المتلقي والتخييل الشعري عند حازم القرطاجني
مقاربة نقدية

د. الحاج جغدم
جامعة الشلف، الجزائر

الملخص:

يعدُّ التخييل من العناصر الرئيسية في النظرية النقدية عند حازم القرطاجني بوصفه ملكة المتلقي وديدنه الكاشف عن المعنى الهارب، الذي يأتيه من جهة غموض التصوير والتمثيل. وقد يعني هذا أنّ التخييل الذي يتحدث عنه ذاع صيته بين نقاد (القول الشعري) بوصفه الأثر الذي يتركه الشعر في نفسية المتلقي القارئ. ويتخذ الحديث عن التخييل عند حازم القرطاجني في كتابه (مناهج البلغاء وسراج الأدباء) صنيعة خاصة تضعه في منطق جدل وحوار بين ثقافتين متباينتين: غربية فلسفية، وإسلامية أصولية، بين أن هذا الناقد يتميز بموقف فاصل في عديد القضايا التي دارت مجرياتها حول التخييل والمتلقي، وكذا أنواع القراء، وأثر القول الشعري في المتلقي. من هنا تروم هذه الورقة البحثية إبراز خصوصيتي التخييل وأثر القول الشعري في المتلقي، حيث ركزنا على دعامتين اثنتين ضمن الدعائم التي انبنى عليها فكر حازم القرطاجني، وتصوره للقول الشعري.

الكلمات الدالة:

المتلقي، التخييل، الشعر العربي، حازم القرطاجني، النقد.

***
The recipient and the poetic imagination by Hazim al Qartajanni
A critical approach

Dr Hadj Jourdem
University of Chlef, Algeria

Abstract:

Imagination is one of the main elements in the critical theory of Hazim al-Qartajanni, as it is the gift of the recipient and his faith that reveals the escaped meaning that comes to him in terms of the ambiguity of representation and representation. This may mean that the fiction he is talking about has gained fame among critics of (poetic saying) as the effect that poetry leaves on the psyche of the recipient. According to Hazim al-Qartajanni, the discussion of fiction in his book (Minhaj al-Bulaghâ wa Siraj al-Udabâ) takes a special synthesis that places it in the logic of controversy and dialogue between two different cultures: Western philosophical, and Islamic fundamentalist. However, this critic is distinguished by a decisive position in many of the issues that revolved around the fiction and the recipient, as well as the types of readers, and the effect of poetic saying on the recipient. From here, this research paper aims to highlight the peculiarities of fiction and the effect of poetic saying on the recipient, as we focused on two pillars within the pillars on which Hazim al-Qartajanni’s thought was based, and his conception of the poetic saying.

Keywords:

recipient, imagination, Arabic poetry, Hazim al Qartajanni, criticism.

***

النص:

1 - فعل التخييل:

إن البحث عن تصور حازم القرطاجني عبر مسار تأثره بنقاد القول الشعري لفعل التخييل العملية النقدية، ينتهي بنا عند إشارات تشكل باتحادها وفنائها وتجانسها نظرية متكاملة(1)، وهو تصور يتضمن اهتماما بالمتلقي، وذلك أن أغلب وقفاته النقدية خصت النفس الإنسانية، ومدى قبولها ونفورها للقول الشعري.

ولكننا، إذا جنحنا إلى التخييل بوصفه مفهوما تداوله المهتمون بالقول الشعري، وجدنا أنه هو "الأثر الذي يتركه العمل الشعري في نفس المتلقي، وما يترتب عليه من سلوك"(2).

إن في حديث إلفت كمال الروبي المستوحى من خطاب حازم القرطاجني النقدي، كشف عن التواصل الذي يحدثه "فعل التخييل" بين القول الشعري والمتلقي في تحديد القصد أو المعنى الهارب، ولولاه لظل القول الشعري صورا يلحقها الجدب والخراب.

يتأسس هذا التواصل اللساني على فعل الكلام الذي من أهدافه تغيير سلوك المتلقي، وتحديد موقفه إما بالاستحسان والقبول، أو التقبيح والرفض، ما يعني القول المقصود عند التداوليين، وعليه "يبدو القصد أمرا محوريا معتمدا في القول الشعري، وهو هدف تواصلي واع يستحضر المتلقي أثناء الإبداع"(3).

