المدرسة العربية في الأدب المقارن

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

ظهر الأدب المقارن في أوروبا منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر واكتمل في أوائل القرن العشرين على يد رواد المدرسة التاريخية في فرنسا. وظل المنهج التاريخي سائدا وحده لدى المقارنين لأكثر من نصف قرن إلى أن ظهرت أزمة الأدب المقارن في الخمسينيات من القرن الماضي التي فجرها الدارسون الأمريكان، مما أدى إلى بزوغ مدارس أخرى تنافس المدرسة الفرنسية أو تجاورها، منها المدرسة الأمريكية والسلافية والألمانية وغيرها. لكن لا أحد فكر وقتئذ في تأسيس منهج عربي في الدراسات الأدبية المقارنة. وبالرجوع إلى تاريخ الدراسات الأدبية المقارنة عند العرب يتبين لنا أن هؤلاء، وخاصة رواد النهضة، قد سبقوا غيرهم في مثل هذه الدراسات، حتى وإن كانت بعض الأحكام ذاتية. وفي هذا البحث نحاول تحديد ملامح المدرسة العربية في مجال الأدب المقارن.

الكلمات الدالة:

الأدب المقارن، الأثر والتأثير، المدرسة العربية، الموازنات، عصر النهضة.

***
The Arab school of comparative literature

Abstract:

Comparative literature has appeared in Europe since the first third of the nineteenth century and was completed in the early twentieth century by the pioneers of the historical school in France. For more than half a century, the historical approach has been prevalent alone for comparators until the crisis of comparative literature emerged in the 1950s triggered by American scholars, leading to the emergence of other schools that compete with or adjacent to the French school, such as American, Slavic, German and other schools. But no one thought at the time to establish an Arab method in comparative literary studies. Referring to the history of comparative literary studies among the Arabs, we can see that these scholars, especially the pioneers of the Renaissance, preceded the others in studies of this type, Even if some judgments are subjective. In this research we try to determine the features of the Arab school in the field of comparative literature.

Key words:

comparative literature, influence, Arab school, comparisons, renaissance.

***

النص:

1 - الأدب المقارن والتراث العربي:

لقد عرف الأدب العربي - شعرا ونثرا - ظاهرة التأثير والتأثر منذ ظهوره، كما استخدم الأدباء كلمات أجنبية فارسية وإغريقية، وذلك لاختلاط العرب بغيرهم من الشعوب، لكن لم يتطرق المؤرخون القدامى لتبادل النصوص والاستعارات ولا لكيفية انتقالها. غير أن الجاحظ (ت 253هـ-867م) كان قد تحدث في كتاب "البيان والتبيين" عن بلاغة الفرس والهند واليونان والروم، وأشار إلى بعض الخصائص المشتركة بينها وبين بلاغة العرب(1). لكن مقارنات الجاحظ بين آداب الأمم الأربعة الكبرى في عصره، لم تكن مبنية على منهج بل اعتمدت على أفكار ذاتية أكثر منها موضوعية.

كما قارن الجاحظ بين الشعر الفارسي والشعر الإغريقي والشعر العربي فوجدها تختلف من حيث الإيقاع والقافية(2)، وهذا يعني أن الجاحظ كان على دراية بهذه اللغات، ولم يصلنا أي كتاب قبل عصره تعرض بالدرس لقصائد مختلفة اللغة. لقد استحسن الجاحظ بلاغة الأمم الكبرى واستهجن البعض الآخر، ولكنه لما قام بهذه المقارنات لم يكن معاديا للثقافات الأجنبية، ولم نلتمس شيئا من الاستعلاء في آرائه.

ومن جهة أخرى، تحدث الجاحظ عن صورة الفرس في كتاب "البخلاء"(3)، الذي يعتبر من أقدم الكتب التي كان لها رأي في الآخر، أو ما يسمى بالصورة الأدبية أو الصورائية. ولم يقصد الجاحظ ذم العنصر الفارسي، بل ذكر أيضا محاسنهم، كما تحدث كذلك عن البخلاء من العرب في عصره(4).

وفي مجال آخر، ذهب الجاحظ في كتاب "الحيوان" إلى أن الشعر لا يجب ترجمته وإلا ذهب حسنه وأصبح كلاما عاديا، بخلاف النثر الذي يمكن ترجمته دون أن يفقد شيئا من حقائقه(5)، لقد تحدث الجاحظ عن صعوبة ترجمة الشعر العربي، وعن شرائط الترجمان فقال: "ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهم"(6). وبهذا، يكون الجاحظ أول من عني بمشاكل الترجمة، وهو أيضا أول من دعا إلى قراءة الشعر في لغته الأصلية.

وبعد ذلك، يجب على الدارس العربي الرجوع إلى كتب الجاحظ التي ذكرناها آنفا، لمعرفة مدى اهتمام العرب القدامى، ليس فقط باللغات الأجنبية ومشاكل الترجمة، وإنما بالمادة أيضا كما هو الحال عند الجاحظ الذي يعد أول من قارن بين بلاغات الأمم الكبرى في عصره، وهم العرب والفرس والهند والروم أي الإغريق. وبهذا يكون الجاحظ قد سبق رواد الأدب المقارن بألف عام. أما ابن الأثير الكاتب (ت 637هـ-1239م)، فهو أيضا تحدث في كاتبه "المثل السائر" عن المعاني الخطابية عند أدباء اليونان والعرب(7) كما أشار إلى الفروق بين الشعر العربي والفارسي من حيث الطول والقصر(8).

2 - الموازنات عند العرب:

لقد عرف الأدب العربي الموازنة منذ أن وجد، كما عرف أيضا المحاكم والأسواق الكلامية منذ العصر الجاهلي، وقد تطورت هذه الموازنات في الأدب العربي وألفت فيها الكتب. ومن أشهرها "الوساطة بين المتنبي وخصومه" للقاضي الجرجاني (ت 152هـ-769م)، و"الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري" للآمدي (ت 370هـ-981م)(9).

فالجرجاني أراد التوسط بين المتنبي وخصومه، وأما الآمدي فقد قصد المفاضلة بين البحتري وأبي تمام، غير أن هذه الموازنات كانت ذات طابع جمالي بحت ولم تتطرق إلى ظاهرة التأثير والتأثر. ولعل أبرز ما أدت إليه هو الحديث عن الأصالة، وهذه الفكرة لم يعرفها النقد الأوروبي الحديث إلا في أواخر القرن التاسع عشر، وهو البحث عمن سبق إلى الفكرة من الشاعرين حينما يوظفان الأسلوب نفسه أو المعنى نفسه.

