منظومة الجوهر المكنون في صدف الثلاثة فنون وشروحها
لعبد الرحمن الأخضري

إكرام مخفي
جامعة بشار، الجزائر

الملخص:

العالم أبو زيد عبد الرحمن الأخضري (920هـ-980هـ) من كبار علماء الجزائر في القرن العاشر الهجري، عرف نبوغا لافتا وتنوعا في الاهتمامات العلمية بين الدين واللغة والأدب إلى جانب ما عرف عنه من تصوف وترحال في سبيل العلم. وقد اخترت حقلا لغويا بارزا ألّف فيه هذا العلامة وهو علم البلاغة بمختلف أبوابه، حيث ألّف الأخضري منظومة من بحر الرجز بعنوان: "الجوهر المكنون في صدف الثلاثة فنون"، تقع في مائتين وواحد وتسعين بيتا، وهذا المتن قام صاحبه نفسه بشرحه لذلك سأتطرق إلى التعريف بمحتواه العلمي خاصة من حيث تبويبه، ثم ألتفت إلى شرحه ومقارنته بأهم الشروح التي تناولته لأنه من الأهمية بمكان. هذا دون إهمال الجوانب التي ركز عليها العالم الجزائري الأخضري، مع إبراز نقاط التميز والإضافات التي حملتها منظومته الشهيرة. وبهذا أكون قد حاولت الجمع بين النظم والشرح والدراسة.

الكلمات الدالة:

منظومة، شروح، الجوهر المكنون، وصفية، مقارنة.

***
The poem of Al Jawhar al Maknoun and its explanations
of Abd al Rahman al Akhdari

Ikram Mekhfi
University of Bechar, Algeria

Abstract:

The scholar Abu Zayd Abd al-Rahman al-Akhdari (920AH-980AH) was one of the leading scholars of Algeria in the tenth century AH. He was interested in religion, language and literature in addition to what was known about him of mysticism and travel for the sake of knowledge. And I chose a prominent linguistic field in which this scholar was composed, which is the science of rhetoric in its various chapters, Al-Akhdari composed a compilation from Bahr al-Razz entitled: “The Essence within the Three Arts”, located in two hundred and ninety-one verses. This text was explained by its owner himself, so I will address the definition of its scientific content, especially in terms of its classification. Then I turn to its explanation and compare it with the most important explanations that I dealt with because it is of great importance. This is without neglecting the aspects that the Algerian scientist focused on, while highlighting the points of distinction and additions made by his famous poem. In this, I have tried to combine versification and explanation and study.

Key words:

poem, annotations, al Jawhar al Maknoun, descriptive, comparative.

***

النص:

نَظْم العلوم باب واسع وثريّ أسهم بدوره في إثراء المكتبة العربية عامة والجزائرية خاصة بعدد جدّ محترم ومعتبر من المخطوطات، التي بوجودها فُتح باب واسع آخر لنشاط التحقيق ومن ثمّة الشرح، ويبدو هذا جليّا لدى علمائنا الأجلاّء الذين نحوا هذا المنحى من أجل تسهيل المعارف والعلوم المختلفة وتيسير تلقّيها وحفظها من قبل طلاب العلم والمعرفة، وبهذا نجد كمًّا هائلا من المنظومات وشروحها المختلفة، مما يدعو الباحث إلى الدراسة والتحليل والمقارنة.

ومن بين علماء الجزائر البارزين في هذا المجال نذكر: العلامة عبد الرحمن الأخضري الذي يعدّ بلا منازع مفخرة وشرفا كبيرا نظرا لما تركه من آثار جليلة ومهمة في هذا الميدان على اختلاف موضوعاته واختصاصاته، حيث نجد فكره موسوعيا ناظما ومؤلفا في شتى العلوم الشرعية والعقلية والفقهية واللغوية والرياضية، وممّا له: "السّراج في علم الفلك" في علم الهيئة، "الدّرّة البيضاء في أحسن الفنون والأشياء"، وهي أرجوزة في الحساب، "السلّم المرونق" في علم المنطق، "مختصر الأخضري" في الفقه المالكي، "الدرة البهية في نظم الأجرومية" في النحو، وكذا "الجوهر المكنون في صدف الثلاثة فنون" في البلاغة، وهي المنظومة التي سنتناولها بالدراسة في هذا البحث. لكن في البداية يجدر بنا التعريف بهذا العَلم قبل التطرق إلى أثره السابق الذكر.

