الموروث الثقافي الجزائري الواقع والآفاق

إيمان هنشيري
جامعة عنابة، الجزائر

الملخص:

يعتبر الموروث الثقافي كنز الأمة، به تفرض وجودها، وتثبت ذاتها وخصوصيتها، وتحقق طموحاتها، لذلك فإن أغلب الأمم والشعوب سعت دوما للحفاظ عليه والتشبث به، ومحاولة إحيائه، وبعثه من جديد. تمتع الجزائر كغيرها من دول العالم بموروث ثقافي معترف بتنوعه وغناه على المستوى العالمي، وقد تأتى لها ذلك بحكم موقعها، حيث عرفت تعاقبا وتمازجا للحضارات قلّ أن يجود به التاريخ والجغرافيا، فموقع الجزائر من حيث قربها من قارة أوروبا، وكونها بوابة لقارة إفريقيا، ومعبرا إلى الشرق أمرا جعلها - في كل مراحل تاريخها - هدفا لغيرها من الدول والشعوب، فكان نتاج ذلك أنها بلغت عدة مؤثرات ثقافية، مكنتها من أن ترث عن ماضيها تراثا ثقافيا ضخما متعدد المشارب. لكن في خضم أخطار العولمة الجارفة غير المحمودة، والتوسع العمراني، باتت تطرح مسألة مصير الإرث الوطني الثقافي بإلحاح شديد، لذلك يهدف هذا المقال لتسليط الضوء على واقع الموروث الثقافي في الجزائر، كما يسعى إلى مناقشة التحديات التي تواجهه في الوقت الحاضر، ومن ثم بحث الطرق والأساليب المستقبلية التي تحاول الدولة الجزائرية سلكها في سبيل تثمين الموروث الثقافي والاستثمار فيه لخدمة المجتمع والأجيال القادمة.

الكلمات الدالة:

الموروث، الثقافة، التقاليد والطقوس، الفنون، الآثار.

***
The Algerian cultural heritage reality and prospects

Imane Hanchiri
University of Annaba, Algeria

Abstract:

Cultural heritage is the nation's treasure, with it to impose its existence, prove itself and its privacy, and achieve its aspirations, so most nations and peoples have always sought to preserve it and cling to it, and try to revive it and resurrect it. Algeria, like other countries of the world, enjoys a cultural heritage that is recognized for its diversity and richness at the global level, and that came to it by virtue of her location, as it knew a succession and an amalgamation of civilizations, which history and geography rarely delivers. The location of Algeria in terms of its proximity to the continent of Europe, its being a gateway to the continent of Africa, and a crossing to the East made it - in all stages of its history - a target for other countries and peoples. The result of this was that it reached several cultural influences, which enabled it to inherit from its past a huge cultural heritage of multiple stripes. But in the midst of the dangers of sweeping, unfortunate globalization and urban expansion, the issue of the fate of the national cultural heritage is being raised with great urgency, so this article aims to shed light on the reality of the cultural heritage in Algeria.

Keywords:

heritage, culture, traditions and rituals, arts, monuments.

***

النص:

عرفت الجزائر بحكم موقعها تعاقبا وتمازجا للحضارات قل أن يجود به التاريخ والجغرافيا، فموقع الجزائر من حيث قربها من قارة أوروبا، وكونها بوابة لقارة إفريقيا، ومعبرا إلى الشرق أمر جعلها - في مختلف مراحل تاريخها - هدفا لغيرها من الدول والشعوب، فكان من نتائج ذلك أنها تلقت عدة مؤثرات ثقافية، فورثت عن ماضيها تراثا ثقافيا متعدد المشارب ومعترفا بتنوعه وغناه على المستوى العالمي.

ويشكل الموروث الثقافي رمزا للهوية وعنصرا أساسيا لذاكرتنا، حيث يحمل مبادئ وقيم أسلافنا وينقلها إلى الأجيال القادمة، لذلك فإن مسألة الاجتهاد للحفاظ عليه ظلت مطروحة عند مختلف الدول الحريصة على فرض وجودها، وتثبيت كيانها، لكن في خضم الأوضاع السائدة في العصر الحديث من تطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وكذا التوسع العمراني، باتت تطرح مسألة مصير الموروث الثقافي بإلحاح شديد في سبيل تثمين الموروث الثقافي من خلال الاستثمار فيه لخدمة المجتمع والأجيال القادمة، فكانت الجزائر من أكثر البلدان انشغالا بذلك. لذلك فهذه الدراسة تهدف لتسليط الضوء على حقيقة وواقع الموروث الثقافي في الجزائر، ومن ثم مناقشة التحديات التي تواجهه، كما تبحث السبل التي سلكتها الدولة الجزائرية في سبيل الحفاظ على موروثها الثقافي.

