كتاب فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف
المؤلف والمنهج

نورية بويش
جامعة وهران 1، الجزائر

الملخص:

عُرف الصرف متداخلا مع النحو في كتب القدامى، إلى أن هيأ الله من يؤلف عن التصريف مستقلا عن النحو خصوصا المتون، فنجد ابن مالك كتبَ الألفية، والمكودي نظم البسط والتعريف، ما جعل الشروح تتنوع وتتعدد لتلك المتون، فنجد الزموري وهو مؤلِف جزائري قد ألف كتاب "فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف" شارحا متن المكودي شرحا مخالفا دقيقا. والزموري من الشخصيات اللغوية الحديثة التي تحدثت عن التصريف، وكتابه هذا نفيس في التصريف، شرح لمتن المكودي بالرغم من وجود شروح ودراسات قبله، إلا أنه في شرحه هذا اعتمد الدقة والبساطة، ليسهل على الدارس الفهم والولوج في موضوع التصريف.

الكلمات الدالة:

التصريف، اللغة، فتح اللطيف، التراث، المنهج.

***
The book of Fath al Latif fi al Tasrif âla al bisat wa al Ta'rif
the author and the method

Abstract:

The morphology was defined intertwined with the grammar in the books of the ancients, until God prepared those who compose the inflection independently of the grammar, especially the text, we find Ibn Malik wrote the books of "Al-Alfia", and Al-Makudi wrote "Al-Bast wa al-Ta'rif", which varied the comments for these texts. We find Al-Zamouri, an Algerian author, who wrote the book "Fath al-Latif fi al-Tasrif fi al-Tasrif âla al-Bast wa al-Ta'rif", explaining the text of Al-Makudi, of precise way. Al-Zemouri is one of the modern linguistic figures who talked about conjugation, and his book is valuable in conjugation. He explained the body of Al-Makudi despite the presence of explanations and studies before it, but in his explanation of this he adopted accuracy and simplicity, to make it easier for the learner to understand and gain access to the topic of conjugation.

Key words:

conjugation, language, Fath al Latif, heritage, method.

***

النص:

تعتبر اللغة العربية من أهم اللغات التي عرفتها البشرية على مر الزمان والعصور، فقد عرفت منذ العصر الجاهلي، وبدأ الناس يتحاكون فيها، وينطقون وينشدون بها أشعارهم، وأفكارهم، وغيرها، ومع بداية الدعوة الإسلامية وانتشارها في شبه الجزيرة العربية، حظيت اللغة العربية بالكثير من الاهتمام، وخاصة بعد أن ارتبطت بالقرآن الكريم. فبدأت الاتجاهات واضحة وصريحة للبحث عن اللغة العربية وتعلمها، من أجل التفقه في الدين الإسلامي، والتعرف على مفاهيمه وأفكاره، ومعانيه، فأصبحت من أهم اللغات.

كما تعتبر اللغة العربية من أقدم اللغات التي ما زالت تتمتع بخصائصها من ألفاظ وتراكيب وصرف ونحو وأدب وخيال وبلاغة، مع استطاعتها على التعبير عن مدارك العلم المختلفة. ولتمام القاموس العربي وتنوع المفردات فيه وكمال الصرف والصوت والنحو والبلاغة فإنها تعدّ أمّ اللغات الأعرابية التي نشأت في شبه جزيرة العرب وهي الحميرية، والبابلية، والآرامية، والعبرية، والحبشية...

كما تعتبر اللغة العربية من أحسن وأقوم وأهم اللغات، بها شيدت الحضارات، وعرفت الأمم، لما حظيت به من مكانة، كونها لغة القرآن الكريم. فاهتم بها الباحث اللغوي على مر العصور ولم يتوان في دراستها حتى يومنا هذا فدونها وطورها، منها الدراسة في مستوياتها؛ الصوتي والتصريفي والتركيبي والبلاغي(1).