1 - من هو عبد الرحمن الأخضري؟:

على الرغم من الخلاف الذي دار حول نسب هذا العالم إلا أن الثابت والأرجح أنه "سيدي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الصّغيَّر بن محمد بن عامر الأخضري"(1). كما اختلف أيضا في سنتي ميلاده ووفاته، غير أن الأرجح أنه عاش من سنة 920 إلى 953 للهجرة، وبذلك يكون الأخضري قد توفي وهو شاب في مقتبل العمر، إذ لم تتجاوز مدة حياته ثلاثا وثلاثين سنة(2)، ومنه تتبين قمة عبقريته، وتميز نبوغه في عصر عُرف بالتردّي والانحطاط والضعف في أحواله والموجودين فيه.

كانت نشأة عبد الرحمن الأخضري نشأة علمية فكان مستقيم الخلق، شغوفا بحب العلم، مسخِّرا حياته لتحصيله في شتى المجالات، وكان محيطه مساعدا على أن يحقق مكانة علمية مرموقة، فقد "اكتنفه والده بالرعاية والتعليم والتربية والتهذيب، وساعده في ذلك فطانته وذكاؤه وحرصه على المعرفة منذ حداثة سنّه، فكانت نتيجة اجتهاده أن كان عالما زاهدا متمكّنا من علوم النقل والعقل من الدين واللغة"(3).

لقد حرص الأخضري على التأليف والتدريس، حيث ظلت وفود الطلاب تصله في مسقط رأسه "بطنيوس" لذيوع صيته وتفوقه، وكان يوجههم إلى نهل العلم معقوله ومنقوله على حد سواء إلى أن توفي.

ومما شجع على نضج شخصيته العلمية أكثر ترحاله، شأنه شأن غيره من العلماء الذين يهبون حياتهم وجهدهم وعقولهم للعلم وحده، حيث رحل إلى الزيتونة ليحتك بعلمائها ويزداد تمكّنا وثراء واتساعا، ثم عاد إلى بسكرة ومنها ذهب إلى قسنطينة، وبعدها عاد إلى بلدته ليستقر بها مدرّسا ومعلّما، متخذا زاوية جده محمد بن عامر مركزا للإشعاع العلمي(4).

غير أن وفاته كانت بسطيف بينما كان يقضي الصيف - مثلما هو شائع لدى أهل الصحراء - في التل، إذ غادر الحياة سنة (953هـ-1546م) بالتحديد بكجال، لينقل جثمانه بعدها إلى بلدته "بطنيوس" ببسكرة، أين يتواجد بها ضريحه إلى اليوم، والذي ظل مزارا للعلماء والرحّالة من بلاد المغرب جميعا(5).

لهذا يمكن القول إن هذا الرجل منارة من منارات الجزائر العلمية، وقامة من قاماتها العالية، إذ عاش من أجل العلم يطلبه ويلقّنه، ومات تاركا إرثا يعدّ كنزا ثمينا، فهو إلى جانب تأليفه في ميادين العلوم المختلفة كان شاعرا مُجيدا، حيث غلب على نتاجه الجانب العلمي، فقد كان لا يفرغ من أرجوزة إلا ويبدأ بالتخطيط لتأليف أخرى، ومع هذا كما ذُكر سابقا كان بين الحين والآخر "ينظم الشعر يناجي به ربّه، مثنيا عليه مستغفرا لذنبه، ثم يكشف صبابته التي يكنّها للرسول الأعظم"(6).

ويعد شعر الأخضري جيدا على قلته، لانشغاله بالتأليف في الجانب العلمي، كما أنه انحصر في غرض مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، والثناء عليه والتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء(7)؛ وهذا راجع إلى اتجاهه الديني وزهده في حياته وقناعته وتعلقه بكتاب الله وحبه له ولرسوله الكريم، ولذلك نجد شعره رقيقا مرهفا عميق الأفكار والمعاني، يميل فيه إلى أسلوب الوعظ والتذكير بنعم الله عز وجل والثناء على رسوله.

