عوامل التغير الدلالي

د. لزهر مساعدية
المركز الجامعي ميلة، الجزائر

الملخص:

إن اللغة ظاهرة اجتماعية، وهي شبيهة بالكائن الحي فهي تحيا في أحضان المجتمع، وتتطور بتطوره، فترقى برقيه، وتنحط بانحطاطه. فكما يتطور الكائن الحي ويتغير، تتطور، وكما ينمو تنمو. فمعاني الألفاظ لا تستقر على حال، بل هي في تغير دائم، ومرد ذلك إلى عوامل مختلفة، وسوف تحاول هذه الورقة البحثية التعرض لأهم عوامل التغير الدلالي.

الكلمات الدالة:

اللغة، الدلالة، التغير الدلالي، عوامل التطور، الاشتقاق.

***
Semantic change factors

Abstract:

Language is a social phenomenon, and it is similar to a living being, as it lives in the bosom of society, develops with its development, rises in its prominence, and declines in its decline. As a living being evolves and changes, it evolves and as it grows, it grows. The meanings of the expressions do not remain stable, rather they are in constant change, and this is due to various factors. This research paper will try to address the most important factors of semantic change.

Key words:

language, significance, semantic change, evolution factors, derivation.

***

النص:

لقد أشار ستيفن أولمان(1) (Stephen Ullmann) إلى أن تغير العلاقة بين اللفظ والمدلول يظهر في صورتين(2):
- الأولى: أن يضاف مدلول جديد إلى كلمة قديمة.
- الثانية: أن تضاف كلمة جديدة إلى مدلول قديم.

فالصورة الأولى هي التي استحوذت على اهتمام الدارسين، على اعتبار أن الثبات للفظ والتغير للمعنى، لذلك فالصورة الثانية لم تلق القدر الكافي من الاهتمام(3).

كما تنقسم العوامل إلى قسمين:
- عوامل مقصودة متعمدة، مثل قيام المجامع اللغوية والهيئات العلمية بوضع مصطلحات جديدة، أو إضفاء دلالات جديدة على ألفاظ قديمة لمجاراة التطور في مجالات الحياة المختلفة(4).
- عوامل غير مقصودة أنتجها التطور الاجتماعي والثقافي للمجتمعات الإنسانية، أو التطور الذي يحدث في اللغة من ناحية الصيغ والتراكيب والأساليب.

ومن بين من قاموا بدراسة التطور الدلالي أبو حاتم الرازي (ت 322هـ) في كتابه (الزينة في الكلمات الإسلامية)، فقد تناول مجموعة من الألفاظ الإسلامية التي تطورت دلاليا، وسعى في دراسته إلى التعرض لأمور تتصل بتاريخ العربية بغية تأصيل الدلالات واشتقاق الجديد من القديم.

وقد رأى أن الأسماء في اللغة العربية أنواع، يقول: "فمنها ما هي قديمة في كلام العرب، اشتقاقاتها معروفة، ومنها أسام دل عليها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الشريعة ونزل بها القرآن، فصارت أصولاً في الدين وفروعاً في الشريعة لم تكن تعرف قبل ذلك، وهي مشتقة من ألفاظ العرب، وأَسام جاءت في القرآن لم تكن العرب تعرفها ولا غيرهم من الأمم، مثل: تسنيم وسلسبيل وغسلين وسجين والرقيم وغير ذلك..."(5). ويرى بعض الباحثين أن عوامل التغير الدلالي لا تخرج عن الحقل الآتي(6):
أ - عوامل تتعلق بمبلغ وضوح الكلمة في الذهن:

كلما كان مدلول المفردة واضحا قلّ تعرضه للتغير والعكس صحيح ويساعد على وضوحها عادة ارتباطها بفضيلة أو (فصائل) كلمات معروفة الأصل.
ب - عوامل تتعلق بأصوات الكلمات:

ثبات الصوت يساعد على ثبات المعنى واحتفاظ المفردة بصورتها الصوتية يوضح ويوثق صلتها بأصلها والعكس صحيح.
جـ - عوامل تتعلق بالقواعد:

قد تساعد قواعد لغة معينة على تغير مدلول كلمة وتوجيهه وجهة خاصة فتذكير كلمة "ولد" جعل معناها يرتبط بالمذكر وأصبحت لا تطلق إلا على الولد من الذكور.
د - عوامل تتعلق بانتقال اللغة من السلف إلى الخلف:

قد يختلف الخلف عن السلف في استخدام المفردات في غير ما وضعت له عن طريق التوسّع أو المجاز فيقصر ويحصر أحدهما ويوسّع الأخر وقد يعنى الأول بالحقيقة ويعنى الآخر بالمجاز.
- ويتغير مدلول مفردة معينة أيضا عند انتقالها من لغة إلى أخرى فيخصص مدلولها العام أو قد يعمم مدلولها الخاص وقد تستعمل استعمالا مجازيا.
- وقد يكون العامل في تغير معنى الكلمة أن المدلول قد تغيرت طبيعته أو عناصره أو وظائفه أو الشؤون الاجتماعية المتصلة به فكلمة "ريشة" كانت تطلق على آلة الكتابة أيام كانت تستخدم من ريش الطيور وتغير مدلولها اليوم فأصبحت تطلق على قطعة من المعدن مشكلة في صورة خاصة.

وكان القطار يطلق في الأصل على عدد من الإبل على نسق واحد تستخدم في السّفر وتغير مدلوله تبعا لتطور وسائل النقل.
هـ - عوامل تتعلق باختلاف الطبقات والجماعات:

كثيرا ما يختلف الناس في مدلول كلمات نظرا لاختلاف فئاتهم وعقلياتهم وطبائعهم.
و - عوامل تتعلق باستخدام الكلمات:
- فالإكثار من الاستخدام العام في بعض ما يدل عليه يضيق مدلوله على الحالة التي شاع فيها ذلك الاستعمال ومن أمثلة ذلك المفردات التي كانت عامة ثم شاع استعمالها في الإسلام في معان خاصة تتعلق بالعقائد كالصلاة والحجّ. فالصلاة كان معناها في الأصل الدعاء ثم تطورت دلالتها لتشير إلى العبادة المعروفة، كونها تشتمل على مظهر من مظاهر الدعاء وهكذا أصبحت تختص بهذا المعنى. أمّا الحجّ فكان معناه في الأصل قصد الشيء والاتجاه إليه ثم تطور معناه ليشير إلى قصد البيت الحرام وأصبح معناه مقصورا على هذه الشعيرة.
- والإكثار من استخدام الخاص في معان عامة يوسّع خصوصية ومن أمثلة ذلك مفردات البأس والورد فالبأس كانت تعني في الأصل الحرب ثم صارت تطلق في شدّة فأصبح معناها عاما، وأصل الورد إتيان الماء وحده ثم صار إتيان كل شيء وردا وأصبح معناه عامّا أيضا.
- كما تؤدي كثرة استخدام كلمة في معنى مجازي غالبا إلى انقراض معناها الحقيقي وحلول المعنى المجازي محله ومن أمثلة ذلك كلمتا الوغى والعقيقة... فالوغى كانت تطلق على اختلاط الأصوات في الحرب ثم صارت تدّل على الحرب نفسها... كما انتقل معنى العقيقة من الشعر الذي يخرج على الولد من بطن أمّه إلى ما يذبح عنه عند حلقه.

فالألفاظ التي يصيب معناها التغير تصير إلى ثلاثة: تخصيص دلالة الكلمة، أو تعميمها، أو تغيير مجال استعمالها. وهذا ما حدا بأحدهم إلى القول في المعنى القديم للفظ: "إما أن يكون أوسع من المعنى الجديد، أو أضيق منه، أو مساوياً له، ولم تكن هناك إمكانية رابعة يدخلونها في حسبانهم"(7).

