اللغة الصوفية وإعادة الإنتاج
مقاربة توصيفية لإشكالية التلقي والتأويل

د. عبد الحكيم خليل سيد أحمد
أكاديمية الفن القاهرة، مصر

الملخص:

إن محاولة الدخول إلى استراتيجيات نص محاط بالأساطير التاريخية والرفض الأيديولوجي، مثلما هو مؤطر بالتعقيد والشطط اللغوي، يعد عملاً مجهدا، خاصة إن كان هذا النص في لغة المتصوفة الخاصة بهم. بشكل عام، أو تعبيرات فنية استقلوا بها في الإفصاح عن آرائهم وأغراضهم، وبعضها يعد من الأسرار المكتومة، والبوح بها يعتبر خرقا لقواعد وقوانين التصوف يستلزم الأبعاد وحجب الثقة. وقد اضطر كثير من متصوفة هذا العصر إلى تكوين تيارات خاصة بهم، وضعوا فيها لغتهم، معتقداتهم، آراءهم وتعديلاتهم، فأصبحوا ذو نكهة صوفية مغايرة من حيث المادة والأسلوب عن نصوص التصوف السابق عليهم! لذا يهدف هذا البحث إلى: الوقوف على تلك الظاهرة التأويلية في لغة الصوفية التي أعادوا إنتاجها متمركزة على ثلاثة ركائز هي: مرسل، نص أو رسالة، متلقي. احتوت إشكالات منذ الماضي وحتى الآن. وذلك بالتطبيق على إحدى الطرق الصوفية في المجتمع المصري وهي الطريقة النقشبندية من حيث الأذكار، الأوراد، الأحوال، المجاهدات، الرياضات، الخلوات، الحضرات وغيرها.

الكلمات الدالة:

اللغة الصوفية، الطريقة النقشبندية، مصر، التلقي، التأويل.

***
The Sufi language and reproduction a descriptive
approach to the problem of reception and interpretation

Abstract:

Attempting to enter into the strategies of a text surrounded by historical myths and ideological rejection, as it is framed by complexity and linguistic excess, is a laborious work, especially if this text is in the language of their Sufis. In general, or artistic expressions with which they were independent in disclosing their opinions and purposes, and some of them are kept secrets, and revealing them is considered a violation of the rules and laws of Sufism that requires dimensions and withholding confidence. Many Sufis of this era were forced to form their own currents, and put their language, beliefs, opinions, and modifications in them, thus they have a mystical flavor different in terms of material and style from the texts of Sufism before them! Therefore, this research aims to: To stand on that hermeneutical phenomenon in the language of Sufism, which they reproduced centered on three pillars: a sender, a text or a message, and a recipient. It contained problems from the past until now. And that is by applying one of the Sufi orders in Egyptian society which is the Naqshbandi order in terms of dhikr, wards, conditions, endurances, and others.

Key words:

Sufi language, Naqshbandia way, Egypt, reception, interpretation.

***

النص:

لا شك أن الدخول إلى حقل اللغة الصوفية هو أمر بالغ الصعوبة والتعقيد، فلغة المتصوفة بشكل عام "لغة خاصة بهم، أو تعبيرات فنية استقلوا بها في الإفصاح عن آرائهم وأغراضهم"(1) وبعضها يعد من الأسرار المكتومة، والبوح بها يعتبر خرقًا لقواعد وقوانين التصوف يستلزم الإبعاد وحجب الثقة.

ولا تأتي إعادة قراءة وتحليل النص الصوفي إلا محاولة ومقاربة توصيفية لإشكالية التلقي والتأويل داخل الطرق الصوفية والتي أصبحت نصوصه التاريخية مفصولة عن الحاضر بسبب: "اللغة الصوفية وإشكالية التلقي - النص الصوفي وإشكالية التأويل - والثقافة الصوفية بين الماضي والحاضر".

فقد أصبح الخطاب الصوفي يشوبه التعب والإجهاد وغدت لغته خارج حدود العصر، غير مفهومة سوى في الزوايا والتكايا والطرق الصوفية التي تجر نفسها من التاريخ جرًا، وهذا لا يعني أننا نريد إحياء هذه اللغة وتلك المصطلحات الصوفية؛ لأننا لا ندعي موتها فالمقصود هو محاولة لرصد مظاهر التغير المصاحبة لإعادة إنتاج هذه اللغة داخل الطرق الصوفية.

ويحيط بهذه المحاولة البحثية سياجا مؤطرا بالتعقيد كونه يعد عملا مجهدا، في ربط الماضي بالحاضر أو انفصال هذا الحاضر عن الماضي لوجود إشكالية في استيعاب هذا الخطاب الصوفي التاريخي أو التقرب منه، اللهم إلا محاولات يشوبها التكرار والنقل دون وعي برسائل مرسليها في الماضي أمثال الإمام ابن عربي والغزالي والجيلاني وغيرهم الكثير؛ أو حتى قدرة مشائخ الطرق الصوفية الحاليين على استيعاب هذه الرسائل الصوفية أو تأويلها بما يتناسب مع ثقافة أتباعهم ومريديهم داخل كثير من الطرق الصوفية في الحاضر.

وقد اضطر كثير من متصوفة هذا العصر إلى تكوين تيارات خاصة بهم، وضعوا فيها لغتهم، معتقداتهم، آراءهم وتعديلاتهم، فأصبحوا ذو نكهة صوفية مغايرة من حيث المادة والأسلوب عن نصوص التصوف السابق عليهم!

