بنائية الأطلال ودلالتها الرمزية والإيحائية

د. صفاء الدين أحمد القيسي
الجامعة العراقية، بغداد، العراق

الملخص:

الوقفة الطللية تلك الوقفة الجمالية في القصيدة الجاهلية والتي يشترك فيها الشعراء كافة في ذلك العصر، لأهميتها الدلالية. إن وقوف الشاعر على الأطلال يمثل بحد ذاته وقوفه على أعتاب القصيدة التي تحمل في طياتها مجموعة رموز شعرية تمثل تجربة شخصية عايشها الشاعر إلى جانب الدلالات التي تمثل هي الأخرى الجذع الحي الأصيل في نص هيكل النص العربي. بمعنى آخر، أن الأطلال تحمل الذكرى والماضي والحاضر واللذة واللوعة ومشاعر الإنسان وهموم الجماعة وفيه التجربة الفردية، وتراث القبيلة. وعلى الرغم من ذلك أجد أن الأطلال تمثل وجدان الشاعر وموقفه الفكري سواء أكان ذلك في شكل عوامل طبيعية من رياح وأمطار أو في صورة وصف صور الحرب والغزوات بشكل واضح، وإن سبب وجود الطلل وكثرة تردده في القصائد، هو نتيجة طبيعية لكثرة الحل والترحال التي هي من آثار البيئة التي درج الشعراء على أرضها وكثرت أسفارهم نتيجة بحثهم عن المرابع والمشاتي والحبيبات وما إلى ذلك.

الكلمات الدالة:

الأطلال، الديار، الإيحاء، الرمز، الشعر الجاهلي

***
The structure of the ruins and its symbolic and suggestive meaning

Dr Safaa al-Deen Ahmad al-Kaisy
The Iraqi University of Baghdad, Iraq

Abstract:

The stand on the ruins is that aesthetic stand in the pre-Islamic poem, which was shared by all poets of that era, due to its semantic significance. The poet’s standing on the ruins represents in itself his standing at the threshold of the poem, which carries within it a group of poetic symbols that represent a personal experience that the poet lived along with the connotations that are also the original living stem in the text of the structure of the Arabic text. In other words, the ruins carry memory, past, present, pleasure, grief, human feelings, group concerns, and the individual experience and heritage of the tribe. Despite this, I find that the ruins represent the poet’s sentiment and his intellectual stance, whether in the form of natural factors such as winds and rain or in the form of clearly describing images of war and invasions. The reason for the presence of the tales and his frequent hesitation in the poems is a natural result of the abundance of solution and travel, which is one of the effects of the environment on which the poets have been listed, and their travels have proliferated as a result of their search for ranches, chapters, granules, etc.

Keywords:

ruins, houses, suggestion, symbol, pre-Islamic poetry.

***

النص:

يمثل الوقوف على الأطلال والديار الدارسة فعلا مشتركا بين جل الشعراء الجاهلين، فعندما يفتتح شعر الشعر العربي نجد الأطلال تقف شامخة على مطالع القصائد العربية، وكأنها العلامة البارزة التي يعرف بها الشعر العربي المكتمل، بل أن القصيدة الخالية من هذه الوقفة تعد قصيدة غير مكتملة بمعنى آخر إنها قصيدة ناقصة مبتورة، لذا أصبح الطلل أو الأطلال على وجه العموم هاجس القصيدة وخشبة الصلب التي يحملها الشعر على عاتقه، وبهذا تكون الأطلال ليست مجرد نؤي وأحجار وأثاف يحتفرها سيل الدهر احتفارا، فتنطلق منها الأحاسيس سواء هما أو فرحا(1).

إن وقوف الشاعر على الأطلال يمثل بحد ذاته وقوفه على أعتاب القصيدة التي تحمل في طياتها مجموعة رموز شعرية تمثل تجربة شخصية عايشها الشاعر إلى جانب الدلالات التي تمثل هي الأخرى الجذع الحي الأصيل في نص هيكل النص العربي، والتي تحمل تفاصيل تجربة الشاعر الذاتية المرتبطة برؤيا جماعية لها علاقة جوهرية في هموم قومه وتطلعاتهم إلى حياة أكثر ازدهارا(2). وليس هذا فحسب بل تكشف عن نقاب المعاني العميقة "التي تتستر خلف دلالات اللفظ والمفردات التي استخدمها الشاعر، ليعبر عن موقفه الوجودي أو العاطفي أو أزمته الفكرية أو غيرها من المحاور المتعددة التي احتضنتها هذه الطللية"(3).

