كشاف الزمخشري عقيدة ومنهجا

د. إبراهيم مناد
جامعة تلمسان، الجزائر

الملخص:

إن الحديث عن المذاهب الإسلامية يحتاج إلى الكثير من التأني والتدقيق؛ وذلك لتنوعها وتشعبها، بل في بعض الأحيان يكون الاختلاف داخل الاتجاه الواحد. ومن ثمة كان للفرق الدينية أثر بالغ في إثراء التراث العربي الإسلامي بجهود عديدة بقيت على مر التاريخ محل اهتمام، ولا يكاد ينقطع البحث فيها. ومن هذه الجهود كتب التفسير التي ارتبطت بالنص القرآني شرحا وتفسيرا أو تأويلا، ونخص منها كتاب الكشاف لمؤلفه الزمخشري. إن المعروف عن هذا التفسير أنه أثرى البلاغة العربية، ومثل لمباحثها أحسن تمثيل، وهو تفسير يجمع أيضا بين مجموعة من العلوم الأخرى كالنحو والقراءات القرآنية وغيرها، وتتعدد فيه الوجوه والتوجيهات في آن واحد. وهذا الأمر راجع إلى كون صاحب الكشاف من أهل الاعتزال (المعتزلة)، وقد كان يعمد إلى تحليل النصوص القرآنية وفق مذهبهم؛ الذي يتكئ على العقل ومبادئ المنطق، وذلك يتجلى واضحا في نهجهم القائم على الأصول الخمسة، ومنها التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن هنا، ارتأينا أن نتحدّث عن تفسير الكشّاف، وعن اتجاه الزمخشري، وذلك بغيةَ الوقوف على توظيف المبادئ العقدية في تفسير النصّ القرآنيّ، وأثر ذلك في توجيه معاني الآيات القرآنية.

الكلمات الدالة:

الزمخشري، المعتزلة، الكشاف، المذاهب الإسلامية، النحو.

***
The Keshaf of Zamakhshari doctrine and methodology

Abstract:

Talking about Islamic doctrines needs a lot of careful consideration. This is due to its diversity and bifurcation, and in some cases, the difference is within the same direction. From there, the religious sects had a great impact on enriching the Arab and Islamic heritage with numerous efforts throughout history that remained of interest, and the research on them is almost uninterrupted. Among these efforts are books of tafsir, which are linked to the Qur’an text, as an explanation and interpretation or interpretation, and we singled out the book of "Al-Kashaf" by its author Al-Zamakhshari. This interpretation is known to have enriched the Arabic rhetoric, and it represented the best representation of its subjects, and it is an interpretation that also combines a group of other sciences such as grammar, Qur’anic readings and others, and it has multiple aspects and orientations at the same time. This matter is due to the fact that the author of "Al-Kashaf" was one of the companions of the Mu'tazila, and he used to analyze Quranic texts according to their doctrine; who leans on the mind and the principles of logic, this is evident in their approach based on the five principles, including monotheism, justice, the status between the two statuses, the promotion of virtue and the prohibition of vice.

Key words:

Zamakhshari, Mutazilites, al Kashaf, Islamic doctrines, grammar.

***

النص:

إن تفسير الكشاف من أهم كتب التفسير وأشهرها، خاصة وأنه أُلف في قالب فريد من نوعه، نظرا لتضافر جملة من العوامل اللغوية والبلاغية والدينية على حد سواء. وهو لصاحبه محمود بن عمر بن محمد بن عمر العلامة أبي القاسم الزمخشري الخوارزمي (ت 538هـ)(1).

ولن نعمد إلى الحديث عنه إلا ما اتصل بمذهبه الاعتزالي، وما كان رائدا فيه في مجال البلاغة والكلام والنحو الذي كان الاحتكام فيه إلى المنطق في الكثير من الأحايين؛ لأن "أحكام النحو ومعانيه سبيلها في الأغلب والأعم سبيل المنطق ومعانيه، فالنحو يستهل حياته بأن يعزز الاستعمال بالصواب المنطقي ويجري المعاني المنطقية على الصورة اللغوية، ثم لا يلبث بعد ذلك أن يقع أسيرا للمنطق وأحكامه"(2)، وإن كنا لا نرى أن ذلك يصدق على كل أبواب النحو.

ثم إن علم الكلام ظهر أول ما ظهر للدلالة عمن كان يدقق في مسائل العقيدة وينظر فيها، فكان لقب المتكلم "يُطلَق أولا على من نظر في مسائل العقائد، وكان المعتزلة أول من خاضوا في هذا المضمار بصورة مذهبية. ثم أصبح بعد ذلك يُطلَق على المتكلمين الذين يخالفون المعتزلة ويتبعون أهل السنة"(3)، فالزمخشري كان من المتكلمين وأي متكلم هو، خاصة إذا ما علمنا أن هذه الفرقة كانت متشبعة بمبادئ الفلسفة، وشغفها بها كان بينا؛ إذ إن المطالع لكتب المعتزلين ومؤلفاتهم يتبدى له ذلك في سهولة ويسر، وذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بالدفاع عن العقيدة، بحيث كانت المعتزلة "طليعةَ المدارس الكلامية التي قامت لحل ما كان يشغل المسلمين من المشاكل الحيوية، مثل مشكلة حرية الإرادة ومشكلة مرتكبي الكبائر، وقد عني رجال هذه المدرسة بدروس الفلسفة للاستعانة بها في الدفاع عن العقيدة، ثم أخذوا تدريجيا يحاولون التوفيق بين العلوم النقلية والعلوم العقلية، وعندما توغلوا في الفلسفة وتعمقوا في مسائلها، أحبوها لذاتها فعظموا شأنها حتى إنهم صاروا يُخضِعون النقل للعقل، ويؤولون معتقداتهم الدينية ليوفقوا بينها وبين الفلسفة، فأثار عليهم هذا التصرف سخط المتكلمين السنيين الذين استنكروا تعاليهم وأبوا الاعتراف لهم بأنهم متكلمون أو متكلمون صادقون"(4).

