رمزية المرأة في روايات أحلام مستغانمي

زهراء ناظمي سجزئي
جامعة طهران، إيران

الملخص:

تجرد أحلام مستغانمي، في رواياتها، المرأة من واقعيتها ومن كينونتها المادية، وتحولها إلى رمز للمدينة بكل ما تحمله الأخيرة من دلالات مادية ومعنوية، لتصبح المرأة بؤرة لإشعاعات إيحائية لا تحد. يتطرق هذا البحث بمعرفة عن بعض المفاهيم التي تهمنا في النظرة إلى هذا الموضوع وخلال هذا يتبين لنا أن الروائية ترفض المرأة وتفضل واقعيتها وهذا يعني أن للنص الروائي معان ينبغي للقارئ اكتشافها.

الكلمات الدالة:

الرمز، المرأة والواقع، الوطن، المدينة، قسنطينة.

***
The symbolism of women in the novels of Ahlam Mosteghanemi

Abstract:

In her novels, Ahlam Mosteghanemi strips women of their realism and their physical existence, transforming them into a symbol of the city with all the material and moral connotations the latter bears, so that women become a focus of unlimited suggestive radiation. This research deals with knowledge about some of the concepts that are important to us in looking at this topic, and through this it becomes clear to us that the novelist rejects women and prefers their realism, and this means that the narrative text has meanings that the reader should discover.

Key words:

symbol, women and reality, homeland, city, Constantine.

***

النص:

تجعل أحلام مستغانمي المرأة معادلاً للوطن، فتوحد بينها وبين المكان حتى لتصير جزءا منه، تسكن مدينة وتسكنه أخرى "أنا كالكتاب الذين يسكنون مدينة، كي يكتبوا عن أخرى. أسكن مدينة. لأتمكن من حب أخرى، وعندما أغادرها لا أدري أيهما كانت تسكنني وأيهما سكنت"(1). لم تقم دراسة متخصصة للبحث في هذا الموضوع، عدا إشارات عابرة جاءت في دراسات أخرى ومنها إشارة عادل فريجات وذلك في كتابه "مرايا الرواية"، منشورات اتحاد الكتاب العرب، سنة 2000م، حيث تناول عناصر الحب والموت والوطن في الروايتين، إضافة إلى عنصري المثاقفة في الفن، وشعرية الرواية، كما تناول الوطن رمزا وحقيقة في الرواية. و"ذاكرة الجسد وفوضى الحواس تاريخ الجزائر" لختام نعامنة، أدوات وخيارات جديدة 2001/9/21، تتناول فیها أسلوب السرد، والمرأة في الرواية، ثم علاقة الرواية بالشعب الجزائري. و"الرواية النسائية العربية: تجليات الجسد والأنوثة" لعبد الله إبراهيم، شبكة المرايا الثقافية 1424/8/2هـ، ويتناول فيها لغة الرواية وشخصية السارد. فلم تقم دراسة متخصصة للبحث في رمزية المرأة في روايات مستغانمي، وهو ما تقوم به الدراسة اقتصار دائرة البحث حول رؤية الكاتبة للنص بالنسبة لشخصية المرأة وعلاقتها بشخصيات أخرى.

1 - ذاكرة الجسد:

أ - المرأة والمدينة:

تكثف مستغانمي دلالة المرأة وتخرجها من نطاق جسدها بجعلها رمزا لمدينتها، وعنصرا إيحائيا يمثل ذاته بقدر ما يمثل المرموز له، فليس الرمز "نقلاً عن الواقع، وإنما أخذ منه ثم تجاوزه وتكثيفه ليتخلص من واقع المادة ليرتفع إلى مجال التجريد، وهنا يتحقق الإيحاء"(2)، فيربط "خالد" في "ذاكرة الجسد" بين "حياة" التي يلتقيها في غربته وبين مدينته التي غادرها مكرها، ويعقد شبهًا بينهما؛ فتتلبس "حياة" بتلك المدينة وتتوحد معها، وكأن المكان قد أسقط صفاته على ساكنيه وأكسبهم طبائعه "وقررت في سري أن أحولك إلى مدينة شاهقة، شامخة، عريقة، عميقة، لن يطالها الأقزام ولا القراصنة: حكمت عليك أن تكوني قسنطينة ما، وكنت أحكم على نفسي بالجنون"(3). ولأن الرمز تركيب لفظي "أساسه الإيحاء - عن طريق المشابهة - بما لا يمكن؛ تحديده، بحيث تتخطى عناصره اللفظية كل حدود التقرير، موحدة بين الشعور والفكر"(4)، يكون الشبه الذي ارتآه "خالد" بين "حياة" ومدينتها، ما دفعه لإقامة هذه العلاقة الإيحائية بينهما فهي امرأة متناقضة في طباعها، متطرفة في عواطفها تماما كقسنطينة، تمثل بملامح وجهها واستدارة جسدها تضاريس تلك المدينة ومعالمها وتاريخها، فتلتبس ملامح المرأة بتضاريس المدينة، وتشير هذه إلى تلك وتوحي بها "كنت أشهد تغيرك المفاجئ، وأنت تأخذين يوما بعد يوم ملامح قسنطينة، تلبسين تضاريسها، تسكنين كهوفها وذاكرتها ومغاراتها السرية، تزورين أولياءها، تتعطرين ببخورها، ترتدين قندورة عنابية من القطيفة، في لون ثياب "أمَ" تمشين وتعودين على جسورها، فأكاد أسمع وقع قدميك المهيأتين للأعياد"(5). تعقد مستغانمي علاقة وثيقة بين الشخص والمكان الذي يسكنه، إلى درجة أنسنة هذا المكان، وجعله شبيها بصاحبه، يأخذ منه ويعطيه، "فإن المرء كذلك بقدر ما ينظم الفضاء ينظمه الفضاء، اختراق متبادل، تفاعل يدخله المرء عبر سيرورة تجربته في الوجود وعبر اضطراد تشكل تصوراته وخبراته وتشييد معرفته"(6). وتختصر "حياة" النساء جميعا في ذاتها، كما تختصر قسنطينة المدن جميعًا، "لم تكوني امرأة، كنت مدينة، مدينة بنساء متناقضات مختلفات في أعمارهن وملامحهن، وثيابهن، وعطرهن، في خجلهن وجرأتهن؛ نساء من قبل جيل أمي وإلى أيامك أنت، نساء كلهن أنت"(7). وهي عبارات وردت بصياغات أخرى في قصيدة "درويش". وهي مثل مدينتها تحمل اسمين وعدة تواريخ للميلاد، حيث "أحلام" اسمها الأول، كما كانت (سيرتا) الاسم الأول لقسنطينة "وكانت تشبهك، تحمل اسمين مثلك، وعدة تواريخ للميلاد. خارجة لتوها من التاريخ باسمين: واحد للتداول، وآخر للتذكار"(8). ولا تأبه كل من "حياة" وقسنطينة بمن يقدسها، بل تسعى لاحتضان من لا يكترث بها الأمر الذي يكتشفه "خالد"، بعد عودته إلى قسنطينة لحضور زفاف "حياة"، ويجعله ينقلب عليهما معا، ويقرر نسيانهما "اكتشفت بعدها بنفسي التطابق بينك وبين تلك المدينة. كان فيكما معا، شيء من اللهيب الذي لم ينطفئ، وقدرة خارقة على إشعال الحرائق، ولكنكما كنتما تتظاهران بإعلان الحرب على المجوس. إنه زيف المدن العريقة المحترمة، ونفاق بنات العائلات، أليس كذلك؟"(9). فيفني "خالد" عمره في حب "حياة" التي تخونه وتحب غيره، ويفقد ذراعه دفاعا عن قسنطينة التي تحوله إلى غريب عنها، وتوكل أمرها لمن سرقوا انتصاراته(10)، ويجعل "خالد" المرأة والمدينة صورتين لحقيقة واحدة، تذكره إحداهما بالأخرى حال غيابها؛ فتعيده "حياة" التي التقاها في باريس، إلى مدينته قسنطينة، وتعيده قسنطينة، بعد عودته إليها، إلى "حياة" التي فقدها، فتذكره طرقها الجبلية المتشعبة بقلب "حياة" الذي يتسع لغير حبيب "في أي زقاق من هذه المدينة المتشعبة الطرقات والأزقة كقلبك، والتي تذكرني بحضورك وغيابك الدائم، وتشبهك حد الارتباك؟"(11). ويجعل "خالد" زواج "حياة" من رجل عسكري لا تحبه رمزا لفتح الفرنسيين قسنطينة، بل يجعله رمزا لكل مدينة عربية تفتح بقوة العسكر غصبا وقهرًا أم أن تكوني فقط، مدينة فتحت اليوم عنوة بأقدام العسكر، ككل مدينة عربية؟"(12). وبينما يعتبر "خالد" تحويله "حياة" من امرأة إلى مدينة تكريما لها، تذله هي وترفض حبه وتحوله إلى حطام رجل "أنا الرجل الذي حولك من امرأة إلى مدينة، وحولته من حجارة كريمة إلى حصى. لا تتطاولي على حطامي كثيرً"(13).
ب - المرأة والوطن:

تتسع رمزية "حياة" لتشمل الوطن كله "يا امرأة على شاكلة وطن"(14)، فتحمل في ثيابها رائحة الوطن وتغدو ممثلة له، يحضر بحضورها "يا ياسمينة تفتحت على عجل، عطرًا أقل حبيبتي، عطرًا أقل! لم أكن أعرف أن للذاكرة عطرًا أيضا، هو عطر الوطن. مرتبكا جلس الوطن"(15). ويقيم "خالد" شبهًا بينها وبين الوطن، كما فعل مع المدينة، فتغدو خائنة عندما يصير الوطن عدائيًا، كاذبة تحترف تزوير الحقائق، وصورة مشوهة مثله "أنت التي - كهذا الوطن - تحترفين تزوير الأوراق وقلبها، دون جهد؟"(16). وهي مثل وطنها تحترف النسيان "رفعت كأسي الملأى بك، نخب ذاكرتك التي تحترف مثله النسيان. نخب عينيك اللتين خلقتا لتكذب"(17)، فلا تختلف "حياة" عن هذا الوطن؛ إذ تطلب من "خالد" أن يرسمها شريطة ألا يوقع اسمه تحت اللوحة، لا تختلف عن الوطن الذي ضحى من أجله ليطرد منه، ويتولى غيره حكمه "كنت اكتشفت فقط مرة أخرى أنك نسخة طبق الأصل من وطن ما، وطن رسمت ملامحه ذات يوم، ولكن آخرين وضعوا إمضاءهم أسفل انتصاراتي"(18). ولأنه يرى الوطن من خلالها، يسقط هذا بسقوطها ويضيع بضياعها "قتلت وطنًا بأكمل داخلي، تسللت حتى دهاليز ذاكرتي، نسفت كل شيء بعود ثقاب واحد فقط"(19). وهو إذ يحوِّل "حياة" إلى رمز للوطن، يجردها من واقعيتها واستقلالها كامرأة، مؤكدا أنها رمز لا تملك حرية التصرف بمصيرها كغيرها من النساء، وأن عليه الحفاظ عليها، كما يحافظ على وطنه "احملي هذا الاسم بكبرياء أكبر، ليس بالضرورة بغرور، ولكن بوعي عميق أنك أكثر من امرأة. أنت وطن بأكمله، هل تعين هذا؟ ليس من حق الرموز أن تتهشم"(20). بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فيشير إلى تربص التاريخ بها، ليكتب عنها كل شيء، كما يتتبع هذا التاريخ مسيرة الوطن "أنت لست امرأة فقط، أفلا يهمك ما سيكتبه التاريخ يوما؟"(21). وهي قضية يثار جدل حولها، فبينما يرى "خالد"، هنا، أن تحويل المرأة إلى رمز تكريم لها، كما سيظهر لاحقا، يرى بعض الدارسين أمثال "جورج طرابيشي" أن تحويل المرأة إلى رمز للوطن يفقدها استقلالها وسؤددها الذاتي، وتصير أشبه بمادة لدائنية، يصنعها الآخرون ولا تصنع ذاتها، وينعكس ذلك بخسارة على الوطن الذي يخسر نفسه، أيضا؛ إذ يرمز له بكائن لا حرية له"(22). لأنَ الرموز "تستمد حيويتها وقدرتها على الإيحاء من كل قوة الرفض لما هو قائم ومن كل الطاقة التي يفترض أن يطلقها من عقالها قيام ما لم يقم بعد، وبعبارة أخرى. إن الرموز تحافظ على زخمها ما دام الحلم حلمًا، أما متى صار الحلم واقعا، فلا يمكن للرموز أن تستمر في الاشتغال: فهي قوة نفي أكثر منها قوة إثبات"(23). تتحول "حياة"، بعد قبولها الزواج من رجل عسكري لا تحبه، رغم تمردها العشقي السابق، إلى امرأة عادية، ويجردها "خالد" مما كان يراه تكريمًا لها، "تعمدت أن أفرغ النساء من رموزهن الأولى، من قال أن هناك امرأة منفى، وامرأة وطنا، فقد كذب، لا مساحة للنساء خارج الجسد، والذاكرة ليست الطريق الذي يؤدي إليهن"(24). يجرد "خالد" المرأة من رمزيتها التي تسمو بها عن كل مادة، وتجعلها قيمة روحية ومعنوية، يعيدها إلى حدود جسدها ويجعلها مجرد وعاء لرغبة الرجل، كما جرد قسنطينة من قدسيتها، بعد أن زارها ورآها بعين الواقع، مجردة مما أضفاه الغياب من سحر عليها. وقد أكد "درويش"، من قبل، أن الحلم يفقد جماليته بعد أن يتحقق ويصير واقعا، بل إنه يقتل صاحبه: "يحمل الحلم سيفًا ويقتل شاعره حين يبلغه".