لذا يهدف هذا البحث إلى: الوقوف على تلك الظاهرة التأويلية في لغة الصوفية التي أعادوا إنتاجها متمركزة على ثلاثة ركائز هي: (مرسل - رسالة - متلقي). والتي احتوت إشكالات منذ الماضي وحتى الآن. وذلك بالتطبيق على إحدى الطرق الصوفية في المجتمع المصري وهي الطريقة النقشبندية بوجه عام، مع التدرج في عرض بعض المصطلحات التي تأسست عليها الطريقة منذ نشأتها داخل تركيا، وما وصل إليها داخل مصر.

وسوف يعتمد الباحث نظرية إعادة الإنتاج للوقوف على أشكال ومظاهر التغير في اللغة الصوفية التي تحمل أفكار المتصوفة وآراءهم تجاه الماضي والحاضر.

وتكمن أهمية هذا البحث في استثماره للغة الصوفية ورصيدها في التعريف بالتأويل وإشكاليته من حيث المفهوم والمنهج والتطبيق كما يرصد البحث صور التأرجح بين حقيقة النص وتأويله والآلية التي جسدت بها اللغة هذه الثنائية وما تقرر عن ذلك من تعريفات وتحديدات ومفاهيم.

وقد اقتضت طبيعة هذا البحث إلى التعريف باللغة الصوفية ومفهوم إعادة الإنتاج ومصطلح التأويل لغة واصطلاحا. لتوضيح الدلالة على المقصود منها للوصول إلى أهداف البحث.

كما كان لا بد لاستكمال النظر في هذا البحث من الوقوف على كيفية أو إشكالية التلقي والتأويل داخل إحدى الطرق الصوفية التي انتقيناها للاستشهاد بها على فكرة هذا البحث وهي الطريقة النقشبندية التي لا تدل دلالتها الحرفية على المقصود منها، إضافة إلى إبراز عمق الأبعاد الفلسفية والمنطقية والرمزية والفكرية التي تنضوي عليها الشعائر والطقوس الصوفية حدودًا وممارسة.

1 - اللغة الصوفية:

اللغة الصوفية - المنطوقة والمكتوبة - هي شكل من أشكال التعبير اللغوي الصادرة عن تجارب عرفانية وجدانية. ومن أهم خصائصها ما يلي:
أ - التجربة الصوفية أحد مكوناتها.
ب - لغة رمزية - مجازية تعتمد على الاستعارات والإشارات والدلالات القابلة للتأويل. تنحصر هذه الدلالات في(2): (الدلالة العقلية - الدلالة الطبيعية - الدلالة الوضعية)(3). أما في التصوف فإن الدلالات (معظمها) دلالة عرفانية أو ما تسمى بمصطلح التصوف (ذوقية).
جـ - تتميز بالتخيل والتمثيل والتشبيه، لهذا فهي عينة بلاغية خصبة.
د - تتكون اللغة الصوفية - النص بعد استعدادات مسبقة من (أذكار، أوراد، مجاهدات، رياضات، خلوات... الخ). تؤدي هذه الاستعدادات إلى تكون (الذوق الصوفي) الذي لا يخضع لمنطق العلم ويدرجه المتصوفة ضمن (علم الأحوال).

2 - إعادة الإنتاج:

يقصد بإعادة الإنتاج الثقافي قدرة أساليب الحياة في أي مجتمع على استمرار أهم ملامحها عبر التغير من خلال آليات الاستمرار، والاستعارة والتبني، وكذلك آليات الرفض والصد والنفور، وعمليات التحوير والتجديد والمواءمة التي تجرى على العناصر القديمة لتطوعها لواقع جديد، أو على عناصر مستوردة لتطوعها لواقع محلي... إلخ(4).

ونقصد به في إطار بحثنا الراهن آليات التلقي وإعادة التأويل - إعادة الإنتاج - للنصوص الصوفية المقروءة والمسموعة والمرئية للممارسات الصوفية المستمدة من عصر مضى لكي تستطيع أن تكسب أرضًا وتعيش في عصر جديد؛ تجعلها أقدر على الحياة والاستمرار داخل المجتمع.

3 - التأويل:

التأويل (Hermeneutics): (اسم) والجمع: تأويلات وتآويلُ والمصدر أوَّلَ. وتأويل الكلام: تفسيره وبيان معناه. كما يعني التأويل إعطاء معنًى لحدث أو قول أو نصّ لا يبدو فيه المعنى واضحًا لأوّلِ وَهلة تأويل الخبر. وفي (الفقه) بيان أحد محتملات اللفظ على وجه التقدير والظّن(5).

والتأويل في اللغة هو الإرجاع. أوّلَ الشيء أي أرجعه، وآل إليه الشيء أي رجع إليه(6). إذن فكلمة (آل) (إيالاً) و(أيلولةً) و(مآلاً) تعني رجع وصار و(آل) عنه تعني ارتد. و(آل) على القوم تعني ولي عليهم فهم رعاياه ويرجعون إليه وهو مسئول عنهم. فكأن التأويل هو إرجاع للكلمة المرادة إلى أصل أبعد من المعنى الحرفي لها(7). وجاء في لسان العرب "أوَّل الكلام وتأوله: دبره وقدره... والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ"(8). وحديثًا يعني "استحضار المعنى الضمني بالرجوع إلى المعنى الظاهر"(9).

