أصالة التنغيم في القرآن الكريم

د. عبد القادر بن فطة
جامعة معسكر، الجزائر

الملخص:

إنّ التلوينات الصوتية بدأت تفرض نفسها حين اقترب العلماء من القرآن الكريم، وأدركوا إعجازه خاصة على المستوى الصوتي. فقد استخلصوا كمّا هائلا من مظاهره كالتنغيم، فقرأه كلّ حسب تخصصه بدءا بالخليل، وتوصّلوا إلى أهميته في التفريق بين صنوف الكلام. وقد استثمره اللغويون وأصحاب القراءات القرآنية العشر المتواترة في تعزيز مذهبهم دعّموا به المستويات اللغوية خاصة الصوتية، فاستبانوا خصائصه ما جعلهم يقتنعون بأنّ هذه الظاهرة الصوتية ليست من الموروث الجاهلي لأنّ القرآن جاء بنظام صوتي لم يألفه العرب، فأحسّوا بالتغيرات الطارئة على الصوائت والصوامت التي تتّضح من خلالها دلالة الكلمات، والتمسوا التفاعل مع صور الإبداع المنبعثة من عمق النص القرآني، فتلذذوا بجوانب الجمال وما يحيط به من أنماط الكلام. السؤال المطروح: هل أثبت التنغيم أصالته من خلال القرآن الكريم؟

الكلمات الدالة:

الإعجاز، الصوت، القرآن الكريم، أصالة التنغيم، أنماط الكلام.

***
The authenticity of toning in the Holy Quran

Abstract:

The acoustic signals are going to impose themselves while scientists started studying the Holy Quran, recognizing its Inimitability especially the linguistic level. They have extracted an enormous amount of its aspect such as coloring and accentuation, each one has understood it according to his specialty, since el Khalil. They have recognized its importance in making differences between the parts of speech. The linguists and the ten readers of the Qur'an have invested in the reinforcement of their doctrine by supporting linguistic levels, especially phonetics, they showed their characteristics, so that makes them convinced that the sound is not inherited from the Ignorance period (Aljahilia) because the Holy Quran is of a different sound system that the Arab had never known before, they felt the great shifts on the vowels and consonants which clarify the meaning of the world, and they touch the interaction with forms of creativity emitted from the depth of the Quranic text, delighting the esthetical aspects and surrounded by the phenomena of acoustic phenomenon including.

Key words:

inimitability, sound, Quran, authenticity of tones, speech patterns.

***

النص:

1 - حقيقة التنغيم في القرآن:

تنبّه القدامى إلى ظاهرة الارتفاع والانخفاض في الصوت في طريقة الأداء والنطق، وما تحتويه من نغمات مختلفة، والأثر الذي تحدثه في المتلقي، وتتقيّد بضوابط تتحكّم في النطق السليم وهذا ما يعرف بالتنغيم، فهو عنصر جوهري من عناصر الأداء به تكون اللغة ملتزمة بالنظام اللغوي المتعارف عليه. وقد استثمر أهل اللغة أهمية هذه الظاهرة في إزالة اللّبس عن مقاصد الجمل، وتوجيه المعاني، وتحقيق انسجام الأصوات في الطول والقصر. فالتنغيم لا يقف عند حدود الارتفاع والانخفاض، ولكنّه يشمل كل ما يتعلق بالنطق من وسائل الأداء كالنبر، والسكت والوقف "فالصوت المنبور أطول منه حين يكون غير منبور وانسجام الكلام في نغماته يتطلب الصوت والإبطاء به يترك في لهجة المتكلم أثر أجنبيا عن اللغة ينفر منه أبناؤه"(1).

فحسن الأداء يحقّق التنغيم فهو يجسّد ملامح الاستفهام والإخبار والتعجب وغيرهم فتكون تلقائيا غير متصنّع فيها، وهذا ما وقف عنده العلماء، وأدركوا الغاية وهو أن الأداء يعزّز المعنى دون مبالغة. لكنّ الحقيقة الأخرى هي أن موضوعات النص القرآني لا يمكن قراءتها بتنغيم واحد إنّما يقرأ القرآن على منازله، فمواطن التخويف محددة بألفاظها وكذلك مواقع التعظيم. وقد وضع أهل القراءة مصطلحات مرتبطة بالتنغيم والمقصد هو الدقّة في الأداء والتأثير في الهيئة التنغيمية، كالوقف الذي يقطع عنده الصوت وقتا للاستراحة ثمّ يستأنف.

والتفخيم هو سمن الحرف في المخرج وهو خاص بحروف الاستعلاء. أمّا الترقيق فهو تضعيف الحرف وهو مرتبط بحروف الاستفال. ولم يفت علماء النحو علاقة النحو بالتنغيم في تفسير بعض المسائل الإعرابية المرتبطة بالتأليف الصوتي، وإنّما عملوا على تصنيف الجمل حسب إيقاعها. كما توجد بعض الظواهر الصوتية يعتمد عليها في التخريج النحوي هي "من نغمات أكثر ما يستعمله الترقيم من علامات كالنقطة والفاصلة والشرطة وعلامة الاستفهام وعلامة التأثر"(2).