في إطار هذا المنحى، يشير الفارابي بوصفه أحد المنظرين لنظرية الشعر، إلى الأثر الذي يحدثه الشعر في المتلقي باعتباره تخييلا(4)، إذ يقول: "الأقاويل الشعرية تركب من أشياء شأنها أن تخيل في الأمر الذي فيه المخاطبة حالا ما أو شيئا أفضل أخس وذلك إما جمالا أو قبح"(5).

إذ تبدو العملية الآن في ضوء هذا التعريف عبارة "عن إثارة تخييلية لانفعالات المتلقي، يقصد بها دفعه إلى اتخاذ وقفة سلوكية خاصة، تؤدي به إلى شيء أو طلبه، أو اعتماده، أو التخلي عن فعله، هذه الإثارة تحدث فعلها لدى المتلقي فيما يسميه علم النفس القديم (قوي الإدراك الباطن)"(6).

ومن هنا أضحى الحديث عن التخييل الشعري، يستدعي عملية تفاعل بين الشاعر والقارئ / المتلقي، ذلك أن التأثير الذي يحدثه الشعر في مخيلة القارئ إنما هو "تأثير يعتمد على ما تستدعيه الصورة التي يقدمها من خبرات سبق أن خبرها في الماضي"(7).

وعليه يمكننا القول: إن "التخييل" الشعري مرتبط ارتباطا وثيقا بإثارة الصورة في مخيلة المتلقي، ولتأكيد هذه المسألة يقول حازم القرطاجني "التخييل أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل، أو معانيه، أو أسلوبه، أو نظامه، وتقوم في خياله صورة أو صورة ينفع لتخيلها وتصوره"(8).

ويتبدى لنا من تعريف "حازم القرطاجني"، أن التخييل عبارة عن عملية إثارة لصورة ذهنية في مخيلة المتلقي، تأتيه لتثير فيه صورا في مخيلته توحي له أو تدفعه دون أن يعي، إلى اتخاذ وقفة سلوكية يبحث عنها الشاعر(9).

لقد تأسس فهم حازم القرطاجني لفعل التخييل من التراث الفلسفي الضارب في أعماق الوجود الإنساني، واستطاع بموهبته الخارقة أن يمزج بين أطروحات فلسفية وأخرى نقدية مكنته من اعتبار التخييل حلقة تواصلية بين الشاعر والمتلقي.

وإذا ما انعطفنا إلى مقولة "الشعر كلام موزون مقفى من شأنه أن يجبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها ما قصد ما قصد تكريهه لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه، بما يتضمن من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيئة تأليف الكلام أو قوة صدقه أو قوة شهرته أو بمجموع ذلك، وكل ذلك يتأكد بما يقترن به إغراب، فإنّ الاستغراب والتعجب حركة للنفس، إذا اقترنت بحركتها من الخيالية قوى انفعالها وتأثيره"(10).

وبناءً على ذلك وجدنا فكره النقدي يشرب من نبع ثقافات متعددة، فإن كان من تراث نظرية الشعر لدى الفلاسفة المسلمين، فإنّ قوله "الشعر كلام موزون مقفى"(11) تقليد لا يخرج عن دائرة اقتران الوزن بالتخييل الشعري الذي أرسى دعائمه ابن سينا في قوله "لا يتم إلاّ بمقدمات مخيلة، وزن ذي إيقاع متناسب ليكون أسرع تأثيرا في النفوس، لميل النفوس لمنتظمات التركيب"(12).

بات من الواضح أنّ الفلاسفة المسلمين وفي مقدمتهم ابن سينا نظروا للوزن في الشعر على أنه وسيلة من وسائل التخييل، مؤكدين على ضرورة المزواجة بين التخييل والوزن مع الإلحاح على ضرورة جعل الأولوية لفعل التخييل على عنصر الوزن، لأنّ التخييل - في اعتقادهم - السمة التي تكسب القول سمة الشاعرية"(13).

إنّ مثل هذه النظرية يُدعم بها حازم القرطاجني تصور الفلاسفة المسلمين، حينما ألحّ على خصوصية فعل التخييل بوصفه أداة تواصلية بين الناص والمتلقي. وهذا ما يؤكده جابر عصفور بالقول: "وبدون التخييل يغدو السبيل إلى فهم مهمة الشعر منغلقا لا يفضي إلى شيء على الأقل عند الفلاسفة الذين يعتمد عليهم حازم"(14).

