الدعوة إلى تيسير النحو العربي
البواعث والمنطلقات

د. سفيان بلعجين
المركز الجامعي غليزان، الجزائر

الملخص:

يسعى هذا البحث إلى معالجة قضية لغوية مهمة وهي الدعوة إلى تيسير النحو العربي، باعتبارها رد فعل لما شهده هذا البحث العلمي الأساسي من تعقيد وتشعّب، جرّاء تعدّد المدارس النحوية والاختلاف بين علمائها، ما أدى إلى تعقيد القواعد وخلق صعوبة في تلقين النحو واكتسابه، فظهرت منذ القديم محاولات لتيسير النحو وتبسيطه بداية بإعداد المختصرات، مرورا بدعوة أهم علماء الدرس اللغوي القديم من أمثال الجرجاني إلى ذلك، وبخاصة في الأندلس مع ابن مضاء القرطبي الذي ثار على نظرية العامل لتعقديها، وظهرت المنظومات النحوية التي جاءت لتسهيل حفظ القواعد، لتزداد الدعوة إلى تيسير النحو مع الدراسات اللغوية واللسانية العربية الحديثة، حتى وصل الأمر بالبعض أن دعا إلى إلغاء الإعراب محتجين بأنّه الركيزة الأولى للنحو المعقّد.

الكلمات الدالة:

النحو، التيسير، التراث، اللغة، المدارس النحوية.

***
The Advocacy to facilitate Arabic grammar
the motivations and the premises

Abstract:

This research seeks to address an important linguistic issue, which is the call to facilitate Arabic grammar, as a reaction to the complexity of this basic scientific research, due to the multiplicity of grammatical schools and the difference between their scholars. This complicated the rules and created difficulty in learning and acquiring grammar, Since ancient times, there have been attempts to facilitate and simplify grammar, beginning with the preparation of acronyms, passing through the invitation of the most important scholars of the ancient linguistic lesson, such as Al-Jurjani, Especially in Andalusia with Ibn Madhâ' al-Qurtubi, who rebelled against the theory of the factor because of its complexity. Grammatical systems appeared that came to facilitate the memorization of grammar, and the call for facilitating grammar increased with modern Arabic linguistic and linguistic studies. Some even called for the abolition of parsing, arguing that it was the first pillar of a complex grammar.

Key words:

grammar, facilitation, heritage, language, grammar schools.

***

النص:

بتعدّد المدارس والمذاهب النحوية واختلاف وجهات نظر علمائها وتباين آرائهم حول المسائل النحوية لتبيان تخريجاتهم وتأويلاتهم واجتهادهم ومنطلقاتهم نشبت صراعات علمية ومشادات كلامية بين النحاة أنفسهم وبين الشعراء والأدباء حيث أصبح النحاة رقباء على كل إنتاج أدبي يخطئون الشعراء والأدباء. وقد كان هذا الخلاف سببا في تشعب النحو العربي وتعقيد مسائله، فاستعصى على المتعلّمين والدارسين لدرجة أن ارتفعت منذ القديم وحديثا دعوات وصيحات تلحّ على ضرورة تيسير النّحو وتخليصه من تعسّف النحاة وكثرة عللهم، والصيغة الفلسفية والمنطقية التي ألصقت به.

ومن الأمثلة على هذا التباين في الآراء واضطرابها نذكر قضية العامل قديما التي أثارت جدلا واسعا بين النحاة واللغويين، فحول عامل الخبر مثلا تعددّت وجهات النّظر إذ "اختلف النحويون في ذلك، فذهب الكوفيون إلى أنّ عامله المبتدأ، وذهب البصريون إلى أنّ المبتدأ هو العامل في الخبر. لأنّه كما عمل في المبتدأ وجب أن يكون عاملا في الخبر قياسا على العوامل الّلفظيّة التي تدخل على المبتدأ، وذهب قوم منهم أيضا إلى أنّ الابتداء عمل في المبتدأ والمبتدأ عمل في الخبر، وذهب سيبويه وجماعة معه إلى أنّ العامل في الخبر هو الابتداء والمبتدأ جميعا، لأنّ الابتداء لا ينفك عن المبتدأ ولا يصحّ للخبر معنى إلا بهما، فدلّ على أنهما العاملان فيه"(1).