غير أن النقاد العرب القدامى اقتصروا في موازناتهم على أدباء اللغة العربية، ولم يتطرقوا إلى ما أخذه الشعراء العرب من اللغات الأخرى كالفارسية والهندية واليونانية، وكان من الشعراء العرب من يجيد الفارسية، ومنهم من درس الفكر اليوناني، ومنهم من اطلع على أدب الهند، بالإضافة إلى الترجمات التي قام بها العرب منذ العهد الأموي.

3 - بداية الدراسات المقارنة عند العرب:

ظهرت محاولات في منتصف القرن التاسع عشر في العالم العربي، يمكن عدها من البدايات الأولى للأدب المقارن عند العرب. وكان دعاة التجديد يهدفون من وراء تفتحهم على أوروبا تعريف القارئ العربي بآداب الغرب التي بلغت مرحلة متقدمة من التطور، في حين عرف الأدب العربي من المحيط إلى الخليج مرحلة طويلة من الانحطاط.

ويمكن اعتبار رواد النهضة العربية هم أصحاب البدايات الأولى للأدب المقارن في العالم العربي، لقد ركزوا على دراسة التشابه والاختلاف بين الأدب العربي والآداب الغربية الحديثة، ولم يتطرقوا إلى دراسة التأثير والتأثر، لأن فضل أدب أمة على أدب أمة أخرى لم يكن من اهتماماتهم، عكس ما ذهبت إليه المدرسة الفرنسية عند اشتراطها للصلات التاريخية بين الآداب(10).

ورغم ارتباط دراسات الرواد العرب الأوائل بالنهضة العربية رغبة منهم في الإفادة من الآداب الغربية، إلا أن اعتمادهم على دراسة التشابهات والتوازي بين آداب الأمم وعدم تطرقهم إلى ظاهرة التأثير والتأثر، يدل على أنهم قد سبقوا الاتجاه النقدي الأمريكي بأكثر من نصف قرن. ومع ذلك فإن المقارنين الذين جاءوا من بعدهم لم يتبعوا رواد النهضة العربية في دراسة التشابهات ضمن الأدب المقارن، وانساقوا وراء مبادئ الاتجاه الفرنسي أو الأمريكي.

وكان رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وأديب إسحاق وأحمد فارس الشدياق ويعقوب صروف وغيرهم، قد قاموا بمقارنة بعض مظاهر الثقافة العربية بالثقافة الغربية ودرسوا جوانب من التشابه والاختلاف بينهما. وهذه الدراسات التي ظهرت على امتداد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تعتبر البدايات الأولى للأدب المقارن عند العرب.

ويمكن اعتبار رفاعة رافع الطهطاوي (ت 1290هـ-1873م) أول من تطرق إلى البحث المقارن بين الثقافات الشرقية والغربية، وكان قد سافر مع البعثة الطلابية إلى فرنسا سنة 1826م، وبعد عودته إلى مصر سنة 1831م، ترجم عدة أعمال فرنسية إلى العربية كما ألف كتابه المشهور "تخليص الإبريز في تلخيص أخبار باريز"(11) وهو مقارنة سطحية بين الثقافتين العربية والإفرنجية، وذلك في بداية الثلث الثاني من القرن التاسع عشر.

وفي أواخر القرن التاسع عشر تناول رواد النهضة الفكرية العرب الآداب الغربية بالدراسة ومقارنتها بالتراث العربي، كما اهتموا أيضا بالترجمة والاقتباس من التراث الغربي. ولم يتطرق هؤلاء النهضويون العرب إلى ظاهرة التأثير والتأثر، بل كان هدفهم تعريف القراء ببلاغة الإفرنج والإفادة منها في نهضة الأدب العربي.

لقد كتب يعقوب صروف مقالة في مجلة "المقتطف" بعنوان "الانتقاد" عام 1887م، قارن فيها بين النقد العربي والغربي، داعيا النقاد العرب إلى الاقتداء بالنقاد المشهورين في الغرب الذين تطورت عندهم الدراسات الأدبية(12). وكذلك كتب نجيب الحداد، مقالة في مجلة "البيان" سنة 1897م بعنوان "مقابلة بين الشعر العربي والشعر الإفرنجي"، واقتصر في دراسته على جوانب التشابه والاختلاف بين الشعر العربي والشعر الغربي(13)، وكان الغرض من وراء بحثه تعريف القارئ العربي بالثقافة الفرنسية التي بلغت درجة كبيرة من التقدم.

وفي سنة 1900م نشرت مجلة "المقتطف" سلسلة من الدراسات حول "بلاغة العرب والإفرنج"، وهي عبارة عن مناظرات بين أحمد كامل وخليل ثابت ونيكولا فياض. لقد قارن أحمد كامل بين أساليب البلاغة العربية والبلاغة الإفرنجية وركز على جوانب الاختلاف بينهما حيث خلص إلى أن بلاغة العرب أرقى من بلاغة الإفرنج(14)، إلا أن أحكامه لم تستند إلى منهج علمي بل كانت ذاتية حسب ذوقه الخاص.

أما خليل ثابت فقد تناول في دراسته اختلاف الأذواق الأدبية بين العرب والإفرنج مبينا أثر ثقافة المتلقي في فهم النص الأدبي الأجنبي، وذلك قبل ظهور نظرية التلقي عند الألمان. فهو يرى أن الهدف من المقارنة ليس إظهار تفوق أدب على أدب آخر أو التعصب وإنما الغرض هو الإفادة منها، ودعا إلى تعريب الأعمال الأدبية الغربية حتى يتعرف عليها القارئ العربي(15). وأما نيكولا فياض فقد ذهب إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على الترجمة وحدها في الدراسات المقارنة، بل يجب الرجوع إلى النص الأصلي أيضا، فالترجمة تفقد النص الأدبي الكثير من خصائصه. وهو يرى أن تعصب أحمد كامل للأدب العربي إنما يرجع إلى جهله للثقافة الإفرنجية(16).

ومن رواد هذه الفترة أيضا، أديب إسحاق الذي ألف كتابا بعنوان "الأسلوب وظاهرة البديع"، وأحمد فارس الشدياق الذي ألف عدة كتب في مجال المقارنة بعد عودته من رحلة طويلة في ربوع أوروبا، ولعل من أهم كتبه "مقارنة بين المديح العربي والغربي".

