق، الطبعة الأولى، القاهرة 2007م، ص 297.
2 - علي بهداد: الرحالة المتأخرون، الاستشراق في عصر التفكك الاستعماري، ترجمة ناصر مصطفى أبو الهيجاء، الطبعة الأولى، أبو ظبي 2013م، ص 8.
3 - جاك بيرك: لقاءات شخصية مع الثقافة الغربية، حوارات عصام محفوظ، الدار العالمية، بيروت 1983م، ص 120-149.
4 - إدوارد سعيد: الاستشراق، طبعة 1978، ص 95.
5 - Edward Saïd : L’Orientalisme, l’Orient créé par l’Occident, Traduit de l’américain par Catherine Malamoud, Le Seuil, Paris 1980.
6 - ميشال فوكو: حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، بيروت 1987م، ص 168.
7 - إيميل بنفنست: سيمولوجيا اللغة، ترجمة سيزا قاسم، مجلة فصول، عدد 3، أبريل 1981م، القاهرة، ص 57.
8 - عبد القادر فهيم الشيباني: معالم السيميائيات العامة، أسسها ومفاهيمهما، الطبعة الأولى، سيدي بلعباس، الجزائر، ص 15.
9 - غاستون باشلار: جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات، الطبعة الثالثة، لبنان 1984م، ص 31.
10 - فولفانغ غوته: الديوان الشرقي للمؤلف الغربي، ترجمة عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، ص 12.
11 - على بهداد: الرحالة المتأخرون، الاستشراق في عصر التفكك الاستعماري، ص 5.
12 - إدوارد سعيد: الاستشراق، ص 92.
13 - Maxime Rodinson: Europe and the Mystique of Islam, trans. Roger Veinus, University of Washington Press, 1987, p. 59.
14 - إدوارد سعيد: الاستشراق، ص 32.
15 - المرجع نفسه، ص 30.
16 - المرجع نفسه، ص 32.
17 - أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) (1891م-1937م) فيلسوف ماركسي إيطالي، تخرج من كلية الآداب، حيث عمل بعدها ناقدا مسرحيا، لكنه سرعان ما انخرط في العمل السياسي بقوة حتى أصبح عضوا أساسيا في الحزب الشيوعي الإيطالي، فتم اعتقاله بأمر من موسوليني سنة 1924م، فبقي في السجن حتى وفاته تحت التعذيب سنة 1937م، وفي هذه الفترة كتب عمله الشهير "دفاتر السجن". وقد آمن غرامشي بدور المثقف في مواجهة السلطة.
18 - إدوارد سعيد: الاستشراق، ص 36.
19 - اللورد كرومر (Evelyn Baring Cromer) (1841م-1917م)، واحد من مخططي السياسة الاستعمارية لدى الإمبراطورية البريطانية، خاصة في مصر التي سيطر فيها على زمام السلطات كمندوب سامي لأكثر من ربع قرن (1882م-1906م).
20 - إدوارد سعيد: الاستشراق، ص 84.
21 - المرجع نفسه، ص 259.
22 - يحيى بوعزيز: ثورة 1871م، سلسلة الدراسات الكبرى، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1975م، ص 91.
23 - كاتارينا مومزن: جوتة والعالم والعربي، ترجمة عدنان علي، عالم المعرفة، الكويت 1995م، ص 256.
24 - تعرض المستشرق الألماني يوهان رايسكه إلى كثير من الاضطهاد من قبل بعض الأساتذة الألمان، وهذا لأن بعض هؤلاء الأساتذة كانوا يريدون إبقاء الدراسات العربية ضمن نطاق "الفيلولوجيا الدينية العبرية". انظر، عبد الرحمن بدوي: موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين، ط3، بيروت 1993، ص 300.
الإحالة إلى المقال:

* د. مسعود مكيد: سيمياء الاستشراق من البنائية إلى التفكيك، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثامن عشر 2018. http://annales.univ-mosta.dz

***