وحديثا ظهرت تلك المدارس اللسانية والمناهج اللغوية التي حاولت أن ترقى بالنحو من مجرد كونه جملة من القواعد والقوانين الجافة إلى الأثر الفني والأدبي الذي تحدثه القاعدة في النص أو حتى الانزياح عنها ضمن ما كان يسمى قديما بالجوازات. وتبيان هذا في المناهج من شأنه تقريب المسائل النحوية من خلال الربط بين أبعادها التقعيدية وآثارها الجمالية في النص، ذلك أن "مراعاة إعراب الكلام بتعيين حركات الضبط لا يكفي لتحديد المعاني، فقد يكون ذلك من باب التركيب الصوري للكلام، إنّما تقتضي الكتابة الأدبية حضور الحس بالإيقاع والعقل بالضبط من أجل استقامة الدلالات"(2).

ويحصر بعض الباحثين(3) الأسباب الكامنة وراء صعوبة القواعد وعسرها على المتعلّمين في "الإسراف في التّعليل والاقتراض والإسراف في الاصطلاحات والإمعان في العمق العلمي"(4).

في حين يحصرها آخرون(5) في كثرة الشواذ التي أدت إلى تفرع القواعد وتشعّبها مما حال دون الإحاطة والإلمام بها: "وكثرت الشواذ أحيانا إلى أن أدى هذا إلى خلق قواعد أقلّ أهميّة، وأقلّ عموما، وأندر شيوعا من غيرها. وهكذا كثرت قواعد اللغة وتنوّعت وتشعبت مسالكها إلى أن أصبح الإلمام بها أمرا غير يسير"(6). ويرى الدكتور صالح بلعيد من جهته "أنّ أمر التفكير في تسيير النحو يعود إلى الشوائب التي علقت للأسباب الآتية:
1 - خلط الشواهد أثناء جمع اللغة: بمعنى أنّ هناك توسعا في جمع الشواهد وهناك من اقتصر على الشّائع منها.
2 - اقتصار اللغويين على قبائل دون أخرى.
3 - الاقتصار على جمع اللغة على زمن محدّد وهو منتصف القرن الثاني الهجري في الأمصار ونهاية القرن الرّابع الهجري في البادية.
4 - اهتمام اللّغويين بشكل اللغة دون مضمونها أي التركيز على الحركات الإعرابية.
5 - الاقتصار في أثناء تحليل المادّة على المكتوب دون المنطوق.
6 - فصل النحو عن البلاغة: ممّا أدى إلى الصناعة النحوية التي كان لها أثرها السلبي على النحو العربي وتعلمه"(7).

كما نحيل صعوبة التحصيل المعرفي للقواعد النحوية إلى اختيار الشواهد وأسلوب التعامل معها من جهة أخرى، ذلك أنّ الشاهد مناط الاستيعاب والفهم للقاعدة ككل، وعليه فغموضه وابتعاده عن المستوى العلمي لمتلقيه، وكذا عدم ملامسته جماليا من خلال تفعيل مكوناته النحوية والإعرابية المناسبة للقاعدة يحول دون تيسير النحو وذلك عبر كل المستويات التعليمية من الابتدائي إلى الجامعي.

1 - دعوة القدماء إلى تيسير النحو:

إنّ الدعوة إلى تيسير النحو وتبسيط قواعده ليست وليدة العصر الحديث، إذ بتصفّح كتب النحو من مصادر ومراجع نجد أنّ هذه الفكرة قد راودت العديد من اللغويين القدامى حيث تعود جذورها إلى مطلع القرن الثاني الهجري، إذ بادر خلف الأحمر (ت 180هـ) بوضع أوّل كتاب مختصر في النحو العربي يسهل تناوله على المبتدئين، حيث يقول: "لمّا رأيت النحويين وأصحاب العربيّة أجمعين قد استعملوا التطويل وكثرة العلل واغفلوا ما يحتاج إليه المتعلم المتبلغ في النحو من المختصر والطرق العربية والمآخذ الذي يخفي عن المبتدأ حفظه، ويعمل في عقله ويحيط به فهمه، أمعنت النّظر في كتاب أؤلفه، وأجمع فيه الأصول والأدوات والعوامل على أصول المبتدئين، ليستغني به المتعلّم عن التّطويل، فعملت هذه الأوراق، ولم أدع فيها أصلا ولا أداة ولا حجّة ولا دلالة إلا مليتها فيها، فمن قرأها وحفظها وناظر عليها علم أصول النحو كله مما يصلح لسانه في كتاب يكتبه أو شعر ينشده أو خطبه يلقيها أو رسالة يؤلّفه"(8).

