النزعة الاعتزالية في التوجيهات البلاغية عند القاضي عبد الجبار

محمد بن عمارة
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

 إنّ المطلع على المدونات التفسيرية يلاحظ أنّ أصحابها قد سلكوا مناهج في تفاسيرهم تخدم توجهاتهم الفكرية والعقدية، ويُعد القاضي عبد الجبار المعتزلي من أبرز المفسرين الذين عملوا على توجيه آيِ القرآن الكريم مع ما يتوافق مع الأصول الخمسة التي أقرّها شيوخ المعتزلة، وما استرعى انتباهنا هو اعتماده على مختلف الفنون البلاغية في تأويل النصوص القرآنية وتوجيهها توجيهاً يخدم المذهب الاعتزالي، ولا سيما المجاز الذي وجد فيه ضالته. وفي ضوء الخلافات العقدية بين المعتزلة وباقي الفرق الإسلامية، حاول القاضي عبد الجبار الانتصار لمذهبه من خلال تنزيه الذات الإلهية، وتوجيه النصوص القرآنية توجيهاً يخدم عقيدة المذهب وأصوله الخمسة، ولا سيما آيات الأسماء والصفات، مستغلاً في ذلك المنفذ البلاغي لتقرير آراء المذهب وتوجيه شواهده والاستدلال على صحته والرد على مخالفيه.

الكلمات الدالة:

القاضي عبد الجبار، المعتزلة، البلاغة، التأويل، النزعة الاعتزالية.

***
The trend of retirement in the rhetorical orientations

of Cadi Abdul Jabbar

Abstract:

An insider of exegetical writings notes that their authors have adopted approaches in their interpretations that serve their ideological orientations. Judge Abd al-Jabbar al-Mu'tazili is considered one of the most prominent commentators who worked to direct the verses of the Holy Qur’an in accordance with the five principles approved by the Mu'tazila Sheikhs, what caught our attention was its reliance on various rhetorical arts in interpreting Quranic texts and directing them to serve the Mu'tazili school of thought, especially the metaphor in which he found his way. In light of the doctrinal differences between the Mu'tazila and the rest of the Islamic sects, Judge Abdul-Jabbar tried to win his doctrine by honoring the divine self and directing the Qur’an texts to serve the doctrine and its five principles, Especially the verses of nouns and adjectives, exploiting in that the rhetorical outlet to determine the opinions of the doctrine, direct its evidence, infer its validity and respond to its opponents.

Key words:

Cadi Abdul Jabbar, Mutazilites, rhetoric, interpretation, retirement.

***

النص:

1 - مدخل:

من المعروف أن نشأة الدرس البلاغي كانت تحت ظلال القرآن الكريم، كما كانت الصلة وثيقة بين علم البلاغة وعلم التفسير. إذ وجد علماء التفسير ضالّتهم في المنفذ البلاغي لإثبات توجهاتهم العقدية. وخاصَّة فيما يخص آيات الأسماء والصفات التي أثارت جدلا واسعا بين العلماء، محاولين إثبات عقائدهم والانتصار لمذاهبهم متّخذين من البلاغة المنطلق الرئيس لإثبات هذه العقائد.

كما كان النقاش والجدال واسعاً في بيئة المتكلمين بين المعتزلة والأشاعرة والمرجئة والقدرية والجبرية والخوارج(1) والكثير من الفرق التي لا يسع المقام لذكرها كلِّها. وكان هذا الجدال ذا طابع عقدي محض. وكانت فرقة المعتزلة من أبرز الفرق التي تعرضت للقرآن الكريم من منطلق عقلي. وذلك لحريتها الفكرية وعقليتها المنهجية وحججها المنطقية الدامغة. وقد برز منهم البلغاء والفلاسفة فكان منهم أساتذة في المناظرة وأعلام في الجدل ورواد في البلاغة فطرحوا بعض الأفكار والقضايا شغلت المسلمين وأثارت الجدل وأسالت الحبر الكثير رداً على المخالفين. ولعلّ أبرز هذه القضايا هي: كلام الله سبحانه وتعالى، ومسألة إثبات صفاته من عدمها، ومسالة رؤية الله - عز وجلّ - في الآخرة من عدمها. وأيضا الإعجاز القرآني ومسألة أفعال العباد أتنسب إلى الله أم تنسب إلى الإنسان؟

وقد اختلفت جميع الفرق الإسلامية في طريقة معالجتها لهذه المواضيع لاسيما في قضية الأسماء والصفات وفي إثباتها من عدمه. ومن بين جميع الطوائف الإسلامية برز الفكر الاعتزالي الذي عمل على تنزيه الذات الإلهية من جميع أسمائها وصفاتها. متخذاً من قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) القاعدة الأساسية لتنزيه الذات الإلهية. معتبرين أنّه كل من يثبت لله صفة من الصفات يقع في التشبيه أو التجسيم أو التكييف وهذا ما لا يجوز في حق الذات الإلهية.

