أثر الموسيقى والغناء في نشأة الموشحات الأندلسية

د. طانية حطاب
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

يعد الشعر ديوان العرب ومكمن فخرها واعتزازها، وملمحا جوهريا من ملامح حضارتها قبل الإسلام وبعده، وهو قديم عريق لديها، لا تعرف له بداية محددة، ولكن الواضح أن نشأته قد ارتبطت بنشأة الغناء والموسيقى، إذ يجمع الكثير من الباحثين على ذلك، ويؤكدون صحة هذا المذهب. والواقع أنّ العرب لم تعرف الأوزان والقوافي علما مضبوطا في جاهليتها، ولكن ذلك لم يمنع من أن يأتي شعرها موزونا مقفى صحيح العروض، حسن السبك، بعيدا عن كل لحن أو نشاز، لأنها كانت تملك أذنا موسيقية بالفطرة تضبط من خلالها إيقاع الشعر ووزنه دون الحاجة لعلم العروض الذي أوجده الخليل بن أحمد الفراهيدي فيما بعد. والجلي تمام الجلاء، أنّ ارتباط الشعر العربي القديم بالموسيقى والغناء امتد من العصر الجاهلي إلى غاية العصر الأندلسي حين ظهرت الموشحات والأزجال كثورة على القصيدة التقليدية من حيث الأوزان والقوافي. وكانت حاجة الشعراء سواء المشارقة منهم أم الأندلسيين إلى الموسيقى والغناء تشبه تماما حاجة المغنين والملحنين لتلك الأشعار التي تشكل مادة غنائهم، خاصة إذا كانت أشعارا غزلية قريبة من النفس البشرية.

الكلمات الدالة:

الشعر، الموشحات الأندلسية، الغناء العربي، الموسيقى، زرياب.

***
The effect of music and singing in the genesis
of Andalusian Muwashahat

Abstract:

Poetry is the Diwan of the Arabs and the source of their pride, and an essential feature of their civilization before and after Islam, and it is an ancient for them, with no specific beginning, But it is clear that his upbringing has been linked to the birth of singing and music, as many researchers unanimously agree on that, and confirm the validity of this theory. The reality is that the Arabs did not know metrics and rhymes with a precise knowledge of their ignorance, but this did not prevent their poetry from being measured and rhythmic with sound performances, good casting, far from every error or discord. Because it had a natural musical ear through which it set the rhythm and metric of poetry without the need for the prosody, which was later created by Al-Khalil bin Ahmed Al-Farahidi. It is quite evident that the association of ancient Arabic poetry with music and singing extended from the pre-Islamic era to the Andalusian era, when the muwashahat and zajal appeared as a revolution in the traditional poem in terms of metrics and rhymes. The need for music and singing was exactly the same as the need for singers and composers for those poems that constitute the substance of their singing.

Key words:

poetry, Andalusian Muwashahat, Arabic song, music, Ziryab.

***

النص:

يعدّ الأدب من أكثر الفنون التصاقا بالجماهير، وأشدها تعبيرا عن حالاتهم النفسية وتجاربهم الشعورية. وحاجة الإنسان للأدب إنّما تعكس حاجته للفن عموما. فإن لم يكن الفن ضرورة، فهو على الأقل بديل أو تعويض يستطيع المرء من خلاله أن يخرج من بوتقة الواقع وأزماته، وأن يتحرّر من القيود، وأن يصبو إلى عوالم أخرى بعيدا عن كلّ ما هو دنيء أو بذيء. ولعل الشعر من أرقى هذه العوالم وأكثرها سموا. من هنا يكون عشق أهل الصحراء للشعر وتقديسهم للشعراء دليلا على ذلك، فالشاعر عندهم مخلوق عجيب ومميّز، يقدّرونه ويحترمونه، ولكنهم في الآن ذاته يخافونه ويرهبون سخطه.

وغير خاف أنّ العرب قديما كانت ميّالة للشعر أكثر منها للنثر، وهذا لسهولة حفظه، وكثرة إطرابه لما يشتمل عليه من تناسق في النغم، وتناسب في الإيقاع. فكثافة العنصر الموسيقي هي التي تميّز منظوم الكلام من منثوره. وهذا ما أشار إليه ابن سنان الخفاجي عندما قال: "فالذي يصلح أن يقوله من يفضل النظم أنّ الوزن يحسّن الشعر ويحصل للكلام به ما لا يكون للكلام المنثور"(1). فالوزن والقافية أو ما اصطلح عليه بالموسيقى الخارجية هي التي تحدد هندسية القصيدة. ووجود هذه الموسيقى في الشعر وجود جوهري، إذ لا يقوم إلاّ بها لما تضفيه من سحر يجلب الأسماع ويستميل القلوب. وهي عموما - أي الموسيقى- من أرقى الفنون وأشدها تأثيرا على الإنسان منذ القدم، فقد كان هدف الموسيقى منذ البداية أن تثير المشاعر الجماعية، وأن تكون حافزا للعمل أو للجنس أو للحرب. وكانت الموسيقى أداة تستخدم لتحويل الكائنات البشرية من حالة إلى أخرى(2).