لقد ناقش توفيق الحكيم الأمر ذاته في مسرحيته "بجماليون"، حيث كان هذا قد طلب من الآلهة (فينوس) أن تبث الحياة في تمثاله وحلمه الذي نحته بيديه (جالاتي)، ولكن الحلم يتصدع والتمثال يتحطم مجرد تحوله إلى واقع، إلى امرأة من لحم ودم(25)، ما يدفع (بجماليون) لأن يرجو الآلهة كي تعيد تمثاله إلى صورته الأولى، وتفعل هذه، لكنها لا تفلح في جعل (بجماليون) يراه كما كان، سابقا، بل ظل يرى فيه جريمته، ويعتبر نفسه قاتلاً لزوجته، "فيتأكد لديه فقدان حلمه الرائع إلى الأبد، ما يجعله يحطم تمثاله ويموت جواره"(26).

2 - رمزية السوار واللوحة:

تجعل أحلام مستغانمي من خلال "خالد"، أشياء المكان رموزا له؛ حيث تحمل دلالات نفسية خاصة به، وتثير صورا وأخيلة لا حدود لها، ذاك أن الرمز، كما يشير (فريزر) ليس "شيئا أو إشارة تتحدد، ولكنه وسيلة فنية بها يسعنا أن نوحي أو نعبر عن أية حالة من الحالات النفسية. كل ما في الكون ينزع إلى أن يكون رمزً"(27)، فيغدو السوارة الذي تلبسه "حياة" في معصمها، وهو جزء من تراث قسنطينة وجزء من جهاز العرائس فيها، يغدو ممثلا لتلك المدينة ورمزا للوطن بأكمله، يحمِّله "خالد" حنينه للمدينة التي تحضر بحضوره، فيغدو ذاكرتها وتاريخها، "يوم دخلت هذه القاعة، دخلت قسنطينة معك. دخلت في طلتك، في مشيتك، في لهجتك، وفي سوار كنت تلبسينه"(28). ويصير السوار ذاكرة ورمزا للأمومة التي كانت قسنطينة مكانا لها، فهو كسوار أمها الذي لم تخلعه يوما، "هذا السوار مثلا، لقد أصبحت علاقتي به فجأة علاقة عاطفية. لقد كان في ذاكرتي رمزا للأمومة دون أن أدري"(29). ويرسم "خالد" لوحة "حنين" أولى لوحاته الفنية، في الفترة التي يسجل فيها اسم "حياة" في البلدية، ليكون ميلادهما واحدا، فيجعل منهما توأمين، ويعزز هذه القرابة بينهما وقوف "حياة" بعد 25 سنة أمام هذه اللوحة تتأملها دون غيرها، فتصير اللوحة رمزًا ل"حياة" ومن خلال رمزية اللوحة ل"حياة" ودلالتها عليها، يعزز "خالد"، في الوقت ذاته، رمزية "حياة" لقسنطينة؛ ذاك أن هذه اللوحة تخلد جسرا من جسورها "صباح الخير قسنطينة. كيف أنت يا جسري المعلق، يا حزني المعلق منذ ربع قرن؟"(30) ولتأكيد هذا الرمز ثلاثي الأبعاد، يستمر "خالد" في رسم جسور قسنطينة وتخليد تضاريسها في لوحاته، مؤكدًا أنه يرسم "حياة" لا غير، "أنت مدينة، ولست امرأة، وكلما رسمت قسنطينة رسمتك أنت، ووحدك ستعرفين هذ"(31)، لهذا يرتبك "خالد" أمام لوحاته التي تمثل الوطن"(32). ولدى استغراب "حياة" من هذا الشبه الذي يقيمه "خالد" بينها وبين قسنطينة