وقد اتخذ شيوخ المعتزلة من البلاغة بصفة عامة ومن المجاز بصفة خاصّة منفذهم الأبرز في توجيه آي القرآن مع ما يتوافق مع مذهبهم وأصولهم التي أقروها. يتقدمهم القاضي عبد الجبار (ت 416هـ-1025م)، والذي يمثل عصارة ما وصل إليه هذا الفكر الاعتزالي من نضج. فعمد إلى توجيه آيِ القرآن الكريم وما يتناسب مع مذهبه الاعتزالي وتأويل النصوص القرآنية تأويلاً عقلياً يخدم أفكار المعتزلة وتوجهاتهم، فكان "البحث في أمور العقيدة بحثاً كلامياً وتأويل نصوص القرآن والحديث تأويلاً عقلياً. كان ذلك كله باعث على دراسة ظاهرة المجاز"(2). وفي ضوء معطيات العقل والأصول الخمسة التي أقرها شيوخ المعتزلة عمل القاضي عبد الجبار في كل تفاسيره على توظيف البلاغة لخدمة مذهبه، وتوجيه آي القرآن وما يتوافق مع نظرة شيوخه. ويتجلى هذا في قوله: "لا بُدّ أن يعرض ما في كتاب الله من الآيات الواردة في العدل والتوحيد على ما تقدم له من العلم، فما وافقه حمله على ظاهره، وما خالف الظاهر حمله على المجاز"(3).

2 - تعريف المعتزلة:

أ - لغة:

يقول ابن منظور: "عزل الشيء يعزله عزلاً. عزله فاعتزل. انعزل تعزل، نحاه جانباً فتنحى، وقوله تعالى: (إِنَهُمْ عَنْ السَمْعِ لَمَعْزُولُونْ)، سورة الشعراء، الآية 212. معناه أنهم لمّا رُموا بالنجوم مُنعوا من السمع. واعتزل الشيء وتعزله. تنحى عنه، وقوله تعالى: (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونْ)، سورة الدخان، الآية 21. أراد إن لم تؤمنوا بي فلا تكونوا عليَّ ولا معي"(4).

وبذلك يكون معنى المعتزلة في اللغة التنحي والمفارقة والابتعاد والاعتزال وعدم الخوض. ومنه اُستمد المعنى الاصطلاحي مع وجود اختلاف في تحديد ما تنحت عنه المعتزلة وامتنعت عن الخوض فيه.
ب - اصطلاحا:

المعتزلة هم أصحاب واصل بن عطاء الغزال اعتزل عن مجلس الحسن البصري(5). "وهم الواضعون لدعائم علم الكلام الإسلامي، فيهم تأسّس وبجهودهم تطورت موضوعاته، لِمَا أضافوا إليه من مباحث جديدة أثرت في موضوعاته. وكان لهم دور كبير في تطويره وصياغة مقولاته ومعالجتها معالجة جادة، هي أقرب إلى روح التفلسف"(6).

3 - الأصول الخمسة عند المعتزلة:

وضع المعتزلة أصولاً خمسة لم يختلفوا فيها بجميع أطيافهم سواء كانوا بصريين أو كوفيين، أو بغداديين. ويثمن شيخهم الخياط المعتزلي هذه الدعائم في قوله: "وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كمُلت في الإنسان هذه الخصال الخمسة فهو معتزلي"(7).
أ - التوحيد:

هو أهمُّ أصل اجتمع عليه المعتزلة، واتصل التوحيد بتصور تنزيهي للذات الإلهية، واتسم فهْم المعتزلة لهذا الأصل بالعمق. فالله لا يشبه أحداً على الإطلاق، ولا يمكن تصوره ولا تخيُلهُ. فذاته لا يمكن إدراك كنهها أو وصف جانب من جوانبها. لأن الله لا متناه والعقل متناه، فكيف للمتناه (العقل) أن يدرك اللامتناهي (الله).

وليتحقق التوحيد الكامل، والتنزيه المطلق قام المعتزلة بنفي رؤية الله في الدنيا والآخرة وذلك لاقتضائها الجسمية، والجهة، والضوء كما استندوا في ذلك لقوله: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارْ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارْ)، سورة الأنعام، الآية 103. ولأنه كما يقول القاضي عبد الجبار: "لا أحد يدعي أنه يرى الله سبحانه وتعالى إلاّ من يعتقده جسماً مصوراً بصورة مخصوصة أو يعتقد أنه يحل في الأجسام"(8).

ومن هنا نستنتج أن المعتزلة بنوْا مفهوماً خاصا بهم لمعنى التوحيد، مبني على التنزيه المطلق للذات الإلهية. ونفي رؤية الله في الآخرة، ويُعد هذا الأصل من أبرز ما اتفقت عليه المعتزلة بجميع مدارسها وأطيافها وتوجهاتها.
ب - العدل:

ثاني أصول المعتزلة، وهو من صفات الله تعالى. وينبني العدل في الفكر الاعتزالي على أن الإنسان هو الخالق لأفعاله، وله عليها سلطة وإرادة. يقول الناشئ الأكبر: "وقالت المعتزلة أفعال العباد لم يخلقها الله، ولم يضطر إليها وما كان فيها من معصية لم يرضاها ولم يردها، ولم يأمر به"(9) فكما نزّه المعتزلة الله عن التشبيه، حاولوا تنزيهه عن كل مستقبح في أفعاله، "إذ لا خلاف بينهم في أن الله سبحانه منزّه عن كل قبيح، أن ما ثبت من قبيح ليس من فعله، وأن ما ثبت من فعله لا يجوز أن يكون قبيح"(10)، وينطوي تحت هذا الأصل الحسن والقبح، وإرادة الله، وإرادة الإنسان.
جـ - الوعد والوعيد:

يُعتبر الوعد والوعيد ثالث أصل عند المعتزلة، وهو مبني على جزاء العباد في الآخرة استناداً إلى أفعالهم التي أتوْها في الدنيا، فالوعد هو العاقبة المحمودة، والوعيد هو المستقبح من الأفعال التي ارتكبها الإنسان في الدنيا، وينطوي تحت هذا الأصل الاستحقاق والعوض.
د - المنزلة بين المنزلتين:

يعتبر هذا الأصل أول ما تعرض له المعتزلة، حيث أذن بميلاد الفرقة. لقد تطرق مؤسسها واصل بن عطاء لمرتكب الكبيرة، واتفقوا على أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، "لأن أحكام الكفر منتفية عنه. فلهذا قالوا بالمنزلة بين المنزلتين"(11). وهذا الأصل عندهم وثيق الصلة بمبدأ العدل، فمرتكب الكبيرة لا يُعامل معاملة الأبرار ما دام قد ارتكب الذنوب والآثام.
هـ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

اتفق كافة المسلمين على هذا الأصل لكنهم اختلفوا في كيفية تطبيقه، في حين يرى أهل السنة أن هذا الأصل يكون بالقلب فقط أو اللسان إن أمكن ذلك، فالمعتزلة يرون أن سّل السيوف واجباً إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك، ويبلور الدكتور البلخي مذهب المعتزلة في هذا الباب قائلا: "وأجمعوا أنّ على المسلمين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجبا بأي جهة استطاعوا، بالسيف فما دونه"(12).

نستنج مما سبق أنّ جميع أصول المعتزلة في الحقيقة تعود إلى الأصلين الكبيرين (التوحيد والعدل) ولذلك سمّوْا أنفسهم بأهل التوحيد والعدل.

4 - منهج القاضي في التعامل مع القرآن:

لقد كان للمعتزلة بشكل عام منهج تميَّز عن المناهج الأخرى في التعامل مع القرآن الكريم. فظهرت في بيئتهم قضايا تفسيرية تأويلية مثل المجاز، والتوسع اللغوي، فجعلتهم ينهجون نهج جديد في التعامل مع النص القرآني، إذْ اعتمدوا على العقل كأول مصدر لإثبات وجود الله، والدفاع عن العقيدة الإسلامية. ووظّفوه في تفسير وتأويل آي القرآن، وقد نَهَجَ القاضي عبد الجبار نَهْج شيوخه في التعامل مع النص القرآني، مستعيناً بأدلة العقل والتأويل اللغوي البلاغي لإثبات أصول التوحيد والعدل ويثمن طرحه بقوله: "فأما إذا كان المحكم والمتشابه وَارِدين في التوحيد والعدل، فلا بد من بنائهما على أدلة العقول"(13). فالقاضي عبد الجبار يستند إلى المنهج العقلي في تأويل للنصوص النقلية، باعتبار أنّ الدلالة العقلية تنبني على تخريجات منطقية لا تتعارض فيها المقدمات مع النتائج، كما يعتمد على المجاز حين يتعذر الاعتماد على الأدلة العقلية حيث يقول: "وإذا وجب تقدم ما ذكرناه من المعرفة، ليصح أن يعرف أن كلامه تعالى حق ودلالة، فلا بد أن يعرض ما في كتاب الله من الآيات الواردة في العدل والتوحيد على ما تقدم له من العلم، فما وافقه حمله على ظاهره، وما خالف الظاهر حمله على المجاز، وإلا كان الفرع ناقضا للأصل. ولا يمكن في كون كلامه تعالى دلالة سوى هذه الطريقة"(14). وبهذا يصبح المجاز بصفة خاصة والبلاغة بصفة عامة من الآليات المعتمدة في توجيه النصوص مع ما يتوافق والعقيدة الاعتزالية لإثبات أدلة التوحيد والعدل.

5 - أثر النزعة الاعتزالية في توجيهات القاضي عبد الجبار البلاغية:

أحْدَث الانتماء العقدي للقاضي عبد الجبار أثراً كبيراً في توجيهه لبعض الآيات القرآنية، فكانت النزعة الاعتزالية بادية على توجيهاته. ولاسيما أثناء تطرقه لآيات الأسماء والصفات، والتي يدل ظاهرها على التجسيم، والتشبه، وتحيّز الله، ورؤيته عيان، تأويل حاول من خلاله الحفاظ على رؤية شيوخه لمسائل العقيدة، مستعيناً في ذلك بالمنافذ التي تتيحها البلاغة، ولا سيما المجاز الذي احتفى به واعتمد عليه في توجيهاته، بل اعتبره من أبرز الآليات التأويلية التي تساعد على توجيه النصوص وما يتوافق مع أصولهم الخمسة التي أقره، ومن بين التوجيهات التي تلفت النظر ما يلي:
أ - الإيجاز بالحذف:

تطرق القاضي عبد الجبّار للكثير من مباحث الإيجاز، إلا أن الإيجاز بالحذف كان أبرز المنافذ التي ساعدته على توجيه دلالات النصوص القرآنية خدمةً للرؤية الاعتزالية. ومن أبرز ما تعرض له ما يلي:
1 - قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَى أنْ يَأْتِيَهُمْ اللَه فِي ظُلل مِنَ الغَمَامِ والمَلائِكةُ)، سورة البقرة، الآية 216. علّق القاضي عليها قائلاً: "والمراد بذلك عندنا: أن متحملي أمره يأتون على هذا الوجه، وقد بيّن ذلك في سورة النحل فقال: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيهَمْ المَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِي أَمْرُ رَبِكَ) سورة النحل، الآية 33"(15). ولعل هذا التوجيه يوافق الرؤية الاعتزالية لمسائل التوحيد، الذي ينفي فعل الإتيان(16) في حق الله تعالى لأن ذلك يقتضي الوقوع في التجسيم مثل ما يقول القاضي: "ومن حمل ذلك على حقيقته فلا بدّ أن يعترف فيه تعالى بأنه جسم مؤلف مصور. وذلك يُوجب فيه الحدوث"(17).

وبهذا قام القاضي عبد الجبار بِرَدّ الآية المتشابهة إلى الآية المحكمة، وقد قدّر بأن هناك مضافا محذوفا، وهو (أمر ربك، أو متحملي أمر ربك)، وذلك لتنزيه الذات الإلهية عن فعل الحركة والإتيان والمجيء.
2 - قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّا صَفَا)، سورة الفجر، الآية 22. علّق قائلا: "والمراد بذلك وجاء أمر ربك، أو متحملي أمر ربك، للمحاسبة والفصل. على ما يُقال في اللغة عند التنازع في الأمر الذي يُرجع إليه في بعض الكتب: إذا جاء الشافعي فقد كفانا. ويراد بذلك كتابه"(18).

توجيه حاول من خلاله المحافظة على الأصول الخمسة، فقدّر حذف المضاف (جاء أمر ربك) وذلك من باب تنزيه الذات الله عن فعل المجيء. وما يؤكد ذلك قوله: "لو جاز عليه المجيء لجاز عليه المشي والانتقال"(19).
ب - التشبيه:

عمد القاضي عبد الجبار إلى التشبه في العديد من توجيهاته باعتباره آلية تساعد على توجيه النصوص القرآنية مع ما يتوافق مع الرؤية الاعتزالية لأصول العقيدة ومن أبرز ما تطرق له، قوله تعالى: (إِنَّا لَا نَدْرِي أَشَرُ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضْ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُهُمْ رَشَدَا)، سورة الجن، الآية 10. فقال: "لا يدل على أنه تعالى يريد الشّر والقبيح، لأنه ليس في ظاهره ذكر المريد من هو؟ كما أراد في ظاهره أنه تعالى أراد بهم الرشد فلا يجوز أن يتعلق بظاهره. وقد بيّنا من قبل أن الشدائد والمحن الواردة من قِبله تعالى قد توصف بأنها الشر على طريقة المجاز"(20).

ونستنتج من كلام القاضي، أن الشر في الآية الكريمة مجاز على سبيل التشبيه بالمصائب، والشدائد، توجيه حاول من خلاله تفادي إسناد فعل الشّر لله، ووُجوب تنزيه الذات الإلهية عن القبيح والشّر.
جـ - الاستعارة:

بالرغم من أنّ القاضي عبد الجبار لم يفرق كثيرا بين الاستعارة والمجاز إلا أنها كانت من أبرز المباحث البلاغية التي ساعدته على تأويل آيْ القرآن مع ما يتوافق مع مذهبه الاعتزالي ومن بين ما تطرق إليه ما يلي:
1 - قوله تعالى: (إِنَّ الَلَه بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطْ)، سورة آل عمران، الآية 120. فقال: "إن المراد إحاطة علمه بما نعمل، وذلك مشبه بالجسم المحيط بغيره. فكما أن ذلك الغير لا يخرج عما أحاط به. فكذلك أعمالنا لا تخرج عن أن تكون معلومة لله. وذلك من الله ترغيباً في عمل الخير والتحذير من المعاصي"(21).

فجعل بذلك لفظة (محيط) مستعارة للفظة (العلم). والتقدير (أن الله بما يعملون عليم)، وهذا التوجيه لم يخلُ من النزعة الاعتزالية، لأن الإحاطة في نظر القاضي لا تجوز إلا على الأجسام وما جرى مجراها كما يقول القاضي: "ويقتضي التوحيد نفي الجسمية وكل ما يلزم عنها. فهو تعالى ليس بجسم ولا عرض ولا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام"(22) ومن أجل تنزيه الله عن التركيب والتجسيم، وجّه الآية على سبيل الاستعارة التي خدمت رؤيته لمسائل التوحيد.
2 - قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالحَقْ إِنَهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِهِمْ وَزِدْناَهُمْ هُدَى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ)، سورة الكهف، الآيات 13-14. فقال: "(رَبَطْنا على قلوبهم) فلا ظاهر له فيما قالوه. لأن فائدته الشّد والربط والعقد. وذلك إنما يصح في الأجسام إذا اشتدت بغيرها، وذلك لا يتأتى في الإيمان وسائر الأفعال. فيجب أن يُحمل الأمر على أن المراد بذلك: الألطاف وضروب المعونة التي معها يثبت الإنسان على إيمانه"(23).