وإن كان موضوعنا نحويا فإننا نرى أنه لا بأس من عرض مبادئ المعتزلة ههنا، وكذا بعض أدوات التحليل والتأويل عندهم، لتعم الفائدة، ولنتبين فيما بعد إذا ما كان لهذه المبادئ وغيرها أثر وتأثير على دراسة الزمخشري النحوية. فقد اشتهر المعتزلة بخمسة أصولٍ وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فأما التوحيد(5) فمعناه نفي القدماء، فلا قديم مع الله سبحانه وتعالى، ذلك أن أغلب كلام هذه الفرقة في التوحيد يتمحور حول إنكار الصفات الأزلية، واعتبرت الله جل وعلا غير مالك لصفة خارجة عن ذاته، فقالوا عن الصفات جميعها إنها هي هو، أي: ذاته.

وأما العدل(6) فوجهة نظرهم إلى هذه الصفة أن الله سبحانه وتعالى لا يجوز ولا يليق به أن يخلق أفعال العباد، ثم بعدئذ يعذبهم على قبيحها وسيئها؛ إذ العدل أن لا يريد لأحد من الناس الخير، وبالمقابل يريد لغيره الشر، ومعنى هذا أنه يهدي أحدا فيُدخِله الجنة، ولا يعمد إلى تضليل آخرَ ليُدخِله في النار، والاحتكام في كل ذلك إلى العقل كما سنرى فيما بعد.

وإلى جانب التوحيد "انتهجوا نفس المنهج العقلي في إثبات العدل على الله في الثواب والعقاب، وحين تناولوا مشكلة المثوبة والعقوبة قرروا حرية الإرادة عند الإنسان، وأنه يضع أعماله بنفسه، وفي كل موضوع من أبحاثهم نجدهم يعملون في شأن سلطان العقل والأخذ بما يتوصل إليه من نتائج، وإن أثارت استنكار أهل السنة لهم"(7).

وأما الوعد والوعيد(8)، فيرى الزمخشري - ومن سَبِقه ومن والاه - أن الله تعالى قد أوجب فرائضَ هي بمثابة الوجوب، ونهى عن أعمال كثيرة ذكرها في محكمه، وأبانتها السنة أيما إبانة، فوعد مُطِيعَ أوامره ومُجتَنِب نواهيه بالجنة والنعيم، وتوعد من خالف الأوامر وارتكب ما نهى عنه بجهنم والعذاب الشديد، فلا يجوز على الله الخلف بالوعد ولا الوعيد، وبالتالي فالعقوبة للعاصي مُستحَقة إلا أن يتوب، وكذلك الجنة مآل الطائع إلا إن رجع إلى الكفر بعد الإيمان، والعصيان بعد الامتثال.

وأما المنزلة بين المنزلتين(9)، - وهي مرتبطة باعتزال واصل بن عطاء والقصة معروفة - فمفادها أن من انتسب إلى الإسلام وارتكب ذنبا، فإنه لا يعد مسلما بحق ولا كافرا، فإذن هو بمنزلة بين المنزلتين، لا سقط عنه الإسلام والإيمان، ولا اتصف بالكفر مطلقا.

وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(10)، فهو الباب المعروف في ديننا الحنيف، إلا أن المعتزلة كانوا يرون أنهم هم القائمون عليه، نظرا لشدة حماستهم في الدين.

وهذه الأصول الخمسة كان لها دور كبير في توجيه رؤى أهل المعتزلة في دراساتهم المختلفة؛ إذ إننا كلما صادفنا مؤلفا يُنسب إلى معتزلي إلا وتبدى لنا أثر الاعتزال فيه، ولكن بدرجات متفاوتة. فالعقيدة "التي يعتنقها الفرد لها أثر في سلوكه وتفسيراته"(11). فهذا ابن جني (ت 392هـ) يقول في قوله تعالى: "يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدعَونَ إِلَى السجُودِ فَلَا يَستَطِيعُونَ" القلم: 42، "حتى ذهب بعض هؤلاء في قوله تعالى: "يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ" أنها ساق ربهم"(12)، وقال في موطن آخر: "فأما قول من طغى به جهله وغلبت عليه شقوته حتى قال في قول الله تعالى: (يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ) أنه أراد به عضو القديم سبحانه... فأمر نحمد الله على أن نزهنا عن الإلمام بحَرَاهُ"(13)، وهذا كله يوحي بمذهبه الاعتزالي، واحتكامه إلى العقل بما يلزم التأويل.

فهذه ممارسة تأويلية مبالغ فيها في نظرنا، ولا يصح قبولها بأي حال. وأما قول القائل: "إن الشرط المنهجي الذي تشترطه الممارسة التأويلية هو الاحتكام إلى أسانيد ومستويات لسانية متعددة، فالنص مبني على التعدد، ينضاف إلى ذلك، طبيعة تكوينه اللساني المعقد، هذا كله يجعل النص محيلا إلى مستويات متعددة"(14).

وهو كما يرى ابن جني "لاشتراك العلوم اللغوية واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيه"(15). فهذا لا يصدق على كل كلام؛ بل إن ذلك لا يمكنه أن يمتثل له القرآن الكريم وهو كلام الله جل ثناؤه؛ لأن أهل الاعتزال يقرون بخلق القرآن، ثم إن التأويل إنما هو "توجيه اللفظ عن الوجهة المعنوية الأولى المُرادة إلى وجهة ثانية وفق الهوى مع استغلال مرونة اللغة"(16).

والقرآن لا يجوز أن يُفَسر وفق الأهواء، وإنما كان ذلك عند المعتزلة؛ لأنهم اعتبروا العقل مُعينا للمعرفة، فهو "يستطيع أن يعلم كل شيء حتى ما وراء الطبيعة ولذلك أطلقوا له عنان البحث في جميع المسائل، وقد سمّوا أنفسهم "أهل العدل والتوحيد"؛ لأنهم اتخذوا قضيتي العدل والتوحيد بآيات التنزيه التي تنفي عن الذات الإلهية كل أوصاف التشبيه الحسي والتجسيم، من مثل "ليس كمثله شيء"، وحملوا الآيات القرآنية التي قد يُفهَم من ظاهرها شيء من ذلك على المجاز والتمثيل"(17).