والشعر وثيق الصلة بالموسيقى لما يجمع بينهما من قواسم مشتركة، أبرزها على الإطلاق: الإيقاع. وهو ظاهرة طبيعية عرفها الإنسان منذ أن وجد على سطح البسيطة، واكتشفه في كل ما يحيط به ويتحرك حركة منتظمة، أو متعاقبة متكررة، أو متآلفة منسجمة. فهو الأساس الذي يقوم عليه البناء الكوني. ومع أنّ الإيقاع أساس الفنون كافة، لكنه يبدو في الشعر والموسيقى أكثر تقاربا لأن كلاّ منهما يقوم على نفس المبدأ، وهو تناسب حركة الأصوات في تتابعها المنتظم في الزمان، مما أدى إلى ظهور بعض المحاولات التي تجعل من الشعر موسيقى خالصة(3)، أو فنّا موسيقيا بالدرجة الأولى.

غير أنه ينبغي التأكيد على أن الإيقاع في الموسيقى غاية في ذاته، أما في الشعر، فهو وسيلة من وسائل التبليغ والتأثير. فالبنية الإيقاعية على هذا ليست حيادية في العمل الأدبي، إنما لها وظيفة تبليغية بالغة الأهمية، لما تثيره من انفعال لدى المتلقي، فينجذب إلى العمل الفني وينخرط في سياقه، وتلك هي الخطوة الأولى نحو التأثير في سلوكه(4). وهذا ما جعل النقاد القدامى يعرفون الشعر انطلاقا من ضرورة توفره على ضوابط موسيقية كالوزن والقافية. فيعرّفه قدامة بن جعفر بأنه: "كلام موزون مقفى يدل على معنى"(5). ويقول ابن رشيق: "يقوم (الشعر) بعد النية على أربعة أشياء وهي: اللفظ والوزن والمعنى والقافية"(6).

وإذا كانت الموسيقى الخارجية للشعر ناتجة عن التزام الشاعر بالوزن والقافية، فإنّ هناك موسيقى أخرى ناجمة عن كيفية التعبير، ومرتبطة بالانفعالات السائدة داخل العمل الشعري، هي موسيقى تعبيرية داخلية. وتلعب الموسيقى التعبيرية الدور الرئيس في زيادة الحيوية والقدرة على استقبال الإيحاء أو بمعنى آخر تؤدي هذه الموسيقى دورا خطيرا وهاما في التعبير والتلقي للشحنات الانفعالية التي هي مجال العمل الشعري(7). من هنا، نكشف ببساطة مدى الترابط الموجود بين الشعر والموسيقى. فهما فنّان متشابهان كثيرا خاصة من حيث وجود عنصر الإيقاع فيهما.

وقد كانت العرب قديما تحفل بالشعر وتتفنّن في إخراجه في أحسن صورة، وكان الشعراء ينشدون أشعارهم ويغنونها، ومنهم من كان يصاحب ذلك بالعزف على بعض الآلات الموسيقية مثلما كان يفعل الأعشى. قال حسان بن ثابت(8):