وبذلك فإن الأطلال في حقيقة الأمر ما هو إلا تجربة ذاتية وضرب من الذكريات والحنين إلى الماضي والنزوع إليه، فالشعراء يرتدون بأبصارهم إلى ماضي ذكرياتهم وأحلامهم الضائعة في زمن انقضى من حياتهم(4). ومن الواضح أن المقدمة الطللية تحمل اتجاها رمزيا، لهذا كثرت الآراء حولها والدراسات واختلفت أيضا في بيان ما ترمز إليه المقدمة الطللية وذلك حسب الذوق والرؤية الفنية للمتأمل.

فالعملية برمتها "تقوم على نوع من التداعي، يتفجر نتيجة مشهد أو ذكر اسم عزيز أو مكان يكون لكل منهما ذكرياته العزيزة لدى الشاعر، الأمر الذي يدفعه إلى أن يصور انفعاله بأي من هذه الأشياء، أو يصف استئثاره العاطفي الذي سبب له رؤية لمكان الحبيبة أو سماعه لأسمها وهي مشاعر ترتبط دائما بالحزن والأسى... فهذه التداعيات المتقاربة بين الطلل وصاحبته ونسيب الشاعر بها، وتذكره للموت في الوقت نفسه إلى خلق مجموعة من الأفكار المتشابهة عند الشاعر الجاهلي ومنها الوقفة الطللية"(5).

إذن فالوقفة الطللية ليست طللية فقط بل سنة فنية ونفسية تحمل وراءها معاني عدة، ومن تلك المعاني الواضحة الصراع الجدلي القائم الذي لا يهدأ، وهو صراع الماضي الممثل لمكان موطن الأمل والسعادة والذكريات الجميلة، والحاضر الممثل لمكان الألم المنغلق على نفسه(6).

بمعنى آخر، أن الأطلال تحمل الذكرى والماضي والحاضر واللذة واللوعة ومشاعر الإنسان وهموم الجماعة وفيه الرغبة والرهبة والتجربة الفردية، وتراث القبيلة، ومعاني الحياة والبقاء والزوال والفناء، هذا إلى جانب الكثير من الرموز والدلالات المتعددة للوحة الطلل(7).

إذ إن الأطلال تمثل الرمز الشعري المعبر عن قضية أو قضايا من وجوه التعبير الرمزي في الشعر الجاهلي، فالمرأة على سبيل المثال تعد رمزا من الرموز التي يستعين بها الشعراء الجاهليون للتعبير عما يختلج في نفوسهم من مكنونات أو معاناة إزاء قضية معينة وهذه المعاناة هي التي تفسر لنا دلالة الوقفة الطللية الرمزية في أكثر الأحيان(8). ويمكننا القول "أن يكون الطلل رمزا للمرأة، وتكون موجوداته كلها دالة عليها، ومعززة لوجودها رمزيا، لأننا نلقي فيه صورتها، وتتماثل فيه شخصيتها التي يخلعها الشاعر على مظاهر طبيعية تكون في أغلب الأحيان من صنع خياله، ومن بين تلك المظاهر صور الحيوانات التي تبعث الحياة في الطلل الخرب، فالعين والأورام والأطلاء والجأذر والظبأ والنعام، كلها رموز للمرأة، لا في لوحة الطلل فحسب، وإنما في شعر الغزل العربي كله، فالظبية التي ترعى في منطقة الطلل هي صورة رمزية للمرأة الراحلة، ولها جمالها وصفاتها الأنثوية، وكذلك بقية الحيوانات"(9).

ولنا أن نلاحظ أن الشاعر الجاهلي كثيرا ما كان يضفي على الطلل صفات الحي أي يخبره ويستخبره ويناجيه ويستلهمه ويتبرم منه حين لا يجيب عن سؤاله، كما تبرم امرؤ القيس في لاميته لأن الأطلال استعجمت ولم تنطق إذ يقول:

يا دار ماوية بالحائل فالسهب فالخبتين من عاقل
صم صداها وعنا رسمها واستعجمت عن منطق السائل