ونظرا لأهمية هذه اللغة ومكانة مستوياتها؛ ومنها التصريفي(2)، كان لزاما عليّ التعريف بمؤلفات محلية في هذا المجال، فاتجه نشاطي إلى التعريف بكتاب "فتح اللطيف في التصريف للبسط والتعريف" لأبي حفص الزموري، ليكون التعامل مع المُؤلِف والمُؤَلف، بالتعريف والتحليل والاستنتاج والرأي والمنهج.

وكتاب "فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف"، مؤلفه جزائري، يتمتع بثقافة واسعة؛ في مجال اللغة والفقه. وهذا الشرح يعد أحسن شرح لمتن المكودي، لطريقته المبتكرة الجديدة في التعامل مع أبيات المتن وحسن استغلاله لها وكيفية تبسيطه للمادة، ولغته تظهر منذ البداية بسهولتها وبساطتها. إضافة إلى الطريقة الجيدة التي تسهل تتبع أقسام التصريف. وقبل التعريف بالمؤلَف نعرج على التعريف بالمؤلِف، وذلك بتسليط الضوء على جوانب من حياته وستكون الانطلاقة من النسب والانتساب.

1 - التعريف بالمؤلِف:

هو عمر بن أبي حفص بن محمد بن ابن جدو بن محمد الحسيني الجزائري الإفريقي(3) وهو من ذرية الولي الصالح المشهور مقامه سيدي عمر العجيسي، وهو الجد الأعلى لعائلة الزموري. ولد سنة 1913م وقد اهتم بنقل سلسلة نسبه من شجرة الأجداد الموروثة، حيث أشار إلى أنه من قرية بوعزيز التي يوجد بها مقام الجد العجيسي، ويرجع نسبه لمحمد بن الحسين بن فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم(4).

ولد الزموري، بشلغوم العيد القريبة من مدينة برج بوعريريج(5) بعيدا عن قرية أجداده زمورة، لأن والده كان معلما للقرآن بهذه المدينة.

نشأ الزموري يتيما، فتوفي والده وهو في السابعة من عمره، فكفله أخوه محمد، وابن عم والده علي، حين تقاسموا الكفالة، فكانت في الغالب للأخ وتعليم القرآن لابن العم الذي حفظ عليه القرآن الكريم.

بعد استكماله حفظ القرآن الكريم في سن الثانية عشرة من عمره، تعلق قلبه بالبحث عن العلم(6). عرض عليه تولي منصب تعليم وتحفيظ القرآن الكريم، لكنه رفض رغم بساطة عائلته، وحاجتهم إلى ما كان سيجنيه من هذا العمل، لأنه كان متواضعا مقدرا لعظمة القرآن الكريم مع صغر سنه.

وتاقت نفس الشيخ إلى طلب العلم، وسماعه بعظمة الشيخ أحمد بن قدور المتوفى سنة خمس وخمسين، من القرن الرابع عشر للهجرة، فقد التحق بمجلسه وأخذ عنه ما أخذ من العلم، حين أعجب بالشيخ وبعلمه ليصرح الزموري: "السيد أحمد بن الحسين بن قدور... من عائلة مشهورة بوراثة العلم، يحفظ مجموع المتون حفظا صحيحا... وكان دائما يطالع كتاب الإمام سيبويه رحمه الله تعالى. وبالجملة فهو في النحو والتصريف لا يجارى، بل في جميع العلوم. وهو مرجع العامة في قضاء الأوطار. فلما قام عندي فضله كنت أعظمه كلما لقيته... ثم تعلمت عليه ما كان سببا في سعادتي، وإن كان قليلا، وكنت أحفظ متونا كثيرة من خطه... وتعاطيت التعليم بحياته ودعا لي"(7).

وقضى الزموري فترة التعلم على شيخه الأول سنتين، امتدت من 1932م إلى 1934م. هذه الفترة كانت كافية لبروز مواهبه وقدراته العلمية، مما جعل شيخه يخاف عليه من الحسد(8). وبعدما أجاز الشيخ أحمد بن قدور تلميذه، رحل الزموري لطلب المزيد من العلم.