وهو الشيء نفسه الذي ذهب إليه الباحث اللغوي جوزيف فندريس(8) (Joseph Vendryes)، حيث يقول: "ترجع أحياناً التغيرات المختلفة التي تصيب الكلمات من حيث المعنى إلى ثلاثة أنواع: التضييق والاتساع والانتقال، فهناك تضييق عند الخروج من معنى عام إلى معنى خاص... وهناك اتساع في الحالة العكسية أي عند الخروج من معنى خاص إلى معنى عام... وهناك انتقال عندما يتعادل المعنيان أو إذا كانا لا يختلفان من جهة العموم والخصوص"(9).

أما انتقال الدلالة فهو حينما أن ينتقل اللفظ من مجال استعماله المعروف فيه، إلى مجال آخر، ويشمل هذا المظهر نوعين من تطور الدلالة:
- الأول: ما كان انتقال الدلالة فيه لعلاقة المشابهة، وهو ما يعرف بـ(الاستعارة).
- الثاني: ما كان انتقال الدلالة فيه لغير علاقة المشابهة، وهو ما يعرف بـ(المجاز المرسل).

الأول، في الاستعارة، والاستعارة كما هو معروف أسلوب قد حفل به كلام العرب شعراً كان أو نثرا، وتكلمت به كتبهم كثيرا، لذلك سوف نذهب مباشرة إلى رأي غربي فيها حيث يقول ستيفن أولمن: "إننا حين نتحدث عن (عين الإبرة) نكون قد استعملنا اللفظ الدال على عين الإنسان استعمالاً مجازياً، أما الذي سوغ لنا ذلك فهو شدة التشابه بين هذا العضو والثقب الذي ينفذ الخيط من خلاله"(10).

الثاني، في المجاز المرسل، ويرى جوزيف فندريس أن انتقال الدلالة من مجال إلى آخر يكون حينما يتعادل معنيا الكلمة - القديم والجديد - ويذهب إلى أن تعميم المعنى أو تخصيصه ينشأ في الغالب الأعم من الانتقال، يقول: "وهناك انتقال عندما يتعادل المعنيان أو إذا كانا لا يختلفان من جهة العموم والخصوص، كما في حالة انتقال الكلمة من المحل إلى الحال أو من السبب إلى المسبب، أو من العلامة الدالة إلى الشيء المدلول عليه إلخ، أو العكس، ولسنا في حاجة إلى القول بأن الاتساع والتضييق ينشآن من الانتقال في أغلب الأحيان، وأن انتقال المعنى يتضمن طرائق شتى يطلق عليها النحاة أسماء اصطلاحية: الاستعارة، إطلاق البعض على الكل، أو المجاز المرسل بوجه عام، أو المجاز المرسل بعلاقة الشبه أو غيره عند عدم وجود اسم للشيء المنقول إليه"(11). فالاتساع في التعبير غاية من غايات النقل الدلالي.

كذلك فنقل المتكلمين اللفظ من المجال المألوف إلى مجال آخر غير مألوف كان حين "تعوزهم الحاجة في التعبير، وتتزاحم المعاني في أذهانهم أو التجارب في حياتهم، ثم لا يسعفهم ما ادخروه من ألفاظ، وما تعلموه من كلمات، فهنا قد يلجئون إلى تلك الذخيرة اللفظية المألوفة، مستعينين بها على التعبير عن تجاربهم الجديدة لأدنى ملابسة أو مشابهة أو علاقة بين القديم والجديد"(12).

فمن ذلك إطلاق اسم (الشتاء) على المطر، لأن الشتاء هو الفصل الذي ينزل فيه المطر، فالعلاقة بين المعنيين زمانية.

وقد اختلف علماء اللغة الأوائل في تقسيم المجاز المرسل بحسب علاقاته بين جعله تسعة أقسام، وجعله أربعة عشر قسما(13)، وقد ذكر السيوطي (ت 911هـ) من أقسام هذا المجاز عشرين قسما(14).