ويُستنج من توجيه الفاضي أنه حمل الآية على سبيل الاستعارة، فقد اُستعيرت لفظة الربط لتدّل على تقوية قلوبهم لمّا بدى الإيمان منهم. والتقدير (فقوَّينا على قلوبهم) ولم يخلُ هذا التوجيه من نزعته الاعتزلية، لأنّ الربط يقتضي جسماً يقوم بفعل الربط، وبالضرورة يؤدي بنا إلى التجسيم كما ذكرنا سالف، وهذا ما لا يجوز في حق الله، وثانياً أن العبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو كذلك المُجازى على فعله، والله أقدره على ذلك كله. فالقاضي هنا حاول التأكيد على أصل العدل، والذي ينص على أنّ العباد هم علّة أفعالهم، لأن منها الحسن والقبيح، والقبيح بالضرورة لا يصدر من الذات الإلهية في معتقد المعتزلة، وهذا ما دفع القاضي إلى توجيه الآية مع ما يخدم مذهبه في قضية خلق أفعال العباد.
3 - قوله تعالى: (إِنَّ شَرَ الدَوَابْ عِنْدَ الَلَه الصُّمُ البُكْمُ الذِينَ لَا يَعْقِلُونْ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلُّوا وَهُمْ مُعْرِضُونْ)، سورة الأنفال، الآيات 22-23. علّق قائلا: "وبيّنا من قبل أنه يصف الكفار بذلك تشبيهاً بمن هذا حاله من حيث حلّ محله في أنه لا ينتفع بما يسمع ويُبصر فيتفكر فيه، ويعقل... وقد قال أبو الهذيل - رحمه الله - إنهم لشد تمسكهم بالكفر صاروا كأنهم منعوا أنفسهم من الانتفاع بما يسمعون، ويبصرون، ويعقلون"(24).

نستنتج من كلام القاضي أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، معتمداً في تأويلها على التخريج البلاغي. بحيث شبّه الكفار في شدة تمسُكهم بالكفر، وعدم انتفاعهم بما يسمعون ويبصرون، بالصم والبكم. فحذف المشبه (الكفار) وأحلّ محله المشبه به (الصم والبكم) على طريق الاستعارة. وهذا التوجيه لم يخل من نزعته الاعتزالية. إذ أن المعتزلة ينادون بحرية الإنسان في أفعاله كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، ولو أخذنا الآية على ظاهرها لدلت على أنّ الله تعالى منع الكفار من الإيمان. وهذا ما لا يجوز في حق الله بالنسبة للمعتزلة.
د - المجاز:

يُعدّ المجاز من أبرز المباحث التي ساعدت الفكر الاعتزالي على تمرير أفكاره وتثبيت عقائده، ويُجمع الكثير من الدارسين على أنّ مصطلح المجاز نظّر وقعّد له شيوخ المعتزلة وذلك لِما يُتيحه من راحبةٍ في المعنى وتعدد في الدلالة ومن أبرز ما تعرض له القاضي في هذا الباب ما يلي:
1 - قوله تعالى: (وَلَا تُطعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا)، سورة الكهف، الآية 38. فقال: "وبعد، فإن الغفلة إذا اُستُعمِلت فيما يفعله المرء من الجهل والتشاغل عن ذكر الله، والطعن فيه. لا تكون إلاّ مجازا، لأن من هذا حاله هو ذاكر للشيء علم به وبأحواله... لأنه تعالى لو أغفل قلوبهم بأن منعهم من الإيمان بالذكر. لما جاز أن يذُمهم، والمراد بذلك عندنا ولا تطع من صادفنا قلبه غافل"(25).

فحّل لفظة (أغفلنا) على المجاز، وقدّرها (ولا تطع من صادفنا قلبه...). بحيث لو أخذنا الآية على ظاهرها لأفادت بأن الله هو من منعهم من الإيمان. وهذا ما لا يتماشى مع أصول المعتزلة، أذْ يروْن أن الإيمان والمعاصي هما من فعل العبد، وهو الذي يتسبب فيهما ولا قدرة لله عليهما، وهذا من باب حرية أفعال العباد، والعدل الإلهي. وأنه تعالى لو كان سبباً في منعهم من الإيمان لما جاز أن يعاقبهم.
2 - قوله تعالى: (إِنَّ الله هُوَ الرَزَاقُ ذُو القُوَةِ المَتِينْ)، سورة الذاريات، الآية 58. فقال: "والمراد بذلك عندنا أنه قوي على الأمور، قادر عليها. ولا يجوز أن يمنعه مانع منها. وعلى هذا الحد من المجاز وصف نفسه بأنه متين. ولما كان المتين مثل الصلب الذي هو صلب الذي يكون أقوى من غيره. فلمّا أراد الله المبالغة لنفسه في الوصف بالقوة قال هذا القول"(26).

قد وجّه القاضي الآية على سبيل المجاز، فقام بتأويل لفظة (المتين) على أن المقصود منها هي قوّة الله. لأن الاستعمال المجازي للفظة المتين بالنسبة للقاضي كان أقوى في المبالغة من غيره، إلا أن هذا التوجيه لم يخل من النزعة الاعتزالية، لأن لفظة المتين في نظره تُطلق على الأجسام الصلبة، وهذا ما لا يجوز في حق الذات الإلهية بالنسبة لأهل العدل والتوحيد. الذين حاولوا في تأويلاتهم تنزيه الذات الإلهية. حيث يقول القاضي معلقاً على الآية: "ولو كان المراد ظاهره لوجب مع قوته أن يوصف بالمتانة التي هي الصلابة والتي هي صفة الأجسام"(27).
3 - قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَمَ هَلْ اِمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدْ)، سورة ق، الآية 30. علّق قائلا: "وجوابنا في ذلك أن نقول لخزنة جهنم، وهذا كقوله تعالى: (وَاسْأَلْ القَرْيَةُ)"(28).