واللغة العربية الفصحى خلت من نظام الترقيم، ولكن تنغيم الجملة يفهم من المعنى دون الاتّكال على الكتابة، وأثره يظهر على معاني الجمل فيتضح تباينها دون أن يطرأ تغيير على بنيتها. وربطه الفارابي (ت 339هـ) بانفعال النفس "ومن فصول النغم الفصول التي تسير بها دالة على انفعالات النفس، والانفعالات عوارض النفس مثل الرحمة والقسوة والحزن والخوف والطرب والغضب واللذة والأذى وأشباه هذه"(3).

وهذا يدل على أنّ التنغيم في اللغة العربية قديم استخدمه القدامى فقد احتوت كتبهم عليه من ذلك ما ورد عن ابن جني "وقد حذفت الصفة ودلت الحال عليها، وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: سير عليه ليل، وهم يريدون: ليل طويل، وكأن هذا يدل حذفت فيه الصفة كما دل عليه الحال على موضعها، وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل أو نحو ذلك"(4).

كذلك الفراء (ت 207هـ) الذي تنبّه إلى ظاهرة التنغيم، واستعرضه في كتابه (معاني القرآن) لضبط بعض المسائل النحوية في إطار المنهج الصوتي "التنظيم من الحقائق الصوتية في اللغات المختلفة وهو مرتبط بالارتفاع والانخفاض في نطق الكلام نتيجة لدرجة توتر الوترين الصوتيين مما يؤدي إلى اختلاف الوقع السمعي"(5). فالإطار الصوتي هو الذي يحتوي سياق التنغيم، ويميّز بين أنواع الصيغ المتّصلة بالمستوى النحوي، "فالجمل العربية تقع في صيغ وموازين تنظيمية هي هياكل من الأنساق النغمية ذات أشكال محدودة، فالهيكل التنغيمي الذي تأتي به الجملة الاستفهامية وجملة العرض غير الهيكل التنغيمي لجملة الإثبات وهن يختلفن من حيث التنغيم عن الجملة المؤكدة"(6).

لقد استعمل النحاة أثناء تناولهم لبعض المسائل الترنّم وهو التنغيم، وقد ذكره سيبويه "اعلم أن المندوب مدعو ولكنّه متفجّع عليه، فإن شئت ألحقت في آخر الاسم الألف لأن الندبة، كأنهم يترنمون فيها، وإن شئت لم تلحق كما لم تلحق في النداء"(7). ويتميّز بإلحاق الياء أو الواو في أوله ويستعمل للتوجع. ففي كلام سيبويه إشارة إلى التطريب والترنّم ومدّ الصوت وما فيهم من معاني التنغيم فيجعل الجملة تحمل معنى الندبة فيها صورة التوجع عليه.

أمّا التنغيم عند علماء التجويد القدامى فقد استلهموه من رصيدهم العلمي وملازمتهم للقرآن، وعرفوا مواطنه لكنّهم اختلفوا في مدلوله، فاستخدم بعضهم كلمة النغمة، بينما اكتفى آخرون باستخدام عبارة رفع الصوت وخفضه.

ومن النصوص القديمة التي ارتبطت بظاهرة التنغيم، ومما احتوتها كتب علم التجويد ما أورده أبو العلاء الهمذاني العطار أثناء تحدّثه عن اللحن الخفيّ فقد ذكر الفرق بين النفي والإثبات والخبر والاستفهام ففيه تعريض وإشارة إلى موضوع التنغيم كذلك السمرقندي (ت 780هـ) الذي توسّع في هذا الموضوع وفصّل فيه من حيث القيمة العلمية "وقد طبق فكرة رفع الصوت وخفضه على عدة صور نطقية متماثلة في البنية ولا يفرق بينهما إلا طريقة التنغيم"(8).

فالتنغيم لدى علماء التجويد تكمن أهمّيته في المشافهة فأصحابه تلقّوا القرآن بالسّماع والنّقل الصحيح، وهذا يحافظ على مخارج الأصوات والنطق بها على هيئتها الأصلية. ولم يقتصر التنغيم على المستوى النحوي بل انتقل إلى المستوى البلاغي فهو يستعمل في أغراض كثيرة، ويفضل المواضع حسب ما يحتمله السياق، ويشكّل ظاهرة في استقراء تراكيب الجمل ويوجّه طبيعة القراءة مع توضيح معانيها وأغراضها كما يحكم على نوعية التغاير داخل المقام، ويحدد الوجه الصحيح للمعنى إذا كان مناسبا للسياق.