من هذا يظهر أن الدموع والشكوى كان لهما النصيب الأكبر في حياة الشاعر المعبر عن ملله من الديار الخالية من أهلها مكونة لديها اتجاها محددا في وضع التفاصيل الفنية والموضوعية التي تحمل مرارة الحياة وقسوتها والخيبة المفجعة لاسيما وهو يقف على أرض لم يحفل بأيامها، ولم يأنس بشبابه وصباه، فهي مرحلة انفعالية حادة عبر عنها كثير من شعراء الجاهلية منهم على سبيل المثال بشامة بن الغدير، إذ يقول(10):

فوقفت في دار الجمع وقد جالت شؤون الرأسي بالدمع
كعروض فياض على فلج تجري جداوله على الزرع

ولكن على الرغم من ذلك كانت ظاهرة الأطلال بحد ذاتها ظاهرة معبرة عن قضايا وجدانية متجسدة في صميم حياة الجماعة، فهي تصور الأمور المادية والنفسية لتلك الجماعة(11).

وعلى الرغم من ذلك أجد أن الأطلال تمثل وجدان الشاعر وموقفه الفكري سواء أكان ذلك في شكل عوامل طبيعية من رياح وأمطار أو في صورة وصف صور الحرب والغزوات بشكل واضح حفر أخاديد من "الألم والحزن والجزع والخوف ترسبت في النفوس آمادا طويلة"(12).

فالأطلال ما هي إلا رموز وإيحاءات بارزة في الشعر الجاهلي فحتى أسماء النساء فيها رموز مجسدة من خلال عواطف الشاعر التي تدور حول:

- ديار الحبيبة الراحلة،
- البكاء على الحظ التعيس،
- وسائل رمز المحبوب،
- المثير المقارن أو الصناعي للحبيبة،
- السكون والموت،
- صورة اليأس المعبر عن الوجود الرمزي،
- رمز ما تخلفه رحلة الشمس على الإنسان،
- رمز محاولة استرجاع الماضي المفقود،
- رمز لتجربة الألم،
- الحرمان من الوطن المكاني.

فكل هذا أمر يدل على سعة المساحة التي شكلت مادة شعرية غنية استعان بها الشعراء في التعبير عن تجاربهم في رسم صورة الطلل وتعابيرها(13). إذن، كل اسم له رمز ودلالة إذ إن كل اسم يبدأ بـ:

- أم، هو رمز لسيدة حكيمة،
- سلمى، هو رمز للحب العذري والعفة،
- سعاد، هو رمز للربيع.
إلى غير هذه الأسماء التي تدل على رموز تحمل في ثناياها دلالات أخرى(14).

وبذلك تكون الرموز الثقافية ولاسيما الشعرية هي المركز الرئيس فلا يمكن استيرادها من الثقافات الخارجية، فالرمز هو جزء مهم من الشخصية الحضارية للأمة... وتأخذ عمقها من التاريخ الحضاري والاجتماعي للبيئة المعاشة(15). حتى الوشم يعد من الرموز، فلعل توظيف الوشوم بدلالة بقاء موجودات الطلل وثباتها يلوج لنظر الشاعر أن المرأة حاضرة في طلبها المهجور، فهناك الكثير من المعاني التي يستطيع الشاعر استخدامها لتوضيح فكرة الثبات، لاسيما وهو صاحب اللغة الشعرية القادرة على احتضان أي معنى أو موقف يراد تجسيده، ولهذا نستطيع القول: إن الإتيان بالوشم في معرض الحديث عن طلل مندثر هو إيحاء بوجود وهمي للمرأة رحابه، فإذا تأملنا قول زهير(16):

لمن طلل برامة لا يريم عفا وخلاله له عهد قديم
يلوح كأنه كفا فتاة ترجع في معاصمها الوشوم

من هنا تميزت "اللغة الشعرية في قصائد الشعر الجاهلي برمزيتها الناتجة عن تحول الصياغة اللغوية عن المسار الزماني العادي للغة التقريرية المباشرة إلى الحيز المكاني المتحقق بالصورة الشعرية"(17).

وبذلك فالطلل يكون "مكون بنيوي في النص الشعري الجاهلي، وهو مرتبط بإنجاز القصيدة لا المقطوعة أو النتف التي تعبر عن موقف وتكامل يكون الطلل مؤشر أول على ذلك"(18). بل يكون ظاهرة بنائية سيرورة القصيدة من خلال اتخاذه شكلين هما:
1 - شكل مرتبط بالمرجع الواقعي ويتمثل في الآثار والديار البالية المهدمة وهو ما يعرف بالتذكر أو استرجاع مشاهد الحياة.
2 - شكل مرتبط بالمرجع الفني أو الجمالي بمعنى اتخاذه الشعراء تقليدا إبداعيا ليعكس رؤيتهم وتجربتهم من خلال ذكر الحياة داخل فضاء منهدم أو ذكر الحبيبة بعد الرحيل وما إلى ذلك(19).