وممّا يلفت النظر أنّ نصي ابن سينا وحازم القرطاجني السابقين يضاعانا أمام مقارنة بين الوزن والتخييل في سياق القول الشعري، وإن كانا متفقين على ضرورة توفرهما في العملية الشعرية، إلاّ أنهما يختلفان من جهة الأساس، ذلك أنّ ابن سينا يراه للتخييل أمّا حازم القرطاجني فيراه لجهة الوزن أوّلاً.

وأمّا إذا كان من فضاء القصدية الذي بات يؤطر الفعل المعرفي للفكر النقدي التداولي فإنّ قوله: "أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه"(15).

وعلى أنّ مثل هذا الكلام، قد يحمل على الاعتقاد، بأنّ إدراك القارئ لهذا الانزياح يمر حتما عبر فهم القصد البنائي للنص وفهم تحفيزه الشعري، وعليه تصبح مهمة القارئ في النصوص التخييلية، وفي النصوص التداولية تكمن في إدراك الموضوع(16).

ولعل في قول حازم القرطاجني ما يؤكد هذا الطرح: "ولما كان المقصود بالشعر إنهاض النفوس إلى فعل شيء أو طلبه أو اعتقاده أو التخلي عن فعله أو طلبه أو اعتقاده بما يخيل لها فيه من حسن أو قبح أو جلاله أو خسة، وجب أن تكون موضوعات الشعر الأشياء التي لها انتساب إلى ما يفعله الإنسان ويطلبه ويعتقده"(17).

لقد تأسست أطروحة حازم القرطاجني - برأينا - لقيمة نقدية معاصرة لها جذورها في نقديات القدامى، وهي بذلك من العناصر التي ينبني عليها "فعل التخييل"، إنها القصدية أو الفعل المقصود عند التداوليين، حيث يسعى الإبداع إلى تلغيم مستويات النّص وإخفاء المعنى حتى يغدو غامضا منحرفا عن معناه، فيأتيه المتلقي (قارئا/ناقدا) باحثا عن المقصود أو المعنى للاستفادة من الكلام.

من هنا يغدو "فعل التخييل" عملية انحرافية تميز النصوص التخييلية(18) فتصبح - من هذه الزاوية - عملية "إبهام موجهة، تهدف إلى إثارة المتلقي إثارة مقصودة سلفا والعملية تبدأ بالصور المخيلة التي تنطوي عليها القصيدة، والتي تنطوي - هي ذاتها - على معطيات بينها وبين الإثارة المرجوة علاقة الإشارة الموحية وتحدث العملية فعلها عندما تستدعي خبرات المتلقي المختزنة، والمتجانسة مع معطيات الصور المخيلة فيتم الربط - إلى مستوى اللاّوعي من المتلقي - بين الخبرات المختزنة والصور المخيلة، فتحدث الإثارة المقصودة، ويلج المتلقي عالم الإبهام المرجو، فيستجيب لغاية مقصودة سلف"(19).

بيد أن ذلك "أمر طبيعي، ما دام التخييل ينتج انفعالات، تفضي إلى إذعان النفس، فتنبسط عن أمر من الأمور أو تنقبض عنه، من غير رؤية وفكر واختيار، أي على مستوى اللاّوعي"(20).

ونحن إذ نسجل هنا تبنّي جابر عصفور لرؤية حازم القرطاجني التي استمد أصولها من مقولة أرسطو حول النفس الإنسانية، والتي تؤكد "أنّ الإنسان يتبع مخيلاته أكثر مما يتبع عقله أو عمله، وأن سلوكه يتحدّد - في الغالب - بحسب تخيله أكثر مما يتحدّد بحسبه ظنه أو علمه، وما دام الأمر كذلك، فإنّ إثارة القوة المتخيلة في المتلقي تعني إفساح المجال أمام الإبهام، لتمارس الأقاويل الشعرية المخيلة دورها فتستفز المتلقي إلى أمر من الأمور"(21).