ومن كلام القاضي نستنج أنه وجّه الآية على سبيل المجاز بالحذف، وقدّرها (ويوم نقول لخزنة جهنم)، لأن جهنم من الجماد، والجماد لا يمكن تكليمه، في حين كانت الرؤية الاعتزالية بادية في التوجيه، بحيث لو جاز تكليمها لجاز من الله المخاطبة، وهذا ما لا يجوز في حق الله تعالى، لأنه منزّه عن ذلك كما ذكرنا ذلك سالفاً.
4 - علّق على قوله تعالى: (والسَمَوَاتُ مَطْوِيَاتٌ بِيَمِينِهِ)، سورة الزمر، الآية 67. فقال: "وكذلك فإنما يُراد بأن الشيء في قبضة فلان وأنه يصرفه كيف أراد، وأنه مستجيب له فيما شاء، فلمّا كانت الأرض هذه حالها مع الله تعالى، وكذلك السموات. جاز أن يتمدح بأنها في قبضته وأن السموات مطويات بيمينه(29).

حاول القاضي في هذا التوجيه صرف الآية عن ظاهرها. إذْ يُؤوِل اليمين بالقوة والاقتدار. وأن الله استعمل (مطويات بيمينه) مجازاً على قوته وتحكمه، فقام في هذا التأويل بتقديم أدلة عقلية وأسقطها على القرآن. توجيه حاول من خلاله صرف إحاطة الزمان بالذات الإلهية وتنزيهه عن ذلك ولأن اليمين يقتضي المكان والزمان والجسم وهذا ما لا يمكن في حق الله بالنسبة للمعتزلة.
5 - قوله تعالى: (وَقَالَتْ اليَهُودُ يَدُ اللَهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانْ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءْ)، سورة المائدة، الآية 64. فقال: "والمراد بذلك أن نعمتيه مبسوطتان على العباد، وأراد به نعمة الدين والدنيا والنعمة الظاهرة والباطنة. وقد يُعَبَرُ باليدين عن النعمة فيقال: لفلان عندي يدٌ وأيادي جسيمة"(30).

توجيه عمد القاضي فيه على صرف الآية عن ظاهرها، فجعل (اليد) من باب المجاز لأنها سبب في النعمة كما هو معروف في لسان العرب، وبالرغم من أنه لم يعبر عن ذلك بالمصطلحات البلاغية. إلا أنه يُستنتج من كلامه أنه مجاز مرسل علاقته السببية كما هو متعارف عند المتأخرين، فاليد سبب في النعمة. لكن التوجيه لم يخل من النزعة العقدية الاعتزالية التي تعمل على تنزيه الذات الإلهية من مثل هذه الصفات، فكان التوجيه بالمجاز لسبب عدم الوقوع في التشبيه، وإثبات الجارحة فيقول مؤكداً على ذلك: "ولم يُرد الله تعالى بذكر اليدين الجارحة ولا صفة مجهولة كما يذهب إليه المشبهة بل أراد تعالى النعم"(31).
هـ - المشاكلة:

بالرغم من أن المشاكلة لم تكن بالمفهوم الاصطلاحي الذي عُرف عند المتأخرين، إلا أن القاضي استغل هذا النوع البلاغي في تمرير معتقداته، ولا سيما في الصفات السلبية التي لا تجوز في حق الذات الإلهية ومن أبرز ما تعرض له ما يلي:
1 - قوله تعالى: (وَقَدْ مَكَرَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَالِلَهِ المَكْرُ جَمِيعَا)، سورة الرعد، الآية 42. فقال: "إن المراد إنزال العقاب بهم جميعا وما شاكله من حيث لا يعرفون، كما ذكرنا في سورة البقرة"(32).

فوَجْهُ المشاكلة هو إسناد المكر لله تعالى، مشاكلة للفظ المكر للمنافقين، وإنما كان كذلك لأن المكر نقص فلا يصحُ إطلاقه على الله تعالى. وهذا التوجيه من القاضي كان مبنيٌ على مذهبه الاعتزالي الذي بنزّه الله من الصفات السلبية إذْ يقول القاضي: "لا خلاف بينهم، في أن الله سبحانه وتعالى منزّه عن كل قبيح، وأن ما ثبت من قبيح ليس من فعله"(33).
2 - قوله تعالى: (فَلّمَا زَاغُوا أَزَاغَ اللَهُ قُلُوبَهُمْ)، سورة الصف، الآية 5. فقال: "فالمراد به عاقبهم الله على زيغهم، نحو قوله: (وَجَزَاءُ سَيئَةً سَيئَةٍ مِثْلَهَا)"(34).

