الاشتقاق الدلالي في الفكر اللغوي العربي

ربيعة سنوسي
المركز الجامعي غليزان، الجزائر

الملخص:

تنمو اللغة وتتطور وتزداد مفرداتها كلّ يوم، فهي في نمو مطرد وثروتها في ازدياد مستمر وهذا بفعل عوامل عديدة منها الاشتقاق، الذي تنّبه له اللغويون العرب منذ القديم، وبحثوا في أنواعه، واختلفوا حولها. فقد يكون لفظيا يهتم بالصيغ الصرفية وما تضفيه من دلالات على مشتقاتها، وقد يكون دلاليا تتولد فيه لفظة جديدة المعنى من لفظة أخرى، مع تناسبهما في المعنى وتماثلهما في الحروف الأصلية، وما يميّز هذا الأخير عن سابقه، الربط الاشتقاقي الشامل بمعنى محوري عام، أي ربط استعمالات المادة بمعنى عام تدور عليه وترجع إليه. وهذا المعنى العام هو المعنى الأصلي أي الأوّل للمادة. والهدف من خلال هذا المقال تتبع هذه الفكرة في التراث اللغوي العربي، وكيف تناولها اللغويون العرب القدامى، ولفت انتباه الدارسين والباحثين لها، نظرا لأهميتها في المحافظة على اللغة العربية ورقيّها.

الكلمات الدالة:

الاشتقاق، الدلالة، الفكر اللغوي، التراث، الربط الاشتقاقي.

***
The semantic derivation in Arabic linguistic thought

Abstract:

The language grows and develops and its vocabulary increases every day, as it is in a steady growth and its wealth is constantly increasing and this is due to many factors, including the derivation, which Arab linguists have warned about since ancient times, and they discussed its types and disagreed about it. It may be a verbal concern with the morphological formulas and the connotations they give to their derivatives, and it may be semantic in which a new word generates the meaning from another word, with their proportionality in meaning and their similarity in the original letters, and what distinguishes the latter from its predecessor, the comprehensive etymological link in a general axial meaning, i.e. link the uses of the substance in a general sense revolve around it and refer to it. This general meaning is the original meaning of the material. The goal through this article is to follow this idea in the Arab linguistic heritage, and how the ancient Arab linguists addressed it, and drew the attention of scholars and researchers to it, given its importance in preserving the Arabic language and its advancement.

Key words:

derivation, significance, linguistic thought, heritage, derivative linkage.

***

النص:

إنّ اللغة كالكائن الحي وجودها شبيه بوجود الإنسان، فهو لم يوجد دفعة واحدة وإنّما وجد آدم - عليه السلام - ثم حواء، ثم بنوهم، واستمر نمو البشرية كل يوم. اللّغة العربية كذلك لم تنشأ دفعة واحدة، وهذا ما أشار إليه ابن جني حيث قال: "كيف تصرّفت الحال وعلى أي الأمر كان ابتداؤها، فإنّها لا بد أن يكون وقع في أوّل الأمر بعضها، ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه الحضور الداعي إليه فزيد فيها شيئا فشيئ"(1).

فاللّغة العربية في نمو وألفاظها في زيادة مستمرة وأهم خاصية ضمنت لها البقاء هي الاشتقاق، فهو يسمح لها بالتجدّد ومسايرة تطورات الحياة لذا كان "من مزايا لغة العرب التي انفردت به"(2)، وهو لغةً، لفظ مأخوذ من مادة (ش ق ق) والتي معانيها: "الشق: الصدّع"(3)، وهو ما عبّر عنه صاحب المقاييس بقوله: "الشين، والقاف أصل واحد صحيح يدلّ على انصداع في الشيء"(4)، كما يحمل معنى النصف ف"الشّق بالكسر: نصف الشيء"(5)، و"الاشتقاق أخذ شق الشيء والأخذ في الكلام... وأخذ الكلمة من الكلمة"(6).

أما في الاصطلاح، فالاشتقاق مصطلح معروف منذ القديم عرّفه الكثير من اللغويين قديما وحديثا من بينهم الزجاجي (ت 337هـ) إذ يقول: "معنى الاشتقاق أن يوضع شيء مستأنفا على أصل سابق له"(7). أمّا ابن جني (ت 392هـ) فيقول عن معنى الاشتقاق "أن تأخذ أصلاً من الأصول فتتقراه، فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغه ومبانيه"(8).