تنقل الزموري في مناطق مختلفة من أرض الوطن، من أجل طلب العلم ولقاء رجاله، والتعرف بهم والانتفاع منهم. فقصد عدة زوايا منها، زاوية سيدي حسن الطرابلسي بعنابة؛ التي زارها في بداية طلبه للعلم، فقد أقام بها، واشتغل فيها بالتدريس، مما جعل أواصر المحبة تنمو بينه وبين شيخها، لما باتا يتناوبان على نشر المقالات والقصائد عبر صفحات جريدة البلاغ الأسبوعية(9).

وفي هذه الزاوية بلغه نبأ وفاة شيخه أحمد بن قدور، وكان ذلك سنة 1936م، مما جعله يشد الرحال نحو قرية أجداده زمورة، وهو حزين أشد الحزن على شيخه، راثيا إياه بقصيدة نشرتها جريدة النجاح(10). فأرجعت إليه إمامة الجمعة بمسجد سيدي أحمد المجذوب بزمورة خلفا عن شيخه، مع تكفله بالتدريس المجاني في منزله بعد تحويله إلى زاوية، مما جعل صيته يذاع في القرى المجاورة. ليقبل عليه الطلبة من كل النواحي، مما جعلهم يطلقون اسم جامع الزيتونة على زاويته.

في عام 1938م غادر عمر بن أبي حفص القرية طلبا للعلم، متجها إلى زاوية شلاطة بولاية بجاية، حيث كانت هذه الزاوية من أهم الزوايا، نظرا للمستوى العلمي بها. وشيخ هذه الزاوية هو الشيخ سيدي علاوة، وبطلب منه ألف كتابه "دليل الحاج"؛ لنيته في الحج. وتحققت نيته وخرج للحج سنة 1939م رفقة الشيخ عدة بن يوسف والشيخ دميراد العلوي(11).

في سنة 1944م التحق بوادي الزناتي لممارسة التدريس على طريقة جامع الزيتونة نية منه للالتحاق بها. عاد بعدها إلى قريته زمورة لنشر العلم بها، ومكث بها حتى سنة 1965م، حيث استدعي إلى العاصمة لإمامة مسجد براقي(12) قرب الجزائر العاصمة، وغادره في السنة نفسها، متوجها إلى مسجد سيدي رمضان بحي القصبة العريق. الذي استقر به حتى التحق بالرفيق الأعلى سنة 1990م.

رحل الشيخ الزموري بعد نحو خمس وخمسين سنة من العطاء، لملاقاة ربه، فحزن عليه طلبته وكل من عرفه، مما جعل الصحف الوطنية تكتب عنه وتعرف به في ما لا يقل عن ثمانين مقالا، باللغتين العربية والفرنسية(13).

ترك الشيخ أعمالا في عدة مجالات منها اللغة، والأدب، والتفسير، والوعظ والإرشاد. البعض منها لم يطبع، والبعض الآخر من هذه الأعمال طبع ونشر منها(14):
- فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف، طبع بديوان المطبوعات الجامعية.
- من رسائل العلامة عمر بن أبي حفص (المجموعة الأولى)، طبع بديوان المطبوعات الجامعية.
- من رسائل العلامة الشيخ أبي حفص (المجموعة الثانية)، طبع بدار حواركم.
- فضل الدعاء ومطلوبيته، طبع بدار الهدى، عين مليلة.
- أبواب الجنان وفيض الرحمان في الصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، طبع بدار الهدى.
- في رحاب المجالس النورانية، طبع بدار هومة.
- ما يفعله الحاج على مذهب الإمام مالك.
- إضافة إلى القصائد الشعرية، والمقالات ودروس الوعظ والإرشاد والتفسير التي كان ينشرها في الجرائد الوطنية.
- ولقد كان للعلامة إسهام مشهود به في ثورة نوفمبر الخالدة، إذ كان مكلفا من طرف المجاهدين بإصدار فتاوى وإصلاح ذات البين، ولطالما تغيّب عن أهله في مثل هذه المهام النبيلة لمدة تتجاوز أربعة أيام، كما كان له الفضل في الإسهام في تكوين رجالات الثورة أمثال العقيد صالح بوبنيدر المعروف بصوت العرب، قائد الولاية الثانية التاريخية، الأستاذ عبد الحميد مهري والشهيد حسن شطايبي وآخرين من الذين كوّنهم في مدرسة التهذيب بوادي الزناتي بولاية قالمة، كما واصل الشيخ جهاده الأكبر في التكوين وتربية المريدين بعد استعادة السيادة الوطنية.