تغنَّ بالشعر إمّا كنتَ قائلَه إنّ الغناءَ لهذا الشعر مضمارُ

فالأمر لم يقتصر عندهم على قرض الشعر فحسب، وإنّما على غنائه وإنشاده حتى يسهل عليهم حفظه وتداوله، وحتى يتمكنوا من تذوقه والاستمتاع به. يصف لنا ابن رشيق الغناء الجاهلي فيقول: "وغناء العرب قديما على ثلاثة أوجه: النَّصب، والسّناد، والهَزَج. فأمّا النّصب، فغناء الرّكبان والفتيان، قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وهو الذي يقال له المرائي، وهو الغناء الجَنابيُّ، اشتقه رجل من كَلب يقال له جَناب بن عبد الله بن هبَل، فنسب إليه، ومنه كان أصل الحداء كله، وكلّه يخرج من أصل الطويل في العروض. وأمّا السّناد، فالثقيل ذو الترجيع، الكثير النَّغمات والنَّبرات، وهو على ستّ طرائقَ: الثقيل الأول وخفيفه، والثقيل الثاني وخفيفه، والرَّمل وخفيفه. وأمَّا الهَزَج، فالخفيف الذي يرقص عليه، ويمشَى بالدف والمزمار، فيطرب، ويستخف الحليمَ. قال إسحاق: هذا كان غناء العرب حتى جاء الله بالإسلام، وفتحت العراق وجلب الغناء الرَّقيق من فارسَ والروم، فغنَّوا الغناء المجزّأ المؤلَّفَ بالفارسية والرومية، وغنوا جميعا بالعيدان والطَّنابير والمعازف والمزامير"(9). وهذا النص هو خير دليل على معرفة العرب لفن الغناء والذي ارتبط عندهم بفن الشعر. وبذا نلاحظ أنّ الفنون الثلاثة قد اجتمعت وتمّ عقد الوشائج الوثيقة بينها.

ويمكن الجزم أنّ الغناء كان الأساس في نشأة الشعر العربي القديم، وهذا ما يؤكده الناقد شوقي ضيف في قوله: "نبع الشعر العربي من منابع غنائية موسيقية، وقد بقيت فيه مظاهر الغناء والموسيقى واضحة. ولعلّ القافية أهم تلك المظاهر، فإنّها واضحة الصلة بضربات المغنين وإيقاعات الراقصين، إنها بقية العزف القديم، وإنها لتعيد للأذن تصفيق الأيدي وقرع الطبول ونقر الدفوف"(10).

واهتمام الجاهليين بالشعر والغناء وربطهما بالموسيقى أمر طبيعي، والدليل على ذلك هو شعرهم الذي جاء على نغم متناسق يتألف من وزن واحد وقافية واحدة. وعلى الرغم من أنّ هذا الشعر قد كان في مرحلة طفولته، إلاّ أنّه قد تقيّد بهذين المبدأين (الوزن والقافية) دائما دون أن يصرّح بذلك المشتغلون به من شعراء ونقاد.

من هنا نلمس أهمية الغناء بالنسبة للشعر القديم ومدى ارتباطهما معا، وتكاملهما مع بعضهما البعض. ونجم عن ذلك أن شاع الغناء وانتشر في مختلف البيئات ومختلف العصور. فإذا ما جئنا إلى العصر الإسلامي، وجدنا بيئة الحجاز تعجّ بالمغنين والمغنيات، ومعظمهم من الموالي ومن الجواري. وكانت القيان تغنين شعر الشاعر وغالبا ما يؤتى بهن من بلاد الفرس والروم. فمن المغنين اشتهر طوَيس وابن سريج، ومن المغنيات نجد عقيلة وجميلة والزرقاء وغيرهن كثير خاصة في المدينة. ويلاحظ أنّ هذه الفئة من المغنين قد عملت على تطوير الشعر والغناء من خلال مزج النغم الأجنبي بالنغم العربي من جهة، وإدخال الكثير من الآلات الموسيقية الجديدة للطرب العربي مثل العود والناي والقانون وغيرها من الآلات التي لم يكن للعرب سابق معرفة بها. ويورد صاحب الأغاني قصة الأعرابي الذي دهش من رؤية العود لأول مرة. فقال: "رأيت ضاربا خرج فجاء بخشبة عيناها في صدرها، فيها خيوط أربعة، فاستخرج من خلالها عودا فوضعه خلف أذنه ثمّ عرك آذانها وحركها بخشبة في يده، فنطقت وربّ الكعبة، وإذا هي أحسن قينة رأيتها قط، وغنّى حتى استخفّني من مجلسي فوثبت فجلست بين يديه وقلت: بأبي أنت وأمي ما هذه الدّابة فلست أعرفها للأعراب وما أراها خلقَت إلاّ قريبا؟ فقال: هذا البربط، فقلت: بأبي أنت وأمي فما هذا الخيط الأسفل؟ قال: الزّير، فقلت: فالذي يليه، قال: المَثنى، قلت: فالثالث؟ قال المثلث، فقلت: بالأعلى، قال: البَمّ، قلت: آمنت بالله أولا وبك ثانيا وبالبربط ثالثا وبالبمّ رابع"(11).