4 - الدراسات المقارنة في بداية القرن العشرين:

ازدهرت حركة الترجمة والاقتباس في أوائل القرن العشرين بعد الانفتاح نحو الغرب، فزاد اهتمام الدارسين العرب بالمقارنة، وظهرت دراسات في هذا الحقل المعرفي الأدبي. لقد تناول سعيد الخوري الشرتوني التشابه والاختلاف بين البيان العربي والبيان الإفرنجي، دون التطرق إلى التأثير أو التأثر، في مقالة بعنوان "البيان العربي والبيان الإفرنجي" نشرت في مجلة "المقتطف" عام 1902م. وكان يهدف من خلال هذه المقارنة، إظهار محاسن وعيوب البيان العربي والإفرنجي ومعرفة القوي من الضعيف(17).

وأول من تناول ظاهرة التأثير والتأثر إلى جانب التشابه والتوازي بين عدد من النماذج الأدبية المختلفة، هو روحي الخالدي في كتابه "تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوجو" الذي صدر لأول مرة عام 1904م، ومن خلال عنوان الكتاب، يكون الخالدي أول من استخدم مصطلح "علم الأدب". وبهذا، تكون دراسة روحي الخالدي أشمل وأوسع من الاتجاه التاريخي التقليدي الذي اقتصر على المقارنة بين أدبين فقط وحصرها بين التأثير والتأثر.

لقد تناول في كتابه التشابه بين الشعر الإفرنجي والشعر العربي السابق له، كما تناول أثر الشعر الأندلسي في بعض أشكاله ومضامينه في شعر التروبادور (Troubadours) الجنوبيين والتروفير (Trouvères) الشماليين، وتأثر قصص الإفرنج بقصص عربية في العصور الوسطى، معتمدا على الصلات التاريخية بين الآداب في بحثه(18).

هذه الدراسة كانت عبارة عن مقالات نشرت في مجلة "الهلال" بين سنتي 1902م و1903م، قبل أن يجمعها في كتاب لأهميتها عند القارئ العربي الذي اكتشف لأول مرة بصمات الأدب العربي في الآداب الأوروبية، وعلى وجه الخصوص، الموشحات والأزجال التي ذاع صيتها في أوروبا خلال القرون الوسطى.

وفي عام 1904م، ترجم سليمان البستاني "إلياذة" هوميروس (Homère). تطرق في المقدمة إلى حياة هوميروس وشعره والأدب اليوناني والأوروبي. كما تناول في المقدمة أيضا، أوجه التشابه والاختلاف بين الأدب العربي والأدب اليوناني، وقارن بين أنواع الشعر عند العرب والإفرنج، كما فرق بين السرقة والتأثر(19). فالتأثر يدل على كثرة المطالعة والإفادة من الآخر.

أما الأديب قسطاكي الحمصي الحلبي فقد كتب في مطلع القرن العشرين عدة دراسات في مجال المقارنة بعد اطلاعه على مؤلفات سانت بوف (Sainte Beuve) وتين (Taine) وبلدنسبرجر (Baldensperger) وبرونتيير (Brunetière) وغيرهم من النقاد الفرنسيين الذين كان لهم الفضل في نشأة المدرسة الفرنسية. لقد حاول من خلالها تعريف الأدباء العرب بالاتجاهات النقدية لدى الغرب. وفي كتابه "منهل الورّاد في علم الانتقاد" تناول في الجزء الثالث منه تأثر دانتي أليغييري (Dante Alighieri) برسالة الغفران للمعري(20). جاء عنوان الدراسة "الموازنة بين الألعوبة الإلهية ورسالة الغفران وبين أبي العلاء المعري ودانتي شاعر الطليان"، وهو يعتقد أنه أول من نبه - في بداية القرن العشرين - على اقتباس دانتي الشاعر المشهور ألعوبته الإلهية عن رسالة الغفران. ومع ذلك، فإن مصادر "الكوميدي" ليس فقط رسالة المعري، وإنما أيضا "رسالة التوابع والزوابع" لابن شهيد الأندلسي وكتاب المعراج وغيرها من المصادر الإسلامية التي تأثر بها أديب إيطاليا في القرون الوسطى.

وفي هذه المرحلة أيضا، نشر عبد الوهاب عزام دراسات في مجلة "الرسالة" حول العلاقات بين الأدب العربي والأدب الفارسي.

إن الدراسات الأدبية المقارنة التي ظهرت منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين عند العرب، كانت في مجملها دراسات تطبيقية ولم تهتم بمناقشة نظريات الغربيين في هذا الحقل المعرفي أو التعريف بمصطلح الأدب المقارن، فالهدف الرئيس منها كان الاطلاع على ثقافة الغرب والدعوة إلى الإفادة من مناهجه النقدية الحديثة من أجل التجديد في الأدب العربي.

أما مصطلح "الأدب المقارن"، فقد ظهر لأول مرة عام 1936م، عند خليل هنداوي وكذلك فخري أبو السعود، في مقالات لهما في مجلة "الرسالة"، وهي ترجمة حرفية عن المصطلح الفرنسي. وكان فخري أبو السعود قد نشر دراسات منذ بداية الثلاثينيات، في مجلة "الرسالة" قارن فيها مظاهر التشابه والاختلاف بين الأدبين العربي والإنكليزي في قضايا القصة والخرافة وغيرها(21). اقتصر في مقالاته على دراسة تشابه النصوص ولم يلتزم بشرط التأثير والتأثر الذي أقرته المدرسة التاريخية والذي انتقده فيما بعد رواد الاتجاه الأمريكي(22).

لقد نشر خليل هنداوي في مجلة "الرسالة" سنة 1936م دراسة حول تلخيص أبي الوليد بن رشد لكتاب أرسطو "فن الشعر"، ذكر فيها مصطلح "الأدب المقارن" بالعربية والفرنسية (Littérature comparée). وقد دعا خليل هنداوي الأدباء العرب إلى الانفتاح على الآداب الأجنبية والاقتداء بفيلسوف قرطبة عندما لخص كتاب "فن الشعر" لأرسطو، وذلك من أجل نهضة الأدب العربي، وهو يرى أن ابن رشد لم يقم بهذا التلخيص إلا من أجل الإفادة منه وتعريف القارئ العربي ببلاغة اليونان(23).