2 - التعريف بالمؤلَف:

يعتبر "فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف"، من أهم مصنفات الزموري، لأنه تناول علم التصريف الذي يعتبر من أهم العلوم اللغوية. فقد اقتحم مجال التصريف بكتابه الذي نحن بصدد دراسته، فقد أثبت بحق جدارته.

كان للشيخ الزموري من الشجاعة الأدبية، والرصيد اللغوي؛ ما جعله يقتحم مجال التصريف، لدرايته بأسراره، ونفور العلماء منه، وتفطنه لقلة الاهتمام به في ذلك العصر، ما جعل الشيخ يشرح منظومة المكودي في التصريف. فقد تمنى الحصول على نسخة المنظومة التي كانت بحوزة شيخه أحمد بن قدور(15).

فالزموري كان يحفظ المتن من هذه النسخة المكتوبة بخط شيخه مسجلا فيها إضافة على المتن نصوصا وتقريرات تتعلق بالشرح. مما جعله يقرر خدمة علم التصريف، يشرحه لمنظومة المكودي، بتعمقه في المسائل والشرح القيم الذي قدمه. بالإضافة إلى من سبقه في شرح هذه المنظومة من الدلائي من المغرب، وعبد الكريم الفكون من الجزائر. إلا أن شرحيهما كانا وجيزين، ما جعل شرح الزموري شاملا وواسعا.

فرغ الزموري من تأليف "فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف" في مطلع الخمسينيات، لكن الظروف لم تسمح له بطبعه ونشره حتى بعد وفاته، فطبع سنة 1991م بديوان المطبوعات الجامعية بالجزائر.

3 - غايته من التصنيف:

لقد حرص الزموري على تحديد غايته من تصنيفه لفتح اللطيف. فربط عمله بغايتين: غاية اختيار المتن، وغاية الشرح. فالأولى متعلقة باختياره متن المكودي، في خدمة علم التصريف بتصريحه قائلا: "وقد كنت أرى أن فن التصريف يحتاج إلى خدمته، وأن المتن وفى بكثير من أحكامه"(16).

والغاية الثانية، في اختياره لعلم التصريف، ربطها بفهم القرآن الكريم وفقهه، فيقول: "فإن مما يجب حفظه على الأمة الإسلامية القرآن العظيم... فيلزم أهل الإسلام فقهه وفهمه، الذي أراده المنزل الحكيم، وذلك لا يتم إلا بحفظ وسائله، التي هي أبواب لحفظ خزائنه... ومن ذلك حفظ علم العربية الذي هو لسان الرسول عليه السلام".

نجد من الغايتين، أن الأولى وسيلة للثانية، ذلك أن خدمة التصريف لا تكون إلا لفهم القرآن الكريم، ليتم الحفاظ عليهما. كون معظم العلوم قامت كوسيلة للحفاظ على القرآن الكريم؛ كالبلاغة، والنحو على سبيل المثال لا الحصر، مما أثار اهتمام العلماء بهذه العلوم. فالزموري حدد غايته في بداية العمل.

4 - المحتوى العلمي لكتاب فتح اللطيف:

بنى المؤلف مصنفه على أساس علم التصريف باعتباره من أشرف العلوم، وأدقها، فهو في البداية يقارن بين التصريف والنحو قائلا: "إذ هو متقدم بالذات على النحو، لأن موضوعه جزء لموضوع النحو، فإذا وقع الخطأ في الكلمة زادها التركيب بعد"(17).

