الرمز الأسطوري في شعر مفدي زكرياء

حاج أحمد خليفي
جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة، الجزائر

الملخص:

يتحدث هذا المقال عن عمق الرمز الأسطوري وازدواجية الخطاب في شعر مفدي زكرياء حيث نرى أن هناك معطى في مضمون اللغة ومعطى آخر في شكلها، وما هو إلا تجسيد في بنية النص الكلية، والرمز الأسطوري يظهر من خلال الإشارات الدلالية التي يحويها المعنى أو المضمون والعاطفة ولكنه غير مدوّن، لكن دوره يظهر من خلال الوظيفة في التعرف على القوى الأولية في الفعل الإنساني الثوري، مع مشاركته في تشكيل الرؤى التاريخية، فالشاعر عندما تناول عالم الرموز والأساطير في شعره نظرا إلى طبيعتها ومدلولاتها وابتعد عن روايتها الخرافية الوهمية، لعله كان يبحث عن منزلتها الفكرية والروحية التي يصنعها الخيال الإنساني، كما يظهر الرمز الأسطوري أن المرأة في شعر مفدي زكرياء تظهر من خلال الإغراق العاطفي الذي يتناول القضايا الوطنية ويلامسها بخفة، ويعانقها بشدة، بحيث لا نلاحظ فتورا نحو قضية ما يتناولها ولا تدعه يقف اتجاهها موقفا مترددا.

الكلمات الدالة:

الرمز الأسطوري، شعر الثورة، مفدي زكريا، المعنى، الدلالة.

***
The legendary symbol in the poetry of Mufdi Zakaria

Hadj Ahmed Khelifi
University Emir Abdelkader of Constantine, Algeria

Abstract:

This article talks about the depth of the mythological symbol and the double discourse in the poetry of Moufdi Zakaria, where we see that there is given in the content of the language and another given in its form, and it is only an embodiment in the structure of the total text, and the legendary symbol appears through the semantic signs containing the meaning or content and emotion but not In order to discover this mythological symbol and its role in identifying the primary forces in the revolutionary human act, while participating in the formation of historical visions, and perhaps the poet when he dealt with the world of symbols and legends in his poetry due to its nature and meanings and moved away from its imaginary fairy tale her stature Intellectual and spiritual created by the human imagination, as the legendary icon shows that women in the poetry of Moufdi Zakaria appear through the emotional dumping, which deals with national issues and touches lightly, hugging it so strongly that we do not notice a chill towards the issue of what it takes and do not let it stand a hesitant attitude.

Key words:

legendary symbol, poetry of revolution, Zakariya, meaning, significance.

***

النص:

إن الكتابة في الرمز الأسطوري عند مفدي زكرياء قد نرى فيها شكلا من أشكال المقاربات النقديّة التي يمكن أن تؤلف تجربة إضافية للعمل النقدي، فنحن من خلال هذا البحث، نقوم بجمع واستقصاء الرمز الأسطوري الذي وظفه مفدي زكرياء في شعره، ثم نعمد إلى ما قيل فيه من آراء متواترة ووجهات نظر متباينة، تصلح نسبيا أن تكون طريقة جديدة في المقاربة النقدية التي نحاولها، من خلال التركيز على الرمز والأسطورة معا، ونحن إذا كنا نعترف منذ البداية، أنه ليس ثمة مدرسة متميزة في الدراسات الأدبية للأسطورة والرمز غير أننا نقر من غير شك بوجود معان متباينة ومتعددة لبعض الكلمات الأساسية التي نستعملها في عملنا النقدي هذا، فالأسطورة تشير أحيانا، كما يقول برنيس سولت(1) "إلى أقاصيص الأقدمين، كما تشير أحيانا إلى أشكال الإيمان المختلفة، أو أن لها وظيفة الكتابة الخلاّقة أو الكتابة الرمزية". ويضيف سلوت: "الأسطورة تشمل النمط الأعلى، ولكنها تتماشى كذلك مع الليجورة. وعلى غرار ذلك نجد معنى الرمز يتداخل أحيانا مع مصطلحات أخرى"(2)، كأن يقال مثلا إن الرمز يربط في أحيان كثيرة بين عنصرين أو أكثر، وبالرغم من هذا القول فنحن نرى أن الكتابة والأسطورة، تقوم واحدتهما أو كلتهما مقام الرمز، وتؤديان أيضا تجربته.

ولعل المعالجة النقدية التي نقوم بها، والتي تستند في الأساس إلى دراسة الرمز الأسطوري في شعر مفدي زكرياء تحتم علينا بادئ ذي بدء، إمعان النظر ملّيا في ازدواجية الأدب في شعر مفدي زكرياء، حيث نرى أن هناك معطى في مضمون اللغة ومعطى آخر في شكلها، وما هو إلا تجسيد في بنية النص الكلية. والرمز الأسطوري يظهر من خلال الإشارات الدلالية التي يحويها المعنى أو المضمون والعاطفة ولكنه غير مدوّن، إذ أنه يندمج في النمط الأعلى، أو التعبير عن موتيفات غريزية كونية مختلفة، أو أنساق من السلوك والمعتقد الإنساني تأتي مشحونة بزخم عاطفي بدائي، والرمز الأسطوري منه التقليدي والمختلق، هو الشكل القصصي لتلك الرموز النمطية العليا، التي تؤدي معاَ إلى كشفِ متماسك المعنى عما يعرفه الشاعر ويؤمن به "فالرمز الأسطوري يوجد بلغة ما هو أعمق من كل شيء في ينابيع الشعور الإنساني وإدراكه"(3).