أما الأديب إِلياس أبو شبكة الذي ترجم عدة أعمال فرنسية إلى العربية كما نشر عدة مقالات، فقد ألف في سنة 1943م كتابا بعنوان "روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة", تناول فيه الصلات التاريخية بين أدب العرب وأدب الإفرنج. ويذكر أن رواد المدرسة الفرنسية الأوائل، بعد دراستهم لتاريخ الأدب - في أواخر القرن التاسع عشر -، اتخذوا من عوامل التأثير أو الصلات التاريخية بين آداب الأمم أساسا للاتجاه التاريخي.

لقد ظهرت الدراسات العربية المقارنة متزامنة مع المدرسة الفرنسية وقبل ظهور المدارس الأخرى، الأمريكية والسلافية والألمانية؛ وإذا كان الدارسون العرب الأوائل قد اختلفوا مع الاتجاه التاريخي في بعض الجوانب واتفقوا معه في جوانب أخرى، هذا إنما يدل على أن هؤلاء الباحثين، رغم إعجابهم بالاتجاه الفرنسي وانبهارهم بالآداب الغربية الحديثة، إلا أنهم كيّفوا دراساتهم حسب حاجاتهم النهضوية وتقاليدهم الأدبية والعقائدية.

5 - التأليف المنهجي في الأدب المقارن:

وفي سنة 1948م صدر كتاب "من الأدب المقارن" لنجيب العقيقي, وهو عبارة عن دراسات في الأدب والنقد لا علاقة لها بالأدب المقارن، وكأن المؤلف لم يقرأ كتابا واحدا في الأدب المقارن، رغم أن دراسات عدة في هذا الميدان ظهرت منذ بداية القرن العشرين في مجلات "المقتطف" و"الرسالة"، فكان من الأجدر أن يغير عنوان الكتاب.

وفي عام 1949م ظهر كتاب عبد الرزاق حميدة بعنوان "في الأدب المقارن"، الذي قارن فيه بين "رسالة الغفران" للمعري و"الكوميديا الإلهية" لدانتي من الناحية الجمالية دون التطرق إلى الأثر والتأثير بينهما، فكانت الدراسة عبارة عن موازنة.

وفي سنة 1951م أصدر الدكتور إبراهيم سلامة كتابا بعنوان "تيارات أدبية بين الشرق والغرب، خطة ودراسة في الأدب المقارن"، تناول بالمقارنة الأدبين العربي والإغريقي في كل الفنون تقريبا دون التطرق إلى الصلات التاريخية بينهما، وهو بذلك لم يتبع طريقة المدرسة الفرنسية في هذا المجال.

وظلت هذه الدراسات سطحية في سنوات الأربعينيات، إلى أن تطور التأليف في الأدب العربي المقارن في سنوات الخمسينيات على يد جماعة من الباحثين العرب الذين درسوا في الجامعات الغربية، فظهرت كتب في ميدان المقارنة الأدبية بفضل ترجمات عدة أعمال من الآداب الغربية إلى العربية(24).

وفي سنة 1953م أصدر محمد غنيمي هلال كتابه الموسوم "الأدب المقارن"، ومن خلاله تعرف القارئ العربي على المنهج الفرنسي في الدراسات المقارنة. وظل هذا الكتاب مرجعا في الأدب المقارن لأكثر من عقدين في الجامعات العربية، ثم أصدر كتبا أخرى وكانت في مجملها، عبارة عن تكرار لما جاء في كتابه الأول.

كان محمد غنيمي هلال الذي درس في فرنسا لا يرى في كتبه من الأدب المقارن إلا الاتجاه التاريخي، ولم نر أثرا لجهود الباحثين العرب الذين سبقوه؛ لقد ألغى من دراساته حتى الذين جاء بعدهم بزمن قصير. فبدلا من أن يساهم في تحديد ملامح الاتجاه العربي في هذا المجال، راح ينقل حرفيا ما ورد في كتب فان تيجم (P. Van Tieghem) وكاريه (J.M. Carré) وجويار (M.F. Guyard) وغيرهم ممن عملوا على ترويج مبادئ الاتجاه التاريخي، وكان في الكثير من الأحيان لا يذكر المصادر الفرنسية التي اعتمد عليها.

ومع ذلك، يرجع الفضل إلى محمد غنيمي هلال في إرساء علم الأدب المقارن النظري عند العرب، ولا يزال الكثير من الباحثين العرب يعتمدون على كتابه الأول الذي نال به درجة الدكتوراه من فرنسا، فبواسطته تعرف الدارسون العرب على ميادين الأدب المقارن وموضوعاته وأعلامه.

وفي السنة نفسها نشر محمد البحيري كتابا بعنوان "الأدب المقارن"، لكنه لم يختلف في منهجه عن كتاب محمد غنيمي هلال، فلم يثر جهود الرواد العرب الذين سبقوه كما لم يناقش اتجاه الفرنسيين في هذا الحقل المعرفي الأدبي. ونشر في سنة 1957م صفاء خلوصي، كتابا بعنوان "دراسات في الأدب المقارن"، وكان صفاء خلوصي قد درس في الجامعات الأوروبية وتخصص في فرع الدراسات الأدبية المقارنة.

وفي الستينيات بدأت فترة الدراسات الأكاديمية في هذا الحقل المعرفي في العالم العربي، وظهرت مجلات متخصصة في بيروت والجزائر العاصمة، كما صدرت عدة كتب ألفها أصحابها على أسس منهجية، من بينها كتاب "دراسات في الأدب المقارن" لعبد المنعم خفاجي، وكتاب "الأدب المقارن" لحسن جاد، وكتاب "الأدب المقارن" لطه ندا، كما نشر محمد مفيد الشوباشي كتابا بعنوان "رحلة الأدب العربي إلى أوروب".

وفي السبعينيات من القرن العشرين، ازدهر البحث في ميدان الأدب المقارن، وظهرت كتب ومقالات عديدة، كما أصبحت أغلب الجامعات العربية تدرّس مادة الأدب المقارن في مرحلة الليسانس والدراسات العليا. ومن أبرز الكتاب في هذه الفترة، حسام الخطيب، وبديع محمد جمعة، وريمون طحان، وإحسان عباس وغيرهم. وما يلاحظ على هذه الفترة، هو تفتح الدارسين على الشرق حيث ظهرت مقارنات بين الآداب العربية والفارسية والتركية.