4 - الطريقة النقشبندية:

نشأت الطريقة النقشبندية في القرن الثامن هجري على يد محمد بهاء الدين شاه نقشبند المُتَوفّى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وهو الذي تُنسب إليه الطريقة. و"نقشبند" في الحقيقة لقب لمحمد بهاء الدين البُخَاريّ الملقب بشاه نقشبند (717هـ-791هـ). وقد ذكر محمد أمين الكردي سببين لتلقيبه بنقشبند: الأول، لانطباع صورة لفظ الله على ظاهر قلبه من كثرة ذكر الله. والثاني، أنه سُمِّي بذلك لأن رسول الله وضع كفه الشريف على قلبه فصار نقشا في القلب(10).

ولفظ "نقشبند" هو مصطلحٌ فارسيٌّ مركّبٌ من كلمتين: إحداهما عربيةٌ؛ وهي "نقش" والثانية فارسيةٌ، وهي "بند" (بفتح الباءِ وسكون النّون والدّال).

ونقل عبد المجيد بن محمّد بن محمّد الخانيّ(11) بطريق الرواية عمن تُنسب إليه الطريقة النقشبنديّة وهو محمّد بهاء الدين البُخَاريّ. نَقل أنه قال: "نمتُ ليلةً فرأيتَ الحكيمَ آتا قدس سره. وكان من أكابر مشائخ التُّرْكِ وهو يوصي بي درويشًا. فلمّا انتبهتُ بَقِيَتْ صورة الدرويش في مخيِّلَتي. وكانت لي جدةٌ صالحةٌ فقصصتُ عليها هذه الرؤيا، فقالت: سيكون لك يا ولدي من مشائخ التُّرْكِ نصيبٌ"(12).

وقد ذكر محمد بن عبد الله الخاني الخالدي النقشبندي: أن الطريقة كانت تُنسب قبلُ إلى عبد الخالق الغجدواني. وقد سُمِّيت الطريقة ب"المجددية" أو "الفاروقية" نسبةً إلى الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي، وب"الخالدية" أيضًا نسبةً إلى خالد النقشبندي الملقب بالطيار ذي الجناحين(13). ويقول أصحاب الطريقة النقشبندية أن طريقتهم كانت تسمى "الصديقية" نسبةً إلى أبي بكر الصديق، ثم سُميت "الطيفورية" نسبةً إلى أبي يزيد البسطامي واسمه طيفور.

5 - مناطق انتشار الطريقة:

كانت الطريقة مقصورة الانتشار في بخارى وما جاورها لكونها المدينة التي عاش فيها مؤسسها نقشبند، ثم انتشرت في بلاد الشام بعد ذلك عن طريق الشيخ خالد النقشبندي بعد أن تلقّى الطريقة من الشيخ عبد الله الدهلوي(14). كما انتشرت الطريقة النقشبندية في أماكن كثيرة خصوصا في بلاد القوقاز وبخاري وسمرقند وتركمان - وهي صحراء في الاتحاد السوفيتي -، وشبه القارة الهندية سابقا حيث أن سادات الطريقة النقشبندية من تلك البلاد. كما تنتشر الطريقة في معظم البلاد العربية(15)، ومنها مصر.

يقول الشيخ قسيم الكُفْرَويّ في رسالة أعدّها باللّغة التركية تحت عنوان "النقشبنديّة ظهورها وانتشاره". يقول في افتتاحية كتابه: "إن القدماء من شيوخ النقشبنديّة كانوا من أهالي تركستان وما وراء النهر. ولذلك تسرّبت عاداتُ هذه المنطقة وتقاليدُها إلى الطريقة النقشبنديّة"(16).

6 - مشائخ الطريقة:

ومن أشهر مشائخ الطريقة: الشيخ عبد الخالق الغجدواني المتوفى سنة 575هـ، ومن تُنسب إليه وهو الشيخ محمد بهاء الدين نقشبند المتوفى سنة 791هـ، والشيخ أحمد الفاروقي السرهندي المتوفى سنة 1034هـ. ومن أشهر مشائخهم المتأخرين محمد عثمان سراج الدين الثاني المتوفى سنة 1417هـ.

وتنتقل مشيخة الطريقة النقشبندية عبر ما يسمي ب"السلسلة الذهبية"، وهي توصيف لفكرة توريث مشيخة الطريقة للابن أو الأخ، ويحمل الشيخ لقب "الحفيد" باعتباره حفيدا لكل مشايخ الطريقة الأقدمين.

أما في مصر فقد قارب عدد المنتسبين للطريقة النقشبندية على المليونين. وليس للنقشبندية مقر رئيسي في مصر، لكن كل محافظة بها مقر يخدمه نواب الشيخ، وينتظم المريدون في حلقة ذكر أسبوعية، تتضمن ذكر الله والصلاة على رسوله الكريم وتلاوة القرآن كاملاً.

وعلى سبيل المثال توجد الطريقة النقشبندية في محافظة الشرقية إحدى محافظات مصر والتي تولى تأسيسها هو الشيخ جودة بن إبراهيم بن السيد مصطفى جودة الحسني الحسيني شيخ الطريقة النقشبندية. وقد سلك الشيخ جودة النقشبندي كثيرا من الطرق الصوفية منها (الخلوتية المسلمية - الأحمدية - البرهامية - القادرية - الرفاعية - الجشتية - الشاذلية). وقد التقى الشيخ جودة في القسطنطينية بالشيخ أحمد ضياء الدين بن مصطفى بن عبد الرحمن الكمشخانوي المتوفى بتركيا سنة 1311هـ(17). وقد لقنه سبعة أسماء ساطعة وأذن له بتلقين الذكر وإعطاء العهود في جميع تلك الطرق المذكورة.