2 - منظومة الجوهر المكنون في البلاغة وشروحها:

الجوهر المكنون أرجوزة نظمها الأخضري، ويصل عدد أبياتها إلى مائتين وواحد وتسعين 291 بيتا، وهي عبارة عن منظومة لخّص فيها كتاب "التلخيص في علوم البلاغة" لجلال الدين القزويني(8)، وهذا ما صرّح به الأخضري نفسه حين قال في البيتين التاسع عشر والعشرين(9):

فجئته برَجَزٍ مفيدٍ مهذّب منقح سديدٍ
ملتقِطا من درر التلخيصِ جواهرا بديعةَ التلخيصِ

تقع هذه المنظومة التي اجتهد في تحقيقها الباحث محمد بن عبد العزيز نصيف، في إحدى وخمسين صفحة، تضم النص المحقق كاملا على أساس ما جاء في المخطوط مع التقديم له وفهرسة محتوياته.

بدأ عبد الرحمن الأخضري منظومته بحمد الله والثناء عليه والتذكير بمعجزة القرآن، وقدرة الله عز وجل، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عنوان مؤلفه في المقدمة في قوله(10).

سمّيته بالجوهر المكنون في صدف الثلاثة الفنون

وكتاب الأخضري مقسّم إلى ثلاثة أبواب، وهو تقسيم منطقي تابع لأقسام البلاغة الثلاثة: البيان والبديع والمعاني. وقد سمّى كلا من هذه الأبواب فنا، مثلا: الفن الأول: علم المعاني، الفن الثاني: علم البيان، والفن الثالث: علم البديع. وتناول في كل فن ما يحتويه من مكونات وعناصر ودروس، فأخذ يتحدث في الفن الأول عن الخبر ثم الإنشاء، وفي الفن الثاني تطرق إلى مختلف الصور البيانية بداية من التشبيه، الحقيقة والمجاز، كما أدرج الاستعارة في هذا الباب، ثم تحدّث عن الكناية.

أما الفن الثالث فقسمه إلى قسميه المعروفين: الأول يتضمن المحسنات البديعية المعنوية، والثاني يتضمن المحسنات البديعية اللفظية، معرّجا في حديثه على بعض المسائل كالاقتباس والسرقات والتضمين.

ولم يترك متنه دون إشعار بإنهائه، حيث يذكر أنه أنهى حديثه عما يتعلق بصنعة البلاغة بفنونها الثلاثة، ويتبع كلامه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. يقول الناظم في خاتمة متنه(11).

وينبغي لصاحب الكلامِ تأنّق في البدء والختامِ
بمطلع سهل وحسن الفالِ وسبكٍ أو براعة استهلالِ
والحسن في تخلّصٍ أو اقتضابْ وفي الذي يدعونه فصلَ الخطابْ
ومن صفات الحسن في الختام إردافه بمشعر التمام
هذا تمام الجملة المقصودةِ من صنعة البلاغة المحمودةِ
ثم صلاةُ الله طولَ الأمدِ على النبي المصطفى محمّدِ
وآلِه وصحبه الأخيارِ ما غرّد المشتاق بالأسحارِ
وخرَّ ساجدا إلى الأذقانِ يبغي وسيلةً إلى الرحمن
ثم بشهر ذي الحجّة الميمونِ متمِّ نصف عاشرِ القرونِ

وكما هو ملاحَظ بوضوح فإن الناظم يؤرخ لمنظومته النفيسة بمنتصف القرن العاشر الهجري؛ أي في حدود سنة 950هـ.

وبهذا يكون العلامة عبد الرحمن الأخضري قد التزم معظم الترتيب الموضوع في كتاب التلخيص، ويُشهد له بالمهارة الفائقة في نظم المحتويات. ولم يكتف بالاقتباس والشرح بل راح يجتهد في إضافة بعض التفاصيل، وإعادة تبويب بعض الموضوعات بهدف تقريب الفكرة وتوضيحها لتلاميذه(12).