والتنغيم يراعي التعبير بصوره المتعددة ومواقفه المتنوعة، وهذا يصدق على الكثير من المواطن التي تضمنتها البلاغة العربية نحو مسلك في توجيه القراءة، وما توحي إليه من معان فتدركه الأذن ويحققه المقام للنص يحدد المعنى أو يوفق بين أكثر من معنى، فالجملة البلاغية تختلف نغماتها وفقا لأنواع التراكيب، وقد تميّزها الأدوات في بعض المواقف إلا أن التنغيم ضروري لرفع الاختلاف بغية الوصول إلى المقصود، وحين تحذف تلك الأدوات فطريقة الأداء بنغمة ملائمة للمقام تشعرنا بوجود أداة محذوفة. "يسقط حرف النداء ويبقى النداء مفهوما ما بواسطة قرائن أخرى ويسقط حرف العطف ويبقى العطف مفهومها بقرينة النغمة"(9).

إنّه يؤمّن سلامة المعنى ويبعد اللّبس عنه، والمتأمل في بلاغة القرآن يشعر بتغاير طرق التعبير في القراءة، فالقراء تنبّهوا إلى الأسلوب الذي يقتضيه السياق مع إدراك المعنى المراد منه، "تعددت رؤوس موجهي هذا الجانب القرائي، تبعا لتغاير نظرتهم إلى المقام والسياق الوارد فيه، فقد يختارون أحد الوجهين في بعض المواضع لتواتره وشيوعه في القراءة، ثم يلتمسون له وجها من المعنى يرونه مناسبا لسياقه"(10).

ومن أهم المسائل التي تمثّل فيها التنغيم الإخبار والاستفهام فالتفريق والتوفيق بينهما يقوم على فهم السياق العام للنص، فهي ظاهرة شاعت في القراءات القرآنية. فالقراء وقفوا عند بعض التراكيب فاستقرؤوا النص وبتوجيه القراءة انطلاقا ما يمليه اللفظ داخل النسق أو كانوا يستعينون بالقرائن، وأدرك القراء أن طريقة أداء النصوص يحدد الوجه القرائي، فاختيار أحد لأسلوبين يعرف بالنغمة عند التلاوة.

فطبيعة السياق العام يلمّح إلى الأسلوب الأنسب في تقرير المعاني، فهذا التغاير في القراءة دفع ببعض الموجهين إلى المفاضلة بينها، كذلك تظهر أهمية التنغيم في دراسة أسلوب الالتفات وهو أسلوب بلاغي يقصد به التنويع في الأسلوب لتحقيق المتعة للمتلقي، ويأتي في دفع السآمة والجمود عن نمطية الأداء وصرامة التركيب الواحد أو التخلّص من القوالب الثابتة. فتعدد النغمات التي يخلقها الالتفات في تنويع المواضع من الغيبة إلى الخطاب أو من الخطاب إلى الغيبة، يزيد في البلاغة ويسدد مقاصدها.

فالتراث العربي احتوى ظاهرة التنغيم في اللفظ وتنبّه إلى أهميته علماء اللغة والتجويد وإن وظفوا مصلحات قريبة من دلالته، وأدركوا ارتباطه بمعاني الجمل. أمّا المحدثون فقد اختلفوا فيه فمنهم من نفى وجوده في التراث العربي القديم ومنهم محمد الأنطاكي "إن قواعد التنغيم في العربية قديما مجهولة تمام الآن النحاة لم يشيروا إلى شيء من ذلك في كتبهم"(11).

ومن الذين أقرّوا بوجوده الدكتور أحمد كشك الذي أكّد على أنّ كتبهم تضمنت إشارات عامة استعرضوا فيها حقيقته كما أدركوا أهميته "قدامى العرب وإن لم يربطوا ظاهرة التنغيم بتفسير قضاياهم اللغوية أو هم إن تاه عنهم تسجيل قواعد لها، فإن ذلك لم يمنع من وجود خطرات ذكية لماحة يعطي إحساسا عميقا بأن رفض هذه الظاهرة تماما أمر غير وارد وإن لم يكن لها حاكم من القواعد"(12). ومنهم من يرى أنه نقل عن الدرس الصوتي العربي، والبحث فيه ضئيل (ومعظم أمثلة التنغيم في العربية (ولهجاتها) من النوع غير التمييزي الذي يعكس إما خاصة لمنهجية أو عادة نطقية للأفراد، ولذا فإن تقعيده أمر يكاد يكون مستحيلا.

وقد اهتمّ المحدثون بالمنهج اللغوي الذي يدرس الجوانب الصوتية والدلالية وغيرها. وكان التنغيم شديد الصلة باللغة قد ساهم في تحديد الدلالة والحكم عليها، ويعدّ من أهم الدعائم للدرس الصوتي. ولكنّ من الغربيين من أنكر وجوده في العربية منهم برجشتراسر (Bergsträsser) "فتعجب كلّ العجب من أنّ النحويين والمقرئين القدماء لم يذكروا النغمة والضغط أصلا. غير أنّ أهل الأداء والتجويد خاصة رمزوا إلى ما يشبه النغمة"(13).

وقد عدّت المدرسة الأمريكية التنغيم من الفونيمات الثانوية وعلى رأسهم بلومفيلد (Bloomfield) "الفونيم الثانوي عند هؤلاء جميعا يطلق على كلّ ظاهرة أو صفة صوتية ذات مغزى أو قيمة في الكلام المتّصل"(14). بمعنى أنّه لا يعدّ عنصرا من عناصر صناعة الكلمة، إنّما يبرز حين تتراصف الكلمة مع أخرى.