فالتوجيه هنا على سبيل المشاكلة. أي لمّا كان الزيغ منهم كان الزيغ من الله على وجه المشاكلة فقط وليس على الحقيقة، وكان هذا التوجيه مبنيٌا على تنزيه الله من كلّ قبيح، أي إسناد فعل الزيغ إلى الله لا يجوز في حقه، لأن الزيغ قبيح، والله ليست له القدرة على خلق القبيح في نظر المعتزلة، لأنه في الأساس لا يريده.
و - التورية:

كانت التورية حاضرةً في توجيهات القاضي عبد الجبّار نظراً لكثرتها في كلام العرب فساعدته على تأويل بعض الآيات المتعلقة بمسائل العقيدة وما يتوافق مع مذهبه.
1 - قوله تعالى: (هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعَا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَمَاء)، سورة البقرة، الآية 29. فقال: "والجواب عن ذلك: أن الاستواء محتمل في اللغة وتختلف مواقعه بحسب ما يتصل به من قول، فقد يُراد به الاستلاب والاقتدار... وقد يُراد به القصد فيقال استويت على هذا الأمر، وقد يُقال استوى فلان في حاله وماله ويُراد بذلك زوال الخلل... وقد ذكر أبو علي - رحمه الله - أن المراد بذلك: ثم قصد لخلق السماء وأراد ذلك، ولذلك عداهُ بـ(إلى) ولا يكاد يُعدى بـ(إلى) إذا أُريد به الاستواء على المكان"(35).

فالقاضي عمل على تخريج الآية عدّة تخريجات تبرّر توجهه العقدي. مستندا في ذلك للمعنى اللغوي للفظة (استوى). ونستلزم من كلامه أن الاستواء في الآية ليس عل الحقيقة، بل المراد به الاستيلاء والاقتدار. فالاستواء معناه القريب هو الجلوس، أمّا معناه البعيد هو الاقتدار والاستيلاء، وهذا ما عُرِف عند المتأخرين بالإيهام أو التورية. وقد كانت النزعة الاعتزالية واضحة في هذا التوجيه. فحاول الإتيان بكل معاني (استوى) حتى يُخْرِج الآية عن ظاهرها، وكان هذا التوجيه مبنيٌ على تنزيه الله عن المكان والتجسيم، لأن الاستواء يقتضي جسم مستوي، ويحتاج إلى مكان يحتوي هذا الجسم، وهذا ما لا يصح في حق الذات الإلهية حيث يقول القاضي: "والاستواء إنما يصح على الجسم، كما أن القيام والقعود إنما يصحان عليه ويُوجب جواز الانتقال عليه أيض"(36).
2 - قوله تعالى: (وَالسَمَاءَ بَنَيْنَاها بِأَيْدٍ)، سورة الذاريات، الآية 47. فقال: "وجوابنا: أن المراد به القوة والقدرة، ولولا ذلك لوجب إثبات أيدٍ كثيرة له، تعالى الله عن ذلك"(37).

فالمراد باليد هن، القوة والقدرة، فأخرجها بذلك عن معناها الحقيقي (الجارحة)، وبهذا أراد المعني البعيد لليد والمتمثل في القوة والقدرة، إلا أن هذا التوجيه لم يخل من النزعة الاعتزالية التي تُنزّه الله عن الجوارح. مع أن هناك في الآية قرينة والتي هي (بنيناها) إلا أن انتمائه العقدي حتّم عليه توجيه الآية بهذا التوجيه.
ز - الكناية:

تُعتبر الكناية ثاني مبحث بلاغي بعد المجاز ساعد المعتزلة في فرض عقائد مذهبهم. ومن أبرز ما تعرض له القاضي في باب الكناية ما يلي:
1 - قوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانْ)، سورة المائدة، الآية 64. فقال: "فبيَّن تعالى أن يده مبسوطة العطاء والأفضال والرزق ولكنه يُنفق كيف يشاء بحسب المصلحة. ولم يرد تعالى بذكر اليدين الجارحة ولا صفة مجهولة كما يذهب إليه المشبهة بل أراد تعالى النعم إنما ثنى ذلك لأنه أراد نعم الدنيا والدين والنعم الظاهر والباطنة ولو أراد تعالى الجارحة لما ذكر البسط"(38).

فتوجيه الآية الكريمة بالكناية صحيح اتفق عليه جلّ المفسرين، فالقصد من اليد العطاء والرزق. وهذا ما اصطلح عليه العرب في كلامهم، إلا أن نفي حقيقة اليدين من طرف القاضي كان بسبب انتمائه الذي لا يثبت الجارحة في حق الذات الإلهية لذلك، "اتفقوا على نفي التشبيه عنه من كل وجه وجهة ومكان وصورة وجسما وتحيُزاً، وانتقالا وزوالا وتغيرا وتأثيرً"(39).
2 - قوله تعالى: (الرَحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوى)، سورة طه، الآية 5. فقال: "والمراد استولى اقتدر عليه لأن العرش من أعظم ما خلق فنبّه على أنه إذا كان مقتدرا عليه مع عظمه، وعلى السموات والأرض... والمراد الاستيلاء والقدرة كما ذكرناه"(40).

فالقاضي عمد إلى صرف الآية عن ظاهرها الذي يقتضي التجسيم، حيث أوّلها بالكناية. فالاستواء المذكور في الآية ليس المقصود به الاستواء الذي يقع على الأجسام، بل هو كناية على قدرته واستيلائه على كل ما في الأرض والسماء، فالتوجيه مبنيٌ على موقفه القدي، والذي يُنزِه الله عن مثل هذه الأمور، لأن الاستواء في الفكر الاعتزالي لا يقع إلا على الأجسام وهذا ما لا يصح في حق الله.