من هنا أصبح الغناء في هذا العصر مصحوبا بجوقة من العازفين تضرب على الآلات، وبفرقة من الجواري يرقصن تماشيا مع اللحن. ولعل هذا ما جعل كلاّ من الشعر والغناء والموسيقى والرقص أكثر ترابطا وانسجاما وتكاملا فيما بينهم. فكل فن من هذه الفنون الأربعة ساهم بصورة أو بأخرى في نمو الفنون المتبقية، وتطور أساليب أدائها بكيفية تنمّ عن مدى التطور الحضاري الذي وصل إليه العرب خاصة بعد الاحتكاك الثقافي بينهم وبين الأقوام الأخرى من روم وفرس ويونان. والغناء بطبيعته يتطلب الخفة في الوزن، والسرعة في الإيقاع. وقد وجد المغنون في البداية بعض الصعوبة في تلحين الشعر العربي القديم، وعندما أدرك الشعراء ذلك راحوا ينوّعون أوزانهم ويبسطونها قدر المستطاع، فابتعدوا قليلا عن البحور الطويلة، كالطويل والكامل والبسيط، ومالوا إلى القرض على أوزان البحور القصيرة كالسريع والخفيف والهزج وغيرها.

وقد شغف هؤلاء المغنون بأشعار عمر بن أبي ربيعة شغفا كبيرا لأنها لبّت حاجتهم الفنية، فهي من جهة تصلح للتلحين والإنشاد لسهولة أوزانها، ومن جهة ثانية هي قريبة من القلب لأن معظمها كان في الغزل وشعر الحب، وهذا النوع من الأشعار كثير الانتشار بين العامة، شديد الإطراب، يعلق بالقلب قبل السمع، لأنه قريب من طبيعة النفس الإنسانية.

وانتشرت هذه الموجة من الغناء الجديد انتشارا واسعا، وانتقلت من الحجاز إلى الشام، فراح الخلفاء والولاة يتنافسون على شراء أكبر عدد ممكن من المغنين والمغنيات ليحيوا مجالسهم وليالي سمرهم بطربهم الشجي، وغنائهم الساحر الذي ينسيهم هموم السياسة ومشاكلها. وقد حذا خلفاء بني العباس حذو سابقيهم، وسلكوا المسلك نفسه، فلم يتوانوا عن الاهتمام بالغناء أكثر فأكثر، فأصبح العراق بلد الطرب والمطربين، وأغدق كبار رجال الدولة العطايا على هؤلاء المغنين، وأسرفوا في ذلك إسرافا شديدا(12). حتى الشعراء أنفسهم عاشوا حياة ماجنة لاهية أساسها الخمر والغناء والشعر كأبي نواس وأبي العتاهية وبشار ومسلم بن الوليد وغيرهم ممّن سيكون لهم الفضل الوافر في تجديد الشعر العربي القديم، والثورة على عموده. وأوّل ما نلمسه من تجديد هو انتقال الشعراء من القصائد الطوال إلى المقطوعات القصار التي تثار فيها خواطر الحب والشباب وما يتصل بهما من لهو ومجون، وعبث شراب، ووقوع في حب القيان والجواري.

والحقيقة إن شيوع الغناء في القرن الثاني الهجري واهتمام الطبقات المختلفة به وإقبالها عليه - ممّا جعله فنا شعبيا عاما ليس وقفا على طبقة الأثرياء الذين يمكنهم تهيئة مجالس خاصة للغناء تمتاز بالبذخ والترف - قد أثر في شعر هذا القرن تأثيرا واضحا بدا في انصراف الشعراء عن الأوزان الطويلة المعقدة حتى في أكثر فنون الشعر جدية كالمديح والرثاء، وإقبالهم على الأوزان الرشيقة الخفيفة التي تلائم الغناء في المجالس والمنتديات ودور اللهو والرقص(13). كمجزوء الكامل ومجزوء الرجز، والبسيط المخلع ومجزوء الرمل ومجزوء المنسرح والهزج والمضارع ومجزوء المتقارب وغيرها. والتجديد هنا كما نرى قد مسّ الشكل أكثر من المضمون، وسيكون من السخف المطلق أن يزعم أحد أنه ليس هناك أهمية للشكل أو لتطور الشكل في مجال الفن (عموما). فبغير إدخال تجديدات شكلية، لا يمكن للأدب أن يقدم موضوعات جديدة أو وجهات نظر جديدة إلى الفئات الجديدة من الجمهور(14).

