المكتبة العربية في نيجيريا
دراسة ميدانية لتطورها وأنواعها ووظائفها

بشير أمين
جامعة ولاية كوغي بأنيغبا، نيجيريا

الملخص:

تعتبر المكتبة مؤسسة ثقافية اجتماعية توجد في مجتمع من المجتمعات تهدف إلى خدمته وزيادة ثقافته وترقية حصيلته العلمية. وتؤدي المكتبات دورا مهما في نشر الثقافة والمعرفة لدى القارئ. فهي بمثابة مكمن ضخم من المعارف والمعلومات، يسبر أغواره الباحثون والدارسون ويعبون منه ما يشبع نهمهم ويثير فضولهم الثقافي ويحقق ضالتهم العلمية. إنها محطات على درب المعرفة، ومراكز إشعاع ومنارات علم ودور حكمة تقود الإنسان إلى استكشاف الحقائق التاريخية والعلمية والمعالم الحضارية والثقافية للأمم الغابرة والمعاصرة. تسعى هذه المقالة إلى توضيح ما تحظي المكتبات العربية في نيجيريا باهتمام كبير ودعم مادي ومعنوي مضطرد من الوسائل التي تم الاستعانة بها في نشر الثقافة العربية الإسلامية والوعي بين المسلمين في ديار نيجيريا مع إمعان النظر في تطورها في نيجيريا مبينا أنواعها ووظائفها في المجتمع النيجيري عامة والمجتمع الإسلامي منها على وجه خاص. كما تسلط الضوء عن دور أفراد من المسلمين في وضع المكتبة لنشر الثقافة العربية الإسلامية والعوامل التي ساعدت المكتبة العربية في النشر في أنحاء المجتمع الإسلامي في نيجيريا.

الكلمات الدالة:

المكتبات، مصادر المعرفة، اللغة العربية، الإسلام، نيجيريا.

***
The Arab library in Nigeria
A practical study on its development types and functions

Bashir Ameen
Kogi State University of Anyigba, Nigeria

Abstract:

The library is a socio-cultural institution that exists in a community that aims to serve it, increase its culture, and promote its educational outcome. Libraries play an important role in spreading the culture and knowledge of the readers. It is like a huge reservoir of knowledge and information, which researchers and scholars explore and exhaust from it that satisfies their appetites, stirs their cultural curiosity, and fulfills their scientific goal. They are stations on the path of knowledge, cultural centers, beacons of knowledge, and the role of wisdom that lead people to explore the historical and scientific facts and the civilizational and cultural features of past and contemporary nations. This article seeks to clarify what the Arab libraries in Nigeria enjoy with great interest and steady material and moral support from the means that have been used to spread the Arab-Islamic culture and awareness among Muslims in Nigeria's homeland while looking closely at their development in Nigeria indicating their types and functions in the Nigerian society in general and the Islamic community Particularly from them.

Keywords:

libraries, sources of knowledge, Arabic, Islam, Nigeria.

***

النص:

تعد حضارة الشرق القديم من أعرق الحضارات التي عرفها التاريخ. فهي حضارة عرفت برقيها وعظمتها من خلال الإنجازات العديدة التي حققتها في مجالات عديدة شملت العلوم الطبية والرياضية والكيميائية والفلكية وغيرها من المجالات المختلفة. وكان لحفظ المخطوطات والمؤلفات في ذلك الوقت أهمية كبيرة، سواء تلك التي دونت في العصور السابقة، أو التي خطت في منطقة الشرق أو التي جاءت من مناطق أخرى. ولأهميتها التاريخية فقد حفظت تلك المخطوطات في مكتبات أقيمت في أماكن عديدة من العالم(1).

أما في نيجيريا فيرجع تاريخ ظهورها إلى عام 1900م، وذلك في مدينة لاغوس، وإن كان وضعها يعكس نظام مكتبات الدول الغربية، ولم تظهر مكتبات أخرى إلا في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي بمساعدة جمعية المكتبات في غرب إفريقيا. وفي عام 1952م، بدأت الحكومة الإقليمية الشمالية إنشاء الخدمات المكتبية، وكان الهدف من ذلك مساعدة السلطات المحلية في المنطقة على تطوير قاعات القراءة التي أنشئت خلال الحرب العالمية الثانية في المكتبات العامة. وقامت الحكومة بتخطيط شراء الكتب وإرسالها إلى غرف القراءة. وفقا لهذا الترتيب، فإن الموظفين المؤهلين تأتون إلى مقرها في كادونا للإشراف على العمل الذي يجري القيام به في المكتبات المحلية. وكانت هذه الخطة بعيدة عن أن تكون كافية، وبالتالي عينت المنطقة الشمالية الحكومية السيد شاري (F. A. Sharri) لينظر إلى احتياجات المكتبة في المنطقة(2).