والاحتكام إلى العقل في التأويل لا يقف عندهم عند هذا الحد؛ بل يمتد إلى إدخال الشك في منهج تفكيرهم وجعله الشرط الأول للمعرفة، وهذا تأثر واضح بتعاليم الفلسفة والمنطق، فقد "قالوا بسلطان العقل وحرية الإرادة، وحرروا بالتالي العقل من الجمود والوقوف عند ظاهر النصوص، وهم وإن اختلفوا في آرائهم، فإن ملامح حرية الرأي وتشريح المسائل ونقدها - حسب أصول مستقاة من المنطق - واضحة في نشاطهم الفكري"(18). فالعقل عندهم في درجة رفيعة؛ لأنه محرك القياس والدليل في قضايا العقيدة ومسائلها، وبه يُتوصل إلى اكتساب المعارف.

ونجد المعتزلة كثيرا ما يلجؤون إلى ما يُعرف بالتأويل باعتبار القصد؛ لأنه "منهج يقتضيه وضع النص المتضمن قيما إشكالية"(19). يقول الله تبارك وتعالى: "يَومَ تَرَونَهَا تَذهَلُ كُل مُرضِعَةٍ عَما أَرضَعَت وَتَضَعُ كُل ذَاتِ حَملٍ حَملَهَا وَتَرَى الناسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِن عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ" الحج: 2، ويقول تعالى أيضا: "لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحيَى"(20)، ففي قوله "سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى" من الآية الأولى، إلى جانب الآية الثانية، يقول الجاحظ (ت 225هـ): "ومن الكلام كلام يذهب السامع منه إلى معاني أهله، وإلى قصد صاحبه"(21)، ففي الآيتين حالان متضادان، قد يثيران إبهاما وغموضا في الفهم من ظاهر النص؛ إذ لا يمكن إدراك الحال في مستوى الجملة وموقع الكلمات منها ههنا، وإنما يحصل ذلك ويتأتى بمعرفة القصد ودرايته(22).

ولذلك دافع المعتزلة عن النص الظاهر منعا لإحداث تأويلات لا تنتمي إلى صلب المقام، ولا تتصل بالسياق العام للآيات والظروف المحيطة بها كأسباب النزول؛ لأن المعتزلة يرون "أن التمسك بالأدلة يوصل إلى القصد، وبيان ذلك تكشف عنه طبيعة تصورهم للكلام، فهم يُبطلون قول من قال بأن للقرآن تأويلا باطنا، ويؤكدون أن القرآن دال بظاهره، وعلى أن اللغة تشهد بالأصل"(23).

ويتصل بهذا عنصران آخران في الدراسات اللغوية والأدبية، وهما: الإبهام والغموض في الكلام، فمتى ما وقعا في كلام أو نص احتيج إلى جعل مدلول المقول جليا واضحا، "فالكلام الذي يتضمن قيما مبهمة وغامضة، لَينطوي على قوانين تتيح حل هذه المغالق اللسانية، وإن التحويلات التي تقدمها البنية هي نظام بياني يشكل جسدا خفيا للكلام"(24). فالإعراب بمعناه اللغوي وهو البيان، هو الذي من شأنه أن يجعل المشكل والمستعصي بينا.

وقد اهتم المعتزلة بالمقاصد التأويلية، خاصة في القرآن الكريم؛ لأنه قد لا يوحي ظاهر النص بالدلالة الكاملة؛ إذ تبقى هناك إيحاءات معنوية داخل النص لا يمكن الوقوف عندها إلا بفهم ما يرتبط بها وما يتراءى من العوارض التي تمنع ذلك، "فتقرير مستوى معنوي، يتطلب فهما لمجمل العلاقات التي تحيط به وللموانع التي تعترضه، وقد رد المعتزلة على القائلين بتناقض آيات القرآن، وعابوا عليهم جهلَهم بالمقاصد وعدم فهمهم لاستراتيجية المحكم والمتشابه. وبذلك استطاع المعتزلة، ومن خلال التسلح بمنظومة تأويلية، تفويض المطاعن التي افترضها الخصوم، فما بين المعنى الحرفي والقصد الجوهري تقبع دلالات متعددة ينبغي على المؤول تفحصها وفهمَها وما ينبني عليها من نظم"(25).

ومن هنا يمكن أن نستخلص أن مستويات التأويل الدلالي عند أهل الاعتزال كانت وفق اعتبارات معينة ودقيقة، ولعلها تكمن في التأويل باعتبار الدلالات العقلية، وباعتبار الدلالات اللغوية، وباعتبار الدلالات النحوية، وكذا باعتبار الدلالات المجازية، فهذه الأسس الأربعة لا مناص من توفرها في المُقدِم على التأويل(26).

والاعتزال كمذهب، شاع وانتشر وذاع صيته حتى صار أعلامه يفسرون القرآن وكذا الحديث النبوي الشريف خدمة له، يقول صالح فاضل السامرائي: "والمعتزلة في بحوثهم حاولوا تأييدا لوجهة نظرهم أن يفسروا القرآن والحديث بموجب هذا المذهب كما حاولوا أن يصرفوا كثيرا من التعبيرات من الحقيقة إلى المجاز بوحي هذا المذهب"(27)، يقول تبارك وتعالى: "وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمهُن قَالَ إِني جَاعِلُكَ لِلناسِ إِمَاما قَالَ وَمِن ذُريتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهدِي الظالِمِينَ" البقرة: 164. كان يرى ابن جني(28) في قوله (خلق السموات والأرض) أنه على المجاز لا الحقيقة؛ إذ لو كان كذلك لكان خالقا للكفر والعدوان وغيرهما، وهذا تحليل وفق مذهبه الاعتزالي، وهو بين المعالم واضحُها، ولعله يتصل بالأصل الثاني؛ وهو العدل.

ثم إن أهل اللغة من المعتزلة، تراءت في مصنفاتهم - خاصة النحوية - العلاقة بين أصول العقيدة وأصول اللغة، وما التواشج الحاصل بين النحو والاعتزال إلا دليل على ذلك، فقد كان عميقا بينهما، وذلك أن العقل كان بمثابة الصلة الرابطة بينهما، وأنه وسيلة للتحليل فيهما، كما كان وسيلة للدفاع عن عقيدتهم كما ذكرنا آنفا.