أمّا من المحدثين فعرّفه صبحي صالح بقوله: "توليد لبعض الألفاظ من بعض، والرجوع بها إلى أصل واحد يحدّد مادتها ويوحي بمعناها المشترك الأصيل مثلما يوحي بمعناها الخاص الجديد"(9)، كما عرّفه د. حسن جبل فقال: "الاشتقاق هو استحداث كلمة أخذاً من كلمة أخرى، للتعبير بها عن معنى جديد يناسب المعنى الحرفي للكلمة المأخوذ منها، أو عن معنى قالبي جديد للمعنى الحرفي مع التماثل بين الكلمتين في أحرفهما الأصلية وترتيبها فيهم"(10).

ولا بد لصحة الاشتقاق بين لفظين أو أكثر من توافر عناصر ثلاثة وهي: الاشتراك في عدد من الحروف وهي في اللغة العربية ثلاثة... أن تكون هذه الحروف مرتبة ترتيباً واحدا في هذه الألفاظ، أن يكون بين هذه الألفاظ قدر مشترك من المعنى ولو على تقدير الأصل(11).

1 - أنواع الاشتقاق:

قسّم اللغويون الاشتقاق إلى أنواع نجملها في:
أ - الاشتقاق الصغير: ويسمّى أيضا الأصغر، عرّفه ابن جني بقوله: "فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم، كأن تأخذ أصلا من الأصول فتتقراه فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغه ومبانيه، وذلك كتركيب (س ل م) فإنّك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه نحو سَلِمَ ويَسْلَمُ، وسَالِم، وسَلْماَنْ، وسَلْمَى، والسَّلاَمَة، والسَّلِيمِ: اللَّذِيغِ، أطلق عليه تفاؤلا بالسلامة. وعلى ذلك بقية الباب إذا تأولته، وبقية الأصول غيره"(12).
ب - الاشتقاق الكبير: ويسمّى (الأكبر) أيضا، ويعرّفه ابن جني بقوله: "الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحدا، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه، وإن تباعد شيء من ذلك عنه رد بلطف الصيغة والتأويل إليه كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد"(13).

ومن الأمثلة التي أوردها عن الاشتقاق الكبير قوله: "فمن ذلك تقليب (ج ب ر) فهي - أين وقعت - للقوّة والشدّة منها (جبرت العظم، والفقير) إذا قوّيتهما وشددْت منهما، والجَبْرُ: المَلِكُ لقوّته وتقويته لغيره ومنها (رجل مجرِّب) إذا جَرَّسَتْهُ الأمور ونجذَتْهُ، فقويت مُنَّتُهُ، واشتدت شكيمته ومنه الجراب لأنه يحفظ ما فيه، وإذا حفظ الشيء وروعى اشتدّ وقوى، وإذا أُغْفِلَ وأُهْمِلَ تساقط ورَذِيَ"(14).
جـ - الاشتقاق الأكبر: ويسمىّ الإبدال أيضاً، وتحت هذا الاصطلاح عرّفه عبد القادر المغربي بقوله: "وهو أن يكون بين اللفظين تناسب في المعنى والمخرج نحو نعق ونهق، المعنى متقارب: إذ هو في كل منهما الصوت المكروه والممقوت وليس بينهما تناسب في اللفظ لأنّ في كل من الكلمتين حرفا لا يوجد نظيره في الكلمة الأخرى، غير أنّ الحرفين اللذين اختلفا فيهما أعني العين والهاء متناسبان في المخرج فإنّ مخرجهما الحلق. ولذلك سمّي هذا الضرب اشتقاقا أكبر أي أبعد عن الاشتقاق الصغير من أخيهما الثالث المسمّى بالكبير"(15).
د - الاشتقاق الكبّار: ويسمّى النحت، عرّفه ابن فارس (ت 395هـ) في مؤلفه "المقاييس" بقوله: "ومعنى النحت أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعا بحظ والأصل في ذلك ما ذكره الخليل من قولهم حيعل الرجل، إذا قال حيَّ عَلى"، ويضيف ابن فارس أنّ هذا مذهبه "في أنّ الأشياء الزائدة على ثلاثة أحرف فأكثرها منحوت مثل قول العرب للرجل الشديد (ضَبْطَر) من (ضَبَطَ) و(ضَبَرَ) وفي قولهم: (صهصاق) إنّه من (صهل) و(صلق) وفي (الصِّلْدِمْ) إنّه من (الصَّلْدُ) و(الصدْم)"(16).