ويعد شيخ الطريقة النقشبندية هو المرسل(18) الأول لكافة الرسائل الموجهة والمرسلة إلى أتباعه ومريديه، جاعلاً من الاستشهادات والاستنتاجات لمفهوم رسائله بين أتباعه تعتمد على قناعات الأتباع والمريدين والتي تختلف من طريقة إلى أخرى ومن مريد إلى مريد آخر داخل الطريقة. ومن ثم تتعدد وتختلف معاني الكلمات والرسائل الموجهة من شيخ الطريقة سواء كانت مكتوبة أو موجهة شفاهةً لأتباعه.

ويعتمد شيخ الطريقة النقشبندية - المرسل - في رسائله على المقومات التالية:
أ - ذات الشيخ التي تشتمل على:
1 - المعرفة المحضة بالمتصوفة الأوائل وعلومهم ولغتهم.
2 - الحضور القوي للبناء النفسي والاجتماعي له.
3 - قدرته على اجتهاده النسبي في التأويل والذي يتغير وفق حالته ووضعيته.
4 - معرفته بقدرات قُرائه ومريديه ودرجة معرفتهم وعمق فهمهم لرسائله، من صفاء الفهم ورتبة المعرفة.
ب - الكشف والمشاهدة:

حيث يعتمد شيخ الطريقة النقشبندية - المرسل - في النص الصوفي على التجليات الروحية والكشفية الربانية بحيث يكون المرجعية لدنية والاستناد إلى المرسل أو الكاتب أو المؤلف الصوفي. حيث يجوز أن يكون لتعبير محدود معنى ولا يكون له مرجع بوصفها علوم روحية لدنية (من لدن الحق). وبطبيعة الحال يسهل مع ذلك عملية التأويل المستمر للمعاني التي تتجاوز النصوص الصوفية والكشف عما يستتر بين ثناياه وعبر فضاءاته، وهو ما يتمثل في تنشيط الحوار الخلاق الذي يؤدي إلى تطوير فعل القراءة وفعل الكتابة معا.

ويأتي هذا الكشف نتيجة المجاهدة التي يقوم بها شيخ الطريقة النقشبندية للسمو من العالم السفلي المحسوس إلى العالم العلوي وهو عالم يشبه الحلم، ما دام يعيه الصوفي ذاتيا حسب المقام الذي استطاع أن يرتقي إليه. ويأتي عن طريق الابتعاد عن عالم البدن والحس وعن طريق الزهد والتقشف والعزوف عن ملذات الجسد وشهواته وحرمانه منها، وعن طريق الصلاة والذكر والصيام، كل هذا من شأنه أن يفعل القوة الروحية للإنسان ويحررها من عبودية الجسد والعقل. وهو ما يوافق قول ابن عربي: "الحق محدود لكل حد، وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط لها ولا تعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صورته؛ فلذلك يجهل حدّ الحق، فإنّه لا يعلم حدّه إلا بعلم حدّ كل صورة، وهذا محال حصوله، فحد الحق محال"(19).

ويحمل الكشف بداخله تجربة صوفية خاصة بكل مرسل على حده؛ يحاول صاحبها - شيخ الطريقة - "أن يجد إطارًا لوحدة التأويلات، فهي مظاهر اعتقادية ومعرفية لتجليات الألوهية ما دامت هذه الأخيرة شاملة لكل اعتقاد ومعرفة ووجود". ويرى ابن عربي في شأن الكمال في علاقته بأهل عقل الاختصاص أنه: "عقل العقلاء، وفكرة المفكرين الذاكرين، ودليل الدالين، ولو خرج عن شيء لم يكن، ولو كان في شيء لم يكن"(20). أبعد من ذلك أنه قد سبق لذي النون المصري المعروف أنه كان يقر إقرارًا جازما بأنّ "أعرف الناس بالله تعالى أشدهم تحيّرا فيه"(21). أما الشبلي فقد سعد بأن قال: "المعرفة دواه الحيرة"(22).
جـ - المكاشفة والإلهام:

وهي لغة خاصة بشيخ الطريقة النقشبندية، كمرسل، وبين أتباعه ومريديه، كمتلقين(23)، وهي من جملة الصفات التي يعتقدها النقشبنديّون في شيوخهم على سبيل تمييزهم من العامةِ. فقد أفردوا في كتبهم أبوابا بعنوان الكرامات؛ وذكروا ضمنَ مناقب شيوخهم ما لا يُحصى من قصص المكاشفات والإلهامات وعلم الغيب، ومنها كتاب "الحدائق الوردية في حقائق أجلاّءِ النقشبنديّة" لصاحبه عبد المجيد بن محمّد الخانيّ. يقول في صدد كرامات أحمد الفاروقيّ المعروف بين النقشبنديّين ب"الإمام الربّانيّ": "لقد خصّه الله تعالى بفضيلة نشر العلوم الدينية، والكشف عن أسرار العلوم اللدنّيةِ"(24).

والعلوم اللدنّية هي الّتي يقصد بها في عالم التصوف (علمَ الغيب). لذا، ميّز الخانيّ بينها وبين العلوم الدينية. وهي في اعتقادهم إشراقٌ روحانيٌّ، وعرفانٌ وجدانيٌّ يُفيض على قلب السالك من عند الله بإلقاءٍ ربّانيّ عن طريق الإلهام. فهم يرون أنّ مجرّد المعرفة عن طريق هذه المسمَّيَات لا تؤدّي إلى كنه أسرار الكون والحياةِ وإدراك الحقيقةِ الخفيةِ من وراء الطبيعةِ.