1 - مفهوم الموروث الثقافي:

يعد الموروث الثقافي مصطلحا واسعا ومن الصعب تحديد جميع مكوناته وعناصره، وهو يشمل كل ما خلده الإنسان من شواهد روحية أو مادية في تراثه الفكري، ورقيه الإنساني، ويمكن القول بأنه الحصيلة الفكرية والاجتماعية والمادية لأسلافنا، أو بمفهوم آخر فإن "الموروث الثقافي والاجتماعي والمادي، المكتوب والشفوي، الرسمي والشعبي، اللغوي وغير اللغوي، الذي وصل إلينا من الماضي البعيد والقريب"(1)، موجود في ذاكرتنا يعيش معنا، ويتجسد في أشكال مختلفة خلال حياتنا "في تصرفاتنا وتعبيرنا وطرائق تفكيرنا، ومهما حاولنا القطيعة معه، وإعلان موته نظريا أو شعوريا تظل خطاطته وأنساقه وأنماطه العليا مرسخة في الوجدان ومتمركزة في المخيلة"(2)، حتى وإن طرأ عليه تغيير إلا أن هذا التغيير ليس جذريا، وإنما هو نسبي نتيجة ظروف مفروضة هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن بعض الموروثات حتى وإن هجرت فإنها ستحفظ في المتاحف كونها من تراث أجدادنا، وأنها أدت وظيفة في زمن ما.

ولا نعني بالموروث الثقافي تلك الرواسب والمخلفات الثقافية لماض سحيق، حيث فقدت وظيفتها من دون أن تكتسب وظيفة أخرى، لأن هذه النظرة الساذجة للموروث الثقافي تعمل على بتر التاريخ وتسلب حقه في التعبير عن الحاضر، والتأثير فيه، وتجعله شيئا من مخلفات السحيق(3)، وإنما آثارها تسكن دائما وجدان أفراد المجتمع، فيكون لعناصر الموروث الثقافي - من منظور الأنثروبولوجيين - دائما وظيفة تؤديها "بطريقة أو بأخرى حتى لو اختلفت عن الوظيفة الأصلية، واعتبروا أن المخلفات والرواسب عناصر ثقافية موروثة من أوضاع أقدم ثقافيا، وأن لها تأثيرها في أرقى الحضارات، كما اعتبروا أن المعتقدات والعادات مخلفات لماض قديم، وقد اكتسب وجودها لا عن طريق المعرفة التجريبية المؤيدة ولا بالحقائق المؤيدة ولا بالقانون الوضعي وإنما بحكم العادة، وعلى أساس أنها جزء من التراث"(4).

ويقصد بالموروث الثقافي تلك الأشكال والعناصر الثقافية المادية والفكرية والاجتماعية التي كانت سائدة في المجتمع في وقت ما، ثم طرأ على هذا المجتمع تغير، فانتقل من أوضاع إلى أوضاع أكثر حداثة، ولكنها (الأشكال الثقافية) لا تزال مستمرة في ذلك المجتمع، متداولة بين أفراده، وهذه الاستمرارية لعناصر الموروث الثقافي بين الأجيال "تحمل معها من التواصل الحضاري عصارات فكر أجيال متعاقبة"(5).

2 - عناصر الموروث الثقافي الجزائري:

يعتبر الموروث الثقافي الجزائري موروث غني بضروبه وعناصره، إذ تشير الآثار التاريخية المنتشرة على كافة التراب الوطني الجزائري، خاصة في بعض المدن كبجاية والقصبة وغرداية وتلمسان وقسنطينة وقالمة تنوع تجربة المجتمع الجزائري الثقافية "فالثقافة لا تنفصل عن التاريخ، بل هي في وجه من الوجوه تعبير عنه، وربما هي أكثر ما يستمر ويبقى من التاريخ"(6).

ويمكن تقسيم الموروث الثقافي الجزائري كالآتي:

أ - الموروث الثقافي المادي:

يقصد بالموروث الثقافي المادي "كل ما يصنعه الإنسان في حياته العامة، وكل ما ينتجه العمل البشري من أشياء ملموسة، وكذلك كل ما يحصل عليه الناس عن طريق استخدام فنونهم"(7)، وهذه الموروثات ذات طابع تقليدي، لكن رغم حلول عناصر أكثر عصرية منها إلا أنها تحظى باهتمام بالغ من قبل أفراد المجتمع. والمقصود بالموروثات الثقافية المادية أيضا تلك "التقنيات والمهارات ووصفات انتقلت عبر الأجيال كبناء البيوت وصناعة الملابس وإعداد الطعام وفلاحة الأرض وصيد الأسماك وغيره"(8).