فقد شكلت هذه المكتبات لاحقا نواة لخدمات المكتبات في مختلف المحافظات في شمال نيجيريا. ولم يلبث أن وجدت مناطق أخرى في الدولة سبيلا إلى إنشاء المكتبات العامة من مثل منطقة إيدو، (Edo) وديلتا، (Delta) كانو (Kano)، كادونا (Kaduna)، كوارا، (kwara) إيمو، (Imo) أنامبرا (Anambra) ولاغوس (Lagos) وغيرها من المدن شرقا وجنوبا وشمالا. لقد تميز هذا العصر بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بسبب ظهور الاكتشافات العلمية، وظهور وسائل التكنولوجيا الحديثة. وبطبيعة الحال أصبحت هناك حاجة ضرورية إلى تثقيف الأفراد والمجتمعات، كما أصبحت هناك ضرورة إلى وضع وسيلة للتثقيف والتعليم، ولم تكن هناك وسيلة أنسب من المكتبات للقيام بعمليات التثقيف والتعليم.

وقد ساعدت المكتبات الأفراد والجماعات على التثقيف والتعليم المستمر، وعلى تنمية قدراتهم العقلية ورعاية مواهبهم وميولهم ورغباتهم، وأصبحت المكتبات جسرا يربط بين الثقافات والعلوم المختلفة، كما أصبح علم المكتبات في نيجيريا إحدى التخصصات الجامعية في جميع مراحلها الدراسية، حيث تطلب هذا الوضع وهذه المكانة الاجتماعية للمكتبات توفير خدمات مكتبية تقوم على أسس علمية يقوم بها أفراد مؤهلون في مجال المكتبات من أجل تطوير المهنة المكتبية.

وقد ساعد على انتشار المكتبات بأنواعها المختلفة بعض العوامل يمكن تلخيص أهمها كالآتي:

- انتشار التعليم وزيادة المؤسسات التعليمية كالمدارس والمعاهد والجامعات.
- ظهور نظريات جديدة في التربية والتعليم.
- اختراع الطباعة وتطوير قدراتها على توفير كافة مصادر المعلومات.
- ظهور الاتجاهات الحديثة التي تهتم المواطن من الناحية الصحية والثقافية والنفسية، وحاجة النيجيريين إلى القراءة من أجل الترويح.
- التطور التكنولوجي السريع في كافة المجالات العلمية(3).

1 - أنواع المكتبات العربية الإسلامية في نيجيريا:

تتنوع المكتبات وتختلف بعضها عن بعض وفقا لما تشمل عليه من كتب وغيرها من المواد المكتبية، ومن طبيعة الرواد الذين يترددون عليها، وبحسب الخدمات التي تؤديها، ومن الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. ويمكن تقسيم المكتبات العربية في نيجيريا إلى ثلاثة أقسام: المكتبات التي تقوم ببيع الكتب، والمكتبات الخاصة، والمكتبات العامة وهي التي تقوم بإعارتها أو بالسماح لقراءتها داخل قاعات المطالعة.

أما مكتبات بيع الكتب فهي التي تستورد الكتب من الدول العربية وعلى الخصوص جمهورية مصر، ثم تقوم ببيعها للشعب، وأهمها مكتبة السيد أحمد أبي السعود المصري. وكان قد فتحها في مدينة كنو منذ 1928م ولكنه رجع إلى القاهرة إبان الحرب العالمية الثانية، وتركها في يد شريكه السيد عثمان الطيب السوداني. ولا تزال أكبر مكتبات بيع الكتب العربية في نيجيريا، لأن منشئها، وإن كان قد رجع إلى مصر، إلا أنه هو الذي كان يمدها بالكتب من القاهرة(4).

ولكن معظم الكتب التي تبيعها هذه المكتبة دينية نظرا لأنها أكثر رواجا هناك، ومن أجل ذلك تضطر الكليات والجامعات في كثير من الأحيان إلى أن تطلب الكتب الأدبية من القاهرة مباشرة. وقد تمتعت هذه المكتبة باحتكار بيع الكتب فترة طويلة إلى أن ظهر لها منافسان من الوطنيين هما الحاج عبا إبراهيم (Alhaji Ubah Ibrahim) والحاج محمود سلغا (Alhaji Muhamad Salaga) اللذان فتح كل واحد منهما مكتبة. هذه هي أسبق المكتبات التي اشتهرت ببيع الكتب العربية في نيجيريا، وهناك أشخاص آخرون يقومون ببيع الكتب العربية القديمة والمخطوطات في الأسواق، وأشهر هؤلاء في كنو هو المعلم سعد(5). ثم قام أشخاص كثيرون ببيع الكتب العربية في الأسواق شمالا وجنوبا حتى أصبحت مهنة اقتصادية لكثير من الشباب المسلمين في نيجيريا، ومعظمهم ذوو درجة علمية عالية يبيعون الكتب ويقرؤونها معا.