كما حكى الشيخ عيسى أن أحد القضاة بالمحاكم الشرعية، وهو بك نجل الشيخ محمد شاكر الذي كان وكيلاً للأزهر ومن أعضاء هيئة كبار العلماء، قد سمع بمكانة سيدنا الشيخ جودة، فتشوق لزيارته، فقرأ الفاتحة ذات ليلة قبيل نومه وأهداها إلى مولانا الشيخ جودة فرآه في نفس الليلة في منامه وقال له: "ستكون عندنا بمنيا القمح قاضيًا شرعيً"، وتحققت رؤيا الشيخ، فنقل ذلك القاضي إلى محكمة منيا القمح ولدى مثوله أمام الروضة الجودية أنشأ هذه الأبيات وقد علقت مدة طويلة بضريح مولانا الشيخ جودة:

يا شيخ جودة إنني ضيف وضيفك لا يضام
عهد الكريم إذا أتاه الضيف هلل بابتسام
والله يرضى عنك في خلد ونعم هو المقام

ويمكن لنا ملاحظة هذا النموذج الشعري الذي يمثل رسالة تفاعلية بين الشيخ وأحد مريديه كنوع من رد الفعل في التلقي، وهو نموذج شائع عند المتصوفة المتأخرين، ينطوي على أفعال كامنة تعبِّر عن ردود أفعال متنوعة في التلقِّي. وهو ما كشف عنه ابن عربي، الذي جعل خطاب الغزل وسيلة للتفاعل مع الملأ الأعلى. وهي أولى دلالات قصد التفاعل بين النصِّ والمتلقي(25).

هكذا نجد الشيخ جودة النقشبندي يستخدم في بوحه وكشفه رسائل وجدانية وتجليات روحية لإيصال رسائله لمريديه، لتبقى عملية التلقي والتأويل مستمرة بين أتباعه. وتنتقل من شيخ الطريقة إلى أحفاده فتنسج حولهم الكرامات والتجليات في أسلوب تلميح أو غموض أو إضمار أو إبهام في كتابات شعرية أو نثرية أو سردية لمناقب الشيخ وتجلياته بوصفها لغة تواصلية بين الشيخ "المرسل" والمريد "المتلقي".

وهنا يمكن للشيخ الصوفي بوصفه المرسل أن يلتقي مع المتلقي في عملية التأويل المستمر للنص الصوفي المرسل من شيوخه السابقين عليه. وعليه فإن عملية التلقي هذه مرهونة لدى المتلقي بالآتي:
1 - هيمنة النصّ بعقيدته على عقيدة المتلقي. فالمتلقي الذي يسمع أو يقرأ من أو عن شيخه يقبل ضمنًا برسالته وميثاقها أي بالأعراف التي تنظم هذا النصّ الصوفي. وعليه فلا بدَّ له من الإقرار مبدئيًّا بصحّةِ ما يقوله شيخ طريقته وبالتالي فهو يؤمن ضمنيًا بعقيدة النص التي هي عقيدة شيخه جملة وتفصيلاً.
2 - أن يضع المتلقي ذاته في النصِّ أو يوظِّفُه فيه أثناء عمليّة القراءة، وهو ما يتضح في بعض نصوص الكرامات المروية ومحاولة الراوي أو الإخباري من إظهار شخصيته وتوظيفها في النص.
3 - يحدقُ بالمتلقي إعمال فكره ومخيلته ليعيش تجربته الخاصة - أنها تجربةٌ مُخصبةٌ وثريّةٌ - والتي قد تأتي من خلال عملية تأويل للمعنى الظاهري للنص الصوفي. قد تدفع به قُدُمًا إلى زيادة الاعتقاد في شيخ طريقته أو فيما تحمله الرسالة من معاني إيمانية أو اعتقادية.
4 - تتضمن رسائل الشيخ ـ كراماته ـ نوعٌ من أنواع المعرفة الصوفية التي يعمل الصوفي - المتلقي - على نشرها باعتبارها ثقافة صوفية واجبة النشر على محيط واسع بين أتباع الطريقة أو حتى خارجها كنوع من أنواع الدعوة للتصوف بشكل عام ولطريقته الصوفية على وجه الخصوص.

7 - المصطلح الصوفي وتأويله:

يعد الانتقال في دلالة المصطلحات والمفاهيم الصوفية المستخدمة في الخطاب الصوفي من المجاز إلى الحقيقة ومن الحقيقة إلى المجاز، انتقال يتم "بالتعارف" بين المرسل، ويمثله شيخ الطريقة، والمستقبل أو المتلقي، ويمثله مريدي الطريقة. وهذا التعارف هو الذي يؤدي إلى تثبيت الدلالة اللغوية حتى بعد تأويلها وإعادة هذا التأويل في صور مختلفة، قد يمنحها لدى أتباع الطريقة مشروعية دلالية. تنتقل هذه المشروعية بدورها بين أتباع الطريقة من الأقدم إلى الأحدث ومن الكبير إلى الصغير بين أتباع الطريقة، فتأخذ طابعًا فرديًا في بدايتها وتنتهي إلى طابعًا جماعيًا فيصبح عُرفًا نطلق عليه حينذاك "المجاز الميت" أو "الاستعارة الميتة".