هذا دليل على أن الموضوع الذي اختاره الزموري من المواضيع الهامة، ومعلوماته لا تقل أهمية عنه. مما يجعل المقبل على مصنفه يستفيد من نواحي عدة، لما تحويه هذه المعلومات من مختلف المعارف. حين نجد المصنف يقدم بالإضافة إلى القواعد التصريفية؛ مفردات مشروحة، وقواعد الإعراب التي أعطاها أهمية بالغة، لعلاقتها بالشرح وفهم المعنى المقصود. بالإضافة إلى بعض العلوم التي استعان بها المؤلف في مناقشته وتعليلاته، كالقياس والمنطق.

5 - تقسيمات الكتاب:

أول ما يلفت الانتباه في مصنف الزموري، هو فصله لكل الموضوعات الصرفية. بتقسيم المتن إلى مجموعات من الأبيات، كل مجموعة تختص بباب من الأبواب مقسمة إلى فصول. بإضافته شيئا للمتن هو التبويب، وقدم شرحا للمتن في متناول طالب هذا العلم، والتقسيم الذي اعتمده الزموري هو على الشكل الذي سيأتي بيانه.
- المجموعة الأولى، تضم ستة وعشرين بيتا، خاصة بخطبة المتن، وهي طويلة قسمها إلى قسمين، الأول خاص بالحمد والثناء. والثاني خاص بالغاية من النظم.
- المجموعة الثانية، خاصة بحقيقة التصريف، تتضمن أربعة عشرة بيتا، تناول فيها تعريف التصريف، وتحديد موضوعاته.
- المجموعة الثالثة، تضم عشرة أبيات، خاصة بالأبنية الأصول للأسماء.
- المجموعة الرابعة، تضم ثلاثة أبيات، للأبنية الأصول للأفعال.
- مجموعة أحرف الميزان وكيفية الوزن، تضم تسعة أبيات.
- مجموعة أدلة زيادة الحرف، تضم خمسة عشر بيتا.
- مجموعة الزوائد، تضم ثلاثة وثمانين بيتا، قسمها قسمين الأول لزيادة التضعيف، والثاني لزيادة حروف سألتمونيها.
- مجموعة همزة الوصل، تضم أربعة عشر بيتا.
- مجموعة الإبدال والإعلال، تضم مائة وسبعة وخمسين بيتا، وهي الأكبر قسمها على حسب الموضوعات المتضمنة.
- مجموعة القلب المكاني، وتضم أحد عشر بيتا.
- مجموعة تصريف الأفعال، وتضم ستة عشر بيتا.
- مجموعة البناء على بناء آخر، وتضم اثنين وعشرين بيتا.
- مجموعة الإدغام، تضم اثنين وعشرين بيتا.
- الخاتمة، من ستة أبيات(18).

المجموع يكون ثمانية أبيات وأربع مائة بيت، شرحها الزموري في ثلاثة عشر عنوانا رئيسا، تفرع بعضها لعناوين فرعية(19). مخالفا بهذا التقسيم من سبقه من الشراح، حيث كان الشرح القديم يعتمد شرح المتون بيتا بيتا، كما هو الحال في شرح لامية الأفعال والألفية لابن مالك.

كونه بالإضافة إلى هذا التقسيم، نجد الزموري قد اعتمد طريقة أخرى أو تقسيما آخر يتخلل التقسيم الأول، مخالفا به الطريقة التقليدية في شرح المتون، ومطورا إياها، حين جعل كل موضوع يمر بمرحلتين، الأولى سماها بسطا والثانية سماها تعريفا.
مرحلة البسط اعتمد فيها على عرض الموضوع التصريفي، وتفصيل جوانبه بالبحث والنقاش والتعليل، مع تقديم أراء العلماء فيه. معتمدا على ما في المتن بإضافة بعض الشروح والتعليلات، مع الإكثار من الأمثلة.