تلت هذه المحاولة الأولى محاولات أخرى تدعو إلى تهذيب النحو العربي بما ييسره على المتعلّمين ويجعله في متناولهم من دون عناء أو مشقة، فالجاحظ (ت 255هـ) الذي هاله أمر تشعّب القواعد وتفرّعها وتعقّدها ينبّه إلى ضرورة الاقتصار في تعليم النّحو على ما يصون لسان المتعلّم من فاحش اللّحن لأن الإكثار من النحو والمبالغة في تدريسه والحرص على الإلمام بجميع مسائله من غير هدف مضيعة للوقت والجهد وشغل للمتعلّم عما هو أهم من ذلك، يقول: "أما النحو فلا تشغل قلبه (أي الصبي) إلا بقدر ما يؤدّيه إلى السلامة من فاحش اللحن من مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه"(9).

تعد محاولة خلف الأحمر أولى المختصرات النحويّة التي ظهرت إلى الوجود، أعقبها الكسائي بمحاولة أخرى تمثلت في كتابه الذي ألّفه تحت عنوان "المختصر الصغير" ثم "مختصر النحو" للجرمي (ت 225هـ) وكذا مختصر أبي موسى سليمان بن محمد (ت 305هـ) ثم جاء دور كلّ من الزجاجي (ت 340هـ) الذي ألّف كتابه "الجمل" حرص فيه على تقديم مادّة ميسرة أكثر فيها من الشواهد مع التدرّج في تقرير القاعدة وعلى إثره ابن مقسم (ت 353هـ) له "التيسير في اللغة والنّحو" وفي القرن الرّابع الهجري ألّف أبو علي الفارسي ولنفس الغرض: "البصريّات" و"الشيرازيات". وفي نفس الفترة يدعم ابن جني (ت 392هـ) هذه المختصرات بكتابه: "اللّمع في العربية" جمع فيه بين النّحو والصرف واقتصر فيه على ما هو ضروري من المسائل النحوية، وفي مطلع هذا القرن بلغ أمر النحو بين الناس من الزهد فيه ما لفت انتباه عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ) الذي ثارت ثائرته وهجم على النحاة هجوما عنيفا معيبا عليهم ما وصلوا إليه من السفاسف في مسائل النّحو حيث يقول: "فإن قالوا: لم نأب صحّة هذا العلم ولم ننكر مكان الحاجة إليه في معرفة كتاب الله، وإنما أنكرنا أشياء كثر تموه بها، وفصول قول تكلفتموها، ومسائل عويصة تجشمتم الفكر فيها، ثم تحصّلوا على شيء أكثر من أن تغربوا على السامعين وتعابوا بها الحاضرين"(10). كما يعيب عليهم من جهة أخرى تشعبهم في مسائل النّحو وتفرعهم فيها لدرجة التعقيد حيث يقول: "وحتى كأن المشكل على الجميع غير مشكّل عندكم، وحتى كأنّكم قد أوتيتم أن تستنبطوا من المسألة الواحدة من كلّ باب مسائله كلّها، فتخرجوا إلى فن من التّجاهل لا يبقى معه كلام وأما أن تعلموا أنكم قد أخطأتم حين أصغرتم أمر هذا العلم وظننتم ما ظننتم فيه، فترجعوا إلى الحق تسلموا الفضل لأهله، وتدعوا الذي يزري بكم ويفتح باب العيب عليكم، ويطيل لسان القادح فيكم"(11).