ويمكن تقسيم الموروث الثقافي المادي بدوره إلى قسمين:

1 - الموروث الثقافي غير المنقول: ويشمل هذا النوع من الموروث ما يلي:
- المواقع ذات الطابع الأثري كالنقوش والرسوم السخرية المنتشرة عبر العديد من مناطق الوطن، كتلك الموجودة في منطقتي أولاد جلال وجمينة بمدينة بسكرة، وكذا المغارات والكهوف ككهوف الهقار الموجودة بالطاسيلي، بالإضافة إلى المقابر كمقبرة سيدي حامد ببسكرة.
- البنايات ذات الطابع العسكري كالحصون وأبراج المراقبة المنتشرة بكثرة في مدينة قالمة وبسكرة وتلمسان كـ(قلعة ابن الجاهل).
- المنشآت ذات الطابع المدني كالجسور والقناطر التي نجدها بكثرة في مدينة قسنطينة كجسر سيدي راشد وقنطرة الحبال، وجسر القنطرة بمدينة بسكرة، بالإضافة إلى الحدائق كحديقة لاندو ببسكرة، والأحواض والشلالات كشلالات الوريط بتلمسان وكحمام دباغ أو حمام المسخوطين بقالمة، وحمام الصالحين ببسكرة.
- المنشآت ذات الطابع الديني والمقدس: وتتمثل في أماكن العبادة المنتشرة في كافة التراب الوطني كالمساجد المنتشرة بكثرة في الجزائر العاصمة ونذكر منها المسجد الكبير، وجامع كتشاوة، ومسجد سيدي عبد الرحمن الثعالبي، ومسجد علي خوجة، ومسجد الداي، ومسجد الجيش، ومسجد المصيدة، ومسجد سفير، وجامع القصبة البراني، وجامع البحرية، ومسجد الأمة وغيرها، أو المساجد المتوزعة على كامل منطقة تلمسان ومنها مسجد سيدي بومدين والمسجد الكبير ومسجد المشوار ومسجد آغادير وغيرها، وكذا المساجد الموجودة بمدينة بسكرة كمسجد سيدي عقبة. ويشمل هذا النوع من الموروث أيضا الزوايا والأضرحة كالزاوية العثمانية، وزاوية المختارية ببسكرة، وزاوية أحمد بن عبد الله الجزائري، وزاوية عبد الرحمن الثعالبي بالعاصمة.
- بعض المجموعات التاريخية والتقليدية: وتتكون من الممتلكات العقارية المبنية أو غير المبنية، المعزولة أو المجتمعة مثل المدن والقرى التاريخية كمدينة بني سويك وأولاد جلال وطولقة وسيدي عقبة وسيدي خالد ببسكرة، بالإضافة إلى القصور كقصر خديوج، وقصر عزيزة، وقصر حسن باشا، وقصر مصطفى باشا، وقصر الدار الحمراء بالجزائر العاصمة، وتشمل أيضا القصبات والأنسجة العتيقة الحضرية والريفية... الخ، والتي تكتسي أهمية بحكم طابعها المعماري، أو حمولتها التاريخية أو تفردها، أو انسجامها، أو اندماجها مع محيطها.
2 - الموروث الثقافي المنقول: يتمثل في الممتلكات المنقولة المتكونة من الحفريات الثرية كـ(حفريات ألتافا بأولاد ميمون بتلمسان)، والمخطوطات العلمية والفنية كـ(المخطوطات الموجودة بمكتبة الشيخ القاضي بمدينة بسكرة)، وكذا الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية (الموجودة بمختلف المتاحف الوطنية)، كما يشمل أيضا أدوات الحياة اليومية (مجموعات أنتوغرافية)، أو قطع من الإنتاج المادي للثقافة الوطنية من الناحية العلمية أو التاريخية أو الأنثربولوجية أو الفنية أو الجمالية أو التقليدية، سواء كانت هذه العناصر معزولة أو مجموعات، وتعد المجموعة كلا غير قابل للتجزئة لانتمائها لنفس المكان والفترة التاريخية، لكونها شاهدة على تيارات فكرية وعادات وأعراف وهوية وذوق ومهارة وفن وأحداث.
ب - الموروث الثقافي غير المادي (المعنوي):