وجسورها، يحاول ربط ملامح جسدها بتضاريس تلك المدينة، وفق رؤيته النفسية، "ربما لم تكوني أنت، ولكن هكذا أراك، فيك شيء من تعاريج هذه المدينة، من استدارة جسورها، من شموخها، من مخاطرها، من مغارات وديانها. من هذا النهر الزبديّ الذي يشطر جسدها، من أنوثتها وإغرائها السري ودواره"(33). بيد أن "حياة" ترفض الترميز المتمحور حول شخصها. وتفضل واقعيتها وبالتالي حريتها، مؤكدة أنها امرأة تملك بعدا واقعيًا غير قابل للاختزال، فترفض ما يراه "خالد" تكريمًا، وتطلب أن يرسمها هي لا مدينتها "ولكنني كنت أفضل لو رسمتني أنا وليس هذا الجسر. إنّ أي امرأة تتعرف على رسام، تحلم في سرها أن يخلدها، أن يرسمها هي، لا أن يرسم مدينته"(34). وهو ما فعلته المرأة في قصيدة "درويش"؛ إذ رفضت اعتبارها مدينة وأصرت على آدميتها ولا ترمز "حياة" لقسنطينة، فقط، بل هي رمز لكل مدينة عربية، فيشبهها "خالد "بغرناطة، "أشعر أنك جزء من تلك المدينة أيضا، فهل كل المدن العربية أنت، وكل ذاكرة عربية أنت؟"(35). ويجعل "خالد" (كاترين) رمزا لباريس المدينة التي لم يحبها على الرغم من انجذابه إليها، فيرمز بعلاقته مع (كاترين) وعدم حبه لها، إلى علاقة قسنطينة بباريس، منذ قرن، أي منذ احتلال فرنسا للجزائر، "لقد كانت علاقتنا دائمًا ضحية سوء فهم وقصر نظر. فافترقنا كما التقينا منذ أكثر من قرن، دون أن نعرف بعضنا حقًا، دون أن نحب بعضنا تمامًا، ولكن دائمًا بتلك الجاذبية الغامضة نفسه"(36). ويستمر استخدام مستغانمي للرمز في روايتيها التاليتين؛ إذ تشير من خلال "خالد " المصور في "فوضى الحواس" إلى رمزية "حياة"، وهي ذاتها بطلة "ذاكرة الجسد"، فيؤكد هذا أنها مدينة "فلا تنتظري شيئًا يا سيدتي، لقد أعلنتك مدينة مغلقة!"(37). الأمر الذي يؤكده هو ذاته في "عابر سرير" فيعتبر "حياة" قسنطينة لا غير، المرأة المدينة، التي أحبها، دوما، ووضع نفسه تحت تصرفها، "وكنت رجل الشهوات الأرضية والحزن المنخفض الذي نام دوما عند أقدام قسنطينة(38)". فلیست لدی ارتدائها الثوب الأسود سوى قسنطينة التي ترتدي نساؤها الملاءات السود، "كأنها في كل ما ترتديه ما ارتدت سوى ملاءتها. وإذا بها قسنطينة(39)". وترمز "حياة" هنا، أيضا، إلى الوطن الذي لا يأبه بمواطنيه الشرفاء ولا يكترث لموتهم أو حياتهم؛ فلم تفعل، لدى وداعها لجثة "خالد" الرسام، سوى تمرير يدها ببرود على نعشه، وكأنها لم تعرفه يوما "امرأة كأنها وطن، لا تكلف نفسها سوى جهد تمرير يدها بالقفاز على تابوتك، أو وضع وردة على نعشك في أحسن الحالات"(40).