وخلافا لرواد المدرسة الفرنسية الذين استصغروا الآداب الأخرى وتظاهروا بالاستعلاء، فإن المقارنين العرب من جيل السبعينيات، تميزوا بالتسامح مع الآخر عند تناولهم لهذه الدراسات، إذ أشاروا إلى المؤثرات الأجنبية في الأدب العربي بموضوعية ومن دون تحرج.

6 - مرحلة النضج والازدهار:

أما في الثمانينيات، وبعد ظهور اتجاهات أخرى في الأدب المقارن، ظهر جيل جديد من المقارنين العرب تناولوا الدراسات المقارنة الأكاديمية مع مراعاة النسق الأدبي العربي. فبالإضافة إلى الكتب، تخصص بعض طلاب الدراسات العليا في الأدب المقارن وأنجزوا مذكرات وأطاريح في هذا المجال، كان معظمها حول ظاهرة التأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب الأوروبية وعلى وجه الخصوص، الصلات الأدبية بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية في العصور الوسطى.

وكان للمجلات العلمية المتخصصة في الآداب العالمية والأجنبية التي ظهرت في المشرق وفي المغرب العربيين الأثر الكبير في اندفاع الطلاب والباحثين نحو هذا الحقل المعرفي الأدبي.

ورغم أن بعض الدراسات لم تلتزم بالمنهج الفرنسي، إلا أن البعض الآخر اختار هذا المنهج، ليس تقليدا، وإنما رأى فيه النموذج الأمثل لرد الاعتبار للأدب العربي الذي تجاهله بعض الدارسين الغربيين وعلى رأسهم رواد المدرسة التاريخية تعصبا للمركزية الأوروبية.

وفي الوقت نفسه بدأ المقارنون الفرنسيون يتراجعون عن منهجهم التقليدي، بحجة أنه لم يعد يخدم الأدب المقارن(25). وفي الحقيقة أنه لم يعد يخدم الأدب الفرنسي والمركزية الأوروبية، فالرواد الأوائل عندما أسسوا لهذا المنهج، حددوا دراساتهم ابتداء من عصر النهضة. ولما انتشر الأدب المقارن خارج الحدود الأوروبية وظهور الأزمة التي أدت إلى نشأة اتجاهات أخرى، بدأ الباحثون يهتمون بأدب القرون الوسطى والأدب القديم شرقا وغربا.

ومن هنا تفطن الباحثون الفرنسيون بأن شرط التأثير والتأثر الذي وضعه أسلافهم لا يخدم الأدب الفرنسي، بل يخدم آداب الأمم الأخرى التي سبقتهم، وكان عليهم وضع شرط آخر وهو عدم دراسة آداب ما قبل عصر النهضة، لأن في الوقت الذي كان فيه الأدب في الشرق - الهند والفرس والعرب - يعيش أزهى عصوره، كان بعض ملوك الفرنجة في القرون الوسطى الأولى وما قبلها لا يعرفون القراءة ولا الكتابة(26).

ومع ذلك، فإن جل الدراسات العربية المقارنة التي صدرت في العقدين الأخرين من القرن العشرين جاءت تطبيقية بحتة، ولم يتطرق أحد إلى ملامح الاتجاه العربي في الأدب المقارن وفق السياق والثقافة العربية إلا في إشارات عابرة. ورغم ترجمة كتب رواد الاتجاهات الفرنسية والأمريكية والسلافية والألمانية، إلا أن أغلب الباحثين العرب اهتموا كثيرا بالمناهج النقدية الحديثة وتطبيقها على الرواية.

وتعتبر الدراسات التي قام بها رواد حركة الإحياء والتجديد العرب في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، هي أولى لبنات المنهج العربي. ورغم عفويتهم وإعجابهم بالدراسات الغربية والآداب التي ترجموها أو اقتبسوا منها، إلا أنهم انفردوا في بعض المنطلقات التي ليست من منهج الأوروبيين، ومن دواعي هذا الاختلاف تمسكهم بالهوية والروح الوطنية.

ومن المقارنين البارزين في الثمانينيات، الدكتور الطاهر أحمد مكي الذي أصدر عدة كتب، والدكتور داود سلوم الذي كتب هو أيضا عدة دراسات في هذا المجال. ومنهم أيضا، الدكتور مناف منصور الذي أصدر كتابا بعنوان "مدخل إلى الأدب المقارن" تناول فيه خصائص المدرسة الفرنسية والأمريكية في الأدب المقارن، والدكتور عز الدين المناصرة الذي ألف كتابا بعنوان "المثاقفة والنقد المقارن، منظور إشكالي"، كما اشتغل أيضا على الصورائية في الأدب الفلسطيني، وهناك باحثون غيرهم ظهروا في المشرق والمغرب.

7 - الأدب المقارن في الجزائر:

لقد تأسست جامعة الجزائر سنة 1909م، غير أن الدراسات المقارنة بدأت قبل هذا التاريخ، وكانت "المجلة الإفريقية" (Revue Africaine) التي تأسست سنة 1856م، أهم منبر الذي من خلاله نشر الأوروبيون دراساتهم في مختلف مجالات التراث، كما كان لبعض المثقفين الجزائريين أيضا مساهمات فيها.

أما تدريس الأدب المقارن بجامعة الجزائر فبدأ منذ بداية العقد الثاني من القرن العشرين، ولم تختلف الغاية من تدريس هذا الحقل المعرفي الأدبي عما كان عليه بفرنسا، بمعنى أن الأساتذة الأوروبيين كانوا ينتقون مجالات البحث وموضوعاته حسب المنهج الفرنسي خدمة للثقافة الأوروبية، معتبرين الثقافة الجزائرية والشرقية ثقافات أجنبية.

ويعد الدكتور محمد بن شنب من الأساتذة الجزائريين الأوائل الذين انتسبوا إلى الجامعة في ذلك الوقت. لقد ساهم بمقالات حول التراث العربي الإسلامي في "دائرة المعارف الإسلامية"، ومن بين الدراسات الأدبية المقارنة التي قام بها، مقال بعنوان "المصادر الإسلامية للكوميديا الإلهية" نشر سنة 1919م في "المجلة الإفريقية"(27)، التي كانت تصدر بالفرنسية، وكان الأستاذ ابن شنب عضوا بهيئة تحرير هذه المجلة.