كما يلاحَظ أيضا حرصه الكبير على استيفاء أبواب البلاغة الثلاثة بما فيها من فروع، هذا ما يجعلنا نقف عند جملة لأبي القاسم سعد الله وردت في معرض حديثه عن جوهرِ الأخضري حيث يقول: "فقد نظم الأخضري الجوهر المكنون في علمي البيان والمعاني، ثم شرحه بنفسه شرحا كبيرا فاق فيه تلخيص المفتاح لجلال الدين القزويني، ولكن الأخضري توفي قبل أن يُبيّض الشرح ويصقله، فكان ذلك حافزا لعدد من العلماء على استكمال النقص، ومن هؤلاء: أحمد بن المبارك العطار القسنطيني في عمله المسمّى: نزهة العيون، وكذلك عبد الكريم الفكون"(13).

نرى أن الدكتور أبا القاسم سعد الله ذكر أن نظم الأخضري للجوهر المكنون جاء فقط في علمي البيان والمعاني علما أن المتن بتحقيقاته المختلفة ورد بالعلوم الثلاثة، كما أن عنوان المنظومة بالذات يذكر العدد ثلاثة إشارة منه إلى الإحاطة بعلوم البلاغة ثلاثتها، إلا إذا كان أبو القاسم سعد الله يقصد شيئا آخر قد خفي عنّا.

ولأهمية هذا المؤلف وقيمته العلمية والتعليمية الكبيرة، فإن مخطوطاته منتشرة في مختلف مكتبات العالم، وما زالت تثير اهتمام الدارسين وحتى المستشرقين منهم، ومن ثم هبّ الباحثون واللغويون من أجل تحقيقه وشرحه.

وقد عكف شرّاح الجوهر المكنون على المحافظة على ترتيب أبوابه مثلما نظمه صاحبه الأخضري، فبدؤوا شروحهم من المقدمة إلى الخاتمة، مرورا بالفنون الثلاثة جاعلين علم المعاني أولا، وعلم البيان ثانيا، ثم علم البديع ثالثا.

كما نذكر بأن الناظم نفسه لمّا ترك شرحا لمنظومته البلاغية هاته زاد متنه قيمةً، وميدان البلاغة ثراءً، وفتح المجال واسعا أمام الباحثين لتحديد الفروق بين شرحه وشرح غيره لهذا الأثر النفيس، وهي فروق لا تُظهر خلافا ولا اختلافا بقدر ما تُبرز نقاط التميز والتفاني التي حاول كل واحد الانفراد بها، فمثلا نجد أحد الشارحين وهو علال نوريم يشرح أبواب الجوهر المكنون بدءًا بعلم المعاني كما جاء في المنظومة، غير أنه عكف على إدراج تمارين تطبيقية بعد كل عنصر أو موضوع يدرسه ويشرحه، وهذا راجع إلى هدفه من هذا الاجتهاد، كونه يتوجّه به خاصة إلى المبتدئين والمتعلمين الناشئين من أجل تيسير علم البلاغة وجعله بسيطا مفهوما، وهذا ما صرّح به قائلا: "فهذه محاولة جديدة في علوم البلاغة أقدّمها لإخواني المبتدئين لعلهم يجدون فيها شيئا من يسر، وبعضا من سهولة"(14).

فهذا الشرح جاء لهدف تعليمي سامٍ هو تيسير وتسهيل المادة البلاغية الموجودة في المنظومة، وكأنّ الشارح عمد إلى تحويل المعرفة العالمة إلى معرفة متعلَّمة. أما شرح الناظم فتميز بما يلي(15):
- كون الشارح هو الناظم نفسه، ولا شك أن فهم الناظم لنظمه مقدم على فهم غيره.
- اهتمامه بفك عبارة النظم وإعراب ما يجب إعرابه. (وهنا تبرز قدراته ومَلَكته النحوية).
- إثراء البلاغة بشواهد جديدة كثيرة، وخاصة في مجال الشواهد القرآنية.

ومن الذين شرحوا الجوهر المكنون: محمد بن علي بن موسى الثغري الجزائري، الذي سمى شرحه: "موضح السر المكنون على الجوهر المكنون"، "وقد أوضح الثغري أنه كان مقتنعا بأن منظومة الأخضري من أجمل ما كتب في علم البيان، وأنه قرأ شرح الأخضري عليها، ولكنه كان متحمسا للقيام بعمل يوضّح الغامض منها، ويُظهر جمالَ البلاغة وقوةَ البيان فيه"(16).