إذن، تميزت القصيدة الجاهلية بهذه الوقفة التي أصبحت جزءا أساسيا فيها وتعددت فيها المذاهب والتغييرات، فالطلل يسعى الشاعر من خلاله إلى تحقيق المتعلق بالقصيدة، ذلك أن الشاعر الجاهلي يحتاج قبل إن يطرق غرضه الرئيسي إلى جو شعوري يمهد له الطريق للوصول إليه، وتحقيق مبتغاة في الآخر... بل وجد أيضا أنه مثلما وجدت المقدمة الطللية كتمهيد لنفسيه الشاعر كان الأمر كذلك عند المتلقي الذي ربما سيتمكن الشاعر من التأثير في مشاعره وقيادته إلى جوهر قصيدته بطريقة ذكية حينما يبدأ حديثه عن صباه وتصوير ما يتعلق بالمرأة(20). وهنا تكمن شاعريته القوية.

فاللحظة الطللية أو المقدمة الطللية لها القدرة على مس مشاعر الإنسان وأحاسيسه إذا إنها "واحدة من الشذرات المضيئة التي يمكن أن يصل عبرها إلى إحباطات ومكبوتات المجتمع الجاهلي، وإلى تطلعاته وأشكال انسلابه معا، أي هي وسيلة من وسائل إغناء فهمنا لمجتمع معين(21). وتجسد الحضور والغياب بمعنى آخر، برهة التحول من الماضي إلى الحاضر (المستقبل) فهي تختزن الماضي كنقيض مباشر للحاضر وكمطابق صميمي للمستقبل المأمول، وهذا ما يفسر المثول الدائم في المطلع الطللي للقصيدة، بعكس الحاضر الذي لا يمثل سوى اتضاعا مرعبا لا يكشف عن جوهريته إلا عبر صدمة بالماضي المشرق(22).

لاسيما إذا كان هذا الماضي محملا ببواعث وصف الأطلال التي تحمل رموزا كثيرة مثل الحب والشجن والرحيل، وبهذا تكون القصيدة منفذا إلى استدراك أعمق معطيات النص الشعري الجاهلي، وما فيه من رموز ومدلولات(23).

إن الرموز الموجودة في الوقفة الطللية تمكننا من النفوذ إلى نفسية الشاعر، وما تحيل عليه من هموم الذات وقضايا الإنسان إلى واقع سابح في البناء الكلي للقصيدة العربية(24).

وإن سبب وجود الطلل وكثرة تردده في القصائد، هو نتيجة طبيعية لكثرة الحل والترحال التي هي من آثار البيئة التي درج الشعراء على أرضها وكثرت أسفارهم نتيجة بحثهم عن المرابع والمشاتي والحبيبات وما إلى ذلك، فإن البكاء على الأطلال هو ما يفسر لنا لوعة الشاعر نتيجة الزمن والأقدار والرحيل(25). إذن، يبدو أن القصيدة الجاهلية تنبثق دائما من بؤرة يتكشف فيها الطابع الجدلي بين متناقضات مختلفة، ولكنه يبقى واضحا في القصيدة كلها، بيد أن هذه البؤرة تكشف عن التوتر الحاد الذي يميز المركب الجدلي الجامع بين النقيضين (العدم/الوجود) فيعطي كليهما فاعلية الحركة لأن الطابع الجدلي للبؤرة الأساسية يتضمن بؤرتين هما: بؤرة الطلل، وبؤرة الذات الشعرية.

ولعل من أهم الصفات المميزة للطلل أو الأطلال هي خاصية (الاندثار) التي تنطلق منها وحدات دلالية عامة تنتهي إليها صفات كثيرة أهمها: العفاء، والاندراس، والاقفرار، والبلى، والتفير، والمجهولية وغيرها(26).

المتعارف عليه هو أن عامل (الزمن) هو السبب الرئيسي في عامل الاندثار والانقضاض، فكثيرا ما نجد أن الشعراء يجعلون الاندثار نتيجة مرور الزمن وهذا ما يؤكده الشاعر الجاهلي امرؤ القيس إذ يقول(27):

قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ورسم عفت آياته منذ أزمان
أتت حجج بعدي عليها فأصبحت كخط زبور في مصاحف رهبان

ولا يقتصر هذا الأمر على هذا الشاعر، بل جميع شعراء الجاهلية الأمر الذي حملني على ذكر هذا المطلع هو أن أفضل ابتداء صفة شاعر "لأنه وقف وأستوقف، وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في مصرع واحد"(28).