هناك من لا يقرّ بأنّ الأنواع المذكورة سابقا تدخل ضمن الاشتقاق، فحسن جبل مثلا، يقول: "إنّ موقفنا هو أنّنا لا نعترف إلاّ بما سمّي الاشتقاق الصغير أو الأصغر... لأنّه الذي يتحقق فيه مفهوم الاشتقاق، ولأنّ إدخال الأنواع الأخرى ضمن الاشتقاق ليس له أساس علمي، بل هو خلط ينافي العلم، لأنّ الاشتقاق خصيصة محورية تمسّ كلّ كلم العربية"(17).

كما يرى أنّ التّقسيم لا ينصب إلاّ على الاشتقاق الصغير، فهو إما لفظي وإما دلالي. فالاشتقاق اللفظي هو ما تكون ثمرته لفظية فقط، تتمثل في إنشاء صيغة جديدة توجه المعنى الحرفي للمأخذ(18)، فهذا النوع من الاشتقاق يهتم بالصيغ الصرفية وما تضفيه من دلالات على مشتقاتها، لكن الاشتقاق يدرس أيضا "في ظلال دلالته الوضعية على أنه توليد لبعض الألفاظ من بعض، والرجوع بها إلى أصل واحد يحدد مادتها ويوحي بمعناها المشترك الأصيل مثلما يوحي بمعناها الخاص الجديد"(19). وهذا ما يسمى بالاشتقاق الدلالي وهو محور الدراسة.

فالاشتقاق الدلالي تكون ثمرته دلالية إذ يتمّ استحداث كلمة جديدة المعنى من كلمة أخرى (أو كشف الربط الاشتقاقي بين كلمتين أو أكثر) مع تناسب الكلمتين في المعنى، وتماثلها في الحروف الأصلية ومواقعها في الحالتين، والمقصود بجدة المعنى كونه ليس هو المعنى الحرفي ذاته للمأخذ... وإنّما هو جديد أي مختلف عن المعنى الحرفي للمأخذ ولو اختلاف بسيط، فالكلمة الجديدة ذات دلالة جديدة مستمدة من معنى المأخذ كما نقول: ابتسر الرجل حاجته، أي، طلبها قبل أوانها أو قبل استحقاقها، أخذا من البسر وهو البلح الغض الذي لم ينضج(20).

2 - الاشتقاق الدلالي في الفكر اللغوي العربي:

إنّ فكرة وجود اشتقاق دلالي لكل مادة من مواد اللغة العربية، فكرة تنّبه لها اللغويون العرب القدامى، ومفادها وجود دلالة أصل ترجع إليها استعمالات المادة اللغوية، هذه الدلالة بدورها تتفرّع منها دلالات أخرى تصبح أصلا تنتظم تحته استعمالات أخرى، ويمكن تتبع هذه الفكرة في التراث اللغوي العربي من ناحيتين: تطبيقية وأخرى نظرية.

أما من الناحية التطبيقية، فقد عالج بعض اللغويين العرب دلالات استعمالات بعض المواد اللغوية، إمّا بالنص على الدلالة الأصل للمادة اللغوية وشرح استعمالاتها أو شرح استعمالات المادة شرحا يوحي بدلالتها الأصل.
أ - ينص اللغوي على الدلالة الأصل للمادة اللغوية ثم يعالج استعمالاتها وفقا لتلك الدلالة أو يعالج استعمالات المادة ثم يقدم دلالتها الأصل، ومن أمثلة ذلك: قول ابن قتيبة (ت 276هـ): "(الحرج)، أصله الضيق ومن الضيق، الشك، كقوله تعالى: "فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ"(21) أي الشك، لأنّ الشاك في الشيء يضيق صدرا به. ومن الحرج، الإثم، قال تعالى: "لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ"(22) أي إثم... وأمّا الضيق بعينه فقوله: "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجْ"(23) أي ضيق... ومنه الحرجة وهي: الشجر الملتف"(24).