والكشاف كما قلنا آنفا تفسير جليل يشهد للزمخشري بالإلمام بعلوم شتى من مثل البلاغة والبديع وعلم الكلام والنحو، وهو "تفسير المعتزلة الأول، وعليه اعتمادهم، وصاحبه من متأخري المعتزلة الثقاة المخلصين في عقيدتهم، فهو واضح الاتجاه"(29). ثم إن طريقة الزمخشري في تحليل النصوص كانت نابعة من دراية وافية بمتعلقات النص المُفَسر، وأبعاده الخارجية التي تعين على إدراك المراد وإصابة المدلول، وكان كل ذلك يتمثل في عدة متعلقات(30) بأسباب النزول أو اعتبار عقدي أو عادات وتقاليد، وقرائن أخرى، فهو حين يفسر النص القرآني يذكر السور بأسمائها وتحديد المكي منها والمدني، وتحليل بعض الكلمات بشرح معانيها، ثم سبب النزول، ثم المدلول العام للآية أو الجزء منها، وكذا بعض الوجوه البلاغية والوجوه النحوية إذا كانت متعددة.

وهذا كله يدل على ثقافة الزمخشري الواسعة، وقدرته على التأويل واصطناع الوجوه، فيأخذ التأويل النحوي على يديه "شكلا جديدا من حيث ابتكار بعض التأويلات وحمل كثير من النصوص القرآنية على ظاهرها، ونراه في مواضع كثيرة يميل إلى مذهب البصرين في مسائل النحو المختلفة"(31).

وهذا القول دليل على أن صاحب الكشاف، إلى جانب انتسابه للمعتزلة، كان له منهج خاص به يسير وفقه في تحليل الظواهر النحوية واللغوية. ولعل ذلك كله تمثل فيما يلي(32):
1 - ارتباطه بالمذهب البصري وإجلاله لإمام النحاة سيبويه وانتفاعه بمعاني الزجاج البصري.
2 - موافقته للمذهب الكوفي في بعض المسائل، وانتفاعه بمعاني الفراء الكوفي.
3 - اجتهاده وتبنيه آراء لنفسه بعدم التزامه في التطبيق، في كثير من المسائل بأي من المذهبين.
4 - التركيز فيما يذكر من مسائل النحو بالاختصار، وعدم التوسع في ذكر الأقوال.
5 - تفضيله من وجوه الإعراب ما كان أقوى من الناحية البلاغية.
6 - توجيه الإعراب لخدمة المعنى، وإعجابه بميل العرب نحو المعاني، وتركهم الألفاظ جانبا.
7 - الاستشهاد بالحديث في النحو.
8 - اعتماده الأصول النحوية، وإحياؤه منهج النحاة في النظر للقراءات القرآنية ونقدها، والترجيح بينها، والترجيح بها، وانتفاعه فيها بمعاني الفراء، والزجاج والمحتسب لابن جني، وغير ذلك.

ولما كان الزمخشري معتزليا كان من الطبيعي - وهي عادة أهل الاعتزال - أن يعمد في تآليفه إلى نصرة مذهبه وخدمته، متسلحا في ذلك بسلاح العقل الذي به استطاع هؤلاء القوم التغلب على معارضيهم، واستطاعوا أن يوجهوا كثيرا من الفرائد اللغوية والبيانية والنحوية توجيهات متعددة، وهي توجيهات لم تكن لتتأتى لولا ذاك، "ويظهر في كتب الزمخشري كل سمات الرجل المعتزلي وتبدو فيها خصائص المتكلم الذي وهب حياته لخدمة مذهبه، من ذلك أننا نراه كثير الاعتماد على العقل الذي كان يستفتيه في كل صغيرة وكبيرة؛ فبه يعرف طبيعة الخلق وبالخلق يُستدل على معرفة الخالق، فيدحر عندئذ الشيطان الذي لا يتجرأ إلا على الأهواء والعواطف البشرية"(33).

يقول تعالى: "وَعَلمَ آدَمَ الأَسمَاءَ كُلهَا ثُم عَرَضَهُم عَلَى المَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ" البقرة: 31، وقوله تعالى: "وَنَزَعنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِن غِل تَجرِي مِن تَحتِهِمُ الأَنهَارُ وَقَالُوا الحَمدُ لِلهِ الذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنا لِنَهتَدِيَ لَولَا أَن هَدَانَا اللهُ لَقَد جَاءَت رُسُلُ رَبنَا بِالحَق وَنُودُوا أَن تِلكُمُ الجَنةُ أُورِثتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ" الأعراف: 43، فقد ذهب الزمخشري(34) في الآية الأولى إلى أن الاسم ليس هو المسمى ذاته، فهما كلمتان مختلفتان، لا كما يرى أهل السنة(35)، فقوله (علم آدم الأسماء كلها) معناه أسماء المسميات، فالمضاف إليه محذوف لكونه معلوما ولا لبس في ذلك، أما الآية الثانية، فيرى(36) فيها أن قوله تعالى (بما كنتم تعلمون)؛ أي بسبب أعمالكم وما قمتم به لا مفاضلة وإكرام للعمل الصالح كما تقول المبطلة وهي في نظره أهل السنة.

وقال تعالى: "خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم وَعَلَى سَمعِهِم وَعَلَى أَبصَارِهِم غِشَاوَةٌ وَلَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ" البقرة: 7، فقوله سبحانه (وعلى أبصارهم غشاوة) "استعارة أخرى، لأنهم كانوا على الحقيقة ينظرون إلى الأشخاص، ويقلبون الأبصار، إلا أنهم لما لم ينتفعوا بالنظر، ولم يعتبروا بالعبر وصف سبحانه أبصارهم بالغشي، وأجراهم مجرى الخوابط الغواشي، أو يكون تعالى كنى هاهنا بالأبصار عن البصائر؛ إذ كانوا غير منتفعين بها، ولا مهتدين بأدلتها؛ لأن الإنسان يهدي ببصيرته إلى طرق نجاته، كما يهدي ببصره إلى مواقع خطواته"(37)، وقال أحد العلماء ردا على الزمخشري في تفسيره لهذه الآية: "قال محمود(38) فإن قلت كيف أُسند الختم إلى الله تعالى؟ قال أحمد رحمه الله، هذا أول عشواء خبطها في مهواه من الأهواء هبطها حيث نزل من منصة النص إلى خضيض تأويله ابتغاء الفتنة استبقاء لما كُتب عليه من المحنة فانطوى كلامه هذا على ضلالات أعده"(39). فهذا كشف لدسائس المعتزلة - والزمخشري أحدهم - وعقيدتها؛ لأنهم كانوا يسعون إلى خدمة مذهبهم، ولو على حساب القرآن الكريم كلام الله تعالى.