وذهاب الشعراء هذا المذهب لا يعدو أن يكون محاولة تجديد وابتكار خاضعة لتأثير الغناء الذي أصبح فنا شعبيا واسع الذيوع كما أسلفنا. فانتقلوا من القصائد الطوال إلى المقطوعات القصار، ومن الأوزان المعقدة إلى الأوزان البسيطة، ومن القافية الموحدة إلى تعدد القوافي، ومن الألفاظ الجزلة إلى الألفاظ الرشيقة السلسة، ومن المدح والهجاء إلى الغزل ووصف الخمر، وغير هذا كثير.

وإذا ما انتقلنا إلى بلاد الأندلس وجدنا أهلها مولعين بالغناء والشعر تأثرا بنظرائهم المشارقة. فقد ولع حكام بني أمية - في الأندلس- باستقدام الجواري المشرقيات اللواتي اشتهرن بجودة الغناء ورقة الأدب، وكان لهؤلاء الجواري الفضل الكبير في انتشار الأغاني العربية المشرقية بالأندلس، وكان لهن الأثر القوي في إنماء شعر الحب وتقويته، وفي توجيه الشعراء نحو التجديد في القوالب طبقا لمتطلبات التلاحين الموسيقية.

وقد بدأت حركة استقدام المغنيات هذه، مع عبد الرحمن الداخل الذي كان يبذل المال الوفير في الحصول على مغنيات الحجاز بصفة خاصة، ومنهن جارية بارعة في الشعر والغناء تدعى العجفاء، اشتراها من أحد موالي بني زهرة بالمدينة المنورة، وتعتبر العجفاء أول شاعرة معروفة بأرض الأندلس وفدت من المشرق(15). وقد جمعت العجفاء بين الشعر والغناء والضرب على العود.

وشاعت موجة الشعر والغناء شيوعا واسعا في عهد الحكم الربضي الذي أولى اهتماما ملحوظا بهما. ويعتبر من أكثر حكام بني أمية عناية بالغناء وتشجيعا على تلحين الأشعار العربية القديمة، بل كان هو نفسه يقترح على المغنيات الأشعار التي يغنين فيها(16).

وبلغ الغناء والشعر ذروة تقدمهما بمقدم أبي الحسن علي بن نافع، الملقب بزرياب، مولى أمير المؤمنين المهدي العباسي، والذي هاجر من بغداد هربا من حسد أستاذه إسحاق الموصلي شيخ المغنين أيام هارون الرشيد. وقد استقبل زرياب وسائر ولده استقبالا حارا ينمُّ عن تقدير وإعجاب كبيرين به وبالغناء والموسيقى. وكان زرياب هو من أضاف الوتر الخامس إلى العود وهو من اخترع مضرابه من قوادم النّسر. فاكتسب عوده بذلك ألطف معنى وأكمل فائدة. وكان زرياب قد جمع إلى خصاله هذه الاشتراكَ في كثير من ضروب الظرف وفنون الأدب، ولطف المعاشرة، وحوى من آداب المجالسة وطيب المحادثة ومهارة الخدمة الملوكية ما لم يُجده أحد من أهل صناعته، حتى اتّخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنّه لهم من آدابه، واستحسنه من أطعمته، فصار إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوبا إليه معلوما به(17).

والواقع، أنّ عبقرية زرياب لم تظهر في الغناء والشعر والموسيقى فقط، وإنما برزت في مجالات أخرى، فقد كان طاهيا بارعا، ومصفف شعر مبدع، ومصمم أزياء على مستوى رفيع، وعالما بالنجوم، وحافظا لعشرة آلاف مقطوعة من الأغاني بألحانها. هذا ما جعله يتفوّق على معاصريه أمثال عَلُون وزرقون، فشاع الغناء، وعمّت مجالس اللهو والطرب، وأصبحت الأشعار أكثر رقة وعذوبة، خفيفة الوزن، سريعة الإيقاع، تعبّر عن مشاعر الحب والهوى، وآلام الهجر والنّوى. وراح أهالي الأندلس يتنافسون في الإقبال على الغناء وصناعة آلاته وبيعها في أسواق معلومة مشهورة بذلك، فكان الحال كما يقول الفيلسوف ابن رشد: "إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع آلاته حملت إلى إشبيلية"(18). فكانت قرطبة للعلم والمعرفة، وكانت إشبيلية للغناء والموسيقى.