فقد حدّد ابن قتيبة الدلالة الأصل للمادة (حرج) بالنص وهي: "الضيق" ثم شرح بعض استعمالاتها وما تفرّع عنها من دلالات، فوفقا لما ذكره فإنّ: الشك دلالة متفرّعة من الضيق، حيث أنّ الشاك في الشيء يضيق صدرا به، ومما تفرّع عن الضيق أيضا الإثم، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج) حيث أنّ المقصود بالحرج هو الإثم؛ ومنه فإنّ مادة (حرج) لها دلالة أصل تفرّعت منها دلالات أخرى: الشك، الإثم.

وقول كراع النمل (ت 310هـ): "والوقع أصله الأثر، يقال وَقَعَتْ الحديدة وَقْعاً: إذا ضَرَبْتَهَا بالميْقَعَة وهي المِطْرَقَةُ، ومنه قيل طريق مُوَقَّعٌ: مُذَّلَلٌ مُوَطَؤٌ، ومنه وَقْعَةُ القتال لآثار الناس بها وآثار الدم، والوِقاع: القتال، وكذلك وقيعة الطائر ومَوْقِعَتُهُ، حيث يقع. سُمِيّ بذلك لما فيه من أثر ذَرْقِهِ، ووقوع الإنسان بالمكان: أثَرُهُ به، ويقال وَقَعَتْ بالمكان وَقْعَةً خفيفة ويقال بعيٌر مُوَقَّعٌ وكذلك كلّ ذي حافر، إذا برأت دَبرَتُهُ ونبت عليها وَبَرٌ أو شَعرٌ يخاف اللّون الأوّل، ومنه التوقيع في الكتاب تفعيل منه، لأنه يخالف الكلام الأوّل، ومنه الوقيعة في الناس، إنّما هو أن يذكرهم بما ليس فيهم، ويقال كويته وقاع وهي كيّة في الرأس سمّيت بذلك لأثر الكيّ ويقال هذا شيء له وقع، أي أثر باق، وقد حسن موقعه مني، أي أثره"(25).

حيث وقف كراع النّمل على الدّلالة الأصل لمادة (وقع) وهي الأثر، ثم قام بمعالجة إحدى عشر من استعمالاتها، وهي جميعا تدخل ضمن هذه الدلالة الأصل، وذلك بإرجاعها جميعا إلى هذه الدلالة (الأثر)، فكل الاستعمالات المذكورة تحمل معنى الأثر فمثلا: وقعت الحديدة إذا ضربتها بالمطرقة وذلك للأثر الذي يتركه الضرب، وقعة القتال، بما يحدثه الناس من آثار كآثار الدم، وهذا يفسّر وجود الاشتقاق الدلالي لهذه المادة.

وقول ابن فارس: "(حدم) الحاء والدال والميم أصل واحد، وهو اشتداد الحر، يقال احتدم النهار: اشتدّ حرُهُ، واحتدم الحرّ واحتدمت النار، والنار حدمة، وهو شدّتها، ويقال صوت التهابها، قال الخليل: أحدمت الشمس (الشيء) فاحتدم، واحتدم صدره غيظا، فأمّا احتدم الدم فقال قوم: اشتدّت حمرته حتى يسود، والصحيح أن يشتد حرّه"(26).

فقد أعطى ابن فارس الدلالة الأصل لمادة (حدم) وهي "اشتداد الحر" ثم عالج بعض استعمالاتها التي تدخل ضمنها مثل احتدام النهار أي اشتداد الحر، واحتدام النار أيضا شدة حرّها... وغيرها من الاستعمالات التي انحدرت من المعنى الأصل.

ويقول الأصفهاني (ت 502هـ): "أصل (الجلب) سَوْقُ الشيء يقال: جلبت جلبا... وأجلبت عليه صحت عليه بقهر... والجلب النهي عنه في قوله (لا جلب)... والجلبة قشرة تعلو الجرح وأجلب فيه والجلب سحابة رقيقة تشبه الجلبة والجلاليب القُمُصُ والخمُرُ الواحد جلباب"(27)، حيث ذكر الأصفهاني الدلالة الأصل لمادة (جلب) وهي "سوق الشيء" ثم ذكر بعض استعمالاتها وما تفرّع عنها من دلالات أخرى.