وتمثل طبيعة اللغة الصوفية طبيعة مزدوجة متناقضة في التعبير عما هو غير محسوس بمثال محسوس تضفي على الرمز الصوفي قابليته للتأويل بأكثر من وجه، ولهذا يصادفك أكثر من تأويل واحد للرمز الواحد، مما يجعل الرمز الصوفي بقدر ما يعطي من معناه فهو في نفس الوقت يخفي من معناه شيئًا آخر، وهكذا يكون الرمز خفاءً وظهورًا معًا وفي آن واحد"(26).
ويلاحظ الباحث من حيث التأويل اللغوي الصوفي على المعاني اللغوية السابقة ما يلي:
أ - تذوق المعاني يتجدد ويختلف من صوفي لآخر ومن حالة روحية إلى حالة روحية أخرى.
ب - آلية الاستعدادات الصوفية المتضمنة لطقوس وشعائر الصوفية اليومية مثل (الأذكار والأوراد وحضور الحضرات وطاعة المريد لشيخه... الخ) وكذا درجة المريد في طريقته الصوفية هي الفاعلة أو الداعمة في عملية التأويل في اللغة الصوفية.
جـ - تختلف التجربة الصوفية تبعًا لحال الصوفي صاحب التجربة ومدى اندماجه داخلها (الفناء)، مما يترتب عليه وصوله لدرجة (مقام) من درجات (مقامات) التلقي الباطني أو العرفاني (تلقي المعاني).

كما ترتبط حالة الصوفي في تجربته الروحية بينه وبين ربه في محاولته الإفصاح عنها لها بعجزه في بعض حالاته عن التأويل لها أو تأويله لها بلغة صوفية غير مفهومة بالنسبة لمستخدميها على تنوع لغتهم وبلد المنشأ للطريقة الأم كما هو الحال في الطريقة النقشبندية.

لكن تبقى دلالة التأويل ظنية وهذا يجعنا نتطرق إلى مفهوم الرمز وعلاقته بالتأويل فإنها على وفق المدلول الشامل للرمز تعني استعمال الرموز كالكتابة الرمزية أو التمثيل الرمزي، أو التفكير الرمزي، وهو التفكير المبني على الصور الإيحائية خلافًا للتفكير المنطقي المبني على المعاني المجردة(27). وهذا التأويل العقلي/الرمزي المتعالي الماهوي تأويل إطلاقي يحتكر المعنى ويحوله إلى عقيدة ويعتمد التعالي الميتافيزيقي إلى كشف نية المرسل.

وبناء على ذلك يمكن للباحث اعتماد المقاربة بين نصوص الصوفية الأوائل وإعادة إنتاجها داخل الثقافة الصوفية بين المتصوفة، من خلال أربع عمليات، هي:
العملية الأولى: تواتر التراث الصوفي بين الطرق الصوفية:

ويقصد بالتواتر انتظام استخدام المصطلحات الصوفية فضلاً عن الممارسات الصوفية في حياتهم على نحو متكرر، وبصورة مستمرة مما يعبر عن مدى الحضور المكثف للتراث الصوفي في الحياة اليومية لدى المتصوفة، وكذلك مدى حاجة المتصوفة إلى استخدامه المستمر في مسيرتهم الروحية والحياتية، ولا يعني ذلك إتباعًا حرفيًّا وصارمًا لأفعال وممارسات ساكنة على نحو معتاد.

بل يعني ممارسات دينامية ومتجددة ومتنوعة تتم في سياقات وظروف متغيرة، تبعًا لتجارب روحية متنوعة بين أتباع كل طريقة، رغم ما تبدو عليه من ملامح تقليدية ونمطية وعلى شاكلة واحدة، ومن ثم فإن تلك المصطلحات والتعابير الصوفية الناتجة عن تجارب وممارسات صوفية - عبر تواترها - تولد الأفعال والمبررات التي تسهم في الحفاظ على الثقافة الصوفية وأساليبها المعتمدة من شيوخ الطرق الصوفية، وهذا ما يضفي على تلك الأساليب أهمية وقيمة وثراء لمعانيها بالنسبة لمن يؤمنون بها ويمارسونها في حياتهم.
العملية الثانية: استعادة التراث الصوفي:

يقصد بالاستعادة للتراث الصوفي الاحتكام إلى خبرات وتجارب الصوفيين الأوائل أمثال ابن عربي والحلاج وغيرهم مع التصوف وإعادة ممارستها وتوظيفها من جديد في أحداث ومواقف متجددة، مما يؤدي إلى إثراء وتجديد التراث الصوفي بصفة مستمرة.

وتعبر عملية الاستعادة عن تفاعل حي ودينامي بين كافة عناصر التراث الصوفي:
1 - المرسل: ويمثله شيخ الطريقة في الماضي والحاضر.
2 - الرسالة: نصوص صوفية، أوراد، حضرات، أذكار، خلوات... إلخ.
3 - المتلقي: ويمثله المريد الصوفي.

تلك العناصر المرتبطة بالخبرات السابقة من ناحية، والظروف والملابسات المرتبطة بالأحداث والمواقف المستجدة من ناحية أخرى بحيث تصبح العناصر التراثية الصوفية، خلال إعادة ممارستها، بمثابة كيان متفاعل بين ماضيه وحاضره، ويترتب على هذه العملية تجديد الخبرات داخل الطرق الصوفية وتنوعها لكي يظل التراث الصوفي في حالة إعادة إنتاج متواصلة.