ومما يلاحظ أن الثغري لم يبوِّب شرحه وإنما اتخذ تبويب الناظم نفسه، معتمدا في ذلك وحدة البيت والباب والفصل، ويضيف أبو القاسم سعد الله أن شرح الثغري كان متداولا كثيرا بين العلماء ويتضح هذا من كثرة النسخ منه. وقد سار الثغري في شرحه على ما وعد، فأظهر فنون البلاغة وعالج موضوعاتها بتفصيل وتبسيط، حتى كان الشرح في حجم ضخم، بالإضافة إلى أنه عرّف بالأخضري تعريفا وافيا(17).

وهناك شرح آخر للعلامة: أحمد بن محمد العباسي السملالي، الذي اعتمد في شرح هذه المنظومة اعتمادا كلّيا على مختصر سعد الدين التفتازاني على التلخيص، ينقل كلامه دون تصرف غالبا، وبتصرف بسيط في أحيان قليلة، ولذلك نجده في الغالب لا يتتبع ألفاظ المنظومة بالشرح والتعليق كما يفعل غالب الشراح، وإنما يورد بيتا أو مجموعة من الأبيات من المنظومة، فينصرف مباشرة إلى ما ورد في مختصر سعد الدين التفتازاني بخصوص البيت أو الأبيات المذكورة، فيقتبس ما يراه اقتباسا ضروريا، ثم ينتقل إلى بيت أو أبيات أخرى، وهكذا حتى أنهى شرح المنظومة بهذه الطريقة. غير أن هذا لا يعني أن المختصر هو مرجع هذا الشارح الوحيد في شرحه للجوهر المكنون، فقد كان في بعض الأحيان يتجاوزه إلى مراجع أخرى يستعين بها وينقل منها أو يحيل عليها(18).

وبهذا فإن تركيز هذا الأخير على مجرد النقل المباشر عن مختصر التفتازاني وغيره جعل الشرح مقتبسا مجملا غير مفصل؛ لأنه كان يتناول مجموعة من الأبيات ويشرحها دفعة واحدة.

أما حلية اللب المصون على الجوهر المكنون لأحمد الدمنهوري، أحد المشارقة الذين اهتموا بهذه المنظومة، فقد قدّم شرحا آخر لها، غير أنه هو الآخر حافظ على ترتيب أبواب الكتاب وعناصره مثلما جاء في متن الناظم دون أي تغيير، وربما الاختلاف بينه وبين الشارحين السابقين يكمن في الالتزام التام والدقيق بما جاء به المتن دون إضافة أو زيادة، فقد عمل الشارح على الشرح بتناول كل بيت على حدة من البسملة إلى آخر بيت في الخاتمة، دون إضافة شواهد جديدة أو تطبيقات أو أمثلة توضيحية غير موجودة في المنظومة، فاكتفى بما أورده الناظم.

غير أنه في شرحه لأشطر الأبيات حرص على شرح كل كلمة لوحدها، فمثلا في شرح بيت عبد الرحمن الأخضري الذي يقول فيه(19):

الحمد لله البديع الهادي إلى بيان مهيع الرشاد

يقول الدمنهوري: "أقول الحمد لغة هو الثناء بالكلام على المحمود بجميل صفاته، واصطلاحا فعل ينبئ عن تعظيم المنعِم بسبب إنعامه. ومعنى الشكر لغة هو معنى الحمد اصطلاحا بإبدال لفظ الحامد بالشاكر، واصطلاحا صرف العبد جميعَ ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله، وجملة الحمد مفيدة له، ولو كانت خبرية لأن الإخبار بالثناء ثناء"(20).

من هنا نرى الفرق بين الدمنهوري والشارح السابق العباسي السملالي، حيث نجد حرصا كبيرا على التفاصيل والشرح الدقيق كلمة كلمة، شطرا شطرا وبيتا بيتا من جانب الشارح الدمنهوري، رغبة في استيفاء المتن بالاستقصاء والتحليل والشرح.