ومن المواطن التي رُد فيها على الزمخشري أيضا، تفسيره لقوله تعالى: "يَكَادُ البَرقُ يَخطَفُ أَبصَارَهُم كُلمَا أَضَاءَ لَهُم مَشَوا فِيهِ وَإِذَا أَظلَمَ عَلَيهِم قَامُوا وَلَو شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمعِهِم وَأَبصَارِهِم إِن اللهَ عَلَى كُل شَيءٍ قَدِيرٌ" البقرة: 20، قال: "(قال محمود(40) وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل) قال أحمد: هذا الذي أورده خطأ على الأصل والفرع... أما أهل السنة فالقادر الخالق عندهم واحد وهو الله الواحد الأحد، فتتعلق قدرته تعالى بالفعل فيخلقه وتتعلق به قدرة العبد تعلق اقتران لا تأثير، فلذلك لم يُخلَق مقدور بين قادرَين على هذا التفسير، وقد حشى الزمخشري في أدراج كلامه هذا سلب القدرة القديمة وجحدها، وجعل الله تعالى قادرا بالذات لا بالقدرة. دس ذلك تحت قوله وفي الأشياء ما لا تعلق به لذات القادر ولم يقل لقدرة القادر، فليُتَفَطن لدفائنه، وكم من ضلالة استدسها في هذه المقالة"(41).

وقوله تعالى: "أَلَم تَرَ إِلَى الذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتَابِ يُدعَونَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحكُمَ بَينَهُم ثُم يَتَوَلى فَرِيقٌ مِنهُم وَهُم مُعرِضُونَ" آل عمران: 23، فقد كان فيه الرد شديدا على الزمخشري لأنه أبدى مبادئه الاعتزالية واضحة، وتعلقت بالمنزلة بين المنزلتين، وكذا طعنه في أهل السنة؛ "قال أحمد: هذا أيضا تعريض(42)، بأهل السنة(43) في اعتقادهم تفويض العفو عن كبائر المؤمن الموحد إلى مشيئة الله تعالى، وإن مات مصرا عليها، إيمانا بقوله تعالى: "إِن اللهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ"(44)، وتصديقا بالشفاعة لأهل الكبائر، وينقم عليهم ذلك حتى يجعلهم أصلا يقيس عليهم اليهود القائلين لن تمسنا النار إلا أياما معدودات، فانظر إليه كيف أشحن قلبه بغضا لأهل السنة، وشقاقا وكيف ملأ الأرض من هذه النزعات نفاق"(45).

فنحن ندرك بوضوح أثر الاعتزال في أقواله، كيف لا وقد كان ممن أذاع صيت المعتزلة بتفسيره للقرآن الكريم بامتلاكه ناصية البيان والبلاغة واحتكامه إلى العقل. و"أثر الاعتزال واضح في كل ما يكتب وكل ما يفسر، فإن النظرة العقلية البحتة لتفسير النص ديدنه، ومنهج الاعتزال سبيله، فيعلل ويؤول ما وسعه، ولا يعجزه التأويل؛ لأنه من أرباب البيان"(46).

هذا وهناك أمر آخر لا بد من ذكره، وهو أن الزمخشري كان يذهب إلى الاعتزال ويصارح فيه، ويجاهر به علانية مع كره الناس والسلطان في عصره لمذهب الاعتزال، ونبذهم له، يقول في مقدمة كشافه: "ولقد رأيت إخواننا في الدين من أفاضل الفئة الناجية العدلية..."(47)، في إشارة إلى المعتزلة والتباهي بمذهبها، ومن مثل هذا الكثير من الإشارات في الكشاف(48).

فالكشاف كما رأينا، كان بمثابة منبر للدعاية إلى مذهب الاعتزال، وسعى فيه صاحبه كل السعي ليتم ذلك، ويمكن الجزم أنه قد حقق فيه الغرض الكلامي المنوط به أيما تحقيق. ولكن أهداف الكشاف وأغراضه لا تقف عند هذا الحد لأنه - كما هو معلوم - تفسير بلاغي للقرآن الكريم؛ إذ إن الغرض البلاغي(49)، هو غرض آخر جرده الخوارزمي لبيان إعجاز القرآن الكريم والكشف عن أسراره ونكاته؛ بل كانت البلاغة المادة الأظهر التي اتخذها وسيلة لذلك واستعان بها على إخضاع الآيات إلى العقيدة الاعتزالية، وعن طريق حذقه وإلمامه بفن البلاغة تمكن من إظهار ما يسميه بالنكت البلاغية التي طفح بها الكشاف في أثناء تفسيره لكلام الله جل ثناؤه.

فلا شك أن البلاغة عند الزمخشري سبيل إلى علم التفسير، حيث إنه لم يشأ أن يعلمنا البلاغة في الكشاف؛ بل كان مراده تفسير القرآن الكريم على أصولها وما تتفرع إليه من بيان وبديع ومعان. وليس حينئذ من عدة للمفسر أهم من معرفته بالبلاغة، يقول في مقدمة التفسير عن المفسر: "ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني وعلم البيان، وتمهل في ارتيادها آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله، بعد أن يكون آخذا من سائر العلوم بحظ، جامعا بين أمرين تحقيق وحفظ... فارسا في علم الإعراب مُقَدما في حملة الكتاب"(50). فلا يتمكن من التفسير في نظر الزمخشري إلا من كان:
- بارعا في علمين مختصين بالقرآن وهما علما المعاني والبيان.
- وفارسا في علم الإعراب مقدما في حملة الكتاب؛ أي كتاب سيبويه.
- وآخذا من سائر العلوم بطرف، وجامعا بين التحقيق والحفظ، وكثرة المطالعة وطول المراجعة.
- وكان مسترسل الطبيعة منقادها، ومشتعل القريحة ويقظان النفس.