إنّ الجرجاني يريد من خلال هذا النقد اللاذع الموجّه للنحاة أن يخرج البحث النحوي واللّغوي من الدائرة الضيّقة التي حوصر فيها حيث لم يتجاوز النظر فيه حدّ النظر إلى الحركات الإعرابية في أواخر الكلمات. ومن هنا ركز كما يقول الدّكتور صالح بلعيد على "نظريّة النظم التي يربط فيها بين معاني النّحو وأحكامه، فمعنى النظم هو توخي معاني النّحو بين الكلم"(12). فعلى الناظم على حد تعبير الجرجاني أن ينظم كلامه وفق ما يقتضيه علم النحو وما تفرضه قوانينه وأصوله يقول: "واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، ويحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منه"(13). على أن يحرص النّاظم في كل ذلك بعدم تجاوز الحدود في الاستعانة بهذا العلم الذي لا يعدو في رأيه أن يكون كالملح في الطعام.

وإذا انتقلنا للأندلس نجد أنّ أولى محاولات تيسر النحو كانت مع ابن بابشاذ (ت 469هـ)، على أنّ ابن مضاء الذي ثار على نظريّة العامل كما مر بنا يعد رائد الحركة التيسيرية في الأندلس. ولعل ما يلفت الانتباه في هذه الفترة سواء في الأندلس أو المغرب العربي هو ظهور الشعر النحوي التعليمي كما فعل ابن مالك وابن معط(14) اللذان عملا على تلخيص كتب النّحو في أرجوزتيهما، يقول ابن خلدون: "وجاء المتأخرون بمذهبهم في الاختصار، فاختصروا كثيرا من ذلك الطول مع استيعابهم لجميع ما نقل كما فعل ابن مالك في كتاب التسهيل وأمثاله أو اقتصارهم على المبادئ للمتعلّمين، كما فعله الزمخشري في المفصل وابن الحاجب في المقدمة له، وربّما نظّموا ذلك نظما مثل ابن مالك في الأرجوزتين الكبرى والصغرى وابن المعطي في الأرجوزتين الألفية، وبالجملة فالتأليف في هذا الفن أكثر من أن يحصى أو يحيط بها، وطرق التعليم فيها مختلفة"(15).

2 - دعوة المحدثين إلى التيسير:

على غرار الدّعوة إلى تيسير النحو التي نادى بها القدامى، قامت مع مطلع العصر الحديث مناهج ومدارس لسانية بإسهاماتها المتعددة والمتنوعة في دعوتها إلى تيسير النحو وفق آليات تنظيرية وإجرائية معينة، فضلا عن ذلك حركات متعددة دعا أصحابها إلى تيسير القواعد بما يتلاءم وطبيعة العصر، إلا أنّ وجهات نظر هذه الحركات مختلفة ومتباينة، فمنها ما ذهب إلى حدّ التّطرف حيث دعت إلى رفض النّحو وإلغائه من برامج التّعليم جملة وتفصيلا، وفي حين ذهبت أخرى إلى تبنّي الرأي الأول مستندة في ذلك على تدعيم رأيها بسند عملي بهدف الإقناع بصواب فكرتها، أما الفريق الآخر من هذه الحركات فقد اتّسم بصفة الاعتدال حيث عمل أصحابه وبصدق نيّة على إيجاد حلول للمشكلة النّحويّة.
أ - موقف المتطرّفين:

بدأت الدّعوة إلى الاستغناء عن النّحو العربي وإلغائه من التّعليم بتبني الفكرة التي سعى بعض المستشرقين(16) إلى نشرها في أوساط أشباه مثقفين باللغة العربية بدعوى أنّ اللسان العربي (النحو العربي) وبما فيه من صعوبات أحال دون تقدّم العرب ومسايرتهم للركب الحضاري، وهذا ما جاء على لسان المستشرق الإنجليزي ولكوكس الذي ألقى محاضرة بالقاهرة عام 1892م تحت عنوان "لماذا لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين؟" وأرجع سبب ذلك كما يقول الدكتور محمّد عيد لاستعمال اللسان العربي إذ جاء في كلامه: "إنّ الحجاب بين المصريين وبين ترقي معلوماتهم إنما هو تسطير أفكارهم بهذا اللسان المهجور الخفي الصعب"(17). وهي دعوة صريحة إلى التّخلي عن الفصحى واستبدالها بالعامية، وهي نفس الفكرة التي روّج لها المستشرق مستر ويلمر سنة 1901م الذي لم يقف عند هذا الحدّ بل اقترح كما جاء بقلم محمد عيد على أنّ العامية بالحروف اللاتينية مع ضرورة تعليمها في المدارس، وأرجع من جهته المبشّر زويهر صعوبة تعلّم اللغة العربية إلى صعوبة أصواتها وصيغ كلماتها، وهذا ما تضمنه كتابه: "جزيرة العرب مهد الإسلام" الذي ألفه عام 1900م، وبعده بتسع وعشرين سنة أي في 1929م تهجم المستشرق ماسينيون (Massignon) خلال إلقاء محاضرته بباريس على اللغة حيث دعا إلى إهمال وإلغاء الإعراب وألحّ على كتابتها بالحروف اللّاتينيّة(18).