شكل التراث الثقافي غير المادي موضوع بحث لكثير من الدراسات وذلك لفترة طويلة، مما أفضى ذلك إلى وضع مجموعة من التعريفات التي ظلت مبهمة إلى أن أحاطت منظمة اليونيسكو بجوانبه، وبذلك أدت دورا مهما في ترسيم معالم هذا الموروث، وعليه يمكن تعريفه بأنه الموروث الغير ملموس، ويشمل مجموع الممارسات، والتصورات، والتمثلات، وأشكال التعبير، والمعارف، والمهارات، كما تعتبر جزءا من هذا التراث اللغة والأدب والموسيقى والغناء والحكاية والرقص والاحتفالات وباقي الفنون، وكذا الألعاب والأساطير والطقوس والعادات والممارسات والمهارات والمعرفة الموروثة للحرف التقليدية والهندسة المعمارية وفن الطبخ والإنتاج، وكذا تخرين المنتوجات والطب والصيدلة التقليدية، وكذا الفضاءات والمسالك الثقافية كأماكن لتأكيد استمرارية الهوية الوطنية والدلالة على تجذر الثقافة.

وتعتبر الدولة الجزائرية هذه العناصر جزءا من تراثها الثقافي غير المادي المتوارث جيلا عن جيل، فتبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرة بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة والتاريخ، فهي تنمي لديهم الإحساس بهويتهم والشعور باستمراريتها، ويمكن تقسيم الموروث الثقافي الغير مادي (المعنوي) إلى ما يلي:

1 - التقاليد الشفهية وفنون التعبير الشفهي: ترتبط هذه الفنون بما أنتجته الذاكرة الجماعية الجزائرية حين عبرت عن أفراحها وأقراحها في أشكال محكية عدة كقصص البطولة، والأمثال، والحكايات، وأغاني الأطفال، وأغاني القصائد الملحمية، والأساطير، والأناشيد، والتعويذات، والصلوات... هذه الأشكال استعملها أجدادنا لنقل المعرفة والقيم الثقافية والاجتماعية إلينا وإلى أحفادنا، لذلك فقد أدت دور شديد الأهمية في الحفاظ على الثقافة الجزائرية نابضة بالحياة. ويقدم عبد الحميد بورايو قائمة لموروثنا الثقافي المعنوي يمكن أن نلخصها في النقاط التالية: قصص البطولة (قصص المقاومين والثوار، قصص الأولياء)، الأساطير، الأغاني بأنواعها، الأغاني الشعبية، الأمثال والحكم والأقوال السائرة والألغاز والنداءات والنوادر(9).

ونظرا لأن التقاليد الشفهية وأشكال التعبير الشعبي تنقل بالكلمة المحكية، فإن أسلوب روايتها كثيرا ما يختلف باختلاف نوعها وسياقها ومؤديها، الذين يتكلمون لغات مختلفة نظرا للوضع اللغوي السائد (فرنسية، عربية، أمازيغية)، فاللغة تدعم التراث الثقافي الغير مادي لكثير من المجتمعات، فهي واسطة لنقل التراث غير المادي، كما أن اللغات المختلفة تتحكم في كيفية رواية القصص والأشعار والأغاني كما قد تؤثر على مضمونها، وقد يقود اندثار لغة ما إلى فقدان ما لديها من تقاليد شفهية وأشكال تعبير شفهي.

وكما للغة تأثير على التقاليد الشفهية وأشكال التعبير الشعبي، فكذلك الأمر بالنسبة للهجات التي هي "الطريقة التي يتلفظ بها المرء بمفردات لغة وعباراتها، وطريقة إخراج الأصوات عند النطق بها، وهي طريقة تختلف باختلاف المناطق الجغرافية حتى ضمن بلد واحد، فإن هناك أناس يتكلمون لغة موحدة المفردات والتعابير والقواعد، يتلفظون بلغتهم المشتركة لهجات متباينة تباين انتماءاتهم الإقليمية"(10)، وتختلف اللهجة في الجزائر من منطقة إلى أخرى فاللهجة التي نجدها في منطقة الأوراس تختلف عن اللهجة التي نجدها في الصحراء أو في منطقة الغرب الجزائري، وكثيرا من الأحيان تحيل اللهجة إلى الانتماء الجغرافي للفرد، وهي تمثل تراثه الموروث من أجداده والذي لا يستطيع الانسلاخ عنه، لأن اللهجة تعتبر أحد العناصر الأساسية للموروث وليس فقط وسيلة لنقل عناصر الموروث الثقافي، أو وعاء يخزن بداخله المجتمع تراثه، لأن تراثها الثقافي يتجسد كذلك في اللهجات.

2 - فنون وتقاليد وأداء العروض: تتنوع فنون الأداء في الموروث الثقافي الجزائري وتتراوح بين الموسيقى الغنائية والآلات الموسيقية إلى الرقص والمسرح إلى الإيماء والشعر الغنائي، وتشمل العديد من أشكال التعبير الثقافي التي تنعكس فيها روح الإبداع البشري، والتي تتواجد كذلك بحدود معينة في كثير من مجالات التراث الثقافي غير المادي.