ويزيد هذا تأكيدا ما يضيفه من عُدة دون إغفال العقل، فيقول: "وأما الطريقة الخاصية التي تضمحل معها الشبَهُ، ويسكت عنها المنطيق المُفَوه، فما عنى بتدوينه العلماء، ودأب في تضييقه العظماء، في ألفاظ العربية وكلمها، من بيان خصائصها ونوادر حكمها، مما يتعلق بذواتها، ويتصل بصفاتها، من العلمين الشريفين، والعلمين المنيفين، وهما علم الأبنية وعلم الإعراب، المشتملان على فنون من الأبواب"(51). فنحن نرى هاهنا أنه قد أضاف علم الأبنية، وهو علم الصرف، وأبوابه تتكاثر وتتناثر في الكشاف في مختلف الأماكن.

ونريد أن نورد هاهنا بعض أقواله التي تبين مدى تفوقه في كل ما ذكرناه، والذي ينم عن دارية ومعرفة واسعتين وشاملتين، فها هو ذا يقول: "كونوا حنفاء لله حلفاء في الله، البأسُ والحلمُ حَنتَفِي وأَحنَفِي والدين والعلم حنيفي، وتد الله الأرض بالأعلام المَنِيفَة كما وطد الحنيفية بعلوم الحنفية، الأئمة الأجلة، الحنفيةُ أَزِمَةُ الملة، الحنيفية الشرائع بمسائله"(52)، وهذا يدل على اعتناقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، ونحن مع ذلك نرى تفوقه في التمكن من ألفاظ اللغة؛ بيانا وتصريفا وإعرابا ومعنى.

ويقول في وصف معاملة المؤمن لأخيه المؤمن: "المؤمن للمؤمن طيع سلس، وهو على الفاسق جامح شرس، ما أدري أيهما أشقى: أَمَن يعوم في الأمواج أم من يقوم على الأزواج"(53). ويقول في مقام آخر: "مَن أكثر من سبحان فهو أبلغ من سحبان، من لم يركب الأَذِى لم يشرب الماذي، كيف يثني عطف المرح الفخار مَن أصلُه من صلصال كالفخار"(54)، فهذا كله لتمكنه من ناصية اللغة، وما يتصل بها من فروع العلوم الأخرى، وكذا رؤاه العقلية التي لا تتنحى عنه إيذانا بإبراز عقيدته ووفاءٍ لخدمتها وترسيخها.

ومن هنا لم يكن الزمخشري ذا باع واحد، وإنما كان يلم بأشتات معرفية متفرقة جعلته يحمل راية الاعتزال؛ إذ لم يقتصر على علم المعاني وغيره مما رأينا؛ بل كان رائدا في النحو متبحرا فيه، وإن العلاقة بين العلمين لوطيدة لا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر، و"يشارك صاحبُ المعاني النحوي في البحث عن المركبات، إلا أن النحوي يبحث عنها من جهة هيئاتها التركيبية صحة وفسادا، ودلالة تلك الهيئات على معانيها الوضعية وعلى وجه السداد، وصاحب المعاني يبحث عنها من جهة حسن النظم المُعبر عنه بالفصاحة في التركيب وقبحه... وهذا كون علم المعاني تمامَ علم النحو"(55)، فأين الضير في الجمع بينهما؟ وقد وُفق الزمخشري في ذلك، وكان رائدا فيه؛ ذلك أنه تأثر بفكر عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ) المتمثل في نظرية النظم.

و"النظم" في الاصطلاح هو تأليف الكلم والجمل مرتبةَ المعاني متناسقةَ الدلالات، وفق قصد المتكلم؛ بل أبعد من ذلك؛ لأنه "في فلسفته مصطلح بلاغي للتعبير عن فن بناء العبارة وصناعتها بحسب مناسبات المعنى وأحوال المخاطب. أما عطف المفردات فإنه - وإن كان جزءا من بناء الجملة أحيانا - لا يحتاج عنده إلى صنعة، ولا يكشف عن موهبة"(56).

فالنظم عند عبد القاهر الجرجاني هو توخي معاني النحو، و"النحو" هاهنا له دلالة واسعة حيث يشمل مباحث النحو ومباحث البلاغة؛ يقول: "وإذا عرفت أن مدار "النظم" على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازديادا بعدها، ثم اعلم أنه ليست المزية بواجبة لها في أنفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تُعرَض بحسب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها من بعض"(57)، ومفاد هذا أن معاني النحو لا تتمثل في تلك العلاقات الظاهرية والشكلية بين الألفاظ والكلمات في مستوى الجمل فحسب، وإنما هي الدلائل التي تعين الوظائف المعنوية التامة للألفاظ في سياق الجمل وفق متعلقات تحيط بها، وإشارات تومئ إليها.

وسنرى أن العلاقة كانت كبيرة بين النظم والتأويلات الواردة في الكشاف؛ لأن صاحبه استطاع بفكره الثاقب أن يدرك أنه لا سبيل إلى معرفة أسرار النظم القرآني، والوقوف على دلائل إعجازه، وكذلك البلاغة العالية التي يحويها إلا بالاتكاء على هذا الأساس؛ "ولذلك ألف كتابه وسماه "الكشاف عن حقائق وغوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"، وطبق نظرية الإمام عبد القاهر تطبيقا عمليا على جميع السور"(58). وهذا لأن الكثير من المفسرين - منذ عهد القاهر الجرجاني وعصره - قد حاولوا الإفادة من رؤيته الجديدة في نظرية النظم من أجل الوقوف على مكامن الإعجاز البلاغي والبياني للقرآن الكريم، لكنهم لم يستطيعوا تحقيق ذلك، ونظن أن الزمخشري - نظرا لما توافر له من معارف وإلمام بالأخبار والعلوم، وتمكنه من البلاغة العربية - تمكن من ذلك كلية، وكتابه الكشاف الذي بين أيدينا، ودراستنا مستقاة منه، خير دليل على ذلك، فصاحبه كان "خيرَ من توسع في تطبيق هذه النظرية في تفسيره، فأعطاها شيئا من حيوية التذوق اللغوي كما أضاف إلى معالمها كثيرا من التفاصيل التي تدل على تعمقه في هذا الفن، وفي كتابه الكشاف يجد القارئ الآثار التطبيقية لنظرية عبد القاهر واضحة جلية في استقصاء دقيق"(59).