وبالمقابل هناك من رفض هذه التسمية، وآثر مصطلحا أكثر عمقا نظرا لما لهذا التلوين الصوتي من وظائف دلالية ومنهم فيرث ووصفها بالظاهرة التطريزية. ورغم هذا فإنّ التنغيم قام بدور أساسي في النص القرآني، فقد تكفّل بالنظم القرآني بهذا الدور الذي ساقه في أنماط لغوية تعكس قوة الإبداع وبراعة الإعجاز، كما أنّه ألمّ بمختلف العواطف والانفعالات النفسية التي انتابت الشخصيات التي تضمنها القرآن الكريم، ويظهر ذلك عند القراء الذين برعوا في طريقة الأداء التي تستميل السامع.

2 - التنغيم في ضوء نماذج قرآنية:

تفطّن القدامى إلى ظاهرة التنغيم، والذين وقفوا عنده علماء اللغة والقراءات لأنّهم اهتموا بمعاني القرآن وإعرابه كالفراء لارتباطه بالجمال الفنّي، وقرينة من القرائن اللفظية في التّعبير عن المسائل النحوية والبلاغية والصوتية والصرفية، ومعيارا يفرّق بين اللهجات العربية، والذين استثمروه القراء القدامى في الأداء والتجويد فهو الفيصل بين أنواع الجمل "التنغيم هو الذي يغير الجملة من خبر إلى استفهام إلى توكيد إلى انفعال، إلى تعجب دون تغيير في الشكل اللغات المكونة، ومع تغيير فقط في نوع التنغيم"(15). فالقارئ له دور كبير في تحديد معنى الجملة في سياقه الصوتي عن طريق هذه الظاهرة الصوتية كالجمل الخبرية والإنشائية. ففي القراءات القرآنية نصوص واضحة، في التنغيم وردت للتأثير وتغيير الأداء حسب المقام، وهذا التّغيير يطرأ على درجة الصوت في الكلام.

وعند قوله تعالى: (أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَىَ الْبَنِينَ)، سورة الصافات، الآية 153، "قرأ الجمهور (أصطفى) بفتح الألف، وهو الاختيار لأنّ المعنى هل اصطفى البنات على البنين فالألف ألف استفهام"(16) أي بأسلوب الاستفهام لما يحمل من أغراض التوبيخ والتهديد. ولعلّ النّمط التنغيمي هو الذي قارب هذه القراءة مع جمل قرآنية أخرى مشابهة لها. فالسياق العام يؤكّد الاستفهام الذي يستبعد إفكهم. فهذا الفونيم فوق التركيبي كان بمثابة علامة الترقيم.

وعند قوله تعالى: (فَلَمّا أَلْقُواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السّحْرُ إِنّ اللّه َسَيُبْطِلُهُ إِنّ اللّهَ لا َيُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)، سورة يونس، الآية 81، "قرأه أبو عمرو بالمد والهمز، على لفظ الاستفهام"(17)، والاستفهام هنا على سبيل السخرية، وقد غيّر نمط التعبير فأحدث وقفا ترتّب عنه استفهام آخر (آسحر) فالتنغيم جليّ عند ما يتوقف الكلام على (ما جئتم به) والابتداء على (آلسحر).

وعند قوله تعالى: (قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ)، سورة يوسف، الآية 75، ففي هذه الآية التنغيم يتحكّم فيها، ويوزّعها على جملتين لكن عناصر كل منهما مختلفة. فتكون الجملة الأولى: جزاؤه "من وجد في رحله والتنغيم هنا إثبات. والجملة الثانية: فهو جزاؤه والتنغيم هنا إثبات، وقد تكون الجملة الأولى هي جزاؤه؟ والتنغيم هنا تنغيم استفهام، ومن وجد في رحله فهو جزاؤه والتنغيم هنا تنغيم إثبات"(18).

فالآيات التي أشرنا إليها رغم أنّ الأداة محذوفة إلا أنّ المتلقّي يدرك أسلوب الاستفهام عن طريق هذه الظاهرة الصوتية، فالنظرة الأولى إلى الجملة تبدو خبرية، فطريقة نظمها يناسب الصيغ التنغيمية للجمل الاستفهامية "كذلك يقوم تنغيم الكلام المنطوق - وهو عنصر صوتي - بدور دلالي كبير يهدي إلى تفسير الجملة تفسيرا صحيحا مع تنوعه من نغمة الإثبات إلى الاستفهام"(19). ورغم أنّ القدامى افتقروا إلى علامات الترقيم إلا أنّ هذه الظاهرة الصوتية كانت ضمانا من الوقوع في اللّبس. لهذا يلعب التنغيم دورا في توضيح بعض الأدوات.