ولعل الموسيقى هي الشكل الأكثر عالمية من أشكال فنون الأداء، فهي موجودة في كل المجتمعات، وأغلبها يوجد كجزء أساسي من أشكال الأداء ومجالات التراث غير المادي الأخرى، بما في ذلك الطقوس واحتفالات الأعياد والتقاليد الشفوية، وتوجد الموسيقى الجزائرية في سياقات شديدة التنوع سواء منها المقدس أو الكلاسيكي أو الشعبي، حيث تروي تاريخ المجتمع المحلي فمثلا الموسيقى الأندلسية تميز منطقة قسنطينة، و"المالوف" يميز منطقة عنابة، كما أن الموسيقى تؤدى في مناسبات مختلفة بحيث لكل مناسبة طابعها الموسيقي، فاحتفالات الزواج لها موسيقاها الخاصة، والمآتم الجنائزية تتميز بطابع موسيقي يبعث على الحزن، وكذلك هو الحال بالنسبة والأعياد، والكثير من المناسبات الاجتماعية الأخرى التي تؤدى من خلال نمط موسيقي معين.

ويمكن وصف الرقص على تنوعه وتعدد أشكاله بأنه ببساطة حركات الجسم المنتظمة المؤداة على إيقاع الموسيقى، وبالإضافة إلى جوانبه المادية كثيرا ما تعبر حركات الرقص الإيقاعية وخطواته وإيماءاته عن شعور ومزاج معين، أو تعرض حدثا محددا أو عملا من الأعمال اليومية من قبيل الرقصات الدينية والرقصات التي تمثل الصيد أو الحرب.

أما الأداء المسرحي التقليدي فكثيرا ما تشتمل عروضه على التمثيل والغناء والرقص والموسيقى والحوار والرواية أو الإلقاء، كما تشمل العرائس والإيماءة، وهذه الفنون تؤدي أدوارا مهمة في الثقافة والمجتمع مثل: الأغاني التي تُغنى أثناء العمل الزراعي، أو الموسيقى التي تعزف كجزء من طقس معين.

3 - الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات: ترتبط الممارسات والطقوس والاحتفالات بالحياة اليومية لأفراد المجتمع الجزائري، فتتصل اتصالا وثيقا بتصورهم للعالم وفهمهم لتاريخهم وذاكرتهم، كما تعد أنشطة اعتيادية تتهيكل حولها حياتهم، ويعتبرونها ذات صلة بواقعهم، لذلك فهم يمارسونها بطريقة عفوية ومقدسة دون أن يجدوا لذلك مبرر، والأمر الذي أكسبها قيمة هو أنها تؤكد بالنسبة لممارسيها هوية الجماعة.

وتتنوع أشكال الممارسات الاجتماعية في الجزائر من منطقة إلى أخرى تنوعا مذهلا حيث نجد شعائر الصلاة، ومراسم البلوغ، وطقوس الولادة، والأعراس، والجنازات، والألعاب، والرياضة التقليدية، والتقاليد المطبخية، وأنماط المستوطنات، وطقوس القرابة، والأعياد الموسمية، وممارسات الصيد، والقطاف، كما تشمل مجموعة متنوعة من أشكال التعبير والعناصر المادية كالإشارات، والكلمات الخاصة، والإلقاء، والرقصات، والأزياء الخاصة، والمواكب، والأضاحي، والأطعمة الخاصة. والامتثال الجماعي للعادات والتقاليد حدده عبد الحميد بورايو في النقاط التالية:

- دورة الحياة (الميلاد، الختان، الزواج، الوفاة).
- الأعياد والمناسبات المرتبطة بدورة العالم (أعياد دينية، أعياد وطنية، احتفالات، مناسبات زراعية).
- المعاملات الاجتماعية بين أفراد الجماعة (الاستقبال، التوديع، الضيافة، علاقة الكبير بالصغير، علاقة الذكر بالأنثى، آداب المائدة، فض المنازعات والتحكيم)(11).

وكثيرا ما يقام هذا النوع من الاحتفالات والممارسات والطقوس في أوقات محددة وأماكن خاصة، وذلك لغرض تذكير المجموعة بجوانب في تصورها للعالم، ومن تاريخها، كما يساعد على تدعيم الإحساس بالهوية وباستمرار الماضي.