وتتم عملية استعادة التراث الصوفي عبر مستويين هما: المستوى الأول: أحداث ومجريات الحياة الصوفية بشكل خاص والحياة العامة المحيطة بالثقافة الصوفية بشكل عام. والمستوى الثاني: مواقف الحياة اليومية لأتباع الطرق الصوفية.
العملية الثالثة: استعارة التراث الصوفي بين الطرق الصوفية:

وتعد استعارة التراث الصوفي بين الطرق الصوفية وبعضها أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها الطرق الصوفية وتستمد منها مقومات حياتها واستمراريتها؛ باعتبارها واحدة من عمليات إعادة إنتاج الثقافة الصوفية في الحاضر، والتي تتمثل في محاولات إضافة أوراد أو أذكار أو خلوات أو ممارسات صوفية - بالحذف أو الإضافة أو التعديل أو المزج - كأحد أشكال الاختلاف والتجديد من طريقة إلى طريقة أخرى على اختلاف مشرب وثقافة مؤسس الطريقة: شاذلية، أحمدية، جيلانية، رفاعية، دسوقية، برهامية، نقشبندية... إلخ.

وتنطوي عملية الإضافة على مزيج من الوعي والقصدية والاختيار من ناحية، والتلقائية من ناحية أخرى، وذلك فيما يتعلق بإمداد أساليب الحياة الصوفية الجارية بعناصر ثقافية جديدة. وتتجلى هذه العملية في محاولات استعارة العناصر الثقافية من فئات وطبقات اجتماعية ومناطق ثقافية أخرى. والاستعارة ما هي إلا تبني لبعض العناصر الثقافية - الصوفية - والتي تضاف إلى رصيد الجماعة المشترك من التراث الصوفي.

وهناك أربع آليات للاستعارة الثقافية - الصوفية بوجه خاص - وهى:
1 - المحاكاة الثقافية بين مختلف الفئات الاجتماعية التابعة للطرق الصوفية.
2 - التلقي الثقافي للمضامين الثقافية للرسائل الإعلامية الخاصة بالتصوف.
3 - التدين لاستعادة مجتمع صوفي - إسلامي - متخيل.
4 - الثقافة الصوفية ومدى تأثرها بثقافة العولمة.
العملية الرابعة: الإبداع في التراث الصوفي: وتعد عملية الإبداع في التراث الصوفي نتيجة ومحصلة لمظاهر التجديد والتحديث في الممارسات الصوفية اليومية والحياتية المرتبطة بثقافة وأنشطة الطريقة - الثقافية، الاجتماعية، الاقتصادية، الترفيهية... الخ، بوجه خاص؛ وبالثقافة الصوفية بوجه عام.

وفي الختام يمكن تلخيص أهم نتائج هذا البحث في النقاط التالية:
1 - ينقسم المصطلح الصوفي إلى ظاهر له دلالة سطحية حرفية، وباطن يتسم بلغة انزياحية رمزية مجردة. كما يخضع المصطلح ذاته لجدلية التأثر والتأثير على حد سواء؛ مما جعل لهذا الاصطلاح منابع داخلية وخارجية ومرجعيات متعددة. والتمكن منه مسلك ضروري وخطوة أساسية لفهم التجربة العرفانية والتعبير عنها.
2 - المتلقي الكفء هو الوريث الشرعي للنص، والنص هو ما يتشكل في فهمه ووعيه، ومن ثم فعملية القراءة البناءة هي عملية استكشاف وتحاور وتعارف وتحريك للإنتاجية والإبداع من خلال التفاعل التوليدي بين إمكانيات النص وقدرات القارئ ومعارفه.
3 - يؤدي المتلقي دورًا كبيرًا في تفعيل النص حينما يخلص العزم في تحديد السياق وفي استخلاص المعنى الذي يعود به إلى العالم المتحرك؛ وعليه تكون نقطة التمفصل بين سميولوجية القراءة وآليات التأويل منبثقة من السعي نحو تحديد المعنى وتحديد المرجعية.
4 - عملية التلقي هي في الأصل عمل مشترك يسهم فيه صاحب النص الصوفي - الرسالة - بخلاصة التجربة الصوفية التي عايشها، وتسهم فيه اللغة بدلالاتها الروحية الموحية لتجليات النص الصوفي، كما يسهم فيه المتلقي بخبرته وتجاربه الروحية وكفاءته التأويلية. فالعلاقة بين هذه المحاور تشبه بناءً هرميا، قمته النص الصوفي في لغته ومعطياته، وقاعدته المتلقي وهي علاقة قد لا تبدو واضحة وضوح الحس بهذا الشكل التنظيمي ولكنها علاقة ذهنية تفرض نفسها على المتلقي ناقدا أو قارئا أو مستمعا. وعليه فإن المُرسِلَ والمُتلقّي يكونان قائميْنِ في فعلِ الكتابةِ ذاته قبل أن يتجسّدا في شخصيْن ملموسيْن وواقعيّين.
5 - يعتمد عنصر التجديد وإعادة الإنتاج أو التأويل على علاقة الأخذ والعطاء المستمرة بين الطرق الصوفية المشتركة في تراث شعبي قومي واحد، وهناك أيضا علاقة أخذ وعطاء وتداخل بين الفرد وبين تراث الطرق الصوفية المتباينة. وهذا التداخل أو التفاعل هو الذي لا يدع مجالاً لقيام عزلة أو تنافر بين هذه الطرق الصوفية، ويحولها جميعًا إلى خلايا متفاعلة في نسيج واحد له صفة التجانس والتماسك في النهاية. فهذا التجانس حقيقة موجودة ملموسة لا تنفي مع ذلك الطابع العضوي للثقافة الصوفية، الذي يكفل لكل عضو تفرده وتميزه داخل طريقته الصوفية بشكل خاص، ولكن أيضًا تفاعله وتآزره مع سائر أعضاء الثقافة الصوفية بشكل عام.
6 - يتعذر في الوقت الحالي على كثيرين من أتباع الطريقة الصوفية بوصفهم متلقين لرسائل شيخ الطريقة النقشبندية (المرسل) فهم الرسائل التي تعتمد في نصوصها على المعرفة بأساليب وأسرار اللغة العربية، فضلاً عن أسرار اللغة الصوفية ومكنوناتها، كلغة يختلف فيها المعنى الظاهري عن المعنى الباطني الذي تثار حوله العديد من التساؤلات والإشكالات تارة، ويكتنفه الغموض والشك والقلق تارات أخرى. لذا فقد أصبح الخطاب الصوفي في صورته القديمة أقل تداولاً بين أتباع الطريقة الواحدة، حيث أصبحت نصوصه مفصولة عن الحاضر. مما استلزم معه تغيير صيغة الخطاب الصوفي لتصبح لغة سهلة في ثوب عصري يتفق وثقافة أتباع الطريقة العامة حول التصوف وحب الشيخ والطريق وغيرها من المصطلحات الصوفية ذائعة الانتشار.