وفي عصرنا الحاضر قلما تجد سوقا في شمال نيجيريا وفي بلاد يوربا كإلورن (Ilorin) وإبادن (Ibadan) ولاغوس (lagos) وإوو (Iwo) وأوفا (Offa) وزكي (Saki) وأبيوكتا (Abeokuta) وإسيين (Iseyin) وغيرها من المدن، إلا وتجد فيها مركزا كبيرا لبيع الكتب العربية في مختلف الفنون. ولهذه المكتبات التجارية فضل كبير في نشر العلوم والثقافة العربية الإسلامية في هذه الديار لأنها سهلت على تناول الكتب في أيدي الأغنياء والفقراء على السواء وبثمن رخيص بدون أي عناء، بخلاف ما شاهدناه في العقد الماضي حيث يبحث العلماء والطلاب عن الذين يسافرون إلى البلاد العربية كمصر والعراق وليبيا والمملكة العربية السعودية ليشتروا لهم كتبا وخاصة الكتب الأدبية مما أدى إلى تأخر ظهور بعض الفنون الأدبية النثرية في هذه البلاد(6).

2 - نبذة يسيرة عن مكتبة المسجد في الإسلام:

يمكننا تعريف المسجد بالقول الذي أورده الجهوري في معرض حديثه عن فوائد بناء المساجد، أن كلمة "مسجد" مشتقة من الفعل (سجد) وهو أحد أهم الأفعال عند أداء الصلاة، كما اختيرت كلمة مسجد لتميز أماكن العبادة عند المسلمين، لأن فعلي السجود والركوع يعدان من أعظم الأفعال عند أداء الصلاة(7).

لقد وردت كلمة مسجد في القرآن الكريم لتعني المكان الذي يؤدي فيه المسلمون الصلاة، ويمارسون في رحابه عبادة الله عز وجل، كما في محكم التنزيل: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين"(8). وفي موضع آخر يقول سبحانه وتعالى: "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم"(9).

وقد اتخذ المسلمون منذ تأسيس المسجد في الإسلام، كل الاحتياطات اللازمة للحفاظ على قدسية المساجد، واحترامها كدور للعبادة. ويزخر التراث الفكري الإسلامي، بالكثير من قواعد إقامة المساجد وأصول بنائها، سواء ما يتعلق منها بالشروط المادية والشكلية، أو ما يمس بالعقائدية والروحية(10).

ولعل السبب في ذلك أن المسجد كان من أهم أماكن التعليم الأولى وأن الدراسات الإسلامية في صدر الإسلام كانت دراسات دينية تشرح تعاليم الدين الجديد، وتوضح أسسه وأحكامه وأهدافه، وتلك تتصل بالمسجد أوثق اتصال، كما أنهم في عهودهم الأولى توسعوا في فهم مهمة المسجد، فاتخذوه مكانا للعبادة ومعهدا للتعليم، ودارا للقضاء، وساحة تجتمع فيها الجيوش، ومكانا الاستقبال السفراء ورسل الملوك ورؤساء القبائل، هكذا كان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمساجد الأخرى في المدن وعواصم الأقطار التي انتشر فيها الإسلام.

وسار الصحابة والتابعون على نهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جعل المساجد مراكز للدراسات الفقهية وأصول الدين، ولم يقتصر مهمة المسجد على الوعظ والإرشاد ودراسة العلوم الدينية فقط، بل درست فيه العلوم التي اكتسبها المسلمون نتيجة لفتوحاتهم الإسلامية، واتصالهم بالأمم الأخرى، فدرس الطب والطبيعة والتاريخ والفلسفة والفلك وتقويم البلدان(11).

وفي مسجد الرسول (ص) ألف الإمام مالك بن أنس كتابه "الموط"، وفي جامع عمرو بن العاص بالفسطاط ألف الإمام الشافعي كتابه "الأم". وفي مسجد البصرة كتب الخليل بن أحمد الفراهيدي كتابه "العين". وفي مسجد الكوفة جلس الإمام علي - كرم الله وجهه - يعلم الناس أصول الدين، وجلس أيضا عبد الله بن مسعود، واشتهر علماء الكوفة والبصرة - في التاريخ الإسلامي - بالأساليب العربية البليغة وصياغة قواعدها حتى صارت لهم فيها مذاهب لغوية عظيمة ذاع صيتها وعم البلاد الإسلامية(12).