إن محور هذا البحث يرتكز على الأطلال والكيفية التي تجعلها وسيلة في بناء القصيدة ورموزها وما تدل عليه، فالذي يمعن النظر في القصيدة العربية الكلاسيكية يجد أن الإطلال تقف على رأس الشكل الهرمي للقصيدة، وتدخل بعدها الموضوعات المكونة للقصيدة الواحدة تلو الأخرى، إذ نجد مثلا أن قطعة النسيب تتشكل من جانبين أساسيين هما: والوقوف عل الإطلال، وذكر المجهولية.

وإن الشاعر الجاهلي لم يجمع بين هذين العنصرين عبثا أو اعتباطا في وقوفه، وإنما جمعهما ليرمز إلى الحياة والموت، ولكن كيف؟ إن الحياة دائما مهددة بالخراب والدمار، وهذا الأمر يتمثل في الوقوف على الإطلال المقفرة، وكذلك الأمر بالنسبة للحب المهدد دائما برحيل المحبوبة(29). ومن هنا نجد إن أي عنصر من عناصر القصيدة الجاهلية سواء أكان نسيبا أم رثاء أم فخرا أم أي شيء له علاقة مرتبطة بالإطلال أولا وسيرورة القصيدة ثانيا.

إن من يتتبع الشعر العربي القديم، ويتصفح دواوين الشعراء وما فيها من قصائد ومقطوعات يدرك إدراكا أوليا في وجود قالب فني يتحرك فيه الشعراء سواء من حيث الموضوع أو من حيث الصياغة، فكان هم الشاعر الأول هو كيفية افتتاح قصيدته بمقطع طللي يسهل له الأمر في سلسلة أفكاره وبناء قصيدته، بحيث أصبح الطلل أي الوقوف عليه سنة فنية أو طقسا مقدسا يبدأ به الشاعر قصيدته، ثم يتجاوزه إلى ما يهدف إليه من أغراض، وهذه الأغراض هي المكون البنائي للقصيدة بالاشتراك مع الإطلال(30). وكثيرا ما كان الشاعر يستخدم الرمز كدلالة على ما يريد للتعبير عنه، وفي مقدمتهم شعراء المعلقات(31)، إذ يبدو "أن الشاعر الجاهلي كان يتأهب للمرور لثقافة الكتابة؛ باعتبارها رمزا للتحول في ثقافة أي أمة"(32). فالشاعر هو الذي يرسم الأشياء بالرموز ويسقطها على الإطلال فهي "أوعية فارغة وقوالب فنية خالية من أي معنى إلا ما يضعه فيها الشاعر من المعاني والمدلولات التي تتلاءم والمعنى العام الذي يريده من القصيدة"(33).

كل شاعر له نظرة خاصة يعبر من خلالها عن التجربة التي مر بها في حياته، فعلى سبيل المثال نجد أن شعراء المعلقات قد اسقطوا الرموز والدلالات في مطالع قصائدهم لتعبر عن أشياء وموضوعات في شتى النواحي، فالمطر والريح وبقية العوامل الطبيعية هي عبارة عن رموز توظف في القصيدة لتدل على شيء آخر إذ إن المطر يعد "رمز الإفناء في اللوحة الطللية... في حالة هطوله بغزارة، في هوة اللوحة صورة للدمار والهلاك والخراب والانتقام"(34). والريح هي رمز آخر من رموز الطبيعة التي تدل على الفناء، والأمر لا يقتصر على ذلك بل هناك الكثير من الرموز التي كانت متداولة عن الشعراء في ألفاظ عدة منها: الوشم، والنار، والأثافي، والرماد، والحجارة، والنؤي، والكتاب أو الكتابة، والنقوش، والشيات، والحيوان(35).

يبدو أن الغاية الرئيسة من استخدام هذه الألفاظ كرموز لأشياء أخرى، فالظاهر أن الشعر الجاهلي معظم ألفاظه ذات دلالات رمزية، وسبب ذلك لامتلاكه ميزة مشتركة هي كثرة الدورات والاستكمال وعلى الرغم هذا توجد بعض الألفاظ خالية من خاصية الدلالة الرمزية(36). ربما خاصيتها من خاصية الشاعر نفسه.