فتفسير الكشاف يوحي أن لصاحبه معارفَ جمة، واضطلاعا واسعا بالتفاسير والدراسات القرآنية التي أُلفت فيما سبق، خاصة معاني الفراء(60) (ت 207هـ)، الذي كان يحتكم إليه فيما يتعلق بالقراءات القرآنية. يضاف إليه معاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق الزجاج(61) (ت 311هـ)، والرماني(62) (ت 384هـ)، فقد استفاد منهما الزمخشري وأخذ عنها هذا التأثر.

أما ما تعلق بالتأثير فمتعدد خاصة وأن الرجل يعتنق الاعتزال، من ذلك أن أبا حيان(63) (ت 745هـ) ألف كتابه البحر المحيط، وتتبع فيه آراء الزمخشري حرفا بحرف، وكان هجومه عليه قويا في العديد من القضايا اللغوية والمعنوية، وقد أرجع أحدهم أسباب هذا الهجوم إلى(64):
1 - عدم معرفة مراد صاحب الكشاف، وهذا الأمر لا نسلم به؛ لأن أبا حيان كان عالما باللغة والنحو والتفسير وكان إلى جانب ذلك سنيا، فطبيعي أن يرد مزاعمَه الاعتزاليةَ، ونحسبه قد أصاب في ذلك.
2 - اختلاف منهجيهما في ملاحظة النكات البلاغية.
3 - وخاصة مخالفة الزمخشري لأقوال النحويين من الجمهور.
4 - شدة أبي حيان على الزمخشري لاعتزاله.

وقبل أبي حيان كان تأليف ابن عطية (ت 541هـ) لتفسيره المحرر الوجيز، وقد ذكر آراء كثيرة للزمخشري، وأبو حيان استفاد من هذا التفسير أيضا؛ إذ "لم يتناول أحدا من المفسرين كما تناول هذين الإمامين الجليلين، الزمخشري وابن عطية، مدحا وذما ونقلا من تفسيرهما، ونقدا وردا لأقوالهم"(65). وقد عمد الطبرسي إلى تأليف تفسير سمّاه "جامع الجوامع" بعد أن كان قد ألف كتابا بعنوان "مجمع البيان"، فحاول أن يجمع بين هذا الكتاب والكشاف في الكتاب الأول، وهو يلتقي مع الزمخشري في بعض الآراء الاعتزالية(66). ثم إن تفسير أبي الخير البيضاوي (ت 685هـ) "أنوار التنزيل وأسرار التأويل"، كان بمثابة تفسير مختصر عن الكشاف بترك ما فيه من الاعتزال، وإثبات مذهب أهل السنة والجماعة(67).

وأما من يمكن أن يقال عنه بأنه كان كثير التأثر بالزمخشري، فهو الرازي(68) (ت 604هـ) صاحب التفسير المشهور "مفاتيح الغيب"، فقد عمد إلى تلخيص بلاغته وبلاغة الجرجاني في كتاب واحد، أسماه "نهاية الإيجاز ودراية الإعجاز".

ونأمل في الأخير أن نكون قد كشفنا عن الكثير من المسائل التي تمت بصلة مباشرة بمنهج تفسير الكشاف للزمخشري الذي أغنى المكتبة العربية بتصانيف ومؤلفات بقيت على مر التاريخ محل اهتمام الدارسين والباحثين.