3 - مكتبة المسجد في نيجيريا:

لما دخل الإسلام في نيجيريا خاصة في كانم برنو وإمارات هوسا وبلاد يوربا اتجه المسلمون إلى التعليم الديني وجدّوا في طلبه، لأن الإسلام يلزم كل مسلم ومسلمة معرفة شيء من قواعده قدر ما تستقيم به العبادة. مثل حفظ آيات من القرآن الكريم وتعلم قواعد الصوم والصلاة والحج والزكاة وشيء من قواعد التوحيد(13).

كل هذا مهد سبيلا للمسلمين في تعلم القراءة والكتابة، فأقبلوا يأخذون منه ما يحل مشكل حياتهم ويكشف لهم عظمة دينهم الحنيف. كذلك وضع الدولة الإسلامية الجديدة الناشئة جعلها تشجع العلم وتطلب العلماء، فاتخذ سلاطينها وأمراؤها من العلماء مربين لأبنائهم، كما أسندوا إليهم مناصب القضاء والإمامة والتدريس في مساجد السلاطين، وكتبة في الدواوين، فصار كل من يتطلع إلى تولي منصب عال في الدولة وإدارتها يطلب العلم، حيث أدركوا أن تولي تلك المناصب لا يكون إلا به، ومن هنا أصبح التعليم ضرورة حتمية في المجتمع الإسلامي الكانمي. ثم شهدت بلاد كانم نظاما تعليميا على غرار التعليم الذي كان سائدا في بلاد المشرق والمغرب الإسلاميين، وهكذا دعت الضرورة إلى إنشاء دور التعليم في إمبراطورية كانم، وقد تعددت تلك الدور وتنوعت. ومنها المسجد، ومنازل العلماء، وقصور الحكام(14).

فقام المسلمون بإنشاء العديد من المساجد في أرجاء البلاد وخاصة في شمال نيجيريا، حيث بدأ المسلمون تعلم القراءة والكتابة، وترتيل القرآن الكريم داخل تلك المساجد، ووجدت في زوايا من المساجد رفوف متواضعة وضعت عليها نسخ من المصحف الشريف، وطائفة من كتب الحديث والفقه وأشعار في الحكم والوعظ والإرشاد والزهد والعلم احتسابا لله تعالى، وابتغاء للأجر والثواب، وحبس بعض الحكام والعلماء والقادة بعض ما عندهم من مخطوطات على هذه المساجد. والجدير بالذكر، أن الارتباط الوثيق بين الإسلام والحث على اكتساب العلم، كان عاملا مهما وراء دفع حكام المسلمين إلى إيداع مجموعات المصاحف والكتب الدينية في المساجد وخاصة المساجد الجامعية. وفي كثير من الأحيان ما تقوم الحكومة في المناطق الشمالية بتمويل المساجد الجامعية وتزيينا وشراء الكتب الدينية.

ولا يقتصر هذا النظام في شمال نيجيريا فحسب، بل قد نشأ في بلاد يوربا بدخول الإسلام فيها في القرن الثالث عشر الميلادي في عهد المنسا موسى سلطان مالي. وتقوم المساجد فيها بتكوين رجال الدين ممن يتولى بمهمة الإرشاد والوعظ والخطابة في يوم الجمعة وتدريس المواد الدينية وتحفيظ القرآن وتفسيره، وتوجد هذه المساجد في كل بقاع الأرض الذي دخل الإسلام فيها، ويدرس الأجيال من أبناء البلاد القرآن وتفسيره، والحديث، والفقه، والمتون وغيرها. والكتب المعتمد عليها في تدريس هذه المواد الدينية توضع في المساجد(15).

والجدير بالذكر، أن الغرض الأساسي في وضع الكتب في المساجد شمالا وجنوبا هو ليتيح لعامة المصلين والمتعلمين رؤيتها، فبالتالي استخدامها، كما كان أيضا وسيلة للحماية من الحرائق.