لا شك أنه من وراء هذا العرض لهذا العدد من الشروح التي تناولت متن عبد الرحمن الأخضري الموسوم بالجوهر المكنون في صدف الثلاثة فنون، تتجلى لنا مجموعة من الفوارق بينها، وإن كانت تعدّ في حقيقة الأمر نقاطا مميّزة لا غير، ونذكر منها:
- شرح الأخضري صاحب المنظومة والعارف بها عمد إلى إدخال علم النحو إلى متنه البلاغي، وهذا عندما يرى الأمر لازما وضروريا، مما زاد شرحه ثراء، كما حرص على الشرح المفصل لحصول الفائدة المرجوة لدى المتعلمين وطلبة العلم.
- لم يتسع المقام ولا المقال في المنظومة لإدراج ما يكفي من الأمثلة والشواهد، لذلك وجد الأخضري في شرحه المتنفسَ والمتسعَ لتوظيف ما يجب وما يكفي من الشواهد وخاصة القرآنية.
- شرح علال نوريم كان تعليميا وظيفيا يتماشى ومستوى المتعلمين المبتدئين، لذلك أدرج تمارين وتطبيقات متنوعة لتعميق الفهم وترسيخه.
- الثغري كان هو الآخر حريصا على استيفاء التفاصيل والنقاط الفرعية الغامضة بالشرح، كما عرّف بصاحب المتن المنظوم: عبد الرحمن الأخضري.
- شرح الدمنهوري لم يضف شيئا جديدا من خارج المنظومة، لكنه حرص على الشرح الدقيق، وذلك باستحضار المعنى اللغوي والاصطلاحي لكل الكلمات التي تكوّن البيت، ثم بعد ذلك المعنى الذي يريده الناظم من هذا البيت كاملا ويخرج إليه.
- المتفق عليه هو أن شرّاح الجوهر المكنون جميعا التزموا تبويب وترتيب الناظم نفسه.
- المنظومات نشاط عقلي إبداعي فتح الباب واسعا أمام نشاط آخر هو: التحقيق الذي يتبعه بعد ذلك الشرح.
- الشروح المتعددة للمتن المنظوم الواحد تشجّع على الدراسة والمقارنة وإبراز نقاط التميز التي تظهر بينها.
- يكمن هذا التميز في القيمة التي يمكن أن يكتسبها شرح ما لمنظوم ما، وهذا بفضل الإضافات التي قد يثري بها الشارح المتن الذي بين يديه، أو بفضل الطريقة التي يعتمدها في شرحه.
- وعليه يكون الشارح أحمد بن محمد العباسي السملالي أقلّ دقة وحضورا في شرحه للجوهر المكنون.

وفي آخر هذه الدراسة حول الجوهر المكنون في صدف الثلاثة فنون لعبد الرحمن الأخضري، تتجلى لنا بوضوح قيمة التراث الذي تكتنزه مكتباتنا العربية والجزائرية وحتى العالمية، هذا التراث المخطوط الذي منه ما خرج للنور، ومنه الكثير مما ينتظر الالتفات والنظر إليه، لأن مخطوطا واحدا قد يُنتج رفًّا كاملا من التحقيقات والشروح والإضافات والاجتهادات التي تحتاجها جهود علمائنا الأجلاء، الذين نذروا حياتهم في سبيل العلم وتقديمه لمريديهم ومن يأتي بعدهم.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى حتى المخطوطات التي حققت تحتاج إلى وقفات ودراسات لكي يبقى كنز أجدادنا محفوظا مصونا، وحتى لا يسبقنا إليه غيرنا من الغربيين والمستشرقين لأننا أولى به.