4 - المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون: هي مجمل ما "يؤمن به الشعب فيما يتعلق بالعالم الخارجي والعالم فوق الطبيعي، وتتميز هذه المعتقدات بخصائص مميزة منها أنها ميدان أكثر من أي ميدان أخر من ميادين التراث الشعبي... ما يعرف بالأفكار أو المواقف الإنسانية العامة، أو ما يعرف بالأفكار الأساسية كما أنها تهتم بالبحث عن تصورات الناس عن بعض الظواهر الطبيعية النفسية"(12).

وتشمل الممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون المعارف العلمية والمهارات والممارسات والتصورات التي اكتسبها سكان الجزائر من خلال تفاعلهم مع بيئتهم، فعبروا عنها باللغة والتقاليد الشفهية ومشاعر الارتباط بالمكان والذكريات والنزعة الروحية وتصور العالم.

وقد انبثق عن طرق التفكير هذه جوانب كثيرة ومختلفة من قبيل المعرفة البيئية التقليدية، أو معارف الشعوب الأصلية، أو معرفة الحياة الحيوانية أو النباتية، أو نظم العلاج التقليدية، أو الطقوس أو المعتقدات، أو طقوس التنظيمات الاجتماعية، أو الاحتفالات، أو اللغات، أو الفنون البحرية، كما تكمن المعارف والممارسات التقليدية في صميم ثقافة المجموعة وهويتها بعض جوانب المعارف التقليدية من قبيل الاستعمالات الطبية لأنواع النبات المحلية.

ولقد حاول فاروق أحمد مصطفى إحصاء أهم الموضوعات المرتبطة بالمعتقدات الشعبية في "الأولياء والكائنات الحية فوق الطبيعية، والسحر، والطب الشعبي، والأحلام، وحول الحيوان، وحول الجسم الإنساني، والأعداد والألوان والروح، والطهارة، والنظرة إلى العالم وغيره"(13).

وتعمل هذه المعتقدات على إشباع رغبات المجتمع الجزائري مما جعلها ذات اثر فعال "في تكوين عقلية الأفراد والجماعة، وانتقالها من جيل إلى جيل بما يحفظ لها الاستمرار"(14).
5 - المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية: ترتبط هذه المهارات بالمعارف المتصلة بالفنون الحرفية وليس بالمنتجات الحرفية نفسها، والمهارات المستخدمة في صنع الأشياء الحرفية في الجزائر جدٌ متنوعة وذلك على غرار الأشياء نفسها، لذلك فهناك العديد من أشكال التعبير عن مهارات الفنون الحرفية التقليدية المنتشرة في مختلف أرجاء الوطن كتلك الموجودة في منطقة غرداية والعاصمة وبجاية، وقسنطينة، وعنابة وغيرها، ونذكر منها ما يتصل بالأدوات، والملابس، والحلي، والأزياء، والأثاث الخاص بالاحتفالات، وفنون الأداء، وحاويات التخزين، والأشياء المستخدمة في التخزين والنقل، وفنون الزينة، والأشياء الخاصة بالطقوس، والآلات الموسيقية، والأدوات المنزلية والألعاب وغيرها، فكل منطقة يكتسب سكانها مهارات متعلقة بالفنون الحرفية التقليدية التي كانوا قد ورثوها عن أسلافهم.

3 - واقع الموروث الثقافي في الجزائر:

إذا عدنا إلى رصد مظاهر الموروث الثقافي عبر مختلف أرجاء القطر الجزائري ندرك أن البعض منها توقف إنتاجه أو يكاد، فالفن المعماري ذو الطابع الإسلامي مثلا توقف عند حدود ما هو موروث، والمتمثل في القصور والمساجد والمعالم الأثرية وفي الخصوصيات العمرانية لبعض المدن كغرداية والقصبة، فلا نجد أي استثمار أو تطوير يحيل إلى الموروث الحضاري، كما تكشف السكنات الفخمة عن عدم تأصل الذوق المعماري، وعن غياب أي اجتهاد معماري وأي بعد جمالي أو مرجعية ثقافية.

ورغم توقف بعض عناصر الموروث الثقافي الجزائري عن الاستمرار في تشكيل المشهد الثقافي الوطني إلا أن هناك عناصر أخرى استمرت بصورة مغايرة عن الصورة التي كانت عليها، كما يتجلى في الفنون اليدوية كالصناعات التقليدية والنحاسية والفخارية والجلدية والطرز والحلي وفن الطهو وفن الفولكلور، وما يمكن ملاحظته أن هذه المكونات لم تبقى على حالها بالضرورة، فالرقص مثلا نجد بأنه قد تجرد من بعض وظائفه التي كانت في كثير من الحالات ذات صبغة دينية على أساس أنها كانت مرتبطة بممارسات روحية تحيل إلى الطرق الصوفية، كذلك هو مثلا شأن "رقصة العبداوي" التي هي رقصة منتشرة في منطقة الأوراس والتي كانت تقام على شرف أحد الأولياء، نفس الشيء يمكن أن يقال عن "رقصة القرقابو" المنتشرة في جنوب غرب البلاد والتي كانت في الأصل تؤدى في إطار طقوس صوفية شعبية، وهذا يعني أن الرقصات فقدت دلالتها الروحية الأصلية واستمرت فقط كتعبير فني، أي كفرجة أو كأداة للتسلية أو كوسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية.