الهوامش:
1 - محمد غلاب: التصوف المقارن، مكتبة نهضة مصر، (د.ت)، ص 38.
2 - شريف هزاع شريف: إشكالية المنهج وتأويل النص الصوفي.
shareef.elaphblog.com
3 - محمد رضا المظفر: المنطق، بغداد 1982م، ص 37.
4 - محمد الجوهري: المنهج في دراسة المعتقدات والعادات والتقاليد، مجلة الثقافة الشعبية، ع4، البحرين 2011م.
5 - مروان العطية: معجم المعاني الجامع، Pdf.
6 - مجمع اللغة العربية: المعجم الوجيز، 1989م، مجلد 1، ص 30.
7 - قصي مجدي سليم: التأويل وتطور مفهومه في النص الديني والأدبي.
http://www.almolltaqa.com
8 - ابن منظور: لسان العرب، دار الفكر، ط1، 1410هـ-1990م، ص 131.
9 - يوسف الصديق: المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة، الدار العربية للكتاب، ط2، تونس 1980م، ص 126.
10 - محمد أمين بن فتح الله زاده الكردي: تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب، تحقيق نجم الدين أمين الكردي، مطبعة الصباح، دمشق 1991م، ص 539.
11 - عبد المجيد بن محمّد الخانيّ: الحدائق الوردية في حقائق أجلاّء النقشبنديّة، تصحيح عبد الرزاق عبد الله، دار أراس، أربيل 2002م، ج2، ص 310.
12 - المرجع نفسه، ص 129.
13 - محمد بن عبد الله الخالدي: البهجة السنية في آداب الطريقة العلية الخالدية النقشبندية، تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت 2003م، ص 35.
14 - نفسه.
15 - نقلاً من موقع الطريقة النقشبندية في شبكة الأنترنت.
16 - Kasım Kufralı: Nakşibendiliğin Kuruluşu Ve Yayılışı (Introduction) Turkiyat Enst, N° 337, Istanbul 1949.
17 - عدها أصحاب الطريقة كرامة للشيخ جودة النقشبندي.
18 - مُرْسِلٌ: (اسم) اسم فاعل من أرسلَ/أرسلَ بمُرْسِلُ الخِطَابِ: بَاعِثُهُ وهو عمل متكرِّر يتحكّم بالمُدخَلات والمُخرَجات التي تدخل في نظام التَّشغيل. معجم المعاني الجامع.
19 - محي الدين بن عربي: فصوص الحكم، تحقيق د. أبو العلا عفيفي، البابي الحلبي، القاهرة 1946م، ج1، ص 68.
20 - محي الدين بن عربي: الفتوحات المكية، ضبط أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت 1999م، ج2، ص 661.
21 - أبو القاسم عبد الكريم ابن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشيريّ النيسابوري: الرسالة القشيريّة، ط2، القاهرة 1959م، ص 274.
22 - الهجويري: كشف المحجوب، دراسة وترجمة وتعليق د. إسعاد عبد الهادي قنديل، راجع الترجمة د. أمين عبد المجيد بدوي، مكتبة الإسكندرية، 1974م، ص 516.
23 - المتَلَقِّي هو مَنْ يَتلَقَّى الشَّيْءَ، مُسْتَقْبِلٍ، المعجم الغني.
24 - عبد المجيد بن محمّد الخانيّ: الحدائق الوردية في حقائق أجلاء النقشبنديّة، ص 181.
25 - محمد الحجيري: تحليل الخطاب الصوفي، هامش التأويل وتجديد المركز، موقع معابر.
26 - ناجي حسين جودة: المعرفة الصوفية، دراسة فلسفية في مشكلات المعرفة، دار الهادي، 2006، ص 129.
27 - أندريه لالاند: الموسوعة الفلسفية، منشورات عربية، بيروت-باريس، م3، ص 1399.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد الحكيم خليل سيد أحمد: اللغة الصوفية وإعادة الإنتاج - مقاربة توصيفية لإشكالية التلقي والتأويل، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس عشر 2016. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:
الدلالات اللغوية في الثقافة الصوفية
حوليات التراث، العدد 14، 2014.
***