4 - المكتبات العربية الخاصة في نيجيريا:

تعد المكتبة الخاصة مجموعة من مصادر المعلومات التي يقتنيها الأفراد في منازلهم لاستخدامهم الخاص، أي ما يقتنيه الأفراد في منازلهم من أوعية معلومات تقليدية أو غير تقليدية بمختلف أشكالها في مكان خاص بها لاستعمالهم الشخصي(16). وقد كان لهذا النوع من المكتبات في نيجيريا دور بارز في تغذية مراكز المعلومات بكنوز المعرفة، ونشر الكتب وتوزيعها على نطاق واسع، مما شكل رافدا قويا لتنمية المكتبة العربية النيجيرية. وقد بذل علماؤنا الأقدمون جهدا كبيرا في إنشاء المكتبات الخاصة في منازلهم لما رأوا فيها من فوائد حيث يعد حافزا قويا لجميع أفراد الأسرة ومن محيطهم من الأهل والجيران والأصدقاء والطلاب على القراءة ومؤثرا ثقافيا وحضاريا، ويساعد الطلاب على أداء واجباتهم المدرسية التي قد تتطلب الرجوع للكتب والبحث عن المعلومات. ومن المكتبات الخاصة في نيجيريا فيما نعلم: مكتبة الحاج عبا إبراهيم، ومكتبة رنغم وكلتاهما بمدينة كنو، ومكتبة الوزير جنيد خاصة بالمخطوطات العربية، ومكتبة الشيخ عبد الله بن فودي، ومكتبة القاضي يحيى، وكلها في مدينة سوكوتو (Sokoto). وأخبرني الدكتور مشهود محمود جمبا(17) بأن هناك حوالي ست مكتبات خاصة في مدينة إلورن بجنوب نيجيريا(18). ولعل من هذه المكتبات مكتبة الشيخ عبد القدوس ألفا كورو، (Alfa Koro) وتتضمن المكتبة الكتب الفقهية في الغالب، ويمكن زيارتها في أي وقت، ومكتبة الشيخ ألبي وتزخر بالكتب الفقهية المتخصصة بالمذهب المالكي ويمكن زيارتها أيضا(19).

5 - المكتبة العربية العامة في نيجيريا:

تعتبر المكتبات العامة مؤسسة ثقافية تعليمية فكرية وتثقيفية تنشئها الدولة وتمولها من الميزانية العامة لها، تعمل على حفظ التراث الثقافي الإنساني والفكري؛ ليكون في خدمة القراء والمواطنين من كافة الطبقات الاجتماعية والمهنية على اختلاف مؤهلاتهم العلمية وعلى اختلاف أعمارهم والمهن والثقافات(20). وهي من أهم المؤسسات الثقافية والاجتماعية في العالم الإسلامي التي يفتخر بها المسلم. ولكن المكتبات العربية العامة في هذه الديار غير متوفرة كما كان الأمر في المكتبات العامة في نيجيريا التي تتضمن المسائل القومية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والعقائدية. ويرجع السبب في ذلك إلى ظلم المستعمرين في تدمير اللغة العربية وأهلها في نيجيريا. وأكبر المكتبات العربية العامة فيما نعلم هي، مكتبة مركز الثقافة للجمهورية مصر العربية بكنو، ومكتبة كلية عبد الله بايرو - كنو، ومكتبة العلوم العربية، ومكتبة شاهوش، والمكتبة البلدية في كنو(21). وأما في سوكوتو فهناك مكتبة عامة كمكتبة دور المعلمين للغة العربية، والمكتبة البلدية، ومكتبة المدرسة النظامية للمخطوطات العربية. وأكبر مكتبة للمخطوطات في نيجيريا هي مكتبة الآثار بكدونا، وتليها مكتبة قسم اللغة العربية بجامعة إبادن، ثم مكتبة المتحف في جوس. وفي جميع مدن نيجيريا الشمالية توجد مكتبات عامة تابعة للإدارات الأهلية تحتوي على عدة كتب عربية وإنجليزية وهوساوية(22).

6 - مكتبة المدرسة العربية الحديثة في نيجيريا:

المكتبة المدرسية هي كما يدل عليها اسمها، توجد بالمدارس على مختلف مراحلها، وتقوم بتوفير المواد من مطبوعة وغير مطبوعة لمساندة وإثراء المنهج الدراسي، والأنشطة التربوية. ويقدم خدماتها لأفراد المجتمع المدرسي من طلاب ومعلمين، وتلبي احتياجهم من المعلومات، كما تقوم بتدريب الطلاب على استخدام الكتب والمكتبات، واكتسابهم المهارات المكتبية، ومهارات التعليم الذاتي التي تقودهم إلى التعليم المستمر طوال الحياة. وتتميز المكتبة المدرسية عن بقية المكتبات الأخرى المتوافرة في المجتمع بكثرة عددها وسعة انتشارها بالإضافة إلى أنها أول ما يقابل القارئ في حياته العلمية وكذلك المهارات التي يكتسبها من المكتبة المدرسية تؤثر على مدى الانتفاع بالخدمات المتوافرة في المكتبات الأخرى مثل الجامعية والمتخصصة وغيرها. وعلى ذلك يمكن القول بأن المكتبة المدرسية يقع عليها عبء تكوين المجتمع القارئ الذي يقود الحياة الثقافية والأدبية والعلمية في المستقبل.