وهناك أمر لابد من الإشارة إليه وهو أن البعد الرمزي للوحة الطلل "يستلزم قدرة الشاعر على توفير المستلزمات الفنية ضمن إطار تجربة شعرية"(37). فعلى سبيل المثال نجد أن امرئ القيس قد أبدع في استخدام الإيحاءات والرموز، هذا فضلا عن الأساليب البلاغية من جناس وطباق واستعارة وكناية وغيرها كقوله(38):

وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي

فالشاعر شخّص هذه المعاني برؤيته الخاصة، ذات الصلة بعصره والفكرة السائدة فيه "والقصيدة نموذج لنمط التصوير الجاهلي وما يستند عليه من خلفيات أسطورية في التفسير، تكون هي المنظار الذي يوصل إلى كشف المنطقة الرمزية التي تحكم لتكون الصورة وتسلسلها"(39).

وبذلك يبدو أن الرموز الثقافية، لاسيما الشعرية، لا يمكن استيرادها من الثقافات الخارجية، إذ أن الرمز هو جزء مهم من الشخصية الحضارية للأمة... وتأخذ عمقها من التاريخ الحضاري والاجتماعي للبيئة المعاشة(40). فهي وليدة بيئة ولها تأريخها الثقافي.

إن النظرة من قبيل الشاعر الجاهلي للحياة كانت تحمل في طياتها رموزا غامضة ومبهمة، فجدلية (الحياة/الموت) هي بحد ذاتها تعبير رمزي يدور حول (الزمن) ووظف هذا المدلول الرمزي في أشعار كثيرة كقول عبيد بن الأبرص:

أقفر من أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب

فهو يتحدث عن الزمن وعلاقته بالأطلال وعفائها واندثارها، وهذا الأمر لا ينطلق من إحساس آني كونته عاطفة مؤقتة، بل من تجربة عميقة الجذور. فالأطلال ظاهرة بنائية في القصيدة الجاهلية المليئة بالرموز والدلالات الإيحائية الغامضة التي تستحق سبر أغوارها والكشف عن تجلياتها وما تحيل عليه من أشياء مبهمة، هذه البنية حملت انعكاسات نفسية لها صلة مباشرة بالشاعر وانفعالاته النفسية، بنية لها شرائح عدة بإمكانها أن تنقل فكر الشاعر ورؤيته بتقنية فنية تتجلى في الرموز والإيحاءات بطلل مثل المشاعر الإنسانية والرغبات الذاتية فأصبح مرتكزا تنطلق منه أفكار الشعراء ومشاعرهم ليقع في قلب المتلقي فيثير مشاعره ونفسيته لذا تحدث الهزة الشعورية والتي هي أساس الشعر ورونقه.