هذه المقاربة النقدية، ترمي إذاً، من حيث الغرض الذي تقصده، إلى معالجة جميع هذه المسائل التي يتضمنها النص الشعري عند مفدي زكرياء، ذلك من أجل كشف هذا الرمز الأسطوري ودوره في التعرف على القوى الأولية في الفعل الإنساني الثوري، مع مشاركته في تشكيل الرؤى التاريخية، وتفسيرها على ضوء ما نقع عليه من كشوف علمية توفرها لنا المصادر والمراجع... ومن المفترض أن الفن والنقد، كلاهما عملية مستمرة الخلق، وأن في الفن بعامة والشعر بخاصة طاقة على التعبير والتجديد، وعلى عاتق الناقد أو الباحث تقع مهام إدراك المعنى المتجدد دوما في أية قصيدة، ولعل التأمل في الهيكل الرمزي أو البناء الأسطوري لدى مطالعتنا الخطاب الشعري عند مفدي زكرياء يرفع عن كاهل الناقد عبء العمل النقدي، ويشحنه بطاقات متسمة بسمة الكشف حينا، والإبداع حينا آخر، أو كما قال أحد الباحثين "يرفع بوجه خاص الحواجز التي تقوم بين الناقد والمبدع"(4)، فالرمز الأسطوري عند مفدي زكرياء، يأتي عن أصالة الشاعر بما يعبر به من تجربة مستلهما جوانبه التراثية والطاقة إيحائية والغموض الذي يكتنفه، كما أنه يحول في بعض الأحيان الرمز الأسطوري إلى طلاسم يصعب حلها، وقد يقع مأخذ آخر، وهو التفسير الذي يلجأ إليه بعض الشعراء قصد التخفيف من حدة هذا الغموض، فيملؤون قصائدهم بشروحات تفسر مراميهم من استعمال هذه الرموز، وتحدد مدلولاتها الخاصة، بما يذهب هو الآخر بكثير من رونق الشعر وإمتاعيته، التي تمثل بالدرجة الأولى في ما له من تلقائية وتذوق مباشر.

1 - الرمز الباعث على الأسطورة في شعر مفدي زكرياء:

في نظرة متفحصة لشعر مفدي زكرياء لا نجد أثرا للرموز الخاصة، وكل ما له في هذا الجانب إنما هي رموز تراثية، أكثرها من القرآن الكريم، وكثيرها من التاريخ العربي أو من التراث الشعري، وغالبا ما نراها تتألف "من أسماء وقصص الأبطال والأرباب، من حيث مولدهم وموتهم وحبهم وبغضهم وأحقادهم، ومؤامرتهم وانتصاراتهم وهزائمهم، وأعمال الخلق والتدمير"(5). ويلجأ مفدي زكرياء إلى استعمال الصور البلاغية كالكناية والاستعارة، وبعضها الآخر ورد في صور فنية مركبة كالتشبيه في قوله(6):

قام يختال كالمسيح وئيدا يتهدى نشوان يتلو النشيدا

حيث وظف شخصية المسيح عليه السلام، ليرمز بها إلى ما يتمتع به أول شهيد بسجن بربروس، من ثبات على المبدأ واستهانة بالآلام وبالموت في سبيل القضية التي يؤمن بها، ومن تضحية بلغت به أن يقدم نفسه فداء لوطنه.

فالرمز الأسطوري له صلة بخلق نظام إنساني أو فعل حضاري متميز في هذا الشكل، على أننا نرى بعض أوجه الشبه الموضوعية تقوم بشكل أو بآخر بين معظم الرموز القديمة، وإن كانت تختلف اختلافا بينا، إن من جهة اختيار المواقف الصدامية مثلا، أو من جهة دوافعها، وذلك نظرا لما يتفق وتاريخ ما يؤلفه مفدي زكرياء حول مزاج الشعب الذي أنتجها، كوسيلة خاصة التي اتبعها أثناء عملية الإبداع.

ولعل الشاعر عندما تناول عالم الرموز والأساطير في شعره نظرا إلى طبيعتها ومدلولاتها وابتعد عن روايتها الخرافية الوهمية، لأنه كان يبحث عن منزلتها الفكرية والروحية التي يصنعها الخيال الإنساني، فالكثير من العلماء من يؤمن بأن أساطير العالم القديم تمثل عن جدارة منجزات الروح الإنسانية إلى أن تتصل بعملية الخلق الملهم للعقول الشاعرية الخيالية الموهوبة، قادرة على إرسال تأملات كونيّة عميقة، لهذا ربما يكون مفدي زكرياء قد اعتمد في شعره على الأسطورة القديمة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمناسك والشعائر الدينية، حتى كانت كأنها تبدو له مناسك منطوقة، مما دفع بعض الناقدين بأن يرى أن الأساطير القديمة هي الأسس الفعلية التي تطورت عبر الروايات الخرافية "من أجل تفسير طبيعة الكون ومصير الإنسان وأصول العادات والعقائد والأعمال الجارية في أيامهم، وكذلك أسماء الأماكن المقدسة والأفراد البارزين"(7). كما استعان مفدي زكرياء ببعض الرموز التي توحي إلى طابع بدائي أولي، التي يشترك فيها العقل الباطني الجماعي للناس من حيث استعماله لبعض المدلولات التي انتقاها من التراث العربي، ومن الرموز التي استقاها الشاعر في هذا المجال قوله(8):

والنار في مس الجنون عزيمة يصلى بها المستعمر المتكبّر

ففي البيت حديث عن دور النار التي ترمز إلى السلاح بشتى أنواعه في مقاومة الاستعمار وإرغامه على الاعتراف بالحق لذويه، ولكي يؤدي الشاعر هذا المعنى وظف رمزا مشهورا في الطب الشعبي، وهو علاج الأمراض العقلية والجنون عن طريق الكي بالنار، حيث يكوى المجنون بالنار لكي يرجع إلى عقله وصوابه، فالاستعمار في سياسته بالجزائر المتمثلة في التسلط والاضطهاد إنما هو مصاب بالجنون، ولكي يشفى من جنونه لابد من كيّه بالنار، وهذه النار هي نيران الأسلحة والمدافع والقنابل... والثورة الجزائرية بهذا المفهوم ليست إلى علاجا للمستعمر الذي فقد عقله وأضاع رشده، فأصبح يقوم بتصرفات لا يقبلها عقل ولا منطق.