أمّا الصاغاني (ت 650هـ)، فوجدناه يعالج استعمالات المادة اللغوية ثمّ في الأخير يحدّد الدلالة الأصل التي تعود إليها، من ذلك قوله: "(دنأ): الدَّنيء: الخسيس من الرجال الدُون ودَنَأَ الرجل يَدْنأُ: صار دنيء لا خير فيه، وإنّه لدانِيءٌ خبيث ما كان دنيئا ولقد دَنَأَ، ودَنُوءَ أيضا دُنُوءَةً ودَنَاءَهً: سفل في فعله ومجن. والدنيئة: النقيصةُ والدَنَأُ: الحَدَبُ، والأَدْنأُ: الأَحْدَبُ، ويقال: نفس فلان تتدنأُهُ أي تحمله على الدناءة، والتركيب يدلّ على القرب"(28).

لقد أعطى "الصاغاني" بعض استعمالات المادة (دنأ) وما تفرّع عنها من دلالات، ثم حدد الدلالة الأصل لهذه المادة اللغوية وهي: القرب.
ب - يقوم اللغوي بشرح استعمالات المادة اللغوية شرحا يوحي بالأصل الاشتقاقي للمادة التي تفرّعت منها الدلالات الأخرى من أمثلة ذلك: يقول أبو زيد الأنصاري (ت 215هـ): "والمكفور المغطى، يقول قد بعد عهد هذه الدار بالأنيس على رمادها ومن هذا سمي الكافر كافرا لأنّه يغطي على قلبه ويقال لليل كافر من هذا وهو كثير"(29).

فشرح أبو زيد لاستعمالات المادة (غفر) يوحي بالدلالة الأصل لها وهي الستر والتغطية(30)، كتغطية رماد الدار، وتغطية الكافر على قلبه، والليل الذي يغطي ويحجب عنا النور ويستر ما نقوم به.

وقول أبي عبيد (ت 224هـ): شارحا قوله (صلى الله عليه وسلم): "أنّه مر هو وأصحابه وهم محرمون بظبي حاقف في ظل شجرة فقال: يا فلان! قف هاهنا حتى يمرّ الناس لا يربه أحد بشيء"(31)، فشرح كلمة حاقف بقوله: "قوله حاقف: يعني الذي انحنى وتثنى في نومه، ولهذا قيل للرمل إذا كان منحنيا حقق، وجمعه أحقاف، ويقال في قول الله تبارك وتعالى: "إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَاف"(32)، إنّما سمّيت منازلهم بهذا، لأنّها كانت بالرمال. وأمّا في بعض التفسير في قوله سبحانه (بالأحقاف) قال: بالأرض وأمّا المعروف في كلام العرب، فما أخبرتك... ومنه يقال للشيء إذا انحنى: قد اِحْقَوْقَفَ"(33)، فهذا الشرح لاستعمالات مادة (حقف) يوحي بدلالتها الأصل وهي "ميل الشيء وانحنائه"(34).

وقال ابن السكيت (ت 244هـ): "ويقال فلان طب بكذا وكذا، أي عالم به، وفحل طب، إذا كان حاذقا بالضِّراب. والطب، السحر، يقال رجل مطبوب أي مسحور"(35)، إنّ شرح ابن السكيت لاستعمالات مادة (طب) يوحي بدلالتها الأصل، وهي "العلم بالشيء"(36) وما تفرّع عنها من دلالات كقوله: الطب السحر، أي العلم بالسحر ومنه أطلق على الرجل المسحور المطبوب.

وقول الرازي (ت 322هـ): "ومن صفاته عزّ وجل (الباعث)... والباعث في كلام العرب المثير المنهض، يقال بعثت البعير أي أثرته وأنهضته من مبركه... وكذلك بعثت الرجل، أي أثرته من مكانه الذي تمكن فيه أو اضطجع فيه... فقيل لله عز وجل باعث، كأنّه تبارك وتعالى يبعث الخلائق بعد الموت، أي يثيرهم من القبور وينهضهم من مضاجعهم... وقيل ليوم القيامة "يوم البعث" لأنّ الخلائق يبعثون فيه، أي يثارون من قبورهم وينهضون... ويكون الباعث أيضا مأخوذا من بعث الأنبياء والرسل إلى الناس، أي أثارهم من بينهم بالرسالة وأنهضهم لذلك"(37).