الهوامش:
1 - د. حبيب مونسي: فلسفة المكان في الشعر العربي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001م، ص 18.
2 - د. حسن جبار محمد شمسي: ملامح الرمز في الغزل العربي القديم دراسة في بنية النص ودلالته الفنية، دار السياب، ط1، 2008م، ص 241.
3 - رعد أحمد الزبيدي: في الشعر الجاهلي، مكتبة الجبل الجديد، صنعاء 1999م، ص 78.
4 - المصدر نفسه، ص 89.
5 - د. سعيد حسون العنبكي: الشعر الجاهلي دراسة في تأويلاته النفسية والفنية، دار دجلة، ط1، الأردن 2008م، ص 301-302.
6 - ينظر، د. حسين علي الدخيلي: الفضاء الشعري عند الشعراء اللصوص في العصرين الجاهلي والإسلامي، دار حامد، الأردن 2010م، ص 128.
7 - د. نجيب محمد البهبيتي: تاريخ الشعر العربي حتى القرن الثالث الهجري، دار البحار، ط1، (د.ت)، ص 100.
8 - إسراء طارق كامل: اتجاهات الباحثين المحدثين في دراسة المقدمة الطللية في الشعر الجاهلي، رسالة ماجستير، جامعة بغداد 2000م، ص 16.
9 - د. حسن جبار محمد شمسي: ملامح الرمز، ص 244.
10 - رجاء لازم رمضان: الصبر والجزع بين المثير والاستجابة في شعر ما قبل الإسلام، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة بغداد 2004م، ص 144-146.
11 - د. إبراهيم عبد الرحمن محمد: قضايا الشعر في النقد العربي، دار العودة، ط2، بيروت 1981م، ص 120.
12 - د. أبو القاسم رشوان: استدعاء الرمز المكاني في الشعر القديم، مكتبة الآداب، ط1، القاهرة 1995م، ص 21.
13 - د. كامل عبد ربه حمدان الجبوري: الطير ودلالته في البنية الفنية والموضوعية للشعر العربي قبل الإسلام، دار الينابيع، ط1، دمشق 2010م، ص 31-32.
14 - د. ريتا عوض: بنية القصيدة الجاهلية الصورة الشعرية لدى امرئ القيس، دار الآداب، ط1، بيروت 1999م، ص 113.
15 - ينظر، د. عمر عبد العزيز: بنية الرحلة في القصيدة الجاهلية الأسطورة والرمز، مؤسسة الانتشار العربي، ط1، لبنان 2009م، ص 47-48.
16 - د. حسن جبار محمد شمسي: ملامح الرمز، ص 256.
17 - د. عبد الله الفيفي: مفاتيح القصيدة الجاهلية نحو رؤية نقدية جديدة عبر المكتشفات الحديثة في الآثار والميثولوجيا، النادي الأدبي الثقافي، ط1، جدة 2001م، ص 29.
18 - د. حسن مسكين: الخطاب الشعري الجاهلي رؤية جديدة، المركز الثقافي العربي، ط1، لبنان 2005م، ص 23.
19 - نفسه.
20 - د. ريم هلال: حركة النقد العربي الحديث في الشعر الجاهلي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1999م، ص 200.
21 - يوسف اليوسف: مقالات في الشعر الجاهلي، دار الحقائق، ط4، 1985م، ص 118.
22 - ينظر، مقالات في الشعر الجاهلي، ص 121.
23 - بهجت عبد الغفور الحديثي: مقدمات القصائد العشر (المعلقات) وعلاقتها بالتجربة الشعرية، مجلة كلية الآداب ع73، ص 30.
24 - أبو القاسم رشوان: استدعاء الرمز المكاني في الشعر القديم، ص 21.
25 - المصدر نفسه، ص 26.
26 - د. هلال جهاد: فلسفة الشعر الجاهلي، دراسة تحليلية في حركة الوعي الشعري العربي، دار المدى للثقافة والنشر، ط1، دمشق 2001م، ص 138-140.
27 - ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر، ص 90.
28 - د. سعيد إسماعيل شبلي: الأصول الفنية للشعر الجاهلي، مكتبة غريب، ط5، القاهرة 2011م، ص 137.
29 - المصدر نفسه، ص 145.
30 - د. محمد عبد المطلب: قراءة ثانية في شعر امرئ القيس، الشركة المصرية العالمية، لونجمان، ط1، مصر 1996م، ص 3.
31 - وفيق خنسة: الآفاق القصصية قراءة في المعلقات، دار نون، ط1، 1997م، ص 3.
32 - د. محمد بلوحي: بنية الخطاب الشعري الجاهلي في ضوء النقد العربي المعاصر، بحث في تجليات المقاربة النفسية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2009م، ص 62.
33 - د. حسن مسكين: الخطاب الشعري الجاهلي رؤية جديدة، ص 25.