وبالمقابل يوجد جمل في القرآن الكريم احتوت على قرينة استفهامية إلا أنّ التنغيم يجرّدها منها عند قوله تعالى: (هَلْ أَتَىَ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مّنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مّذْكُوراً)، سورة الإنسان، الآية 1، تظهر الآية بأسلوب الاستفهام لكن عند قراءتها قراءة صحيحة تأخذ معنى آخر. فهذا التلوين الصوتي يعبّر عنها بمعنى آخر فيعطيها معناها الحقيقي والمتمثل في (قد) لأنّها دخلت على الجملة الفعلية. ومن القراء الذين قرؤوها بهذه الدلالة الكسائي "هل بمعنى قد قاله الكسائي والفراء وأبو عبيدة وحكي عن سيبويه هل بمعنى قد. قال هل تكون جحدا أو تكون خبرا فهذا من الخبر لأنّك تقول: هل أعطيتك تقرره بأنّك أعطيته والجحد تقول: هل يقدر أحد على مثل هذ"(20).

وعند قوله تعالى: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجْزِيَ إِلاّ الْكَفُورَ)، سورة سبأ، الآية 17، فالآية خلت من معنى الاستفهام رغم وجود القرينة هل فهي بمعنى قد لأنّ جزاء الكافر واقع. فهذا الفونيم الثانوي هو الذي عبّر عن ذلك، فالأداة لا تكفي بأن تثبّت هذا الأسلوب وإن وجدت القرائن. فعلى أساس هذه الظاهرة الصوتية يمكن توجيه القراءة والإبانة عن المعنى والغرض دون وجود قرينة تدل عليه، فتقدير أداة الاستفهام هي العلامة عليه.

فلا يمكن إلغاء هذه الظاهرة التطريزية في توضيح الكلام، وتجويد التركيب "فالجملة الاستفهامية خالية تماما من الأداة الصرفية، ومع ذلك يحلّلها الدارسون ويذكرها أهلوها بسليقتهم جملة استفهامية ذات نمط خاص، اعتمادا على لون موسيقاها الممثلة في التنغيم الصاعد في نهايته"(21).

كما يصلح الفونيم فوق القطعي للتعبير عن دلالة الأمر وهو مرتبط بتلاوة القارئ في التلوين لتحقيق صيغة هذا الأسلوب فعند قوله تعالى: (ثُمّ صُبّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)، سورة الدخان، الآيتان 48 و49، فكلمة (ذق) يبدو معناها التكريم والتعظيم لكنّ التنغيم أظهر غرضها الحقيقي وهو التهكّم. فنبرة الصوت جعلت الكلمة أكثر التصاقا بالمعنى فأيّ انحراف في المفردة يؤدي إلى دلالة أخرى، فالتنغيم في (ذق) حمّلها شحنة حددت معناها التي أرادها الله من خطابه لأبي جهل وفيه إهانة واحتقار.

إنّ الصوت يرتفع عندها مع وقفة قصيرة، أمّا الجملة الثانية (إنّك أنت العزيز الكريم) فينخفض الصوت. ويحسن قراءة (ذق) قراءة خاصة متميّزة عن بقية أفعال الأمر لأنّ فيها انقطاعا بين الجملتين بينها وبين إنّك. كما أنّ الفعل مرتبط بالأكل لكنّه احتوى عنصر المفاجأة لما فيه من تهكّم(22). كذلك عند قوله تعالى: (يَا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلّكمْ عَلَىَ تِجَارَةٍ تنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ باللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّه بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنتُم ْتَعْلَمُونَ)، سورة الصف، الآيات 10-11، القراءة بالتنغيم تحقّق المدلول لأسلوب الأمر من خلال استقراء المقام، فالفعلان (تؤمنون وتجاهدون) تحملان صيغة الأمر "فأمّا توجيه قراءة الجمهور فقال المبرد: هو بمعنى آمنوا وجاهدوا أمرين، ولذلك جاء يغفر مجزوما..."(23).

فدور التنغيم هنا هو التعبير عن المعنى النحوي بوضع الجملة في إطارها الصوتي المناسب، فالأسلوب الظاهر خبري بيد أنّ دلالة الأمر واضحة.

وعند قوله تعالى: (قَالَ رَبّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السّمَاءِ وَالأرْضِ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ)، سورة الأنبياء، الآية 4، "قرأ الجمهور قل بصيغة الأمر، وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف قال بصيغة الماضي"(24). فالتنغيم يلائم صيغة الأمر لأنّ السياق يقتضي ذلك، فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخبر الكفار بإحاطته التامّة بعلمه. فالقراءة بالأمر ذات قيمة تنغيمية تختلف عن القراءة لو كانت بالأسلوب الإخباري، ولهذا المقدار النغمي الذي يميّز الأمر ويتناسب مع الأهمية التي تضمنتها الكلمة. فقد استوعب السياق القرآني الطريقة التعبيرية التي تمّ بها بواسطة هذا الفونيم فوق التركيبي.

كما تظهر علاقة التنغيم بالنداء الذي فيه رفع الصوت، وهذا يعكس شعورا داخليا يترجم في نغمات صوتية، ما جعله يخرج إلى معان أخرى التي تفهم من القرائن بفضل التنغيم. فهناك نماذج قرآنية استعملت تماشيا مع التغيرات التي يعكسها صدى النص، فعند قوله تعالى: (وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، سورة البقرة، الآية 286، كلمة (مولانا) تحمل معنى النداء وإدراكه يكون فقط بالتنغيم الصوتي، فليس هناك دليل يوحي إلى هذا الأسلوب.