إنّ المتأمّل في الشرح الذي قدّمه الرازي لاستعمالات مادة (بعث) في حين تناوله لصفة من صفات الله عز وجلّ وهي "الباعث"، يتضح أنّ الدلالة الأصل لهذه المادة اللغوية هي "الإثارة والإنهاض" حيث أنّه ربط بين استعمالات هذه المادة وردّها كلها إلى هذه الدلالة الأصل(38)؛ وهي إثارة الشيء وإنهاضه ومنها بعث الخلق ويوم البعث، وبعث الأنبياء والرسل، وهذا دليل على وجود الاشتقاق الدلالي للمواد اللغوية.

أما الناحية النظرية، فتتمثّل في إقرار بعض اللغويين القدامى - نصا - بوجود اشتقاق دلالي لمواد اللغة العربية؛ أي دلالة أصل تتفرع منها دلالات أخرى على مرّ الأزمان، إلاّ أنّ ذلك نادر وقليل في التراث اللغوي العربي ومنه: ما أورده أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت 370هـ) في "تهذيب اللغة" أثناء شرحه لاستعمالات مادة (كتب)، قولا لشمر بن حمدويه (ت 255هـ) يوحي بوجود الاشتقاق الدلالي حيث قال: "كل ما ذكر أبو زيد في الكتب: قريب بعضه من بعض، وإنّما هو جمعك بين الشيئين"(39) فهو يصرّح بأنّ استعمالات (كتب) التي ذكرها أبو زيد تنطوي ضمن دلالة أصل وهي الجمع بين شيئين.

وقول المبرد (ت 286هـ): "كلام العرب إذا تقاربت ألفاظه فبعضه آخذ برقاب بعض"، فالمبرد يصرّح بوجود ترابط بين استعمالات كل المواد اللغوية، وهو منطلق فكرة الاشتقاق الدلالي.

ونجد الزجاجي (ت 340هـ) يصرّح من ذلك بوضوح أكبر أثناء حديثه عن اشتقاق اسم الله تعالى (الحكيم)، فبعدما أورد بعض استعمالات (حكم) وبين أنّ اشتقاقها جميعا من "حكمة اللجام وهي الحديدة التي تمنع الفرس وترده إلى مقصد الراكب"(40).

بيّن أنّ كل مواد اللغة العربية لها دلالة أصلية، ثم تتسّع فتتفرّع عن ذلك دلالات أخرى مقاربة لهذه الدلالة الأصل، حيث قال: "وكذلك سائر ما يتشعّب من هذا إنّما أصله هذا ثم يتسّع ويستعمل في مقاربه ومجانسه، وكذلك أكثر كلام العرب إنّما له أصل منه تشعبه ثم يستعمل في أشياء كثيرة مقاربة له ومجانسة"(41).

3 - وسائل الانتقال في الاشتقاق الدلالي:

تنتقل اللغة بواسطة الاستعمال عبر الأجيال فتكتسب دلالات جديدة و"في انتقالها تؤثر وتتأثر فتموت ألفاظ وتحيا أخرى، وتضيق ألفاظ وتتسع أخرى بدلالاتها، فاللغة لم تخلق لتوضع في بطون الكتب المقفلة، ولا في خزائن العرض وإنّما للاستعمال، يعرضها لعدة مظاهر"(42). وقد تناول السابقون من علماء العربية هذه المظاهر ووسائل انتقال دلالة الألفاظ، ومنهم: السيوطي الذي عقد في كتابه المزهر فصلا للفظ العام الذي خص في الاستعمال(43) وفصلا آخر للخاص الذي استعمل عاما(44)، وأهم هذه الآليات: التعميم والتخصيص وانتقال الدلالة.