وظل تدريس الأدب المقارن على منوال المقرر الفرنسي إلى غاية الاستقلال، وفي سنة 1963م أسس الأستاذ سعد الدين بن شنب نجل محمد بن شنب رفقة زملائه فرع الأدب المقارن بكلية الآداب بجامعة الجزائر العاصمة.

وفي سنة 1967م أنشأت كلية الآداب بجامعة الجزائر العاصمة "الدفاتر الجزائرية للأدب المقارن" (Cahiers algériens de littérature comparée) وهي مجلة تصدر باللغة الفرنسية وكان يديرها الدكتور جمال الدين بن شيخ، لكنها لم تعمر طويل بسبب هجرة أصحابها إلى فرنسا.

أما منهج الدراسة فلم يتخلص من التبعية الفرنسية كون أصحاب الاختصاص جلهم من المفرنسين، ولم تدرّس هذه المادة بالعربية إلا في بداية السبعينيات على يد بعض الأساتذة الجزائريين بعد إتمام دراستهم، بالإضافة المشارقة المتعاونين وعلى رأسهم الدكتور الطاهر أحمد مكي(28).

ومن هنا بدأ التنوع في الاتجاهات يطرأ على منهاج الدراسة، فأبو العيد دودو حاول تطبيق الاتجاه الألماني في الدراسات الأدبية المقارنة، والبعض الآخر استهوته الصورائية فراح يبحث في أدب الرحالة والمستشرقين، ووجد في هذه الدراسات الطريق الأمثل لفضح وتعرية ادعاءات الاستعمار وبعض المستشرقين المتحزبين، حول صورة المجتمع الجزائري والعربي.

لقد اشتغل الدكتور أبو العيد دودو على صورة الجزائر عند الرحالة الألمان، ومن كتبه "الجزائر في مؤلفات الرحالين الألمان"، كما ترجم عدة كتب في الأدب المقارن من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية. ولعل من أهم أعماله هو ترجمة كتاب "المسخ" أو "الحمار الذهبي" (L"âne d"or) للأديب الجزائري لقيوس أبوليوس المداورشي (Lucius Apuleius) الذي ألفه في منتصف القرن الثاني للميلاد باللغة اللاتينية، ويعد أول قصة ظهرت في العالم، وقد نسج على منوالها بعض الأوروبيين في القرون الوسطى، ويكون دانتي قد استفاد منها بعض الشيء في "الكوميدي". ولأبوليوس أيضا كتب في الفلسفة والبلاغة والشعر.

أما الدكتور عبد المجيد حنون، الأستاذ بجامعة عنابة، فهو أيضا اختص في الصورائية ومن كتبه، "صورة الفرنسي في الرواية المغاربية". وللدكتور عبد المجيد حنون الفضل في عقد "الملتقى الدولي الأول حول الأدب المقارن عند العرب" في عنابة عام 1983م, وقد شارك فيه أسماء لامعة في حقل الدراسات الأدبية المقارنة، عربية وأوروبية وأفريقية(29).

أما في جامعة قسنطينة، فكان الباحث الفلسطيني الدكتور عز الدين المناصرة من أبرز مدرسي الأدب المقارن وقد ألف عدة دراسات في هذ الحقل المعرفي الأدبي، ولعل أهمها كتابه "النقد الثقافي المقارن" الذي لقي رواجا كبيرا في أوساط الدارسين العرب، كما درّس الدكتور عز الدين المناصرة أيضا في جامعة تلمسان.

وأما في جامعة وهران، فكان الدكتور لخضر بن عبد الله، الذي له دراسات في ميدان المقارنة، من أوائل مدرسي الأدب المقارن في السبعينيات من القرن الماضي. وكذلك الدكتور عبد الإله ميسوم الذي صدر له كتاب حول تأثير الموشحات في شعراء التروبادور (Troubadours)، والدكتور عبد الواحد شريفي الذي اختص في الليالي العربية وأثرها في الأدب الفرنسي.

ومن المقارنين أيضا، الدكتور عبد القادر توزان الأستاذ بجامعة الشلف وخريج جامعة بغداد (المستنصرية) في منتصف الثمانينيات، الذي أشتغل على أدب ألبير كامو (Albert Camus). وللدكتور عبد القادر توزان دراسات في مجال المقارنة، من بينها "الشعور بالاغتراب عند أبي العلاء المعري وألبير كامو" التي نال بها شهادة دكتوراه الدولة من جامعة الجزائر العاصمة.

ومن جهتي، فكان اتصالي بالأدب المقارن منذ المرحلة الأولى من الدراسات العليا عندما قدمت بحثا بعنوان "أثر الموشحات في شعر التروبادور" سنة 1982م، وفي السنة الموالية قدمت رسالة ماجستير بعنوان "أثر الشعر الأندلسي في شعر التروبادور منذ نشأته حتى القرن الثالث عشر الميلادي"، وذلك بجامعة بغداد (الوزيرية). كما قدمت أطروحة دكتوراه الدولة بعنوان "أثر الشعر المقطعي الأندلسي في الشعر الأوكسيتاني"، بالجامعة المركزية بالجزائر العاصمة.

ثم بدأتُ بنشر دراسات باللغة العربية والفرنسية بمجلات جزائرية وعربية وأوروبية، تتناول في معظمها علاقة الحضارة العربية الأندلسية بالحضارة الغربية في القرون الوسطى وعلى الخصوص بلاد الإفرنج، وتتمثل في الشعر شكلا ومضمونا، وعوامل التأثير، والفلسفة الرشدية، والتصوف والترجمة وغيرها. ومن بين هذه الدراسات أيضا، كتاب "الموشحات والأزجال الأندلسية وأثرها في شعر التروبادور"، الذي وزع مجانا ورقيا وإلكترونيا(30).

وهناك مقارنون ظهروا في التسعينيات في الجامعات الجزائرية شرقا وغربا في اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية لا يتسع المجال لذكرهم. كما فتحت بعض الجامعات، ومنها جامعة مستغانم، منذ بداية الألفينيات فروعا للماستر والدكتوراه في هذا الاختصاص.

8 - خصائص الاتجاه العربي في الأدب المقارن:

لقد ركز الرواد العرب الأوائل على دراسة التشابه والاختلاف ولم يتطرقوا إلى دراسة التأثير والتأثر، لأن فضل أدب أمة على أدب أمة أخرى لم يكن من اهتماماتهم، واعتمادهم على دراسة التشابهات والتوازي بين آداب الأمم وعدم تطرقهم إلى ظاهرة التأثير والتأثر، يدل على أنهم قد سبقوا الاتجاه الأمريكي بأكثر من نصف قرن.