فعندما نقيم هذا الرمز من حيث وظيفته الإيحائية، نرى أنه يؤدي معان متعددة، فوصف الاستعمار في تسلطه على الجزائر بالجنون إيحاء بفداحة الخطب وخطورة السياسة التي ينتهجها وابتعاده عن الحق والصواب، إذ المجنون أقدر الناس على القيام بتصرفات غريبة ولا معقولة، واستعمال النار لعلاج المجنون يشير إلى عدالة الثورة الجزائرية وشرعية كفاحها، فليس المقصود منها الظلم أو أي شيء آخر، بل إرجاع الحق إلى نصابه، وإصلاح الأوضاع، والنار التي تقاوم بها لا تعدو كونها دواء مناسبا يتطلبه ما به من مرض، ثم إن علاج المجنون يعتبر عملا إنسانيا وواجبا على الآخرين لأن فيه مصلحة للمجنون نفسه إذ أنه سيكف عن إيذاء الآخرين وأذى نفسه أيضا، وإن كان هناك من علماء النفس من يرى أن هذه الرموز هي ذخائر ذات طابع بدائي أولي، تحولها إلى أسطورة لعلاج بعض الأمراض النفسية "إذ هي بالأحرى نتائج لمحاولات جادة هادفة عميقة، ليعبر عما لا يمكن التعبير عنه ووضع ما لا يمكن التعبير عنه في ألفاظ موحية"(9)، ولشد ما يثير الباحث ويقلقه اليوم هو ألا يرى قيمة ملموسة لما يحصله المرء من نظرة على أصل الرمز الأسطوري وكنهه ومدلوله، فهي تقوم في وثائق الأقدمين المكتوبة على روايات مفترضة ومرتجلة، وهذا من أجل أن يأتي بحثه دقيقا وموضوعيا في فحصه للوثائق المكتوبة، لأنه اعتمد في كثير من الأحيان على ترجمات هادفة استطاع ضبطها، كما عكف على ظاهر الأمور لاتخاذ تفسيرات عميقة لمواد النصوص، وهناك من يقول "إنه ربما اتخذ من الاستنتاجات والتخمينات الأكثر افتعالا نظريا وفروضا تتخلل ذلك الميدان القاحل والممتع من الدراسات الإنسانية"(10).

إن أية محاولة لدراسة الرمز على أساس أنه الباعث على الأسطورة في شعر مفدي زكرياء، تدفعنا إلى الظن أن هذه الرموز كانت مرتبطة بحياة الشاعر، تماما كما ارتبطت بجميع جوانب الأخرى المتصلة بها أو المتفرعة عنها، فما يدور في خلد الشاعر أن هناك قوى تسيطر عليه وعلى أفكاره وعلى أفكار الشعب الذي يسعى إلى تحريره، وهذه القوى لا طاقة له عليها، حيث بدأ تفكيره يتجه نحو الاعتقاد في خوارق تختص بالقوى التي لا يراها وإنما يرى أثرها، وبخوارق تختص بطرق إبقاء سر تلك القوى والسيطرة على ما يؤدي إلى الوقوع في ذلك الشر، ويبدو أن حياة الشعر بدأت تتعقد، فظهر لديه معتقدات متنوعة كونت جزءا هاما من حياته التي بدت، وكأنّها تهجس بذلك السلطان الخفي والطرق الموصلة لاتقائه أو التقرب منه، مما هيأ لظهور عالم الأساطير في سماء تفكيره من ذلك قوله: يصف مدينة قالمة(11):

وقالمة تزهو حمامها يهدهد معسولا أحلامها
يشيع بخارها ريحها ويشكو مواجع آلامها
ويرجف بسكانها ساخطا فيسمح ضاع أثامها

وتفسر هذه الأسطورة متواترة جيلا عن جيل، قصة نعت الحمّام بالمسخوطين، أن قرانا وقع في إحدى القبائل المجاورة للحمّام، زفت فيه أخت لشقيقها وأقيم حفل الزفاف بالحمّام المذكور، في جمع يترأسه القاضي الذي حرر عقد الزواج وسط عدّو له وأعوانه، فسخط الله عليهم ومسخهم أحجارا على أشكال أدمية، وانطلاقا من الإيحاء بهده الأسطورة جاء سخط سكان قالمة وضواحيها على كل منتهك للحرمات، وجاءت انتفاضتهم العارمة ضد التحدي الاستعمار في أحداث 1945م، وصمدوا في وجه المجازر الوحشية التي كان يقوم بها الجلادان "ليستر" و"كابونيل" اللذان شملهما القصاص بعد ذلك على يد الفدائيين، لهذا يمكن القول إن مثل هذه الرموز كانت داعيا لتشكل الأسطورة التي دفعت سكان قالمة للانتفاضة ضد المستعمر الفرنسي، فهي "تقوم بأعمال التوجيه للذين يؤمنون بها، تحارب معهم وتخصبهم تنتصر لهم فكانت بذلك صورة ليس لعواطفهم وتفكيرهم وخيالهم فحسب وإنما أصبحت صورة لهم ولأعمالهم"(12).