كذلك عند قوله تعالى (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ)، سورة يوسف، الآية 29، النص يحتوي مقطعين الأول يتعلق بيوسف عليه السلام والثاني بامرأة العزيز. فالخطاب الأول يظهر خال من أداة النداء، ولكن التنغيم هو الذي دلّ عليه (يا يوسف) فهو يتضمّن معاني الاستئناس والتحبيب.

وعند قوله تعالى: (وَتَوَلّىَ عَنْهُمْ وَقَال يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، سورة يوسف، الآية 84، أسلوب النداء بصيغة الندبة لتنبيه السامع إلى ألم يعقوب وتفجّعه لفقدانه ابنه والأصل "يا أسفي الألف مبدلة من ياء المتكلم، والأصل أسفي، ففتحت الفاء وصيرت الياء ألفا ليكون الصوت بها أتم"(25). نلاحظ من خلال هذا الشاهد مؤشرا للتنغيم يوحي إلى شدة الحزن.

ومن الأساليب التي برزت فيها هذه الظاهرة صيغة التعجب، في القرآن آيات ورد فيها هذا الأسلوب وهذا ما لاحظه القراء خاصة في مواطن تعظيم الأمر الذي يستميل عقل المتلقي، والذي يجلّيه التنغيم بإعطاء المعنى الخفيّ أهميته في الكلام.

وعند قوله تعالى: (مّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً)، سورة الكهف، الآية 6، الآية فيها معنى التعجب في قوله (كبرت كلمة) فالتلوين الصوتي هو الذي أبان عن هذه الصيغة "وفي ذلك معنى التعجب: أي ما أكبرها كلمة"(26) والتعجب هنا قول الكفار بأنّ الملائكة بنات الله رغم الأدلة الداعية إلى الهداية، فهذا أمر ينشئ التعجب لأنّ الكلمة مبنية على أساس أسلوب التعجب.

ومن أبنية التعجب التي عمل التنغيم على إظهارها عن طريق الأداء السليم في القرآن الكريم قوله تعالى (أَسْمعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ)، سورة مريم، الآية 38، فللتعجب صيغتان قياسيتان أفعل به التي ورد الفعلان (أسمع وأبصر) عليها، وما أفعل. وقد تحمل الكلمتان معنى ما أسمعهم وأبصرهم.

وعند قوله تعالى: (أُولَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ)، سورة البقرة، الآية 175، فالتعجب يعود على المخلوقين كيف يصبرون على مكثهم في النار. فقراءة (ما أصبرهم) بالفونيم الثانوي يفصح عن أسلوب التعجب الموجود في هذه الكلمة ما دامت قد جاءت على صيغة ما أفعل.

ما يلاحظ على هذه الآيات أنّ التنغيم محور هام في تحديد نغمة التعجب من خلال الكلام المنطوق. فهو الذي أظهر التركيب التي يحتوي على هذه الصيغة وعدمها. فالقارئ يتذوّق النص، ويعرف نمط الجملة، وطريقة تكوينها بواسطة التنغيم. فالتعجب له شكله من الناحية الصوتية، ولونه الموسيقي الذي يتطلبه "إنّ لأسلوب التعجب نمطا خاصا من التنغيم ينفرد به ولا يمكن فهمه أو استيعابه على وجهه الصحيح إلا بتحقيق نطقا وأداء"(27). فالتعجب لا يقتصر على المضمون، وإنّما التأثير الذي يحدثه في المستمع، وبعث الإحساس المناسب للموقف من خلال متغيّرات الأداء في إطار المقام التنغيمي للجملة.

كما شملت هذه الظاهرة الصوتية إلى جانب الأساليب مستويات أخرى وقف عدها القراء منها لام التأكيد وبعدها همزة الوصل عند قوله تعالى: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتّبَعْتُمُ الشّيْطَانَ إلاّ قَلِيلاً)، سورة النساء، الآية 83، فكلمة (لاتبعتم) رسمت بدون همزة وصل فعندما نحكّم التنغيم في نطق (لا) يرتفع الصوت، ويختفي المصوت الطويل الألف. ولكنّ في موضع آخر في القرآن يختلف الأمر فالصامت الطويل (الألف) يكتب بيد أنّ نطقه غير مجهور قال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، سورة البقرة، الآية 256، فكلمة "لا انفصام" كتبت بالمصوت الطويل "الألف".