أما تعميم الدلالة فيكون "بتوسيع معنى اللفظ ومفهومه ونقله من المعنى الخاص الدال عليه إلى معنى أعمّ وأشمل"(45)، عقد له ابن فارس بابا في كتابه الصاحبي في فقه اللغة سماه "باب القول في أصول أسماء قيس عليها وألحق بها غيره"(46) حيث قال: "كان (الأصمعي) يقول: أصل (الورد) إتيان الماء. ثم صار إتيان كل شيء وردا، و(القرب) طلب الماء. ثم صار يقال ذلك لكل طلب"(47)، ومن الأمثلة أيضا لفظة (الوغى) وهي الصوت واختلاط الأصوات في الحرب، ثم كثر استعمالها فصارت الحرب وغى(48).

وقد تنتقل الدلالة أيضا بمرور الزمن عن طريق التخصيص، يسمّيه السيوطي "العام المخصوص"، ويعرّفه بأنه "ما وضع في الأصل عاما ثم خص في الاستعمال ببعض أفراده"(49)، وأورد عدة أمثلة لابن دريد أهمّها لفظة (الحج) والتي أصلها قصدك الشيء ثم خص بقصد البيت(50) ولفظ (السبت) "فإنّه في اللغة الدهر، ثم خص في الاستعمال لغة بأحد أيام الأسبوع، وهو فرد من أفراد الدهر"(51).

ثمّ انتقال الدلالة عن طريق المشابهة والمجاورة، لقد عقد ابن فارس في كتابه "الصاحبي في فقه اللغة" بابا سماه "باب الأسماء التي تسمى بها الأشخاص على المجاورة والسبب" فقال: "قال علماؤنا: العرب تسمّي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاورا له أو كان منه سبب، وذلك قولهم (التيمم) لمسح الوجه من الصعيد، وإنّما التيّمم الطلب والقصد... ومن ذلك تسميتهم السحاب "سماء" والمطر "سماء"... سمو النبت سماء"(52).

إذن فاكتساب الألفاظ لدلالات جديدة لا يكون فقط عن طريق التعميم والتخصيص، بل أيضا بانتقال الدلالة من المعنى الأصلي للفظ إلى معنى مشابه له أو قريب منه أو بينه مناسبة معينة(53)، وبالتالي فإنّ "الدلالة فيه تنتقل من مجال إلى آخر، وهي لا تنكمش فيتضاءل المحيط الذي تتحرك فيه بعد اتساع وعموم، ولا يتحول مجالها كذلك من ضيق وخصوصية إلى تعميم وشمول لما ليس لها من قبل"(54). ومن أمثلة ذلك لفظه (الراووق)، وهي الخرقة التي توضع على فم المصفاة يصفى بها ثم كثر استعمالها حتى سميت الباطية(55) وهي إناء الخمر راووقا وقد أشار الجوهري إلى هذا الانتقال بقوله: "والراووق: المصفاة، وربما سموا الباطية راووق"(56).