لهذا ذهب معظم الباحثين الأنتربولوجيين إلى التسليم بأن كثيرا من موضوعات الأساطير القديمة ترجع إلى تصورات ورموز دينية، وقد انتشرت في جميع أنحاء العالم على وجه التقريب، وأن جميع هذه التصورات والرموز الأسطورية، لم تكن تتألف اعتباطا من مجموعة من الموضوعات التي بدت وكأنها رصت بجانب بعضها بعضا، وإنما كانت تقف وراء قوة قادرة في شكل رمز على التشكيل، استطاعت أن تكون العناصر الأسطورة وفقا لقانون ظهور المعتقدات الخارقة.

ومن الطبيعي، ونحن نبحث عن الرمز الأسطوري عند مفدي زكرياء، أن نتمهل قليلا عند بعض رموز الظواهر الطبيعية: الشمس، القمر، النجوم، وصلتها بالنهار والليل والظلام والصبح والشفق والعواصف والحرب والخصب، وتتدبر قيمة كل من الرواية الشفوية والرواية المكتوبة المتصلة بها، فمن شعر مفدي زكرياء نعرف طقوس الشعب الجزائري، وتبين لنا مقدرته على التجريد، وعلى التفكير الرمزي لديه، حتى باتت هذه المقدرة أقوى من أن يتصورها عصر التفكير الحديث والمعاصر، وبسبب ذلك ربما نعجز عن استكشاف المعنى التأويلي والتفسيري أو الأسطورة والرمز، كما نعجز عن فقه محتواه الحاضر في استعانته لبعض الرموز والأساطير والعقائد الدينية، والذي يبين لنا المغزى الذي يرمي إليه الشاعر وكيف أنها لا تقتصر مطلقا على شروق الشمس وغروبها والليل والظلام... إذ تبين هذه الأساطير والرموز أكثر من صلة تتعلق بالحياة الخالدة الناعمة وجميع جوانبها المتصلة بالطبيعة الصامتة التي تبعث في النفس الخوف على مصير أو الأمل في الحياة، وبكلام آخر فإن جميع هذه البواعث، كانت تظهر في ظروف الشاعر الروحية فتتماثل مع نشاطه الدائب وكفاحه الدائم ضد هذا الواقع، وهكذا نحن نرى أنه من الممكن، وفقا لقوانين الطبيعة أن تنشأ هذه الرموز والأساطير من الأفكار الإنسانية عند الشاعر بصور متشابهة في المجالين الروحي والمادي، فالأفكار الدينية لا تجد مجالا لظهور في الطقوس فحسب، بل في الرموز الأسطورية التي يعتمد عليها الشعب، لأنها في اخص ملامحها كثيرا ما كانت تمثل نتاجا من حكايات الشخصية الجزائرية التي حددت له الإطار الحضاري بوصفها حالة عقلية أو روحية تمثل في صورة ما كان في زمان ومكان، وهي من هذا المجال الفكري والروحي كانت تستمد صورتها العامة دائما وأبدا.

2 - بداية الأسطورة في شعر مفدي زكرياء:

نريد أن نذكر أولاً، أن جميع الباحثين الذي تصدوا بالدراسة والبحث في شعر مفدي زكرياء، نقداً ومفهوماً، أو من ناحية الدراسات المعاصرة، قد اصطدموا بصعوبات هائلة، حيث حاولوا تحليل شخصية الشاعر أو ظروف عيشه وحياته، أو دراسة الحياة الاجتماعية والفكرية والعقلية التي سبقت تكوين وتأليف الشعر من طرف مفدي زكرياء، بحيث يمكن أن نقول إن هذه الدراسات بعد استيفائها للنتائج أصبحت كاملة وناضجة، ويذكر أنه لا تستطيع أية رواية أن تقدم لنا خبرا صحيحا عن بداية التفكير الأسطوري عند مفدي زكرياء، غير أن هناك من الباحثين من رأى أنه بإمكان استخلاص بعض النتائج المفيدة في هذا المجال إذا ما عمدنا إلى دراسة مقارنة لبعض الملابسات المتشابهة بين شعراء تلك المرحلة ولا سيما لجهة التفكير الأسطوري عند مفدي زكرياء(13).

فالشعر الذي تستعمل فيه الأسطورة "يعمل على إيحاء القوى الروحية بتأثير سحري"(14). وكثيرا ما كان يتبنى مفدي زكرياء التفكير الديني كأساس لمعتقداته الملحمية الشعرية، فالملمحة مثلا تبنى أساسا على التفكير الديني، فهي وليدة عنه، والدين فيها يمثل عصبا يحرك الأحداث ويغير مجاريها، وخلفية ينطلق منها الشاعر للتعليل والتفسير والحكم في الأخير، فإذا كان العنصر الديني في إلياذة هوميروس متمثل في اجتماع الآلهة المتعددة على قمة جبل الأولمب، كما تجتمع البرلمانات والهيئات التنفيذية في عصرنا الحديث، وتصدر أحكامها بالنطق لا يبتعد كثيرا عن منطق البشر، إذ تتحيز وتغار، وتتناقش، فإن الدين في إلياذة الجزائر يلعب هو الأخر دورا أساسيا لكنه يختلف في صميمه عن إلياذة هوميروس، فهو عند مفدي زكرياء دين السلام القائم على أساس الوجدانية في كل ما يتصل بالله أو قد يلعب هذا الدين دورا خطيرا في توجيه الأحداث وتقرير المصائر، حيث ركز الشاعر على دوره كثيرا مشيرا إليه في أكثر من موضع مصرحا بخطورته وتحكمه في زمام الأحداث، ويبدو هذا واضحا بدءاً من المقدمة الخاصة بوصف الطبيعة الجزائرية، حين يربط الشاعر بين جمالها والإيمان حجة الله ودليل وجوده(15):

جزائر يا مطلع المعجزات ويا حجة الله في كائنات
وبسمة الرّب في أرضه ويا وجه الضاحك القسمات

ومحصلة ما تقدم أن أولية الأسطورة في شعر مفدي زكرياء كانت شديدة الصلة بالممارسات الطقوسية في الدين، وتطورت عن طريق الممارسات اليومية والانفعال الحماسي الذي صاحب تلك المرحلة، رغم أن الكثير من الباحثين لم يستطيعوا أن يقدموا لنا الكثير من التصورات السليمة لأولية الأسطورة في شعر مفدي زكرياء، فهناك من اجتنب الحديث عنها واعتبرها نموذجا موازيا لعمل الدين، وهناك من ربطها بالتراث الشعبي وآخرون ربطوها بالأدب القديم.