ومن ذلك كله، نفهم أنّ حازم القرطاجني وقف عند "فعل التخييل" ليقر بأنّ النص التخييلي يفترض - سلفا - شكله الخاص من التواصل بين المبدع والدور الضمني للقارئ ليصبح الإبداع الخيالي طافحا بالصور الحية، ذات التصوير الخيالي. ثم نلفيه يأتي القول الشعري من جهة التخييل أو المحاكاة، يقول: "بما يتضمن من حسن تخييل له ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيأة الكلام"(22).

ويعني ذلك تأثير الفكر اليوناني بعامة، والأرسطي بخاصة في مقولة "فعل التخييل" عند حازم القرطاجني غايتها تحسين الشيء وطلبه، أو تكريهه والنفور منه عند القراء.

من هنا تغدو قراءة النّص التخييلي بموجب وهم المحاكاة هي شكل أولي من أشكال التلقي التي تجبر القارئ على أن يتقمص أدوارا تخييلية قد لا تختلف عن وظيفة الشعر عند أرسطو والتي تدعو إلى لبوس الفصيلة، وتحبيبها، ونبذ الرذيلة وتنفيرها.

ولعل الأنسب لهذا الموضع من حيث "فعل التخييل" اعتباره قوام الشعر، ذلك أنه "كلام موزون مختص في لسان العرب بزيادة التقفية إلى ذلك والتئامه من مقدمات مخيلة صادقة أو كاذبة لا يشترط فيها - بما هي شعر - غير التخييل"(23).

إذا كان التخييل قوام الشعر - حسب حازم القرطاجني - فإنّ القارئ للنص التخييلي عليه أولا أن يتلقاه بوصفه محاكاة في نمط القراءة شبه التداولية وعلى ذلك يبنى البعد الجديد للتلقي، الذي يُميّز القراءة الملائمة للنّص التخييلي على القالب العام للعلاقة بين الموضوع (Thème) والأفق (Horizon)(24).

ويبد أن حازم القرطاجني أدرك ما مؤداه أن "فعل التخييل" إنما هو همزة وصل بين الموضوع الشعري والأفق الذي ينتظره القارئ فوعي أن القصد مرادف للمعنى الذي تنتجه ملكة التخييل أو المحاكاة، فمهمة الشعر تنطلق أساسا من مفهوم التخييل "وبدون التخييل يغدو السبيل إلى فهم مهمة الشعر متعلقا لا يفضي إلى شيء على الأقل عند الفلاسفة الذين يعتمد عليهم حازم القرطاجني"(25).

ومن كلّ ذلك، نفهم أنّ حازم القرطاجني أثناء معالجته لمصطلحي التخييل والمحاكاة وأثرهما في القول الشعري والمتلقي معا، لم يفصل بينهما بل وردا مقترنين مترادفين، حتى أصبح كلّ عنصر متمما للآخر، والأمر - في اعتقادنا - يعود إلى الحوارية التي لمسناها في المنهاج المفكرين اليوناني والإسلامي الفلسفيين القديمين.

يعد هذا الطواف بين أهم الأقوال لدى حازم القرطاجني، التي خصّ بها المتلقي في كتابه "منهاج البلغاء وسراج الأدباء"، يجدر بنا أن نحوصل اهتمامه يفعل التخييل في العناصر الآتية:

أ - الشعر فعل كلام غايته تحريك النفوس وتغيير مزاجها أساسه التخييل.
ب - القصد سمة الشعر، الغاية منه حمل القارئ على كشف المعنى للاستفادة من الكلام.
جـ - المعنى الخفي أساسه التخييل بوصفه مرادفا للمحاكاة.

2 - عناصر التأثير الشعري في المتلقي:

وأيا كان الأمر، فإن حازم القرطاجني يرى "أن التركيب اللغوي هو لب التجربة الجمالية الأدبيّة وهو حقيقتها، وعلى أنّ الإبداع يكمن في توظيف اللغة توظيفا جماليا يقوم على مهارة الاختيار، وإجادة التأليف بغاية التأثير في السامع واستمالته"(26).

إذن فحازم القرطاجني يستمد تعريفه في مسألة "غاية الشعر" من تحديد - ابن سينا وابن رشد - "ولما كانت الأفعال الإنسانية التي تحاكي في تصور الفلاسفة عموما إما جميلة وإما قبيحة أو بعبارة أخرى، إما فضائل وإما رذائل، فمن البديهي أن يكون الحث مرتبطا بالأفعال الجميلة أو الفضائل، والرّدع مرتبطا بالأفعال القبيحة أو الرّذائل"(27).