ومن إسهاماتهم، توسيع البحث المقارن إلى آداب العصور الوسطى والآداب القديمة، ومنها آداب اليونان والفرس والترك والهند وغيرها. ولم يقتصروا في المقارنة على أدبين فقط، بل وسعوا الدراسة إلى آداب عدة. وحتى لا تقع الدراسة ضمن الموازنات يشترط أن تكون الآداب موضوع الدراسة لأمم مختلفة. ولم يكن شرط اللغة أو القومية ضمن اهتماماتهم، فالاتجاه العربي في الأدب المقارن يفرق بين القومية والأمة.

فالمغاربي الذي يكتب بالعربية أو الفرنسية، والشامي الذي يكتب بالعربية أو الكردية، والأديب المهجري الذي يكتب بلغات أجنبية، لا يصح المقارنة بينهم، لأنهم ينتمون إلى فضاء سياسي وجغرافي واحد، وهو العالم العربي الذي يعتبر بمثابة أمة واحدة، مهما بعدت حدودهم أو اختلفت مذاهبهم العقائدية أو لغاتهم أو قومياتهم. في حين يمكن المقارنة بين عربي مهما كانت اللغة التي يكتب بها وبين أديب فارسي أو تركي حتى وإن كتب هؤلاء الأعاجم باللغة العربية، لأنهم لا ينتمون إلى العالم العربي. لذا، يصعب علينا تصور مدرسة إسلامية في الأدب المقارن، لأن الأدب الإسلامي المقارن شيء والاتجاه الإسلامي في الأدب المقارن شيء آخر.

والتأثر عند العرب ليس عيبا، ما لم يكن تقليدا، بل يدل على كثرة المطالعة ورغبة في الإفادة من آداب الآخر حسب ذوق واختيار المتلقي، فالباحث العربي لا يتحرج إذا ما أثبت تأثر أديب عربي بأديب أجنبي، بل يحاول دراسة دواعي التأثير ودرجة الاختلاف والتشابه وأسبابها. والأدب المتأثر لا يعني أدبا ضعيفا، بل حتى الأدب الراقي يتأثر بأدب أدنى منه، كالحكايات وما يتصل بالأدب الغرائبي والعجائبي. وبإمكان الباحث المقارن ترجيح أدب على آخر أو تفضيل بلاغة على أخرى، ولكن ليس على خلفية مسبقة، كما كان الحال عند المدرسة التاريخية التقليدية، وإنما بناء على أسس منهجية وعلمية، وذلك من أجل الكشف عن محاسن وعيوب الأدبين وتعليلها، وليس بغرض إظهار تفوق أدب على أدب آخر أو التعصب.

الأجناس الأدبية كالتاريخ تشترك في تطورها عدة أمم، لذا على الباحث المقارن أن يقف على مراحل تطور الأدب عند مختلف الأمم، وليس على حدود أمته اللغوية. فالقصة على لسان الحيوان التي اشتهر بها لافونتين الفرنسي (La Fontaine) وتأثر بها الكثير من الأدباء ومنهم العرب، كان لافونتين قد استقاها من أدب العرب ووظفها لأغراض تعليمية، والعرب أيضا ترجموها من آداب الهند، وكيفوها على الطريقة العربية، ومنهم من استخدمها لترويج أفكاره الفلسفية كما فعل إخوان الصفا في رسائلهم؛ إذن فخصائص هذا الجنس الأدبي اليوم ليست هي نفسها الخصائص التي وجدت عند الهند قبل الإسلام.

يدعو الباحث المقارن إلى تعريب الأعمال الأدبية الأجنبية حتى يتعرف عليها القارئ العربي، سواء كانت روائع أو دراسات، لذا اختص عدد من المقارنين العرب من المشرق والمغرب، بالصورائية وأدب الرحلات وأدب ما بعد الاستعمار عندما علموا بواسطة الترجمة، أن بعض الأوروبيين ومنهم بعض المستشرقين غير الموضوعيين قد رسموا صورة مشوهة عن المجتمعات العربية.

الاتجاه العربي في الأدب المقارن يدرس التشابهات والاختلافات والأنماط وظاهرة التأثير والتأثر واختلاف أذواق المتلقي والترجمة وجمالية الأسلوب، لكن دون أن يستغرق في دراسة التاريخ مثل المدرسة الفرنسية، أو يبالغ في النقد مثل المدرسة الأمريكية، أو يركز على دراسة أنماط المجتمع مثل المدرسة السلافية، بل يقترب كثيرا من المدرسة الألمانية في بعض منطلقاتها.