3 - المرأة والطبيعة والرمز الأسطوري عند مفدي زكرياء:

نود الإشارة في هذا البحث أن المرأة في شعر مفدي زكرياء قد نتناولها من خلال الإغراق العاطفي الذي يتناول القضايا الوطنية ويلامسها بخفة، ويعانقها بشدة، بحيث لا نلاحظ فتورا نحو قضية ما يتناولها ولا تدعه يقف اتجاهها موقفا مترددا، فمفدي زكرياء لا يملك اتجاه مختلف القضايا إلا وجهة نظر واحدة ومحددة تتسم بالثورية، ويضع نصب عينه الهدف المطلوب، وهذه هي الوجهة التي يعبر عنه بكثير من الإغراء ويدافع عنها بشدة، ونود الإشارة هنا أن المجتمعات البدائية الأولى تكشف لنا أن العقيدة القديمة التي كانت تقول إن التناسل سر تختص به المرأة وحدها دون الرجل، وبسبب من ذلك كانت الجماعة تنتسب إلى طوطم القبلية المقدس الذي يشعرهم بالوجود روابط دموية بين أفرادها، أي بوجود صلة رحم بينها، لأن الأبوة غير معروفة عند أهل الطوطم، لهذا فقد كان مرجع النسب عندهم إلى الأم(16). ولأن فكرة الأمومة كانت التجسيد الحقيقي لفكرة الخصوبة التي نمت وعاشرت طموحاتهم الحياتية اليومية والتي كانت تحرضهم على البحث مثلا "عن بقعة خضرة وسط البلقع، وعن غدير الماء في أرض الحصى الرمّال، وعن سرب غيوم، في وهج الهاجرة"(17)، فقد كانت صورة الآلهة (الأم / المرأة) تبرز استعدادا لهذه الوظيفة. ويمكن هنا القول إن الإغراق العاطفي الذي كان يستعين به مفدي زكرياء خلال استعمال صورة المرأة بإنصاف الحلول في المشكلات التي يتناولها، فنظرته إلى القضايا تتسم بالتطرف العاطفي والمثالي في بعض الأحيان، ففي سنة 1930م ينظم الشاعر قصيدة يتحدث فيها عن الجزائر، مصورا إياها في صورة أم مسكينة، تنوء تحت كارثة جلى وصاعقة دهماء (الاستعمار طبعا) يصارعها الردى، ويبتز منها حياتها وينهب خيراتها، إذا حاولت رفع رأسها لإعلان حقها أو سعها الدهر لطما ولكما، واذا نظرت إلى الحياة، وما لها من غايات طمس لها بصرها، وإن حاولت أن تستنشق هواء السعادة صافيا، سلط عليها من جراثيمه ما يملأ ذلك الهواء، وإن جال بفؤادها غرام العلياء أرشق سهما في ذلك الفؤاد(18):

حنانا على أم تنوء عليلة بكارثة جلى وصاعقة دهم
حنانا على أم يصارعها الردى ويأكلها ولوعة دهرها لم
ويبتز منها الدهر دوما حياتها وينهبها جبرا ويسلبها حتم
إذا رفعت يوما مع الحق رأسها أخربها لكما وأوسعها لطم
وإن شخصت نحو الحياة يناظر بصير إلى غاياتها رده أعمى
وإن نشقت ريا السعادة صافيا أهال عليه من جراثيمه جم
وإن جال يوما خاطر بفؤادها غراما إلى العلياء أرشقه سهم

ونتيجة لذلك يقف الشاعر موقف المنبه المشير إلى مواطن الداء، بأسلوب يغلب عليه الإغراق العاطفي، حيث يرفض مفدي زكرياء جميع الأثقال التي يفرضها المستعمر وينطلق من عاطفة يستعمل فيها صورة المرأة إلى أبعد الحدود، يقول بوندان في هذا الشأن في تحليله العلمي لمثل هذه الظواهر "إن المغزى من تضخيم الإغراق العاطفي باستعمال صورة المرأة هو مغزى أسطوري لاستحضار المرأة بوصفها مصدر الخصوبة واستمرار الحياة والبقاء والانتصار"(19)، فنحن نقع على هذا الرمز الأسطوري المعتقدي المتسرب من عبادات الشعوب القديمة في مختلف الصور التي جمعها العرب للأمومة والخصوبة والتي جعلوها رموزا مقدسة، ويمكن إدراج شعر مفدي زكرياء ضمن الغزل السياسي الشائع لدى كثير من الشعراء الجزائريين، والذي ظهر مع مطلع القرن العشرين، واستمر حتى الخمسينيات نتيجة عوامل معقدة، والذي يتغزل فيه الشاعر ويعبر عن حرقته ولوعته وعن دموعه الغزيرة وحرقة نفسه، وكل ذلك ليس لحبيبته أو خليلته، وإنما للوطن، أو لقضية وطنية مثل الحرية.

وهذا النوع من الشعر اتخذت فيه أسطورة المرأة شكلين مختلفين يختلفان في درجة اقترابها من الغزل الحقيقي، واتحدت في الطابع العام الذي هو تغليب العنصر الوطني على الغزلي الوجداني. فالشكل الأول: التعبير عن حب الجزائر والتعلق الشديد بها والاستعداد لتضحية في سبيلها بتصويرها امرأة ملكت على الشاعر لبّه، فهام بها، وأصبح لا يهمه إلا أمرها، فيسبغ عليها صفات الحسن والجمال، ويوغل في نفسه المعذبة وما يلقاه من الألم والوجد في سبيل محبوبته.