ونقصد بالمدرسة العربية الحديثة تلك الإصلاحات الجديدة التي ظهرت في أساليب التعليم العربي الإسلامي النيجيري في عصر استقلال البلاد. وتعد نشأة المدارس العربية في نيجيريا في أواخر عصر الاستقلال ثمرة للمجهودات التي بذلها طائفة من أبناء البلاد الذين نالوا قسطا وافرا من الثقافة الإسلامية والمتمسكين بالتعليم العربي الإسلامي من أمثال الشيخ كمال الدين الأدبي الذي أسس مدرسة "الزمرة الأدبية الكمالية" بمدينة إلورن عام 1940م، والشيخ آدم عبد الله الإلوري، المؤسس لمركز التعليم العربي أغيغي - لاغوس عام 1954م، والشيخ مرتضى عبد السلام الذي أسس المعهد العربي النيجيري في إبادن عام 1957م، والشيخ مصطفى سنوسي الزغلول الذي أسس "دار الدعوة والإرشاد" بإصولو - لاغوس، والشيخ يوسف عبد الله اللوكوجي الذي أسس "مركز التعليم العربي الإسلامي" بلوكوجا - ولاية كوغي. والشيخ عبد إسماعيل أولا جيبي (Ola Jebe) الذي أسس "كلية ميداغ للدراسات العربية والإسلامية بأييغنلي بيدى - (Ayegunle Gbede) ولاية كوغي عام 1980م. وهناك مدارس عربية إسلامية أخرى في كل من إلورن وسكي، وإبادن، وأووفا، وأيوو، ولاغوس وغيرها من مدن نيجيريا.

أما في شمال نيجيريا، فأول المدارس العربية الحديثة - فيما نعلم - هي "مدرسة الشريعة الإسلامية"، بكنو التي أسسها أمراء شمال نيجيريا، و"كلية التدريس العربية" عام 1963م، ومركز الشيخ أبي بكر غومي، ومدرسة سلطان بلو، كلها في سوكوتو، كما توجد المدارس العربية في ميدغوري كمدرسة الكانم، وفي غونبي، وكنو، وكشنة وغيرها من المدن في شمال نيجيريا.

وتوجد في جميع هذه المدارس مكتبة التي تلحق بها، وتهدف إلى خدمة المجتمع المدرسي من طلاب ومدرّسين. ومن الكتب المستخدمة في مكتبة هذه المدارس: كتب الأدب، منها المفصل في تاريخ الأدب العربي، وتاريخ الأدب العربي الحديث لأحمد الزيات، وكتب القواعد: النحو الواضح للمرحلة الإعدادية والثانوية. وكتب القراءة: العربية المحبوبة، والأيام، والشاعر الطموح، والمنتخب. وكتب التوحيد: شرح أم البراهين، وتحفة المريد مع تعليق الباجوري. وكتب الفقه: الثمر الداني على رسالة، وكفاية الطالب العدوي، وقواعد الإسلام للقرطبي، وقواعد الصلاة لمحمد بلو، وأركان الإسلام لمحمد بن ناصر والورقات مع شرح الجلال، وجواهر الإكليل على مختصر الخليل، ودروس أولية، وكتب الحديث: الأربعون النووية مع شرح النووي، وتنوير الحوالك على الموطأ. والبلاغة: الواضح للبلاغة، والتاريخ الإسلامي لمحمد طه، والتفسير الجلالين، وميزان الذهب للعروض(23). بالإضافة إلى الكتب العربية والإسلامية التي ألفها النيجيريون منذ العصر البرناوي النيجيري إلى عصرنا الراهن.

7 - الوظائف العامة لهذه المكتبات:

ندرك فيما تقدم أن المكتبة تلحق المدارس سواء الابتدائية أو المتوسطة، أو الثانوية، أو الجامعية. وتهدف إلى خدمة المجتمع المدرسي المكون من الطلاب والتلاميذ والمدرسين، وهي جزء من المنهج المدرسي الذي هو الأداة التي تتحقق بواسطتها أهداف المدرسة التربوية. ولا نبالغ إذا قلنا إن الأهداف الرئيسة للمكتبة هي أهداف المدرسة نفسها، ويمكننا تحديد الوظائف العامة للمكتبات على نحو التالي:

- تقديم المواد التعليمية المختلفة لخدمة ومساندة المناهج والمقررات الدراسية.
- تلبية احتياجات هيئة التدريس من مصادر المعلومات المختلفة لتنمية مهاراتهم المهنية والموضوعية.
- إرشاد التلاميذ قرائيا والتعرف على مشكلاتهم وتذليلها وتقديم الخدمات المكتبية لكل طالب في المرحلة مع مراعاة الفروق الفردية بتوفير: مجموعة متنوعة من المواد المطبوعة وغير المطبوعة التي تلبي احتياجات كل منهم وتحقيق رغباته وميوله وتوسع دائرة اهتماماته وبذلك تعمل على غرس الميول القرائية.
- تدريب التلاميذ على كيفية استخدام المكتبة والمراجع العامة البسيطة التي تتناسب ومستواهم، وتعريفهم بنظام استخدام المكتبة وتشجيعهم على القراءة في مجالات متعددة تتفق مع ميولهم، وبذلك تعمل على تنمية الميول القرائية.
- مساعدة الطالب في غرس مجموعة من الرغبات والهوايات المفيدة.
- تشجيع الطلاب على القراءة الحرة وتوجيههم إلى أساليب القراءة السليمة.

8 - المكتبة في الجامعات النيجيرية:

تعتبر الجامعة مؤسسة للتعليم العالي تضم كليات متخصصة، تمنح درجات البكالوريوس وغيرها. وهي أحد العوامل التي ساعدت في نضج اللغة العربية وآدابها في هذه الديار بعد مغادرة المستعمرين وذلك لانضمام أقسام اللغة العربية في كثير من الجامعات النيجيرية لما تحتل اللغة العربية من مكانة مرموقة وخاصة لدى المسلمين. ويرجع تاريخ إنشاء قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية إلى عام 1961م وذلك في جامعة إبادن، وإن كان على نمط الدراسات العربية والإسلامية في أوربا بحيث تدور تلك الدراسات حول تعليم اللغة العربية باللغة الإنجليزية(24). وقد تخرج عدد كثير من الطلبة من هذا القسم حاصلين على شهادة اللغة العربية والدراسات الإسلامية ما بين 1964م و1967م، كما أنشئ قسم اللغة العربية في بعض الجامعات الأخرى عام 1975م، منها جامعة بايرو بكنو، وجامعة أحمد بلو بزاريا، وجامعة عثمان بن فودي بصكتو، وجامعة إلورن، وجامعة جوس، وجامعة ميدوغوري، وغيرها من الكليات في هذه الديار.

ولما ظهرت هذه الجامعات الحديثة في نيجيريا اشتد احتياج أهل العلم إلى المكتبات العامة فألحقت بكل جامعة مكتبة كبيرة فاخرة تحتوي على مطبوعات ومخطوطات، ويوجد فيها رفوف خاص بالكتب العربية والإسلامية منظمة تنظيما صحيحا ومصنفة حسب الموضوعات التي تندرج إليها الكتب بتصنيف مكتبة الكونغرس. وتوجد الكتب العربية في مختلف الفنون في هذه المكتبات الجامعية مثل: النحو، والصرف، والبلاغة، والأدب ونقده، والعروض والقافية، والمنطق، والصوتيات، والفونولوجيا والمعاجم اللغوية، واللسانيات، ومنهج البحث العلمي، والقصص، والمسرحية، والرواية والموسوعة، والمجلات العربية من مختلف المجتمعات الأكاديمية والعربية. أما بالنسبة للكتب في العلوم الإسلامية فنجد القرآن الكريم والتفاسير وعلوم القرآن والفقه وأصوله، والتاريخ الإسلامي، والمذاهب الفقهية، والأحاديث النبوية الشريفة، والقوانين الإسلامية، والفلسفة الإسلامية، والأدب الإسلامي، والتعليقات القرآنية والموسوعات الإسلامية، والسيرة النبوية، والتربية الإسلامية، والأذكار من الكتب والسنة، وإعجاز القرآن، والمجلات الإسلامية من مختلف المجتمعات الأكاديمية والإسلامية.

وأصبحت المكتبة الجامعية في نيجيريا مقصدا للطلاب والعلماء والباحثين في الجامعة يقضون فيها أمتع أوقاتهم وأغناها بما يحصلون عليه من علوم ومعارف تشبع نهمهم وتسد جوعهم المعرفي كما تساعدهم على الاتصال دوما بمصادر الفكر والثقافة والإلمام بنواح مختلفة من المعارف فيما يحيط بهم، من بيئات وما في تاريخهم من أحداث وما تركه لهم أسلافهم من تراث وما تجري عليه أمور العالم الذي يعيشون فيه إلى غير ذلك من نواحي المعرفة التي تساعد على تقوية الحياة العقلية وخصبها.