6 - نتائج البحث:

كانت هذه هي أبرز المحطات التي لفتت انتباهنا في التوجيهات البلاغية للقاضي عبد الجبّار أثناء تأويله لآيات الذكر الحكيم، فعمل على تأويل القرآن الكريم وما يتوافق مع مذهبه الاعتزالي، محاولاً إثبات عقائد هذا المذهب بكل الطرق والسبل المتاحة. فوجد في البلاغة العربية والتأويلات العقلية بعض المنافذ التي سمحت له بإثبات هذه العقائد. ولعل أبرز هذه المنافذ: (الحذف والتشبيه والاستعارة والمجاز والمشاكلة والكناية والتورية) فسمح وُجود مثل هذه الفنون البلاغية في كلام العرب من تثبيت رؤيته وموقفه لمسائل العقيدة، ولاسيما تلك الآيات المتعلقة بالذات الإلهية، مستندا في ذلك على أشعار العرب وكلامها وتصاريفها مسقطاً إياها على القرآن الكريم. كما كان القاضي وفياًّ لشيوخه حيث عاد إليهم في الكثير من تأويلاته للقرآن حتى لا يخرج على المنهج العام للفكر الاعتزالي في التفسير، ويُدعم الرؤية الاعتزالية التي جعلت من العقل والبلاغة منفذا رئيساً في إثبات توجهاتهم الفكرية ومواقفهم العقدية.

الهوامش:
1 - يوسف بن عبد الله بن محمد: التوجيه البلاغي لآيات العقيدة، مكتبة فهد الوطنية للنشر، السعودية 2008م، ص 19-20.
2 - أحمد أبو زيد: المنحى الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآن، مكتبة العارف، ط1، الرباط 1976م، ص 179.
3 - القاضي عبد الجبار: المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق أمين خولي، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، (د.ت)، ج16، ص 395.
4 - ابن منظور: لسان العرب، تحقيق مجموعة من المؤلفين، دار المعارف، القاهرة، (د.ت) ج4، ص 298.
5 - علي بن محمد بن علي الحسين الجرجاني: كتاب التعريفات، تحقيق نصر الدين تونسي، القدس للتصدير، ط1، القاهرة 2007م، ص 347.
6 - محمد صالح محمد السيد: مدخل إلى علم الكلام، دار قباء، القاهرة 2001م، ص 219.
7 - أبو الحسن الخياط: الانتصار والرد على ابن الرواندي الملحد، تحقيق محمد حجازي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، (د.ت)، ص 126.
8 - القاضي عبد الجبار: المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج3، ص 98.
9 - الناشئ الأكبر: كتاب الأوسط في المقالات، تحقيق يوسف فان أسي، دار العلم، بيروت، (د.ت)، ص 93.
10 - القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد السيد، الدار التونسية للنشر، ط2، تونس 1986م، ص 548.
11 - المصدر نفسه، ص 352.
12 - أبو القاسم البلخي: باب ذكر المعتزلة من كتاب القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، ص 64.
13 - القاضي عبد الجبار: المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج16، ص 392.
14 - المصدر نفسه، ص 395.
15 - القاضي عبد الجبار: متشابه القرآن، تحقيق عدنان زرزور، مكتبة دار التراث، القاهرة، (د.ت)، ص 120.
16 - يُنظر، القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم عثمان، مطبعة الاستقلال الكبرى، القاهرة 1975م، ص 367.
17 - المصدر نفسه، ص 369.
18 - القاضي عبد الجبار: متشابه القرآن، ص 389.
19 - القاضي عبد الجبار: تنزيه القرآن عن المطاعن، دار النهضة الحديثة، لبنان، ص 464.
20 - المصدر نفسه، ص 668.
21 - القاضي عبد الجبار: متشابه القرآن، ص 417.
22 - القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، ص 247.
23 - القاضي عبد الجبار: متشابه القرآن، ص 147.
24 - المصدر نفسه، ص 320.
25 - المصدر نفسه، ص 473.
26 - المصدر نفسه، ص 629.
27 - القاضي عبد الجبار: تنزيه القرآن عن المطاعن، ص 402.
28 - القاضي عبد الجبار: متشابه القرآن، ص 398.
29 - المصدر نفسه، ص 598.
30 - القاضي عبد الجبار، متشابه القرآن، ص 230.
31 - القاضي عبد الجبار، تنزيه القرآن عن المطاعن، ص 118.
32 - المصدر نفسه، ص 204.
33 - القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، ص 348.
34 - القاضي عبد الجبار: تنزيه القرآن عن المطاعن، ص 420.
35 - القاضي عبد الجبار: متشابه القرآن، ص 74.
36 - القاضي عبد الجبار: تنزيه القرآن عن المطاعن، ص 73.
37 - المرجع نفسه، ص 402.
38 - المرجع نفسه، ص 118.
39 - أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار قباء، القاهرة، ج1، ص 40.
40 - القاضي عبد الجبار: تنزيه القرآن عن المطاعن، ص 250.
الإحالة إلى المقال:

* محمد بن عمارة: النزعة الاعتزالية في التوجيهات البلاغية عند القاضي عبد الجبار، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثامن عشر 2018. http://annales.univ-mosta.dz

***