والجدير بذكر أنه إذا كان من أسباب التعبير عن المشاعر الوطنية بهذا النوع من الشعر، الميل إلى الرمز والتمويه، اتقاء اضطهاد المستعمر، بحيث لا يصرح الشاعر بتعلقه بالجزائر أو بقضية وطنية، مثل الحرية، وإنما يحبسها في شكل أنثى لا يذكر اسمها(20)، أو يعطي لها اسم في أغلب الأحيان إيغالا في الرمز والتمويه(21)، فإن السبب الهام يكون واردا عند مفدي زكرياء نظرا إلى أنه في جميع القصائد التي تنتمي إلى هذا النوع من الغزل لا يخفي أن محبوبته هي الجزائر، فهو يسميها في مطلع القصيدة باسم أنثى كما يفعل الشعراء الآخرون كونه عندما تخف حدة التأوه والتألم يعلن عن هويتها بصورة صريحة وكأن الشاعر يحسن أن الشحنة الوطنية فيها لم يستطع أن يعبر عنها جيدا ذلك الأسلوب الرمزي، فيعدل عنه تناول الصريح للقضية الوطنية(22):

الحب أرقاني واليأس أضناني والبين ضاعف آلامي وأحزاني
والروح في الحب ليلى ستحال إلى دمع فأمطره شعري ووجداني
أساهر النجم والأكوان هامدة تصغي أنيني بأشواق تحنان
لكن ليلى هذه ليست إلا الجزائر، ففي قصيدة أخرى يقول(23):
رفقا بلادي فأنت الكون أجمعه لولاك كنت بلادي هالكا فاني
لك الرقاب وما في الكون من نفس مدي يمين الوفا يا عين إنساني

ففي الشكل الثاني من هذا الغزل هو غزل حقيقي لكنه ليس غزلا خالصا لها بل ملتحم بالوطنية فيه عاطفة حب نحو الأنثى لكنها ممتزجة بعاطفة حب الوطن. ويصعب في البداية أن نميز أيها الأصل، وأيهما يخدم الآخر، فالعاطفتان متداخلتان، والشعر متشبث بالمرأة بالوطن في آن واحد، لكن عند انعدام النظر، يتبين أن عاطفة حب الوطن هي الأساس وتمثل محور الإلمام، ذلك أن الشاعر لا يعلل حبه للوطن بتعلق بالأنثى، وإنما يذكر أن العاطفة الوطنية هي التي أججت فيه نار الهيام والحب الأنثوي، وبالتالي فلولا حبه للوطن وهيامه لما شعر بغرام للأنثى يمتلك قلبه، والعكس صحيح، فوراء قضبان سجن بربروس، وعندما يبسط الليل أجنحته وينام من الشجن تهيج المتواجد في صدر الشاعر فيتذكر الأحبة وأيام الأنس، فترفرف روحه منسابة لخارج السجن لتحلق فوق ربوع الأحبة، ثم تعود إلى الشاعر منهم ينجو عطرته، جعلت السجن كله يعبق عطرا(24):

ورب نجوى كدنيا الحب دافئة قد نام عنها رقيبي ليس يسترق
عادت بها الروح من سلوى معطرة فالسجن من ذكر سلوى كله عبق
سلوى أناديك مثلهم خطاء لو أنهم أنصفوا كان اسمك الرمق
يا فتنة الروح هلا تذكرين فتى ما ضره السجن إلا أنه ومق

وملاحظ من خلال هذه الأبيات أن يصور لنا الشاعر حياة الخصوبة المتحركة بصورة المرأة، وإن كان قد ترك الوجه الصحيح خاليا من الملامح دون أن ننسى ربط هذا الوجه بالوطن، ولا ننسى أيضا أن المرأة معشوقة من الرجل عند الشاعر، لأنه يريد أن يبحث عن منحوتات من كلماته شبيهة بالتماثيل التي تجعل المتعبد يتحرى عبادته في مناجاته، فيظهر الرمز الأسطوري أن المرأة دلالة على الخصوبة المجتمع الذي يتمنى أن تطلع على يده شمس الحرية، ولا شك أن الشاعر رشح المرأة لتكون الصورة المثالية التي شكلت العنصر الأساسي في قصائده فالكون والنجم والدمع والأشواق والليل والمطر كلها تماثل في رقتها ونقاءها وأديمها عناصر موجودة في المرأة، مما يشر أن مفدي زكرياء يحاكي أساطير قديمة أمس رحما بالديانات القديمة التي كانت تعبد فيها (الشمس/الأم)، (القمر/الأم)، (النجم/الأم) ونظرائها ورموزها القديمة.