34 - د. عبد الرزاق خليفة محمود الدليمي: هاجس الخلود في الشعر العربي حتى نهاية العصر الأموي، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، بغداد 2001م، ص 195.
35 - المصدر نفسه، ص 197.
36 - د. محمد العبد: إبداع الدلالة في الشعر الجاهلي ودخل لغوي أسلوبي، مكتبة الآداب، ط2، القاهرة 2007م، ص 53.
37 - محمود عبد الله الجادر: قراءة معاصرة في نصوص من التراث الشعري، بغداد 2002م، ص 15.
38 - ديوان امرئ القيس، ص 28.
39 - د. عبد الله الفيفي: المصدر السابق، ص 29.
40 - ينظر، بنية الرحلة في القصيدة الجاهلية الأسطورة والرمز، ص 47-48.
References:
1 - ‘Abd al-‘Azīz, ‘Omar: Bunyat ar-riḥla fī al-qaṣīda al-jāhiliyya al-’usṭūra wa ar-ramz, Mu’assasat al-Intishār al-‘arabī, 1st ed., Lebanon 2009.
2 - ‘Abd al-Muṭṭalib: Qirā’a thāniyya fī shi‘r Imru’i al-Qays, Longman, 1st ed., Cairo 1996.
3 - ‘Awaḍ, Rīṭā: Bunyat al-qaṣīda al-jāhiliyya as-ṣūra ash-shi‘riyya ladā Imru’i al-Qays, Dār al-Ādāb, 1st ed., Beirut 1999.
4 - Al-‘Abd, Muḥammad: Ibdā‘ al-dalāla fī ash-shi‘r al-jāhilī wa dakhl lughawī ’uslūbī, Maktabat al-Ādāb, 2nd ed., Cairo 2007.
5 - Al-‘Ankabī, Saïd Ḥassūn: Ash-shi‘r al-jāhilī dirāsa fī ta‛wilātihī al-nafsiyya wa al-fanniyya, Dār Dijla, 1st ed., Jordan 2008.
6 - Al-Dakhīlī, Ḥussein ‘Alī: Al-faḍa’ ash-shi‘rī ‘inda ash-shu‘arā’ al-luṣūṣ fī al-‘aṣrayn al-jāhilī wa al-islāmī, Dār Ḥāmid, Jordan 2010.
7 - Al-Dalīmī, ‘Abd al-Razzāq: Hājis al-khulūd fī ash-shi‘r al-‘arabī ḥattā nihāyat al-‘aṣr al-’umawī, Dār al-Shu’ūn al-Thaqāfiyya, 1st ed., Baghdad 2001.
8 - Al-Fīfī, ‘Abdallah: Mafātīḥ al-qaṣīda al-jāhiliya, Al-Nādī al-Adabī ath-Thaqāfī, 1st ed., Jeddah 2001.
9 - Al-Jabbūrī, Kāmil: At-ṭayr wa dalālatuhu fī al-bunya al-y wa al-mawḍū‘iyya, Dār al-Yanābī‘, 1st ed., Damascus 2010.
10 - Al-Jādir, Maḥmūd: Qirā’a mu‘āṣira fī nuṣūṣ mina at-turāth ash-shi‘rī, Baghdad 2002.
11 - Al-Zubaydī, Ra‘d Aḥmad: Fī ash-shi‘r al-jāhilī, Maktabat al-Jabal al-Jadīd, Sana‘a 1999.
12 - Belouhi, Mohamed: Bunyat al-khitāb ashi‘rī al-jāhilī, fī ḍaw’ an-naqd al-‘arabī al-mu‘āṣir, Ittiḥād al-Kuttāb al-‘Arab, Damascus 2009.
13 - Hilāl, Rym: Ḥarakat an-naqd al-‘arabī al-ḥadīth fī ash-shi‘r al-jāhilī, Ittiḥād al-Kuttāb al-‘Arab, Damascus 1999.
14 - Imru’u al-Qays: Dīwān, edited by Muḥammad Abū al-Faḍl Ibrāhīm, Dār al-Ma‘ārif, Cairo.
15 - Jihād, Hilāl: Falsafat ash-shi‘r al-jāhilī, Dār al-Madā, 1st ed., Damascus 2001.
16 - Khansa, Wafīq: Al-afāq al-qaṣaṣiyya qirā’a fī al-mu‘allaqāt, Dār Noon, 1st ed., Ras al-Khaimah, United Arab Emirates 1997.
17 - Maskīn, Ḥussein: Al-khiṭāb ashi‘rī al-jāhilī ru’ya Jadīda, Al-Markaz al-Thaqāfī al-Arabī, 1st ed., Lebanon 2005.
18 - Mounsi, Habib: Falsafat al-makān fī ash-shi‘r al-‘arabī, Arab Writers Union, Damascus 2001.
19 - Muḥammad, Ibrāhīm ‘Abd al-Raḥmān: Qaḍāyā ash-shi‘r fī an-naqd al-‘arabī, Dār al-‘Awdah, 2nd ed., Beirut 1981.
20 - Rashwān, Abū al-Qāsim: Istid‘ā’ ar-ramz al-makānī fī ash-shi‘r al-qadīm, Maktabat al-Ādāb, 1st ed., Cairo 1995.
21 - Shablī, Saïd Ismāïl: Al-’uṣūl al-fanniyya li ash-shi‘r al-jāhilī, Maktabat Gharīb, 5th ed., Cairo 2011.
الإحالة إلى المقال:

* د. صفاء الدين أحمد القيسي: بنائية الأطلال ودلالتها الرمزية والإيحائية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السابع عشر، سبتمبر 2017. http://annales.univ-mosta.dz

***