إن الكثير من الرقصات الفولكلورية في المجتمع الجزائري كانت في الأصل تعبيرا عن بعض أنماط الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة، ف"رقصة التوارق" مثلا هي رقصة ذات طابع قتالي تحيل إلى حياة الحرب التي كان يعيشها المجتمع التارقي في السابق، ثم حولها تطور المجتمع إلى رقصة ذات طابع فولكلوري بحيث تسرد التاريخ وتحفظ الذاكرة الجمعية، والأمر نفسه يقال عن "رقصة العلاوي" المرتبطة بحياة القتال التي كانت تميز فرق الخيالة المنتشرة في نواحي عديدة من غرب البلاد.

وإذا عدنا إلى الفنون اليدوية كالصناعات الفخارية والنحاسية لوجدناها في الأصل كانت تستخدم لأغراض الحياة اليومية، أما اليوم فإنها تستعمل لأغراض الزينة والتعبير عن الهوية الوطنية، أي أن الوظيفة التي تؤديها في الوقت الحالي غير الوظيفة التي أدتها سابقا، وهذا يدل على أن الموروث الثقافي دائم التطور، وهو يتجدد بتطور الفكر الإنساني.

ولا ريب أن الدين كمكون من مكونات الموروث الثقافي هو الأكثر حضورا وتأثيرا في المشهد الثقافي الوطني الراهن، بيد أنه اتخذ في الحاضر بدوره أشكالا اجتماعية غير تلك التي عرفها المجتمع الجزائري في الماضي، فإذا كان الطابع الطرقي هو السمة المركزية للممارسات الدينية في المجتمع الجزائري في فترة العهد التركي، فإن الأمر اختلف اليوم بعدما ساد مبدأ العودة للدين كنتيجة للحركة الحزبية والجمعيات.

من خلال ما سبق، يمكننا القول إن الموروث الثقافي الجزائري اصطبغ في الوقت الحاضر بصبغة حداثية، إذ شكلت الثقافة الجزائرية تركيبا من مكونات التراث وإنجازات الحاضر، وهذه الظاهرة تكشف عن الطابع الدينامي للثقافات، وتشكل ثقافة من مكونات ماضية وأخرى حديثة سمة عامة في كل الثقافات.

4 - الموروث الثقافي الجزائري والآفاق المستقبلية:

يعتبر الموروث الثقافي كنز الأمة به تفرض وجودها وتثبت ذاتها، وتحقق طموحاتها، وهذه الموروثات - مادية أو معنوية - لها حضور دائم في ذهن المجتمع لأنها إحدى الوسائل الهامة التي تعرف بطبيعة وبيئته، كما أنها تكشف عن خصوصيته كونها السجل الحقيقي لمختلف جوانبه الاجتماعية والفكرية والثقافية.

انطلاقا من القيمة الجليلة المنوطة بالموروث الثقافي على اختلاف أشكاله فإن الدولة الجزائرية سعت للحفاظ عليه والتشبث به، ومحاولة إحيائه، وبعثه من جديد، خاصة في ظل أخطار العولمة الجارفة التي باتت تهدد كيانها ووجودها، إضافة إلى محاولات بعض أعداء الوطن لمسخ هويتها وتشتيت شملها، فانطلاقا من هذا الوضع المربك دُقٌ ناقوس الخطر، فاتخذت الدولة الجزائرية احتياطاتها الممكنة بوضع أساليب وطرق مستقبلية مدروسة بإحكام في سبيل تثمين موروثها الثقافي والاستثمار فيه لخدمة المجتمع والأجيال القادمة، فخصصت ميزانية معتبرة لدعم كل المحاولات الجادة التي تسعى إلى المحافظة على الأشكال المختلفة للموروث الثقافي، كما رسمت ضمن برنامجها الثقافي ضرورة إقامة تظاهرات ثقافية في مناسبات معينة، بغرض إحياء تراث الأجداد وتذكير الأبناء بتاريخهم وهويتهم الثقافية حتى لا ينسوها وينغمسوا في ثقافة الآخر، كما سعت الدولة أيضا إلى فتح ورشات عمل تهتم بالصناعات التقليدية والفخارية والنحاسية والجلدية وغيرها من الصناعات اليدوية.