فعبارة (المرأة/الأم) الصورة المثالية للمرأة، فالأم هي الصورة الجزئية استمدت عناصرها في شعر مفدي زكرياء من أصول دينية وأسطورية قديمة، فالوعج مثلا من العناصر الأساسية التي استخدمها الشاعر الجاهلي في صورة المرأة حيث كان يتكلم عن نقاء أديمها وإشعاع بياضها ونضارة بشرتها، فيحاول أن يجعل من هذه الصورة تكمل جوانب الصورة العامة للمرأة، هذا ما كان يلجئه للتوسع فيها، والإشارة إلى أصلها القديم الذي يربط بين لاعج والحب، إذ يتحدث عن خطوات استخراج هذه الصورة والغوص فيها، ونحن لا ننسى هنا الارتباط القديم لهذه الموجودات بالنموذج الأعلى لجمال الأنثوي، وهذا الارتباط القديم منه أصل الرمز الأسطوري في أفروديت اليونانية التي يحكى أنها وجدت محارة طافية على الزبد ومنه اشتق اسمها أفروديت من أفرويست بمعنى التبج أو زبد الموج وهي عين القلب، فالشاعر يشبه المرأة ويطلق عليها تشبيهات تقترب من المعنى الأسطوري، أو يكون هذا الرمز في بعض الأحيان ساترا صورته وراء الصورة الموحية بأصلها الديني، تتداخل في بناء هذه الرمز الأسطوري عناصر غيبية خارقة تحاول دون وصول المعنى إليها وكأن حارسها جنى، قادر على حمايتها، ولرب سائل عن سبب تصويرها بهذه الصور الخارقة اللامعقولة، والجواب أن الشعر يحاول دائما ربط الأحداث بأصولها الأسطورية القديمة، أو محاولة لربط التاريخ بالأرض أو التاريخ بالحاضر، لهذا لابد لمفدي زكرياء من أسطرتها كما نعتقد، لأن المرأة إن لم تكن محروسة فستكون محاطة بالأهوال، محروسة بالمصائب والمكائد، فهي بذلك السّر المقدس، لأنها باعثة الحياة الخالدة والفجر الجديد.

أما الطبيعة فهي وليدة مشاعر الثورة عند مفدي زكرياء، فإن وجه تلك الطبيعة حمل من ملامح الثورة الشيء الكثير، فهي ليست عند مفدي زكرياء رومانسية ولا حالمة تغرى بالإخلاد إليها والتمرغ في أحضانها وإنما هي طبيعة حية ثائرة توافق القوى الأسطورية بين أدوات الطبيعة(25):

أرض الجزائر والسماء تحالفا فاختلط حلفها النجيع الأحمر
والأطلس الجبار بث قراره فاندك منه الأطلس المتجبر

ولاشك في بحوث العلماء أكثر من إشارة إلى أن قوى الطبيعية اتخذت أطرافا في صراعها مع البشر، وقد ظهر أن الأرض والقمر والشمس كانوا متصارعين ثم اقترن ببعضهما البعض، وقد ظفر الباحثون في نصوص المسند بأخبار تتعرض إلى أسطورة صراع القمر والشمس والأرض وزواجهم كما أن في عربيتنا لفظ (اقترن) نطلقها عل اقتران الشمس بالقمر، وفي هذا معنى الازدواج كما يقول دواد علي(26).

نرى أن مفدى زكرياء عانى من مسألة الاستعمار معاناة جماعية يومية، جعلته يشارك كل القوى الطبيعية عبرت عن ذاتها بالرمز والنموذج الأصلي(27)، فقد تطورت المسألة إلى حكاية عقدة معينة في المخزون الثقافي أو عملية تداعي الرمزي مع الأسطوري أو التماثل معه أو اعتماده قناعا فنيا للشعر الثوري، إلى قضية وجود أساسي، وهو حضور لا وجود له إلا من خلاله، ولا يتحقق الفعل الشعري إلا برؤياه إلا فيه، ولعله من المستحسن قبل البدء باستعراض الرمزي الأسطوري في شعر مفدي زكرياء أن يركز المرء على بعض المنطلقات الأساسية في فهم تجربة هذا الشاعر.

إن مهمة الشاعر مفدي زكرياء تكمن في قدرته أن "ينفذ بحدسه وتجربته إلى أعماق قضايا وطنه"(28)، وهذه المهمة أو المحاولة هي عسيرة تقتضي القدرة الفائقة على نقل معاناته بقدر ما تقتضي القدرة على التعبير عن تلك المعاناة، فالقضية لا تنحصر في المعاناة والتجربة، بل إنها تمتد إلى موضوع التعبيري لهذه المعاناة، وهذا التعبير قادر على توصيل المعاناة برؤيا بارعة إلى المتلقي والشاعر في حد ذاته يعتمد على مهمة التوصيل تلي مهمة أصالة التجربة في الأهمية.

ففي هذا التوجه ما يستدعي إلى ذهن مفدي زكرياء التقارب بين الرمز والأسطورة في الفعل الشعري، فالتقارب واضح بين أدب يعتمد مثلا عليا مستخرجة من أماني الشعب وتاريخه ومزاجه النفسي ومقومات حياته وبين الرمز الأسطوري المنبثق من ضمير الأمة والمعبر عن طموحاتها.

يمكن القول إن الرمز الأسطوري في شعر مفدي زكرياء يشكل الماء والدقيق في العجينة الشعرية، فهذا الشاعر العربي رأى في الشعر فعلا حضاريا هادفا، لا يمكن له أن يعبر عن نفسه إلا من خلال الرمز الأسطوري، وسعى دائما ليحقق هذه الرؤية، ومن هنا فإن الباحث يجد الرمز الأسطوري في شعر مفدي زكرياء في كل قصائده: النهر الرماد، الناي، الريح، الرعد، الشمس، الجحيم، المسيح، ثمود، كل هذه العوالم مرتبطة متفاعلة من الرمز الأسطوري، أكثر من هذا فإن مفدي زكرياء قد تحول في سيرته كلها إلى رمز أسطوري، لهذا كله فإن ملاحقة كل رمز أسطوري في الفعل الشعري لمفدي زكرياء تحتاج ليس إلى دارسة واحدة أو إلى جهد فرد، بل إلى أكثر، إنه عمل يتطلب دراسات كثيرة متعددة الجوانب متنوعة المناحي والرؤى تتعاون فيها المناهج الدراسية والتحليلية المختلفة.