وقد عمل الغناء والموسيقى على ظهور لون جديد من الشعر في الأندلس سمي بالموشح، ولا يمكن أن "يشك أحد في الارتباط الوثيق بين الموشح والموسيقى والغناء، فما وجدت الموشحات إلاّ للتلحين والغناء، ومن هنا ارتبطت دراسة الموسيقى الأندلسية بدراسة الموشحات، بل وربما اقترن فن التوشيح منذ البداية بفن التلحين والغناء، فكان الوشّاحون يضعون الألحان لمنظومتهم، والمعروف عن ابن باجة مثلا - وهو فيلسوف الأندلس - أنه كان وشاحا وملحنا ومغني"(19).

ومما هو شائع عن الموشح أنه يختلف عن القصيدة العربية القديمة من حيث تعدد الأوزان والقوافي فيه، ممّا يسهّل عملية تلحينه وغنائه، كما أن الأوزان التي ينظم عليها أوزان خفيفة، ولغته لغة بسيطة لينة تحوي ألفاظ الحب والطبيعة والخمرة والطيب، "ولم يستحدث شعراء أهل الأندلس هذا اللون من النظم إلاّ لحاجتهم إلى التجديد الذي اضطرتهم إليه ظروف اللهو والغناء الجماعي"(20).

وفي الختام، يمكن الجزم بأنّ الموشحات قد نشأت نشأة غنائية، ونمت وتطورت من خلال الغناء الذي كان له شأن كبير في تمرد الشعراء على عمود الشعر، وإتيانهم بالجديد معنى ومبنى. فابتكروا معان جديدة تتماشى وذوق العصر، ومالوا إلى شعر الحب والغزل خاصة، وراحوا يلوّنون أشعارهم بألوان البديع وينوّعون في القوافي انسجاما منهم مع دواعي اللحن والطرب، ممّا أدى إلى تفرّد الأندلسيين بالموشحات والأزجال دون غيرهم من الأقوام خاصة في ظل توفر بلادهم على طبيعة فاتنة وخلابة شغفت بها القلوب، وهامت بها النفوس، طبيعة لا تبعث إلاّ على اللهو والطرب، وإقامة مجالس الغناء والشراب.

الهوامش:
1 - ابن سنان الخفاجي: سر الفصاحة، دار الكتب العلمية، بيروت 1982م، ص 287.
2 - آرنست فيشر: ضرورة الفن، ترجمة أسعد حليم، منشورات مركز الشارقة للإبداع الفكري، الإمارات، (د.ت)، ص 280-281.
3 - ابتسام أحمد حمدان: الأسس الجمالية للإيقاع البلاغي في العصر العباسي، دار القلم العربي، ط1، حلب 1997م، ص 23.
4 - عبد القادر هني: نظرية الإبداع في النقد العربي القديم، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1999م، ص 255.
5 - قدامة بن جعفر: نقد الشعر، تحقيق كمال مصطفى، مكتبة الخانجي، ط2، مصر، ومكتبة المثنى، بغداد 1963م، ص 2.
6 - ابن رشيق القيرواني: العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ج1، ص 127.
7 - السعيد الورقي: لغة الشعر العربي الحديث، مقوّماتها الفنية وطاقاتها الإبداعية، دار النهضة العربية، ط3، بيروت 1984م، ص 160-161.
8 - ابن رشيق: العمدة، ج2، ص 247.
9 - المصدر نفسه، ج2، ص 248.
10 - شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دار المعارف، ط7، مصر 1969م، ص 48-49.
11 - أبو فرج الأصفهاني: الأغاني، دار الكتب، مصر، ج13، ص 181.
12 - شوقي ضيف: الفن ومذاهبه، ص 61.
13 - محمد مصطفى هدارة: اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري، دار العلوم العربية، ط1، بيروت 1988م، ص 568.
14 - آرنست فيشر: ضرورة الفن، ص 166.
15 - عبد الإله ميسوم: تأثير الموشحات في التروبادور، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1981م، ص 70-71.
16 - المرجع نفسه، ص 72.
17 - المقري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، تحقيق يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر، ط1، بيروت 1998م، ج3، ص 385.
18 - عبد الإله ميسوم: تأثير الموشحات في التروبادور، ص 75.
19 - المرجع نفسه، ص 88.
20 - محمد عباسة: الموشحات والأزجال الأندلسية وأثرها في شعر التروبادور، دار أم الكتاب، ط1، مستغانم 2012، ص 51.
الإحالة إلى المقال:

* د. طانية حطاب: أثر الموسيقى والغناء في نشأة الموشحات الأندلسية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السابع عشر 2017. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

اللغة في العرفان الصوفي
حوليات التراث، العدد 6، 2006.

***