وعند قوله تعالى: (قَالُوَاْ أَتَتّخِذُنَا هُزُواً)، سورة البقرة، الآية 67، "قرأها حمزة بالوقف كأنّه يعمل الضمة التي كانت على الزاي في الأصل"(28). وقد حذف الفاء من قالوا: وهذا في القرآن كثير، وذلك لأنّه جواب يستغني أوله عن آخره بالوقف. فالسكوت في هذه المواطن على الحذف الذي عوّض الأداة مفهومة وعلامته بالنغمة. فقد لجأ القراء إلى التنغيم في هذا الموقع للحذف ليفسروا به المسائل المتعلقة بالأداة كالفاء والواو كقوله تعالى قال تعالى: (التّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)، سورة التوبة، الآية 112. حذفت الواو في هذا السياق، وقد توصّل الفراء إلى قاعدة استثمرها من قراءته لهذه النصوص وتفسيره ما ارتبط بها من قضايا نحوية اقتضاها المنهج الصوتي "فاعرف بما جرى تفسير ما بقي، فإنّه لا يأتي إلا على الذي أنبأك به من الفصول أو الكلام المكتفي يأتي له جواب"(29).

نجد الفراء يتحرى الدقّة لينظّم تفسيره مستقرئا الآيات التي استوفت ظاهرة التنغيم، باحثا عن العلاقة المميزة بالنحو مستنبطا بذوقه النسق الصوتي مظهرا المعاني القرآنية المتأصّلة. ومما ساعده على ذلك نظرته القويّة في ربط الآية بالأخرى كاشفا القيمة الصوتية للتركيب.

فالنظام اللغوي هو الذي يقرّر هذا الحذف، ويميل إليه الاستعمال "لا ينبغي لنا أن نفهم الحذف على معنى أنّ عنصرا كان موجودا في الكلام ثمّ حذف بعد وجوده ولكن المعنى الذي يفهم من كلمة الحذف ينبغي أن يكون هو الفارق بين مقررات النظام وبين مطالب السياق الكلامي الاستعمالي"(30).

من الظواهر النحوية التي تصرف فيها النحاة وساقوا المنهج الصوتي لتفسيرها قوله تعالى: (َوَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضّرّاءِ)، سورة البقرة، الآية 177، فكلمة (الصابرين) وردت منصوبة على الاختصاص لأنّها صفة على (من آمن) فنصب المعطوف على المرفوع. أمّا إذا قرئت بالرفع فهو العطف على (الموفون).

أمّا التفسير الصوتي لهذه المسألة الخاصة بالصفات في حالة النصب والرفع فإنّ العرب على هذا المستوى كانت تغيّر النسق بصيغة جديدة في حالة تتابع الأصوات، فيحدث تغيّر صوتي يسير وفق النظام اللغوي لديهم. هذا يدلّ على اعتنائهم بالأصوات "هذا يوضح أنّ العرب تستخدم معالجة الصيغ المتابعة بإحداث تغيير صوتي يقاطع رتابة الأصوات إذا طالت على النسق واحد فإذا كان الاسم رفعا طالت له الصفات، نصبوا إحداهما للتنبيه على المدح المجدد غير المتبع الأول الكلام. ويجري للذم أيضا وهو إجراء صوتي يتطلب تغييرا في درجة الصوت"(31).

أمّا علاقة التنغيم بالعلامة الإعرابية فنجد النحاة أطالوا البحث ودخلوا في جدال لضبط بعض الحالات الإعرابية وتأصيلها فعند قوله تعالى: (لّكِن الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصّلاَةَ)، سورة النساء، الآية 162، (قرأ الجمهور كابن كثير والكسائي (والمقيمين) بالنصب إضمار فعلي على تقديره، وأعني المقيمين الصلاة "على أنّ الجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، وقيل هو العطف على ما أنزل على أنّ المراد بهم الأنبياء والملائكة"(32) وقد يكون التقدير أمدح المقيمين.

كما يؤدي التنغيم دورا في توجه الإعراب، وتفسير صوره المختلفة لبعض الظواهر الصوتية، ويطلق عليه بالفواصل الصوتية. فنعد قوله تعالى: (الَمَ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ)، سورة البقرة، الآيتان 1-2.

أولا - ذلك الكتاب: جملة مستقلة من مبتدأ وخبر. لا ريب: لا نافية للجنس، ريب: اسمها منصوب والخبر محذوف تقديره موجود والجملة اسئنافية مؤكدة. فيه هدى للمتقين: خبر مقدم، والهدى: مبتدأ مؤخر. المتقين: متعلق بهدى.

ثانيا - التركيب يختلف عن الأول. ذلك الكتاب: يبقى إعرابها ثابتا. لا ريب فيه: لا نافية للجنس واسمها وخبرها وهي إمّا مستأنفة للتأكيد، أو في محل رفع خبر ثان لاسم الإشارة ذلك. هذى للمتقين: هدى: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو.

ثالثا - تكون من آيتين تختلفان عن القراءتين السابقتين، ويتجلى هذا الاختلاف في إعرابهما: ذلك الكتاب، لا ريب فيه. ذلك: مبتدأ والكتاب بدل أو عطف بيان له، وريب فيه من لا النافية للجنس واسمها وخبرها في محل رفع المبتدأ وهو ذلك(33).