إنّ الباعث الأكبر الذي يدفع المتلقي إلى الإقبال على الفعل الجميل، والنفور من الفعل القبيح هو الشاعر الذي يسهم في التحسين والتقبيح بفعل التخييل "يقوم الشعر بدوره التخييلي الذي يدفع المتلقي إلى الإقبال على الفعل الجميل والنفور من الفعل القبيح، ويرتبط هذا الدور التخييلي بالتحسين والتقبيح الذين حددهما كل من ابن سينا وابن رشد كغايتين أخلاقيتين للمحاكاة في الشعر"(28).

والملفت للنظر حقا، أنّ اجتهاد حازم القرطاجني حول مسألة تأثير الشعر في المتلقي من جهة تحقيق الفائدة إنما يعود إلى الملائمة بينه وبين حال المتلقي في إبراز الفضائل والتحذير من الرذائل، وقوام ذلك فعل المحاكاة، الذي يأتي إما تحسينا أو تقبيحا ليكون الاستحسان أو الاستهجان للشيء المتلقي.

لقد أحال هذا الفهم لدى حازم القرطاجني إلى اعتبار أن النفس تتلذذ بالتخييل، وتصير أشدّ ولوعا به خصوصا لما تنزع إلى هوى التخييل، وتتجاوز هوى التصديق. "اشتد ولوع النفس بالتخييل، وصارت شديدة الانفعال له حتى أنها وبما تركت التصديق للتخييل، فأطاعت تخيلها وألغت تصديقه"(29).

من هنا، يصبح "التخييل" استجابة نفسية تلقائية، أو كما يقول جابر عصفور "التخييل - عند حازم - عملية إثارة لصور ذهنية في مخيلة المتلقي أو خيالية، كما أنها إثارة لانفعالات في نفس الوقت، فالصلة بين المخيلة والانفعالات صلة وثيقة"(30).

من هنا أضحى الحديث عن الإيقاع ودوره في بناء القول الشعري والتأثير في المتلقي حديثا "مما يتصل بالقافية وتفصيل يحاكيه الوزن بالصوت، حيث القافية مركز ثقل مهم في البيت فهي حوافز الشعر ومواقفه إن صحت استقام الوزن وحسنت مواقفه ونهاياته"(31).

إنّ مثل هذا التناغم الإيقاعي من شأنه إحداث التواصل "بين المعنى والصياغة اللغوية"(32) وبالتالي يكون له موقع من النفس بحسب الغرض من ناحية، وبحسب تناسب الوزن من ناحية أخرى، وارتباط القافية بالوزن يجعلهما بمثابة خاتمة لجملة الموسيقية"(33).

وبهذا فإنّ الأثر الذي تحدثه الجملة الموسيقية، إنّما يكون بتفصيل "الكلام تقديما وتأخيرا، حذفا وتأويلا، وهي في جملتها كما نظن واقعة في سياق الكلام على الإيقاع"(34).

من هنا يحفل الجانب الإيقاعي بأحد عناصره (القافية ومدى ارتباطها بالوزن)، حيث "ترتبط القافية بالمعنى الذي يضيفه التواشج الضمني بين الوزن والقافية، فيؤدي ذلك إلى ميلاد قيمة جمالية يطرب ويستمتع بها المتلقي، وهذا ما يساعد على تعميق التخييل والمحاكاة لدى طرفي المعادلة الإبداعية (الباث/المتلقي)"(35).

ويؤمن حازم القرطاجني بعد ذلك بالشروط - الآتي ذكرها - لأن الشعر لديه "كلام مخيل موزون مختص في لسان العرب بزيادة التقفية"(36)، ولذلك "يتم النظر في القوافي من جهات أربع:

- جهة التمكن، أي كونها في مكانها من البيت أمكن من غيرها مما يمكن أن يوضع مكانها.
- جهة صحة الوضع، أي كونها قوافي سليمة الوضع غير مضطربة أو قلقة في مكانها.
- جهة التمام أو عدمه، أي ينظر إلى القافية باعتبارها تامة كاملة.
- جهة اعتناء النفس بما يقع في الأواخر والنهايات"(37).