ومحصلة الكلام إن الرمز الأسطوري كان يعمل داخل الوجدان العربي القديم على تفجير التجربة الفنية عند مفدي زكرياء، ليأتي هذا الرمز الأسطوري أكثر دلالة وأكثر تجاوزا للواقع آنذاك، ومن هنا كان أغلب ديوان شعره يتخذ أشكالا الصور الأسطورية نكاد نلمح فيها البذور الأولى لمواقف الوجودية الشديدة الصلة بالحضارات الشرق القديم المعاصرة لها أو السابقة لها، كما نكاد نلمح مواقف مماثلة فيها من المثالية ما فيها من الواقعية رغم الفروقات البينة في هذه المواقف التي تدل على التأكيد على الذاتية مرة وعلى الموضوعية مرة أخرى، وذلك دون أن تخرج من أجواء الميثولوجيا العفوية المتصلة بالشعائر والطقوس المعتقدات الفكرية المحيطة بها.

الهوامش:
1 - جبرا إبراهيم جبرا: مقدمة الأسطورة والرمز، منشورات وزارة الإعلام، بغداد 1987م، ص 5.
2 - نفسه.
3 - المصدر نفسه، ص 6.
4 - د. صموئيل نوح كريمر: أساطير العالم المتقدم، ترجمة الدكتور عبد الحميد يوسف، مطبوعات الهيئة المصرية للكتاب، مصر 1984م، ص 8.
5 - المرجع نفسه، ص 9.
6 - مفدي زكرياء: ديوان اللهب المقدس، الطبعة الأولى، الجزائر 1973م، ص 9.
7 - سلفستر دي ساسي: مذكرة في أصل الأدب الجاهلي عند العرب وآثاره القديمة، باريس 1808م، ص 22.
8 - مفدي زكرياء: إلياذة الجزائر، ص 85.
9 - جروسيه إيمانويل: أوائل الفن، بلجيكا 1984م، ص 242.
10 -كارل بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، برلين 1943م، ج1، ص 48.
11 - مفدي زكرياء: ديوان اللهب المقدس، ص 34.
12 - د. جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، بغداد، ج1، ص 37.
13 - المصدر نفسه، 35.
14 - المصدر نفسه، 67.
15 - مفدي زكرياء: ديوان اللهب المقدس، ص 46.
16 - أ.ب. تشارلز ورث: الإمبراطورية الرومانية، ترجمه رمزي عبده جرجس، مراجعه محمد صقر خفاجة، دار النهضة، مصر 1965م، ص 113.
17 - أبو عبادة الهروي: كتاب الغربيين، تحقيق محمود الطناجي، ج1، ص 59.
18 - مفدي زكرياء: جريدة وادي ميزاب، عدد 12، السنة الأولى، 17 ديسمبر 1926م.
19 - د. مصطفى نصر: الصورة الفنية في الشعر الجاهلي، الطبعة الثانية، مصر 1986م، ص 139.
20 - مثلما فعل رمضان جواد في قصيدته في الحرية والتي مطلعها:
لا تلمني في حبها وهواها لست أختار ما حييت سواه
21 - الهادي السنوسي الزاهري: مفدي زكرياء، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص 152.
22 - مفدي زكرياء: ديوان اللهب المقدس، ص 57.
23 - المصدر نفسه، ص 39.
24 - المصدر نفسه، ص47.
25 - المصدر نفسه، ص 52.
26 - شهاب الدين محمد بن محمد: الالتزام في الشعر العربي، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، بيروت 1987م، ص 45.
27 - د. مولود قاسم: محاضرات الملتقى للفكر الإسلامي، ص 26.
28 - المرجع نفسه، ص 27.
References:
1 - Al-Harawī, Abū Abbāda: Kuttāb al-Gharbiyyīn, edited by Maḥmūd al-Ṭannājī.
2 - Alī, Jawād: Al-mufassal fī tārikh al-‘Arab qabla al-Islām, Baghdad.
3 - Brockelmann, Carl: Geschichte der arabischen Litteratur, Berlin 1943.
4 - Charleworth, Martin Percival: Al-imbraṭūriyya ar-rumāniyya, (The Roman empire), translated by Ramzī ‘Abdou Jarjīs, Dār al-Nahḍa, Cairo 1965.
5 - De Sacy, Silvestre: Mémoire sur l'origine et les anciens monuments de la littérature païenne des Arabes, Paris 1808.
6 - El-Zāhirī, el-Hādī Senoucī: Mufdī Zakariyya, shu‘arā’ al-Jazāir fī al-‘aṣr al-ḥaḍir.
7 - Ibn Muḥammad, Shihāb al-Din: Al-iltizām fī ash-shi‘r al-‘Arabī, Dār al-‘Ilm li al-Malāyīn, 1st ed., Beirut 1987.
8 - Jabrā, Jabrā Ibrāhīm: Muqaddimat al-’usṭūra wa ar-ramz, Publications of the Ministry of Information, Baghdad 1987.
9 - Kramer, Samuel Noah: Asāṭir al-‘ālim al-qadīm, (Mythologies of the ancient world), translated by ‘Abd al-Ḥamīd Yūsuf, Maṭbū‘āt al-Hay’a al-Miṣriyya li al-Kitāb, Cairo 1984.
10 - Naṣr, Muṣṭafā: As-ṣūra al-fanniyya fī ash-shi‘r al-Jāhilī, 2nd ed., Cairo 1986.
11 - Qāsim, Mouloud: Muḥāḍarāt Multaqā al-fikr al-islāmī, Alger.
12 - Zakaria, Mufdi: Dīwān al-lahab al-muqaddas, 1st ed., Alger 1973.
13 - Zakaria, Mufdi: Ilyādhat al-Jazāir, Alger.
14 - Zakaria, Mufdi: Jarīdat Wādī Mizāb, N° 12, 1926.
الإحالة إلى المقال:

* حاج أحمد خليفي: الرمز الأسطوري في شعر مفدي زكرياء، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثامن عشر، سبتمبر 2018. http://annales.univ-mosta.dz

***