مرحلة التعريف جعل الزموري الشرح فيها مرتبطا بالمتن،كونه لا يتعدى تفسير مفردات المتن، من حيث المستوى المعجمي؛ بشرحه المفردات الغير مألوفة، ومن حيث الإعراب لتسهيل مهمة فهم التراكيب. ثم المستوى التصريفي الذي شرح فيه الشيخ بعض المصطلحات المعينة على فهم الأحكام التي قصدها المكودي في البيت ولم يخرج إلا في المسائل التي يستوفها حقها من الشرح في مرحلة البسط. بالإضافة إلى التنبيه للنكت البيانية، وتصحيح الأخطاء العروضية(20).

وبهاتين المرحلتين نجد الزموري قد تدرج من المرحلة الأولى إلى الثانية، معتبرا الأولى عرضا إجماليا للموضوع، والثانية تفصيلا لشرح المتن. وسبب تسميته المرحلتين بالبسط والتعريف، لا يخرج عن نطاق المنهجية المتبعة في المتن، البسط والتعريف، حيث قال المكودي(21):

سميته بالبسط والتعريف في نظم ما جل من التصريف

وقد اعتمد هذا التقسيم حتى يزيل الغموض للقراء بقوله: "فتمت الموافقة في الشرح والمتن والعنوان، فزاد بذلك حسنا وبيان"(22). فالبسط لبسط المعاني وتفصيل الشرح فيها. وأما التعريف فبالأعلام والموضوعات؛ وكان المتوقع، منهجيا، أن يقدم الشيخ التعريف على البسط، لأن التعريف بالجزئيات والبسط في الكليات.

لقد تميز مصنف الزموري بكثرة الأمثلة والشواهد، بجمعه ما أمكن من مؤلفات علوم اللغة. واهتمامه بصياغة تعريفات للمواضيع المطروحة. مع الاستشهاد بالآراء والتثبيت من صحتها بالتعليل، ومناقشتها مناقشة موضوعية. مع الملاحظة بأنه تأثر بمن سبقه أمثال سيبويه، والصبان وغيرهم، لكنه كان يميل كل الميل لسيبويه. بالأخذ بأقواله والاستشهاد بآرائه، إضافة إلى اعتماده على شرح الأشموني.

وبهذا التقسيم المخالف، والشرح المفصل، والأمثلة الغزيرة، والتبيان البسيط السهل لعلم التصريف، تفرد الزموري بهذا المصنف الذي يعتبر من أهم الشروح لمنظومة المكودي في التصريف. ليبقى "فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف" من المصنفات المهمة في علم التصريف، التي تسهل المهمة للمقبل على هذا العلم.

6 - حوصلة:

يعد كتاب "فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف" من أهم المراجع في مجال التصريف لما احتواه من دروس في مظانه، وإنه لمؤلف قيم أضيف لعلم التصريف، حين نجد الزموري يبسط علم التصريف للرواد من طلاب وأساتذة وباحثين. فقد قدم المواضيع بشكل بسيط وبأمثلة بسيطة مفهومة تُسهل عملية الإدراك، وإننا لنجده يشرح المتن شرحا مجملا شاملا بسيطا، لمنظومة المكودي في التصريف، حين نجده يحفظها ويحفظ شرحها الذي تلقاه من أستاذه، باعتبار أن المتن استوفى الكثير من المسائل التصريفية التي جعلت الزموري يقرر خدمة فن التصريف بشرحه هذا.

فالزموري لم يتجاوز في شرحه للمتن الموضوعات التي تطرق إليها المكودي. فقد اعتمد على الإجمال في شرحه ثم التفصيل فالإجمال كان في مرحلة البسط والتفصيل في مرحلة التعريف. وتعامله مع الموضوعات لم يكن عادلا حين أكثر الحديث في بعض الموضوعات كالزيادة، وقل الحديث في موضوعات أخرى كالإبدال والإعلال.

اعتمد الزموري في شرحه طريقة مخالفة لغيره من الشراح مواتية للمتن مكملة له، فقد قسم المواضيع لقسمين قسم البسط شرح فيه المواضيع شرحا شاملا مراعيا فيه المتن، وقسما آخر سماه التعريف بتعريف المواضيع كما جاء في المتن بشرحه مفردات المتن لا أكثر ولا أقل.