لقد تمكنت الجزائر بفضل المجهودات الجبارة التي بذلتها من بعث الروح في موروثها الثقافي الذي كاد أن يمحى في الفترات الحرجة من تاريخ الوطن، كما أن السياسة التي اتبعتها في تثمين هذا الموروث مكنتها من أن تستثمر فيه وتنمي اقتصادها المحلي والوطني حتى لو كان ذلك بنسبة ضئيلة، لكنها حتما ستحقق إنجازات طيبة لو استمرت في دعم هذا القطاع الحيوي على هذه الشاكلة.

الهوامش:
1 - محمد رياض وتار: توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة، دراسة، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2002م، ص 21.
2 - سعيد يقطين: الرواية والتراث السردي، من أجل وعي جديد بالتراث، دار رؤية، ط1، الدار البيضاء، المغرب 2006، ص 226.
3 - ينظر، أحمد مرسي: مقدمة في الفولكلور، دار الثقافة، القاهرة 1975، ص 46.
4 - فاروق أحمد مصطفى: الأنثروبولوجيا ودراسة التراث الشعبي، دراسة ميدانية، دار المعرفة الجامعية، الهيئة المصرية للكتاب، الإسكندرية-القاهرة 2008، ص 229.
5 - فوزي العنتيل: الفولكلور ما هو؟ دراسة في التراث الشعبي، دار المعارف، مصر، ص 23.
6 - أحمد فتال: بنية الثقافة الجزائرية وأسسها، عرض عام، مجلة الثقافة، عدد 19، أفريل 2009، وزارة الثقافة، الجزائر، ص 111.
7 - أحمد أبو يزيد: محاضرات في الأنثروبولوجيا الثقافية، دار النهضة العربية، بيروت 1978، ص 47.
8 - فاروق أحمد مصطفى: الأنثروبولوجيا ودراسة التراث الشعبي، ص 21.
9 - عبد الحميد بورايو: في الثقافة الشعبية الجزائرية التاريخ والقضايا والتجليات، دار أسامة، الجزائر، ص 39.
10 - جبور عبد النور: المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، ط1، بيروت 1979، ص 229.
11 - المرجع نفسه، ص 38.
12 - فاروق أحمد مصطفى: الأنثروبولوجيا ودراسة التراث الشعبي، ص 20.
13 - نفسه.
14 - منال عبد المنعم: الاتصال الثقافي، دراسة أنثروبولوجية في مصر والمغرب، منشأة المعارف، الإسكندرية-القاهرة، ص 99.
References:
1 - ‘Abd al-Mun‘im, Manāl: Al-ittisāl ath-thaqāfī, Munsha’at al-Ma‘ārif, Alexandria-Cairo.
2 - ‘Abd al-Nūr, Jabbūr: Al-mu‘jam al-adabī, Dār al-‘Ilm li al-Malāyīn, 1st ed., Beirut 1979.
3 - Abū Yazīd, Aḥmad: Muḥāḍarāt fī al-antropologia ath-thaqāfiyya, Dār al-Nahḍa al-‘Arabiyya, Beirut 1978.
4 - Al-‘Antīl, Fawzī: Al-fulklūr mā huwa, Dār al-Ma‘ārif, Cairo.
5 - Bourayou, Abdelhamid: Fī ath-thaqāfa ash-sha‘biya al-jazāiriyya, Dār ’Usāma, Alger.
6 - Fattal, Ahmed: Bunyat ath-thaqāfa al-jazāiriya wa ’ususuha, Majallat al-Thaqāfa, N° 19, April 2009, Ministère de la culture, Alger.
7 - Mursī, Aḥmad: Muqaddima fī al-fulklūr, Dār al-Thaqāfa, Cairo 1975.
8 - Muṣṭafā, Fārūq Aḥmad: Al-antropologia wa dirāsat at-turāth ash-sha‘bī, Dār al-Ma‘rifa al-Jāmi‘iyya and Al-Hay’a al-Miṣriyyya li al-Kitāb, Alexandria-Cairo 2008.
9 - Wattār, Muḥammad Riyyāḍ: Tawẓīf al-turāth fī al-riwāya al-‘arabiyya al-mu‘āṣira, Publications of the Arab Writers Union, Damascus 2002.
10 - Yaqṭīn, Saïd: Ar-riwāya wa at-turāth as-sardī min ajl wa‘y jadīd bi at-turāth, Dār Ru’ya, 1st ed., Casablanca 2006.
الإحالة إلى المقال:

* إيمان هنشيري: الموروث الثقافي الجزائري، الواقع والآفاق، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السابع عشر، سبتمبر 2017. http://annales.univ-mosta.dz

***