الهوامش:
1 - الجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، دار الخانجي، الطبعة السابعة، القاهرة 1998م، ج3، ص 27 وما بعدها.
2 - المصدر نفسه، ج1، ص 384-385.
3 - انظر، الجاحظ: البخلاء، تحقيق طه الحاجري، دار المعارف، الطبعة الخامسة، القاهرة.
4 - حول صورة البخلاء عند الجاحظ ينظر، د. ماجدة حمود: مقاربات تطبيقية في الأدب المقارن، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2000م، ص 123 وما بعدها.
5 - الجاحظ: الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية، القاهرة 1965م، ج1، ص 74-75.
6 - المصدر نفسه، ص 76. لمزيد من التفاصيل حول الجاحظ والأدب المقارن ينظر، د. الطاهر أحمد مكي: في الأدب المقارن، دراسات نظرية وتطبيقية، دار الفكر العربي، الطبعة الرابعة، القاهرة 1988م، ص 7 وما بعدها.
7 - ابن الأثير: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق د. أحمد الحوفي ود. بدوي طبانة، دار نهضة مصر، الطبعة الثانية، القاهرة، ق1، ص 3 وما بعدها.
8 - المصدر نفسه، ق4، ص 11-12.
9 - لا تختلف الموازنة عن المقارنة إلا في اختلاف اللغة والتأثير والتأثر، ولو تطرق العرب القدامى في موازناتهم إلى ما تبادله العرب مع غيرهم من استعارات، لكانوا أول من طرق باب الأدب المقارن. وكان القدامى لا يفرقون بين التأثر والسرقة، فبعضهم اتهم المتنبي بأخذ الحكمة من اليونان. وحتى ابن الأثير نفسه كان لا يتقبل تأثر شعراء العرب بمعاني اليونان، فهو يرى أن لكل منهما طريقته في النظم.
10 - لمزيد من التفاصيل حول الصلات التاريخية عند المدرسة الفرنسية التقليدية، ينظر،
Marius-François Guyard : La littérature comparée, 6e éd., P.U.F., Paris 1978, p. 25 ss.
11 - لما وصل رفاعة الطهطاوي إلى باريس أصيب بالدهشة، ولما عاد إلى بلاده طلب من المصريين الاقتداء بحضارة الإفرنج دون تحفظ رغم أنه واعظ، حتى أنه دعا إلى تحرير المرأة وكأنه لم يعلم بأن المرأة المسلمة تحررت منذ نزول القرآن الكريم. وقد اتهم بالمساهمة في تخريب مقومات الأمة والهوية الوطنية.
12 - يعقوب صروف: الانتقاد، مجلة المقتطف، السنة الثانية عشر، ديسمبر 1887م، ج3، ص 162-170.
13 - نجيب الحداد: مقابلة بين الشعر العربي والشعر الإفرنجي، مجلة البيان، سنة 1897م، أعيد نشره في مجلة فصول، العدد الثاني، سنة 1984م، ص 257-271.
14 - أحمد كامل: بلاغة العرب والإفرنج، مجلة المقتطف، المجلد 24، يناير 1900م، ج1، ص 38 وما بعدها.
15 - خليل ثابت: بلاغة العرب والإفرنج، مجلة المقتطف، المجلد 24، مارس 1900م، ج3، ص 213 وما بعدها.
16 - نقولا فياض: بلاغة العرب والإفرنج، مجلة المقتطف، المجلد 24، أبريل 1900م، ج4، ص 291 وما بعدها.
17 - سعيد الخوري الشرتوني: البيان العربي والبيان الإفرنجي، مجلة المقتطف، المجلد 27، أبريل 1902م، ج4، ص 370-374.
18 - روحي الخالدي: تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوجو، الطبعة الرابعة، دمشق 1984م، ص 125 وما بعدها.
19 - هوميروس: الإلياذة، ترجمة سليمان البستاني، دار الهلال، مصر 1904م.
20 - قسطاكي الحمصي الحلبي: منهل الورّاد في علم الانتقاد، مطبعة العصر الجديد، حلب 1935م، ج3، ص 154 وما بعدها.
21 - جُمعت هذه المقالات في كتاب. انظر، فخري أبو السعود: في الأدب المقارن ومقالات أخرى، إعداد جيهان عرفة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1997م.
22 - رينيه ويليك: مفاهيم نقدية، ترجمة د. محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1987م، ص 297 وما بعدها. كما انتقد رونيه إتيامبل مواطنيه جويار وفان تيجم لنظرتهما الضيقة تجاه الأدب المقارن وتهميشهما للآداب الأخرى. انظر،
René Etiemble : Comparaison n'st pas raison, la crise de la littérature comparée, Ed. Gallimard, Paris 1963.
23 - خليل هنداوي: اشتغال العرب بالأدب المقارن، مجلة الرسالة، العدد 153، 8 يونيه 1936م، ص 938-940. انظر أيضا، الأعداد التالية 154-159.
24 - لقد تُرجم كتاب الأدب المقارن لبول فان تيجم سنة 1948م، وكتاب الأدب المقارن لماريوس فرانسوا جويار سنة 1956، وغيرها من الدراسات الغربية في مجال المقارنة.
25 - من بين الباحثين الفرنسيين الذين تطرقوا إلى الآداب الأخرى شرقية وغربية ولم يتقيدوا بالمنهج الفرنسي التقليدي، بيار برونال، وكلود بيشوا، وأندريه ميشال روسو، وإيف شفرال وغيرهم.
26 - اتصف عصر ملوك الإفرنج الميروفنجيين (Mérovingiens) في القرن السادس الميلادي بالجهل والبربرية، وحتى الإمبراطور الكارولينجي شارلمان (Charlemagne) الذي أمر ببناء المدارس في القرن الثامن للميلاد لم يكن يعرف القراءة.
27 - انظر المقال في المجلة الإفريقية،
Mohammed ben Cheneb : Sources musulmanes dans la Divine Comédie, in Revue Africaine, N° 60, Alger 1919, pp. 483-493.
28 - د. الطاهر أحمد مكي: الأدب المقارن أصوله وتطوره ومناهجه، دار المعارف، الطبعة الأولى، القاهرة 1987م، ص 192-193. لقد تحدث عن تاريخ الأدب المقارن في الجزائر وكيف ساهم هو نفسه بالتعاون مع بعض زملائه، من مصريين وجزائريين، في تعريب برنامج الأدب المقارن سنة 1968م.
29 - أعمال الملتقى الدولي حول الأدب المقارن عند العرب، عنابة 14-19 ماي 1983م، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1985م.
30 - د. محمد عباسة: الموشحات والأزجال الأندلسية وأثرها في شعر التروبادور، دار أم الكتاب، الطبعة الأولى، مستغانم 2012م.
الإحالة إلى المقال:

* د. محمد عباسة: المدرسة العربية في الأدب المقارن، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السابع عشر 2017. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

نشأة الشعر الديني عند العرب وأثره في الآداب الأوروبية
حوليات التراث، العدد 1، 2004.
العلاقات الاجتماعية بين العرب والفرنجة وتأثيرها على الأدب والفكر
حوليات التراث، العدد 3، 2005.
حب الآخر في الشعر الأندلسي والبروفنسي
حوليات التراث، العدد 4، 2005.
الترجمة في العصور والوسطى
حوليات التراث، العدد 5، 2006.
اللهجات في الموشحات والأزجال الأندلسية
حوليات التراث، العدد 9، 2009.
التصوف الإسلامي بين التأثر والتأثير
حوليات التراث، العدد 10، 2010.
الفلسفة العقلانية عند ابن رشد
حوليات التراث، العدد 11، 2011.
الحروب الصليبية ونزعة الحب الكورتوازي
حوليات التراث، العدد 12، 2012.
العلاقات الثقافية بين العرب والفرنجة خلال القرون الوسطى
حوليات التراث، العدد 13، 2013.
مصادر شعر التروبادور الغنائي
حوليات التراث، العدد 14، 2014.

***