الهوامش:
1 - عادل أحمد صادق: منارة علم ومعرفة، مجلة القافلة، المجلد التاسع والعشرون، العدد الثالث، مكتبة الملك عبد العزيز العامة، الرياض، سبتمبر 1990م، ص 24.
2 - انظر،
Usman A. Salisu: The Development and Roles of Public Library in Nigeria, retrieved on 12, August 2015, http://unilorin.edu.ng
3 - نفسه.
4 - د. علي أبو بكر: الثقافة الأدبية في نيجيريا، دار الأمة لوكالة المطبوعات، ط2، كانو 2014م، ص 232.
5 - المرجع نفسه، ص 233.
6 - د. شيخو أحمد سعيد غلادنثي: حركة اللغة العربية وآدابها في نيجيريا، شركة العبيكان، ط2، الرياض 1993م، ص 130.
7 - د. هاشم فرحات سيد ومحمد جلال غندور: مكتبات المساجد دراسة تاريخية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط1، الرياض 2006م، ص 27.
8 - سورة التوبة، الآيات 17-18.
9 - سورة البقرة، الآية 114.
10 - د. هاشم فرحات سيد ومحمد جلال غندور: المصدر السابق، ص 34.
11 - فضل كلود الدكو: الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانم، ط1، أفرنجي 1998م، ص 125.
12 - المرجع نفسه، ص 152-153.
13 - المرجع نفسه، ص 149.
14 - المرجع نفسه، ص 150.
15 - عبد السلام أمين وعبد البارئ أديتنجي: المساجد ودورها في تعليم اللغة العربية والدراسات ببلاد يوريا، المجلة الدولية للبحوث الإسلامية والإنسانية المتقدمة، المجلد 4، العدد 8، 2014م، ص 6-7.
16 - علي بن ذين الجنيبي: تكوين المكتبة الخاصة، ط1، الرياض 2006م، ص 19.
17 - الأستاذ المحاضر بقسم اللغة العربية جامعة ولاية كورار ماليتي - إلورن، وهو المحرر بمركز المخطوطات العربية الإلورية.
18 - حوار مع الأستاذ يوم الخميس 6 أغسطس 2015م.
19 - ورقة صغيرة التي تلقيتها من السيد كامل صلاح الدين حول المكتبة الخاصة في مدينة إلورن، يوم 2 أغسطس 2015م.
20 - طارق محمد عباس ومحمد عبد الحميد زكي: المكتبات العامة تنظيمها خدماتها تقنياتها في ضوء الأنترنت، إيبيس، ط1، القاهرة 2002م، ص 24.
21 - د. علي أبو بكر: المرجع السابق، ص 233.
22 - المرجع نفسه، ص 234.
23 - د. علي أبو بكر: المرجع السابق، ص 172-180.
24 - غير أن هذه الطريقة تعيق تعلم اللغة لدى متعلمي اللغة الثانية فلا يتمكن من التفكير باللغة الهدف بشكل جيد. وأرجح أن تعلم اللغة باستخدام اللغة نفسها في القاعة الدراسية.
References:
* - The Holy Quran.
1 - ‘Abbās, Ṭāriq and M. Zakī: Al-maktabāt al-‘āmma, 1st ed., Cairo 2002.
2 - Abū Bakr, ‘Alī: Al-thaqāfa al-‘arabiyya fī Nigeria, Dār al-’Umma li-Wikālat al-Maṭbū‘āt, 2nd ed., Kano 2014.
3 - Al-Dakku, Faḍl: Ath-thaqāfa al-islāmiyya fī Tchād, 1st ed., 1998.
4 - Al-Janīnī, ‘Alī: Takwīn al-maktaba al-khāssa, 1st ed., Riyadh 2006.
5 - Ghladanthī, Shikhū Aḥmad: Ḥarakat al-lugha al-‘arabiyya wa adābiha fī Nigeria, Sharikat al-‘Ubaykān, 2nd ed., Riyadh 1993.
6 - Ṣādiq, ‘Ādil Aḥmad: Manārat ‘ilm wa ma‘rifa, Majallat al-Qāfila, V.29, N° 3, Riyadh 1990.
7 - Sayyid, Hāshim and Muḥammad Ghandūr: Maktabāt al-masājid, Markaz al-Malik Fayçal, 1st ed., Riyadh 2006.
الإحالة إلى المقال:

* بشير أمين: المكتبة العربية في نيجيريا، دراسة ميدانية لتطورها وأنواعها ووظائفها، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السابع عشر، سبتمبر 2017. http://annales.univ-mosta.dz

***