والغريب في الأمر وعلى الرغم من غرابة هذا الطرح الذي حرص المستشرقون على نشره لحاجة في نفوسهم، نجد من كبار المفكرين العرب من يجاري هذه الأفكار ويتبناها مخلصا في الدّعوة إليها من غير ترو ولا تفكير أو تدبّر، ومن هؤلاء سلامة موسى الذي نجده يردد نفس الأفكار، ويدعو إلى العامية والخط اللاتيني وإلغاء النحو والإعراب إذ يقول بصريح اللفظ: "الإعراب في لغتنا لعبة بهلوانية للذهن واللسان، ولا نحسنها إلا بعد أن نربي عضلات قوية تستجيب بسرعة، وكثيرا ما رأينا القارئ الذي يلتفت إلى الإعراب لا يفهم ما يقرأ وهو يعرب"(19). وكما هو واضح فهذا القول الساخر لا يمكن أن يخفى على أحد.

وسار في نفس الاتجاه قاسم أمين الذي يرى أنه لا قيمة للنحو ولا للإعراب، وعليه فهو يقترح إلغاءهما من اللغة العربية، وفي نفس الاتجاه أيضا تصب أراء مجموعة من الباحثين اللبنانيين يتقدّمهم أنيس فريحة والشاعر سعيد عقل اللذان يدعوان إلى إسقاط الإعراب مع اعتماد الحرف اللاتيني في كتابة العربية، فالأول يذهب إلى القول إن "الإعراب لا يتلاءم والحضارة... ففيه بقية من البداوة"(20).

ويضيف في موضوع آخر أنّ: "الإعراب ليس له قيمة بقائية ولو أنه كان ضروريا للفهم والتفاهم لأبقت عليه الحياة، ولكن لأنه زخرف ولأنه بقية من بقايا العقلية القديمة في اللغة، وفي كل لغة فإن الحياة نبذته"(21). بل "إن الإعراب عقبة في سبيل التفكير ذلك مما لا شك فيه"(22). والجدير بالإشارة أن دعاة العامية في لبنان انقسموا كما يشير إلى ذلك الدكتور رياض قاسم إلى ثلاثة اتجاهات:
1 - الاتجاه الأول: العامية بديل الفصحى على أن تكون كتابتها بالحروف العربية التقليدية: يمثله كل من الخوري مارون غصن والكفوري.
2 - الاتجاه الثاني: العامية بديل الفصحى على أن تكون كتابتها بالحروف اللاتينية يمثله كل من: الدكتور أنيس فريحة والشاعر سعيد عقل.
3 - الاتجاه الثالث: الإقرار بازدواجية الفصحى والعامية دون الاستغناء عن أحد منها(23).

إنّ ما يمكن استخلاصه من هذه الآراء أنها كما يقول الدكتور محمد عيد دعوات باطلة "لا تعتمد على أسس علمية ذات قيمة بل هي في معظمها أفكار سطحية انفعالية"(24). تنطوي على نيات مبيتة في نفوس من تبناها.
ب - موقف المستندين في آرائهم إلى أسس علمية:

كما سبقت الإشارة إليه يتفق أصحاب هذا الموقف مع أصحاب الموقف الأول إلا أنهم يختلفون عنهم في كونهم حاولوا أن يستندوا في ما ذهبوا إليه إلى أسس عملية لتبرير اتجاهاتهم والظهور بمظهر المعتدلين والمتعقلين، ومن هؤلاء الدكتور إبراهيم أنيس الذي تناول موضوع الإعراب في كتابه "طرائف نحو اللغة"، فهو لا يكاد يخرج على حد زعمه من كونه قصة نسجت خيوطها من مخيلة النحاة فهم الذين اخترعوها ونسقوها ثم فرضوها على الأدباء والشعراء من غير تسامح حيث راحوا - كما يقول الدكتور أنيس - "يتسقطون فيه الهفوات حين يبدّل الأديب حركة مكان حركة"(25). وبذلك خضعت لهم الرقاب على الرغم مما يجده الأديب من صعوبات جمة في الإحاطة بمسائل النحو وفروعه، إذ كما يضيف في موضع آخر "صارت قواعده في آخر الأمر معقدة شديدة التعقيد، وقد تفنى الأعمار دون الإحاطة بها أو السيطرة عليها سيطرة تامة وصرنا الآن ننفر منها لما اشتملت عليه من تعسف وتكلف بغّض إلى الكثيرين دراسة اللغة العربية في العصر الحديث، وحتى قام منّا من يدعو إلى إلغاء تلك القواعد العربية أو تيسيرها على المتعلّمين من الناشئين"(26).

وفي الأخير يخرج إبراهيم أنيس بحكم نهائي مفاده أن مفتاح السر في كل ذلك هو ظاهرة الوقف إذ يقول: "يظهر - والله أعلم - أنّ تحريك أواخر الكلمات كان صفة من صفات الوصل في الكلام شعرا ونثرا، فإذا وقف المتكلم أو اختتم جملة لم يحتج إلى تلك الحركات، بل يقف على آخر كلمة من قوله بما يسمى السكون، كما يظهر أن الأصل في كل الكلمات أن تنتهي بهذا السكون وأن المتكلم لا يلجأ إلى تحريك الكلمات إلا لضرورة صوتية يتطلبها الوصل"(27).

وباختصار كما يذهب إلى ذلك الدكتور محمد عيد فإن الإعراب عند إبراهيم أنيس ما هو في الحقيقة إلا "عمل آلي يدعو إليه النطق المنفصل في الكلام دون أن يكون وراءه معنى أو نظام مما جهد النحاة في تتبعه والتأليف فيه حتى دخلوا متاهات ضل فيها السالكون"(28).

ساير العديد من الباحثين إبراهيم أنيس في دعوته إلى الاستغناء عن الإعراب ومن هؤلاء نذكر أمين الخولي، وشوقي ضيف الذي تبنى موقف ابن مضاء المتمثل في إلغاء نظرية العامل والاستغناء عن التقدير والتأويل في الصيغ والعبارات.
جـ - موقف المعتدلين:

يقوم موقف هؤلاء على تيسير ما هو عسير من مسائل النحو العربي وتقديمه في صورة سهلة لدى المتعلمين وتخليصه من النفور الذي يواجه به في المؤسسات التعليمية على اختلاف مستوياتها، وتتجسّد مجهودات أصحاب هذا الاتجاه في ما ظهر لهم من دراسات كثيرة واجتهادات خاصة أجمعوا فيها كما يقول الدكتور صالح بلعيد "ما لا يمكن أن يمس، وما يمكن أن يمس"(29) دون المساس بجوهر النحو العربي وأصوله كما يدعو هؤلاء من جهة أخرى إلى إعادة النظر في هيكل النحو من حيث التصنيف والتبويب والشواهد بما يساعد على تجاوز مظاهر التعقيد والتشديد، ويسمح باطراد القواعد ويسرها. يمثل هذا الموقف نخبة من الأساتذة والباحثين نذكر منهم:
- حفني ناصف: الذي ألف بالاشتراك مع غيره كتبا لتعليم القواعد تحت عنوان: الدروس النحوية للمدارس الابتدائية، وقواعد اللغة العربية للمدارس الثانوية، حرص فيها على الإجمال والتدرج.
- على الجارم: صاحب الكتاب المعروف: النحو الواضح، الموجه للتعليم الابتدائي.
- عبد العليم إبراهيم في كتابه النحو الوظيفي.
- د. محمد صالح علي مجاور: صاحب دراسة عملية أجراها عام 1956م على المادة النحوية التي تدرس للتلاميذ تحت عنوان أدوات الربط في اللغة العربية.
- د. محمود أحمد السيد: صاحب رسالة دكتوراه بعنوان أسس اختيار موضوعات القواعد النحوية في منهج تعليم اللغة العربية بالمرحلة الإعدادية سنة 1972م.
- مصطفى الغلايني: صاحب جامع الدروس العربية.
- إبراهيم مصطفى: صاحب إحياء النحو.
وقد ساهمت من جهتها المجامع اللغوية عبر الوطن العربي في هذه الحركة الداعية إلى تيسير النحو حيث عملت في الكثير من جلساتها على تذليل الصعوبات التي تواجه تدريس هذه المادة وتعليمها، ويتجلى هذا من خلال الجوازات التي إباحتها وكذا الشواهد التي تناسب المستوى التعليمي، ومن ذلك ما ذهب إليه المجمع اللغوي في مصر عام 1938م حيث أجاز:
- جمع كل اسم وزنه: فعل على أفعال، وجمع مفعول على: مفاعيل، وأفاعيل على: فواعل، وأفعل على: فعلاء، وفعلة على: فعلات.
- موافقة العدد للمعدود في التذكير والتأنيث مثل: خمس رجال، وخمسة نساء.
- الاشتقاق من الجامد مثل: هدرج من الهيدروجين، وكربن من الكربون، وكبرت من الكبريت.
- رفع المستثنى بإلا بعد كلام مثبت مثل: نجح الطلبة إلا محمد(30).
كما ساهمت بدورها المناهج اللغوية واللسانية في تيسير النحو التي كان لها الأثر الإيجابي في إخراج الدراسات اللغوية من الإطار الوصفي التجريبي القياسي الجاف، وكمثال على ذلك المنهج التوليدي التحويلي الذي اعتمد في تعليمية القواعد النحوية على ضرورة الربط بين النحو والمعنى، وهما موضع الاهتمام في دراسة تشومسكي(31).

والملاحظ أنه عن طريق عناصر التحويل التي حددها تشومسكي (Chomsky) في الزيادة والحذف والترتيب والإضمار والإحلال وغيرها يمكن الوقوف على البنية السطحية والبنية العميقة المتصلتين بالمعنى.

ولا يمكن في هذا المجال إغفال ما للدراسات اللسانية واللغوية الغربية ممثلة في دي سوسير (De Saussure) وبلومفيلد (Bloomfield) وجاكبسون (Jakobson) من أثر في مدرسة تشومسكي التي استفادت من "النتائج التي توصل إليها النحو التقليدي والنحو الوصفي، فأخذت نقاط القوة منها، وانتقدت نقاط ضعفهما، ولئن كان تشومسكي قد اعترف ببعض جوانب القوة في النحو التقليدي فإنه انتقد على الخصوص شكله العام وتعريفاته وقواعده الغامضة"(32).

لقيت الحركات الداعية إلى تيسير القواعد باستثناء الاتجاه الثالث المتمثل في المعتدلين ردودا عنيفة، إذ قوبل المتطرفون والذين اعتنقوا مذهبهم وحاولوا تبرير ذلك بسند علمي بهجوم عنيف من قبل المحافظين الذين ردوا على هؤلاء ودحضوا أقوالهم وأبطلوها منبهين لما تنطوي عليه آراؤهم السخيفة من تضليل بهدف ضرب مقدسات الأمة الإسلامية، إذ وبدلا أن يوجه هؤلاء مجهوداتهم للبحث عن صعوبة القواعد خارج اللغة ويتجه اهتمامهم للبحث عن علل تلك الصعوبة في الطرق المتبعة في تدريس القواعد والوسائل المعتمدة في ذلك وفي مقدمتها الكتب المدرسية وكذا طرق تكوين المعلمين والأساتذة الذين يشرفون على تعليم هذه المادة، وجد هؤلاء في الدعوة إلى إلغاء الإعراب وتجاوز النحو العربي ما يكفيهم شر البحث ويغنيهم عناء الدراسة متخذين بذلك أيسر السبل وأسهلها لخدمة أغراضهم وأغراض من يخدمونهم من أعداء الأمة.