وإذا كنا قد وقفنا - سابقا - عند البعد الإيقاعي ودور التقفية والاستهلال في زخرفة القول الشعري حتى يغدو ومجالا يزخر بالصور الجمالية التي تجعل منه عملاً شعريا أو أدبيا، يسبح في فضاء التخييل، فإنّنا سنحاول الوقوف عند حدود (المستوى العجائبي) ذلك أن حديث حازم القرطاجني عن التعجيب والاستغراب إنما القصد منه تحقيق البعد الجمالي داخل المنظومة الشعرية، ما يدفع النفوس للتفاعل مع القول الشعري بوصفه مادة تحتوي على عناصر جمالية من شأنها استفزاز المتلقي، وكل ذلك يأتي بفعل التخييل والمحاكاة، وقدرة الناص على جلب تلك المنفعة.

ضمن هذا المنظور سعى حازم القرطاجني إلى اشتراط جملة من العناصر الممكنة التي تصاحب الخلق الشعري، ومن شأنها تحقيق المنفعة الجمالية، يقول: "لأنّ النفس إذا خيل لها في الشيء ما لم يكن معهودا من أمر معجب في مثله وجدت من استغراب ما خيل لها مما لم تعهده في الشيء عما يجده المستطرف لرؤية ما لم يكن أبصره قبل"(38).

هذا يعني أنّ الاستغراب "مرتبط بالمفارقة التي يستشعرها المتلقي وهو يلمح الأشياء تبدو في إطار جديد غير الإطار الذي عهده إلى درجة تجعله كأنه يواجه ما لم يكن يعرف"(39).

إنّ مثل هذه النظرة، تدفعنا إلى القول بأنّ الاستغراب عنصر وجب توافره في منظومة اللّغة الأدبية، لأنه فعل من شأنه تجاوز المألوف وخرق للشيء المتداول لذلك فإنّ "لغة الشعر حقل لتجريب الشواذ، وتكسير القواعد"(40).

ينقلنا طرح القيم الجمالية التي يسديها مستوى الاستغراب وما يضفيه من جماليات على الخطاب الشعري إلى الحديث عن نشوة يستشعرها المتلقي، فيقف مشدوها أمام الصور التي يستكشفها الشاعر في ظل عملية التخييل أو المحاكاة، إذ من الخطأ أن يقف النقاد لدى جمالية الإيقاع، ويتركون مستويات أخرى مثل الاستغراب والتعجيب وغيرهما.

إذن فالتعجيب بهذا المعطى من جهة، مرتبط بالاستغراب، وهو مجال يجعل المتلقي في تجاوز مستمر للأطر المألوفة التي يعيشها، وهو بذلك "مرتبط بلون من المفاجأة السارة التي لا تفارق الاستغراب وتتصل بما يستشعره المتلقي من تحوير يسير أو غير يسير، ومن خواص الإنسان - فيما يقول ابن سينا - أنه يتبع إدراكه للأشياء النادرة انفعال يسمى التعجيب"(41).

ولما كانت إشارتنا إلى خصوصية الاستغراب القائمة على خرق المألوف وتخطيه، فقد رأينا أن نشير إلى التعجيب بوصفه باعثا لكل ما من شأنه إثارة الدهشة لدى المتلقين. ما دفع بنقاد المنهاج إلى اعتبار "التعجيب" ما يثيره الشاعر من لطائف الكلام التي يقل التهدي إلى مثلها أو كالجمع بين متفرقين من جهة لطيفة قد انتسب بها أحدهما إلى الآخر، وغير ذلك من الوجوه التي من شأنها النفس أن تستغربها(42).