الهوامش:
1 - بوزياني الدراجي: عبد الرحمن الأخضري العالم الصوفي الذي تفوق في عصره، دار البلاد، ط2، الجزائر 2009م، ص 10.
2 - المرجع نفسه، ص 14.
3 - حمدادو بن عمر: تراث الشيخ عبد الرحمن الأخضري.
https://www.asjp.cerist.dz/en/article/47563
4 - المرجع نفسه.
5 - انظر، بوزياني الدراجي: عبد الرحمن الأخضري العالم الصوفي الذي تفوق في عصره، ص 47.
6 - عبد الحليم صيد: عبد الرحمن الأخضري شاعرا، مجلة أصوات الشمال، 3 أكتوبر 2015.
http://www.aswat-elchamal.com/ar/
7 - المرجع نفسه.
8 - بوزياني الدراجي: عبد الرحمن الأخضري العالم الصوفي الذي تفوق في عصره، ص 239.
9 - عبد الرحمن بن صغير الأخضري: الجوهر المكنون في صدف الثلاثة فنون، تحقيق محمد بن عبد العزيز نصيف، مركز البصائر للبحث العلمي، ص 220.
10 - المصدر نفسه، ص 22.
11 - المصدر نفسه، ص 48.
12 - بوزياني الدراجي: عبد الرحمن الأخضري العالم الصوفي الذي تفوق في عصره، ص 240-241.
13 - أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت 1998م، ج2، ص 167.
14 - علال نوريم: جديد الثلاثة الفنون في شرح الجوهر المكنون، أولاد يعقوب، قلعة السراغنة 2005م، ج1، من المقدمة.
15 - محمد بن عبد العزيز بن عمر نصيف: شرح الجوهر المكنون في صدف الثلاثة فنون لعبد الرحمن الأخضري دراسةً وتحقيقا، رسالة دكتوراه، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية 1429هـ-1430هـ، ص 2.
16 - أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ص 167-168.
17 - المرجع نفسه، ص 169.
18 - أحمد بن محمد العباسي السملالي: شرح الجوهر المكنون في الثلاثة فنون، تحقيق اليزيد الراضي.
19 - عبد الرحمن الأخضري: الجوهر المكنون في صدف الثلاثة فنون، ص 21.
20 - أحمد الدمنهوري: حلية اللب المصون على الجوهر المكنون، 1994م، ص 5.
References:
1 - Al-Akhdarī, ‘Abd al-Raḥmān: Al-Jawhar al-maknūn, edited by Muḥammad ben ‘Abd al-‘Azīz Naṣīf, Markaz al-Baṣā’ir li al-Baḥth al-‘Ilmī, Saudi Arabia.
2 - Al-Damanhūrī, Aḥmad: Ḥilyāt al-lub al-maṣūn ‘alā al-jawhar al-maknūn, Morocco 1994.
3 - Al-Samlālī, Ahmed: Sharḥ al-jawhar al-maknūn fī ath-thalātha funūn, edited by El-Yazīd al-Radī, Morocco.
4 - Ben Omar, Hamdadou: Turāth al-Shaykh ‘Abd al-Raḥmān al-Akhdarī, Al-Majalla al-Jazā’iriyya li al-Makhṭūṭāt, Oran Unversity, V.2, N° 3, 2006.
5 - Darrāji, Bouziani: ‘Abd al-Raḥmān al-Akhdarī al-‘ālim as-ṣufī al-ladhī tafawwaqa fī ‘aṣrihi, Dār al-Bilād, 2nd ed., Alger 2009.
6 - Naṣīf, Muḥammad ibn ‘Abd al-‘Azīz: Sharḥ al-jawhar al-maknūn fī ṣadf ath-thalātha funūn li ‘Abd al-Raḥmān al-Akhdarī dirāsatan̊ wa taḥqīqan̊, PhD Thesis, Islamic University, Al-Medina al-Munawwara 1429H-1430H.
7 - Nourīm, ‘Allāl: Jadīd al-thalātha al-funūn fī sharḥ al-jawhar al-maknūn, Awlād Ya‘coub, Qal‘at al-Saraghna, Morocco 2005.
8 - Saâdallah, Abou el-Kacem: Tārīkh al-Jazāir ath-thaqāfī, Dār al-Maghreb al-Islāmī, 1st ed., Beirut 1998.
9 - Saïd, Abdelhalim: ‘Abd al-Raḥmān al-Akhdarī sha‘iran̊, Majallat Aṣwāt Al-Shamāl, Algeria 2015.
الإحالة إلى المقال:

* إكرام مخفي: منظومة الجوهر المكنون في الثلاثة فنون وشروحها لعبد الرحمن الأخضري، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثامن عشر، سبتمبر 2018. http://annales.univ-mosta.dz

***