الهوامش:
1 - ابن جني: الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، المكتبة العلمية، ج2، ص 28.
2 - عبد القادر بن مصطفى المغربي: الاشتقاق والتعريب، مطبعة الهلال بالفجالة، مصر 1908، ص 13.
3 - ابن منظور: لسان العرب، دار المعارف، القاهرة، ج26، ص 2300.
4 - ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، ط2، ج3، ص 170.
5 - الجوهري: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، ط4، بيروت، باب (القاف)، ج4، ص 1502.
6 - الفيروز أبادي: القاموس المحيط، نسخة مصورة عن الطبعة الثالثة للمطبعة الأميرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، باب (القاف)، فصل (الشين)، ج3، ص 243.
7 - الزجاجي: اشتقاق أسماء الله، تحقيق عبد الحسين المبارك، مؤسسة الرسالة، ط2، 1986م، ص 283.
8 - ابن جني: الخصائص، ج2، ص 134.
9 - صبحي الصالح: دراسات في فقه اللغة، دار العلم للملايين، ط16، بيروت 2004، ص 174.
10 - محمد حسن جبل: علم الاشتقاق نظريا وتطبيقيا، مكتبة الآداب، ط1، القاهرة 2006م، ص 10.
11 - ينظر، محمد مبارك: فقه اللغة وخصائص العربية، دار الفكر، ط2، بيروت 2004م، ص 78-79.
12 - ابن جني: الخصائص، ج2، ص 134.
13 - نفسه.
14 - المصدر نفسه، ج2، ص 135.
15 - عبد القادر بن مصطفى المغربي: الاشتقاق والتعريب، ص 18.
16 - أحمد بن فارس: الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها، المكتبة السلفية، مطبعة المؤيد، القاهرة 1328هـ-1910م، ص 227.
17 - محمد حسن جبل: علم الاشتقاق نظريا وتطبيقيا، ص 41.
18 - المصدر نفسه، ص 42.
19 - صبحي الصالح: دراسات في فقه اللغة، ص 174.
20 - ينظر، محمد حسن جبل: علم الاشتقاق نظريا وتطبيقيا، ص 43-63.
21 - الأعراف، الآية 2.
22 - النور، الآية 61.
23 - الحج، الآية 78.
24 - ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن، تحقيق أحمد صقر، 1973، ص 484. ينظر، ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، ج2، ص 34.
25 - كراع النمل: المنتخب من غريب كلام العرب، تحقيق محمد بن أحمد العمري، جامعة أم القرى، ط1، المملكة العربية السعودية، 1409هـ-1989م، ج2، ص 663-664.
26 - ابن فارس: المصدر السابق، ج2، ص 34.
27 - الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، ص 95.
28 - الصغاني: العباب الزاخر واللباب الفاخر، تحقيق قير محمد حسن، مطبعة المجمع العلمي العراقي، ط1، بغداد 1398هـ-1978م، ج1، ص 56-57.
29 - أبو زيد الأنصاري: النوادر في اللغة، تحقيق محمد عبد القادر أحمد، دار الشروق، ط1، 1981م، ص 573.
30 - ينظر، ابن فارس: المصدر السابق، ج5، ص 191.
31 - أبو عبيد القاسم بن سلام الهروني: غريب الحديث، تحقيق حسين محمد شرف، مراجعة عبد السلام هارون، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة 1984م، ج1، ص 410.
32 - الأحقاف، الآية 21.
33 - أبو عبيد: غريب الحديث، ج1، ص 411.
34 - ينظر، ابن فارس: المصدر السابق، ج2، ص 90.
35 - ابن السكيت: إصلاح المنطق، تحقيق أحمد محمد شاكر، عبد السلام هارون، دار المعارف، ط4، القاهرة، ص 13.
36 - ينظر، ابن فارس: المصدر السابق، ج3، ص 407.
37 - الرازي: كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية، تحقيق حسين بن فيض الله الهمذاني اليعبري الحرازي، مركز الدراسات والبحوث اليمني، ط1، صنعاء 1415هـ-1994، ص 291-292.
38 - ينظر، ابن فارس: المصدر السابق، ج1، ص 266.
39 - الأزهري: تهذيب اللغة، تحقيق علي حسن هلالي، مراجعة محمد علي النجار، مطابع سجل العرب، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، ج10، ص 150.
40 - الزجاجي: اشتقاق الأسماء، ص 61-62.
41 - المصدر نفسه، ص 61.
42 - الرديني: فصول في علم اللغة العام، دار الهدى، عين مليلة، ص 226.
43 - ينظر، السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد أحمد جاد المولى بك، محمد أبو الفضل إبراهيم علي محمد البجاوي، مكتبة دار التراث، ط3، القاهرة، ج1، ص 247.
44 - ينظر، المصدر نفسه، ج1، ص 429.
45 - محمد مبارك: فقه اللغة، ص 218.
46 - أحمد بن فارس: الصاحبي في فقه اللغة، ص 64.
47 - نفسه.
48 - ينظر، ابن منظور: لسان العرب، ج9، ص 778.
49 - السيوطي: المزهر، ج1، ص 427.
50 - نفسه.
51 - نفسه.
52 - أحمد بن فارس: الصاحبي في فقه اللغة، ص 63.
53 - ينظر، محمد مبارك: المرجع السابق، ص 220.
54 - فايز الداية: علم الدلالة العربي النظرية والتطبيق، دار الفكر، ط2، دمشق 1996، ص 314.
55 - ينظر، ابن منظور: لسان العرب، ج4، ص 306.
56 - الجوهري: الصحاح، ج4، ص 1486.
الإحالة إلى المقال:

* ربيعة سنوسي: الاشتقاق الدلالي في الفكر اللغوي العربي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس عشر 2016. http://annales.univ-mosta.dz

***