الخاتمة:

تجعل أحلام مستغانمي المرأة رمزا للمدينة ورمزا للوطن بأكمله، معشوقة مثله، وخائنة مثله، أيضا، تحمل صفاته في الكذب والتطرف والجنون، ومع ذلك لا يملك "خالد" الرسام ومن بعده "خالد" المصور إلا الجري وراءها، كما فعلا مع الوطن، بيد أن الرسام، في "ذاكرة الجسد"، يقرر قطع علاقته ب"حياة"؛ فيمزق الورقة التي تحمل رقم هاتفها، ولا يعود يسألها عنها، فيتهشم الرمز، ويفقد إيحاءاته لتعود هي امرأة عادية كغيرها من النساء، كما تنكر للوطن وقرر مغادرته والكف عن عشقه.

الهوامش:
1 - أحلام مستغانمي: فوضی الحواس، دار الآداب، بيروت 2007، ص 25.
2 - فاطمة الزهراء محمد: العناصر الرمزية في القصة القصيرة، دار نهضة مصر، الفجالة، القاهرة 1984، ص 24.
3 - أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، دار الآداب، بيروت 2010، ص 119 و141.
4 - أحمد، محمد فتوح: الرمز والرمزية في الشعر العربي، دار المعارف، ط3، القاهرة 1984، ص 41.
5 - أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، ص 141.
6 - المرجع نفسه، ص 141.
7 - المرجع نفسه، ص 290.
8 - المرجع نفسه، ص 274.
9 - المرجع نفسه، ص 100.
10 - المرجع نفسه، ص 328.
11 - المرجع نفسه، ص 365.
12 - المرجع نفسه، ص 281.
13 - المرجع نفسه، ص 184.
14 - المرجع نفسه، ص 85.
15 - المرجع نفسه، ص 48.
16 - المرجع نفسه، ص 343.
17 - المرجع نفسه ص 170.
18 - المرجع نفسه، ص 379.
19 - المرجع نفسه، ص 381.
20 - المرجع نفسه، ص 277.
21 - جورج طرابيشي: رمزية المرأة في الرواية العربية ودراسات أخرى، دار الطليعة، ط2، بيروت 1985، لوحة الغلاف الأخيرة.
22 - المصدر نفسه، ص 176.
23 - أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، ص 375.
24 - جورج طرابيشي: لعبة الحلم والواقع، دراسة في أدب توفيق الحكيم، دار الطليعة، ط2، بيروت 1979، ص 108.
25 - جورج طرابيشي: لعبة الحلم والواقع، ص 118.
26 - فاطمة الزهراء محمد: العناصر الرمزية في القصة القصيرة، ص 20.
27 - أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، ص 117.
28 - المرجع نفسه، ص 119.
29 - المرجع نفسه، ص 79.
30 - المرجع نفسه، ص 164.
31 - نفسه.
32 - المرجع نفسه، ص 167.
33 - المرجع نفسه، ص 168.
34 - المرجع نفسه، ص 216 و217.
35 - المرجع نفسه، ص 403.
36 - أحلام مستغانمي: فوضی الحواس، ص 88.
37 - أحلام مستغانمي: عابر سرير، دار الآداب، بيروت 2011م، ص 117.
38 - المرجع نفسه، ص 211.
39 - نفسه.
40 - المرجع نفسه، ص 214.
الإحالة إلى المقال:

* زهراء ناظمي سجزئي: رمزية المرأة في روايات أحلام مستغانمي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس عشر 2016. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:
اللغة الشعرية في رواية فوضى الحواس لأحلام مستغانمي
حوليات التراث، العدد 13، 2013.
***