وهنا نلاحظ اتّصالا صوتيا بين جزئي الآية (ذلك الكتاب) و(لا ريب) وذلك - على هذا الاحتمال - لارتباط الكلام بعضه ببعض في المعنى والإعراب معا، ومن هنا لم يجز لنا أن نضع النقطة (.) بين هذين الجزأين، لأنّ النقطة في وضعها الصحيح إنّما تدل على انتهاء الكلام. وتمام الكلام هنا ليس بأحد هذين الجزأين دون آخر وإنّما تمامه بهما كليهما. هذه النماذج تدخل في إطار التنغيم، فهي تختلف وتتنوع بشكل واضح حسب النطق مما يؤدي إلى تغيير المعنى. واختلاف التنغيم يعود إلى المشاعر والأذواق.

وبناء على ما سبق توضيحه أنّ العربية نغمية، وهذا ما وجدناه على المستوى النص القرآني، في أشكال القراءات، والقراء أشاروا إلى التنغيم بصورة معمّقة وقد لمسنا معالمه نتيجة التغيرات الصوتية التي تطرأ على الجملة. هذه الظاهرة يمكن التنبّه إليها منة خلال السياق والأغراض التي يخرج إليها في الجملة وهو موجود في كل اللغات.

الهوامش:
1 - إبراهيم أنيس: الأصوات اللغوية، مكتبة أنجلو، ط2، القاهرة 1952م، ص 44.
2 - تمام حسان: اللغة العربية معناها مبناها، دار الثقافة، المغرب 1994، ص 277.
3 - أبو زكرياء يحيى بن زياد الفارابي: كتاب الموسيقى الكبير، تحقيق غطاس عبد الملك، ج1، ص 107.
4 - أبو الفتح عثمان بن جني: الخصائص، تحقيق علي النجار، دار الكتاب العربي، بيروت، ج2، ص 370-371.
5 - محمود فهمي حجازي: مدخل إلى علم اللغة، دار قباء، القاهرة، ص 82.
6 - تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص 226.
7 - عمرو بن عثمان بن قنبر سيبويه: الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون، عالم الكتب، ط3، بيروت 1983م، ج2، ص 221.
8 - غانم قدوري الحمد: الدراسات الصوتية عند علماء التجويد، دار عمار، ط8، عمان 1428هـ، ص 479.
9 - تمام حسان: اللغة معناها ومبناها، ص 288.
10 - أحمد سعد محمد: التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، مكتبة الآداب، ط1، القاهرة 1418هـ، ص 221.
11 - محمد الأنطاكي: دراسات في فقه اللغة، دار الشروق العربي، ط4، بيروت، ص 197.
12 - المرجع نفسه، ص 57-58.
13 - أحمد عمر مختار: دراسة الصوت العربي، عالم الكتب، ط4، القاهرة 1427هـ، ص 366.
14 - برجشتراسر: التطور النحوي للغة العربية، ترجمة عبد الوهاب رمضان، مكتبة الخانجي، 1402هـ، ص 46.
15 - محمد كمال بشر: علم الأصوات، دار غريب، القاهرة 2000م، ص 496.
16 - أحمد عمر مختار: دراسة الصوت اللغوي، ص 230.
17 - عبد الرحمن بن محمد أبو زرعة: حجة القراءات تحقيق سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، بيروت 1418هـ، ص 612.
18 - محمد حماسة: النحو والدلالة، دار الشروق، ط1، لقاهرة 1420هـ، ص 122.
19 - أبو علي الفارسي: الحجة للقراء السبعة، تحقيق بدر الدين قهوجي وبشير حويجاتي، دار مأمون، ط1، ص 118-119.
20 - المرجع نفسه، ص 17.
21 - أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، تحقيق عبد العليم البردوني، دار الشعب، ط2، مصر 1980م، ج19، ص 118-119.
22 - كمال بشر: علم الأصوات، دار غريب، القاهرة 2000م، ص 545.
23 - محمد بن يوسف بن علي أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر، بيروت 1992م، ج8، ص 260.
24 - محمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية 1984م، ج17، ص 15.
25 - أبو البقاء العكبري: التبيان في إعراب القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجيل، ط2، بيروت 1407هـ، ج2، ص 743.
26 - أبو حيان الأندلسي: البحر المحيط، ج6، ص 95.
27 - كمال بشر: علم الأصوات، ص 546.
28 - أبو القاسم الزمخشري: الكشاف، دار الفكر، ط1، بيروت 1403هـ، ج1، ص 447.
29 - الفراء: معاني القرآن، عالم الكتب، ط3، بيروت 1403هـ، ج1، ص 44.
30 - تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص 298.
31 - محمد كاظم البكاء: المنهج الصوتي للنحو العربي، مجلة المورد، العدد الرابع، بغداد، ص 110.
32 - محمد بن محمد العمادي أبو سعود: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج2، ص 254.
33 - أبو حيان الأندلسي: البحر المحيط، ج1، ص 159.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد القادر بن فطة: أصالة التنغيم في القرآن الكريم، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثامن عشر 2018. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

الحذف بين إعجاز القرآن وإبداع العرب
حوليات التراث، العدد 14، 2014.

***