الهوامش:
1 - السيوطي: طبقات المفسرين، مراجعة لجنة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 104-105، محمد الطنطاوي: نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، ط2، 1389هـ-1969م، ص 175-176.
2 - د. لطفي عبد البديع: التركيب اللغوي للأدب، مكتبة النهضة المصرية، ط1، القاهرة 1970م، ص 11، وينظر، قصة السيرافي مع الفيلسوف مَتى بن يونس في كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي.
3 - كامل محمد عويضة: الجاحظ الأديب الفيلسوف، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 1993م، ص 20، ويقول ابن خلدون: "فموضوع علم الكلام عند أهله، إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية"، المقدمة، ج1، ص 270.
4 - كامل محمد عويضة: المرجع السابق، ص 21.
5 - ينظر، د. مساعد مسلم عبد الله آل جعفر: أثر التطور الفكري في التفسير في العصر العباسي، مؤسسة الرسالة، ط1، بيروت 1405هـ-1984م، ص 318-319، د. عبد الحكيم بلبع: أدب المعتزلة إلى نهاية القرن الرابع الهجري، دار نهضة مصر، ط2، 1969م، ص 131-151، مرتضى آية الله الشيرازي: الزمخشري لغويا ومفسرا، تقديم د. حسين نصار، دار الثقافة، القاهرة 1977م، ص 161.
6 - ينظر، د. مساعد مسلم عبد الله آل جعفر: المرجع السابق، ص 320-321، مرتضى آية الله الشيرازي: المرجع السابق، ص 161-162.
7 - كامل محمد عويضة: الجاحظ الأديب الفيلسوف، ص 22.
8 - ينظر، د. مساعد مسلم عبد الله آل جعفر: أثر التطور الفكري في التفسير ص 323، د. عبد الحكيم بلبع: أدب المعتزلة، ص 131-151.
9 - ينظر، مرتضى آية الله الشيرازي: المرجع السابق، ص 162، د. عبد الحكيم بلبع: المرجع السابق، ص 131-151، د. مساعد مسلم عبد الله آل جعفر: المرجع السابق، ص 325.
10 - ينظر، د. مساعد مسلم عبد الله آل جعفر: المرجع السابق، ص 325-326، د. عبد الحكيم بلبع: المرجع السابق، ص 131.
11 - د. صالح فاضل السامرائي: الدراسات اللغوية والنحوية عند الزمخشري، دار عمان للنشر، ط1، الأردن 1426هـ-2005م، ص 211.
12 - ابن جني: الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الهدى، ط2، بيروت، ج3، ص 246.
13 - المصدر نفسه، ص 251.
14 - هيثم سرحان: استراتيجية التأويل الدلالي عند المعتزلة، دار الحوار، ط1، اللاذقية 2003م، ص 77.
15 - ابن جني: الخصائص، ج1، ص 243.
16 - د. مصطفى الصاوي الجويني: مناهج في التفسير، منشأة المعارف، مصر، (د.ت)، ص 109.
17 - كامل محمد عويضة: الجاحظ الأديب الفيلسوف، ص 21-22، د. مصطفى الصاوي الجويني: مناهج في التفسير، ص 109.
18 - كامل محمد عويضة: الجاحظ الأديب الفيلسوف، ص 22.
19 - هيثم سرحان: استراتيجية التأويل الدلالي عند المعتزلة، ص 97.
20 - من طه، 74، ومن الأعلى، 13.
21 - الجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، دار الفكر، (د.ت)، ج2، ص 281.
22 - هيثم سرحان: استراتيجية التأويل الدلالي عند المعتزلة، ص 97.
23 - المرجع نفسه، ص 98.
24 - المرجع نفسه، ص 102.
25 - نفسه.
26 - لمرجع نفسه، ص 149-186.
27 - د. صالح فاضل السامرائي: الدراسات اللغوية والنحوية عند الزمخشري، ص 211.
28 - ينظر، ابن جني: الخصائص، ج2، ص 449.
29 - د. مساعد مسلم عبد الله آل جعفر: أثر التطور الفكري في التفسير في العصر العباسي، ص 336.
30 - ينظر، المرجع نفسه، ص 104، د. عبد الحميد السيد: دراسات في اللسانيات العربية، دار الحامد، ط1، الأردن 2004م، ص 136.
31 - د. عبد الفتاح أحمد الحموز: التأويل النحوي في القرآن الكريم، مكتبة الرشد، ط1، الرياض 1404هـ-1984م، ج1، ص 90.
32 - د. عبد الله إبراهيم رفيدة: النحو وكتب التفسير، الدار الجماهيرية للنشر، ط2، ليبيا 1990م، ج1، ص 688-689.
33 - محمد هيثم غرة: البلاغة عند المعتزلة، رسالة دكتوراه في اللغة العربية، جامعة دمشق 1412هـ-1993م، ص 104.
34 - الزمخشري: الكشاف، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، مكتبة العبيكان، ط1، الرياض 1418هـ-1988م، ج1، ص 60.
35 - ينظر، تفسير ابن كثير، دار الفكر، بيروت 1422هـ-2002م، ج1، ص 75.
36 - الزمخشري: الكشاف ج2، ص 442، وينظر، د. صالح فاضل السامرائي: الدراسات اللغوية والنحوية عند الزمخشري، ص 216.
37 - الشريف الرضي: تلخيص البيان في مجازات القرآن، تحقيق محمد عبد الغني حسن، دار إحياء الكتب العربية، ط1، القاهرة 1374هـ-1955م، ص 113.
38 - ينظر، الزمخشري: الكشاف، ج1، ص 166.
39 - ابن حجر العسقلاني: الكشاف للزمخشري ويليه الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف، دار المعرفة، بيروت، ج1، ص 26-27.
40 - ينظر، الزمخشري: الكشاف، ج1، ص 51.
41 - ابن حجر العسقلاني: الكشاف ويليه الكافي، ج1، ص 43.
42 - ينظر، الزمخشري: الكشاف، ج2، ص 39.
43 - ينظر، تفسير ابن كثير، ج1، ص 324.
44 - النساء، من الآيتين 48 و116.
45 - الزمخشري: الكشاف، ج1، ص 97 (المقدمة).
46 - د. مساعد مسلم عبد الله آل جعفر: أثر التطور الفكري في التفسير، ص 336.
47 - الزمخشري: الكشاف، ج1، ص 97 (المقدمة).
48 - ينظر على سبيل المثال تفسيره لـ: المائدة، الآية 69، والتكوير، الآيات 15-18، والشمس، الآيات 7-10.
49 - ينظر، محمد هيثم غرة: البلاغة عند المعتزلة، ص 105-106.
50 - الزمخشري: الكشاف، ج1، ص 96 (المقدمة)، وينظر، د. عبد الله إبراهيم رفيدة: النحو وكتب التفسير، ج1، ص 687، و106.
51 - الزمخشري: إعجاز سورة الكوثر، تحقيق حامد الخفاف، دار البلاغة، ط1، 1991م، ص 42-43.
52 - الزمخشري: نوابغ الكلم، مكتبة الثقافة الدينية، ط1، القاهرة 2006م، ص 33.
53 - المصدر نفسه، ص 37-38.
54 - المصدر نفسه، ص 44.
55 - ابن كمال باشا: ثلاث رسائل في اللغة، تحقيق د. محمد حسين أبو الفتوح، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، بيروت 1993م، ص 183.
56 - د. عفت الشرقاوي: بلاغة العطف في القرآن الكريم دراسة أسلوبية، دار النهضة العربية، بيروت 1981م، ص 99، وينظر، د. عبد الحميد السيد: دراسات في اللسانيات العربية، ص 38.
57 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة 1984م، ص 87، وينظر، مباحث في علوم القرآن، قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة 1984م، ص 90.
58 - د. عبد العزيز عبد المعطي: قضية الإعجاز القرآني وأثرها في تدوين البلاغة العربية، عالم الكتب، ط1، بيروت 1405هـ-1985م، ص 662.
59 - د. عفت الشرقاوي: بلاغة العطف في القرآن الكريم، ص 34-35.
60 - ينظر، د. عبد الله إبراهيم رفيدة: النحو وكتب التفسير، ج1، ص 706.
61 - المرجع نفسه، ص 383، و693.
62 - نفسه.
63 - د. صالح فاضل السامرائي: الدراسات اللغوية والنحوية عند الزمخشري، ص 235.
64 - ينظر، د. عبد الله إبراهيم رفيدة: المرجع السابق، ج2، ص 951-955.
65 - المرجع نفسه، ص 779.
66 - المرجع نفسه، ص 874.
67 - نفسه.
68 - ينظر، د. عبد العزيز عبد المعطي: قضية الإعجاز القرآني وأثرها في تدوين البلاغة العربية، ص 676.
الإحالة إلى المقال:

* د. إبراهيم مناد: كشاف الزمخشري عقيدة ومنهجا، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس عشر 2016. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:
نبذة عن مسيرة الاستشراق
حوليات التراث، العدد 3، 2003.
***