الهوامش:
1 - ينظر، فاطمة عبد الله الوهيبي: نظرية المعنى عند حازم القرطاجني، المركز الثقافي العربي، المغرب 2002م، ص 194.
2 - ألفت كمال الروبي: نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين من الكندي إلى ابن رشد، دار التنوير، لبنان 1989م، ص 113.
3 - فاطمة عبد الله الوهيبي: نظرية المعنى عند حازم القرطاجني، ص 194.
4 - ينظر، جابر عصفور: مفهوم الشعر، دار التنوير، ط3، بيروت 1983م، ص 157.
5 - نفسه.
6 - جابر عصفور: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، دار المعارف، القاهرة 1973م، ص 397.
7 - ألفت كمال الروبي: نظرية الشعر، ص 114.
8 - حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1981م، ص 71.
9 - ينظر، جابر عصفور: الصورة الفنية، ص 330.
10 - حازم القرطاجني: منهاج البلغاء، ص 158.
11 - نفسه.
12 - جابر عصفور: مفهوم الشعر، ص 158.
13 - ينظر، كمال الروبي: نظرية الشعر، ص 252.
14 - جابر عصفور: مفهوم الشعر، ص 252.
15 - حازم القرطاجني: منهاج البلغاء، ص 71.
16 - ينظر، سوزان روبين: القارئ في النص، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار الكتاب الجديد، بيروت 2007م، ص 106.
17 - حازم القرطاجني: منهاج البلغاء، ص 106.
18 - ينظر، سوزان روبين: القارئ في النص، ص 106.
19 - جابر عصفور: مفهوم الشعر، ص 161.
20 - نفسه.
21 - نفسه.
22 - حازم القرطاجني: منهاج البلغاء، ص 71.
23 - المصدر نفسه، ص 89.
24 - ينظر، سوزان روبين: القارئ في النص، ص 115.
25 - جابر عصفور: مفهوم الشعر، ص 164.
26 - رمضان ركب: روافد الاتجاه الجمالي في التراث النقدي العربي، ص 168.
27 - ألفت كمال الروبي: نظرية الشعر، ص 142.
28 - المرجع نفسه، ص 143.
29 - حازم القرطاجني: منهاج البلغاء، ص 116.
30 - جابر عصفور: الصورة الفنية، ص 361.
31 - جابر عصفور: مفهوم الشعر، ص 262.
32 - العربي عميش: خصائص الإيقاع الشعري، ص 138.
33 - جابر عصفور: مفهوم الشعر، ص 262.
34 - العربي عميش: خصائص الإيقاع الشعري، ص 138.
35 - محمد أديون: قضايا النقد الأدبي عند حازم القرطاجني، منشورات كلية الآداب، ط1، الرباط 2004م، ص 545.
36 - جابر عصفور: مفهوم الشعر، ص 262.
37 - محمد أديون: قضايا النقد الأدبي عند حازم القرطاجني، ص 546.
38 - حازم القرطاجني: منهاج البلغاء، ص 76.
39 - جابر عصفور: مفهوم الشعر، ص 200.
40 - العربي عميش: خصائص الإيقاع الشعري، ص 165.
41 - جابر عصفور: مفهوم الشعر، ص 201.
42 - ينظر، محمد أديون: قضايا النقد الأدبي عند حازم القرطاجني، ص 388.
References:
1 - ‘Usfūr, Jābir: As-ṣūra al-fanniyya fī at-turāth an-naqdī wa al-balāghī, Dār al-Ma‘ārif, Cairo 1973
2 - ‘Usfūr, Jābir: Mafhūm ash-shi‘r, Dār al-Tanwīr, 3rd ed., Beirut 1983.
3 - Adioun, Mohamed: An-naqd al-adabī ‘inda Ḥāzim al-Qarṭajannī, Manshūrāt Kulliyyat al-Adāb, 1st ed., Rabat 2004.
4 - Al-Ouahibi, Fatima: Naẓariyyat al-ma‘na ‘inda Ḥāzim al-Qarṭajannī, Al-Markaz al-Thaqāfī al-‘Arabī, Morocco 2002.
5 - Al-Qarṭajannī, Ḥāzim: Minhāj al-bulāghā’ wa sirāj al-’udabā’, edited by Muḥammad ibn al-Khūja, Dār al-Gharb al-Islāmī, Beirut 1981.
6 - Al-Rūbī, ’Ulfat Kamāl: Naẓariyyat ash-shi‘r ‘inda al-falāsifa al-Muslimīn mina Al-Kindī ilā Ibn Rushd, Dār al-Tanwīr, Beirut 1989.
7 - Suleiman, Susan Robin and Inge Crossman: Al-qāri’ fi an-naṣ, (The reader in the text: Essays on audience and interpretation), translated by Ḥassan Nāẓim and ‘Alī Ḥākim Ṣāliḥ, Dār al-Kitāb al-Jadīd, Beirut 2007.
الإحالة إلى المقال:

* د. الحاج جغدم: المتلقي والتخييل الشعري عند حازم القرطاجني، مقاربة نقدية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السابع عشر، سبتمبر 2017. http://annales.univ-mosta.dz

***