اجتهد الزموري في تحديد مفهوم التصريف، كان يبدي آراءه في المسائل المختلف فيها. كما كانت له إحاطة بمختلف علوم اللغة العربية، والدليل خوضه في المسائل الإعرابية، والبيانية، والعروضية. واعتمد الزموري على أمثلة من متن المكودي كما امتثل بالصفة بانعزال عن الموصوف، وكان يجمع عدة صفات متتالية بمعزل عن موصوفاتها وهذا لم يعب الشرح لأنه كتاب تعليمي يستحق التمثيل بعيدا عن القاعدة، ما أسميناه بالغريب الذي فاق المشهور، حين امتثل الشيخ بمفردات خارج نطاق الاستعمال ليترك المتعلم في حيرة من هذه الأمثلة؛ مع أنه قدم معاني هذه المفردات، والتكرار والتركيز والتحفيظ والتحصيل، وقد كانت تغلب عليه هنا النزعة التعليمية المسجدية (الحفظ أولا).

الهوامش:
1 - اتفق اللغويون على وجود أربعة مستويات؛ فيما اختلفوا في تحديدها يرى بعضهم تبدأ بالصوتي، فالصرفي فالنحوي فالمعجمي، والبعض يرى الرابع دلالي، لصوتي فالصرفي فالتركيبي ثم البلاغي، وفريق اعتمد في تقسيمه الوزن على أن فاء الفعل يحددها الصوت، والعين يحددها الصرف واللام النحو ثم الكلمة في تركيبها ككل ليكون المستوى أولى المستويات يليه الصرفي فالنحوي فالتركيبي الذي ينطوي تحته المعجمي البلاغي الأسلوبي. وهو في نظري التقسيم السليم منطقيا.
2 - الصرف هو "علم يعرف منه أنواع المفردات، الموضوعة بالوضع النوعي، ومدلولاتها، والهيئات الأصلية العامة للمفردات، والهيئات التغييرية، وكيفية تغييرها عن هيئاتها الأصلية، على الوجه الكلي بالمقاييس الكلية". انظر، حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ج2، ص 101. لكن الزموري عرفه قائلا: "هو علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم التي ليست إعرابا ولا بناء، وموضوعه الأسماء المتمكنة والأفعال المتصرفة"، ص 7.
3 - عمر الزموري: فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف، إعداد مهري المولود، ديوان المطبوعات الجامعية، ط1، الجزائر 1991م.
4 - المصدر نفسه، ص 15.
5 - خيرة غانم: مدارج التصريف في فتح اللطيف، رسالة ماجستير، جامعة وهران، ص 24.
6 - الزموري: فتح اللطيف، ص 19.
7 - المصدر نفسه، ص 19 بتصرف.
8 - عمر الزموري: أبواب الجنان وفيض الرحمن، دار الهدى، عين مليلة، ص 22-23.
9 - ينظر، بلقاسم أبو محمد: العلامة الشيخ المربي عمر أبو حفص الزموري، دار هومة، الجزائر، ص 23.
10 - الزموري: فتح اللطيف، ص 19.
11 - ينظر، بلقاسم أبو محمد: العلامة الشيخ الزموري، ص 27.
12 - يوجد بين الحراش ومدينة الأربعاء.
13 - خيرة غانم: مدارج التصريف، ص 28.
14 - محمد بن إسماعيل: مشايخ خالدون وعلماء عاملون، دار الهدى، عين مليلة، ص 62.
15 - الزموري: فتح اللطيف، ص 20.
16 - نفسه.
17 - المصدر نفسه، ص 24.
18 - المصدر نفسه، ص 12 وما بعدها.
19 - المصدر نفسه، ص 57 وما بعدها.
20 - المصدر نفسه، ص 275-297.
21 - الشيخ عبد الرحمن بن علي بن صالح المكودي الفاسي: البسط والتعريف، ص 12.
22 - الزموري: فتح اللطيف، ص 25.
الإحالة إلى المقال:

* نورية بويش: كتاب فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف - المؤلف والمنهج، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس عشر 2016. http://annales.univ-mosta.dz

***