وإذا كان هؤلاء يلحون في دعوتهم على إبدال الفصحى بالعامية بحجة تعقد المسائل النحوية وصعوبة الإحاطة بها، فليعلموا أن ما يدرس اليوم في مؤسساتنا التعليمية على اختلاف مستوياتها وفي كافة أقطار العالم العربي إنما هو نحو ميسر، وإن بقيت فيه بعض المسائل التي تحتاج إلى تهذيب وتعديل كتبسيط صياغة القاعدة النحوية واختيار الشاهد الذي يجمع إلى نحويته الجانب الجمالي الفني الذي يجذب المتلقي ويثير انتباهه، بالإضافة إلى استثمار ما بلغت إليه الدراسات اللغوية الحديثة في تقريب القواعد بما يجعلها أكثر يسرا وأقرب إلى أذهان المتعلمين.

ومن هنا يتضح جليا أن المشكل يطرح خارج اللغة، فهو كما سبق القول يتصل بالطرق والآليات التمثيلية وكذا التكوين وكل ما يتعلق بهذه الجوانب، وفي الإمكان تحديد ما هنالك من نقائص وتجاوزها من خلال ما تقدمه الدراسات الحديثة والمعاصرة من خدمات وحلول تجمع بين البعد النحوي والتعليمي والجمالي في تدريس النحو العربي.

الهوامش:
1- محمّد عيد: عن أصول النحو العربي، عالم الكتب، القاهرة 1973، ص 243.
2 - عبد القادر عميش: الأدبية بين تراثية الفهم وحداثة التأويل، منشورات دار الأديب، وهران، ص 90.
3 - من هؤلاء، فتحي علي يونس ومحمد الناقة.
4 - محمّد كامل الناقة وفتحي يونس: أساسيات تعليم اللّغة العربية، دار الثّقافة، القاهرة 1977م، ص 299.
5 - من هؤلاء، عبد العزيز القوصي وأحمد يوسف الشيخ ومحمد كمال خليفة.
6 - عبد العزيز القوصي وآخرون: تيسير النحو للسنة الثالثة الابتدائية والخامسة الأوليّة، دار الكتب الحديثة، ط1، 1949م، ص 3.
7 - صالح بلعيد: في قضايا فقه اللّغة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1995م، ص 191.
8 - المرجع نفسه، ص 193.
9 - محمد كامل الناقة وفتحي يونس: أساسيات تعليم اللغة العربيّة، ص 297.
10 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، سلسلة أنيس، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر 1991م، ص 42.
11 - المصدر نفسه، ص 46.
12 - صالح بلعيد: في قضايا فقه اللّغة، ص 197.
13 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، ص 94.
14 - يرى أبو العباس صاحب حاشية الفتح الودودي على المكودي: أن نظم ابن مالك أجمع وأوعب، ونظم ابن معطي أسلس وأعذب.
15 - عبد الرحمن بن خلدون: المقدّمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ص 33.
16 - عبد الصبور شاهين: في علم اللغة العام، مؤسسة الرّسالة، ط3، بيروت 1980م، ص 297 وما بعدها.
17 - محمد عيد: في اللغة ودراستها، عالم الكتب، القاهرة 1974، ص 208.
18 - المرجع نفسه، ص 209.
19 - نفسه.
20 - رياض قاسم: اتجاهات البحث اللغوي الحديث في العالم العربي، مؤسسة نوفل، ط1، بيروت 1982م، ص 186.
21 - المرجع نفسه، ص 187.
22 - نفسه.
23 - انظر، المرجع نفسه، ص 387-401.
24 - محمد عيد: في اللغة ودراستها، ص 210.
25 - إبراهيم أنيس: طرائق نمو اللغة، ص 183.
26 - المرجع نفسه، ص 184.
27 - المرجع نفسه، ص 208.
28 - محمد عيد: في اللغة ودراستها، ص 211.
29 - صالح بلعيد: في قضايا فقه اللغة، ص 201.
30 - المرجع نفسه، ص 202 وما بعدها.
31 - محمد محمود غالي: أئمة النحاة في التاريخ، دار الشروق، ط1، جدة 1986م، ص 13.
32 - أحمد مومن: اللسانيات النشأة والتطور، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 2002، ص 203.
الإحالة إلى المقال:

* د. سفيان بلعجين: الدعوة إلى تيسير النحو العربي - البواعث والمنطلقات، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثامن عشر 2018. http://annales.univ-mosta.dz

***