وأهم علاقات المجاز المرسل التي ذكرها المتقدمون، هي: السببية، والكلية والجزئية، والآلية، والحالية والمحلية والمجاورة والعموم والخصوص، واعتبار ما كان وما يكون(15). وهناك عوامل أخرى تتعلق بالابتذال أو انحطاط معنى الكلمة، كما يمكن تتعلق برقي المعنى(16): فكلمة (الحاجب) كانت تعني في الدولة الأندلسية: (رئيس الوزراء) ثم انحدرت في وقتنا الحاضر إلى معنى (البواب)(17).

ويمكننا أن نجمع عوامل التطور الدلالي في الحقل الآتي أيضا(18):
1 - التحول الاجتماعي والثقافي.
2 - الحاجة.
3 - كثرة الاستعمال.
4 - أسباب نفسية.
أ - التفاؤل والتشاؤم.
ب - قبح دلالة بعض الألفاظ.
5 - أسباب لغوية، التغير الصوتي كالإبدال.
6 - أسباب تاريخية وحضارية.

مهما يكن من حديث عن عوامل التغير الدلالي فإن أسباب تغير المعنى تبقى كثيرة ومتنوعة، وقد ذكر بعض علماء الدلالة أن: "عملية تغير المعنى مسألة صعبة ومعقدة، وبعضها فريد في نوعه، وعلى الرغم من ذلك يمكن استنباط عدة أسباب مهمة لتغير المعاني"(19). ولا يزال الموضوع ذا سعة.

الهوامش:
1 - ستيفن أولمان هو أحد أبرز أعلام الدرس الدلالي الحديث، وله أيضا إسهامات جليلة في الدرس الأسلوبي.
2 - ستيفن أولمان: دور الكلمة في اللغة، ترجمة كمال بشر، القاهرة 1975، ص 152.
3 - محمد المبارك: فقه اللغة وخصائص العربية، دار الفكر، بيروت 1972، ص 217.
4 - رمضان عبد التواب: التطور اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه، القاهرة 1983، ص 111.
5 - أبو حاتم الرازي: الزينة في الكلمات الإسلامية، ط2، القاهرة 1957، مج1، ص 134-135.
6 - علي عبد الواحد وافي: علم اللغة، دار نهضة مصر، ط7، القاهرة 1972، ص 312-325.
7 - ستيفن أولمان: دور الكلمة في اللغة، ص 162.
8 - جوزيف فندريس (1875-1960م) من كبار اللغويين الفرنسيين.
9 - جوزيف فندريس: اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1950، ص 256.
10 - ستيفن أولمان: دور الكلمة في اللغة، ص 168.
11 - جوزيف فندريس: اللغة، ص 256.
12 - إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ، مكتبة الأنجلو المصرية، ط3، القاهرة 1976، ص 130.
13 - مهدي السامرائي: المجاز في البلاغة العربية، دار الدعوة، ط1، حماة 1974، ص 116.
14 - السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، المكتبة العصرية، بيروت 1988، مج3، ص 111-116.
15 - مهدي السامرائي: المجاز في البلاغة العربية، ص 117-119.
16 - إن قضيتي رقي وانحطاط الدلالة تجعلنا نقر بأن القول بالتطور الدلالي للألفاظ يشوبه الخطأ، فالصواب هو عوامل التغير الدلالي لأن التطور يعني التغير الإيجابي فقط، وكما سوف نلاحظ أن التغير يكون كذلك في الجانب السلبي "ابتذال أو انحطاط معنى الكلمة"، فالتغير أعم من التطور، وللأسف نجد أن كثيرا من الدلاليين يتحدثون عن التغير بما فيه السلبي ويطلقون عليه تطورا.
17 - رمضان عبد التواب: التطور اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه، ص 114.
18 - فريد عوض حيدر: علم الدلالة، مكتبة الآداب، 2005، ص 87-97.
19 - حاكم مالك لعيبي: الترادف في اللغة، بغداد 1980، ص 15.
الإحالة إلى المقال:

* د. لزهر مساعدية: عوامل التغير الدلالي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس عشر 2016. http://annales.univ-mosta.dz

***