النزعة الإنسانية في الثقافة العربية طبيعتها ومظاهرها

رائد سهيل الحلّاق
جامعة البعث حمص، سوريا

الملخص:

يحاول البحث أن يقدّم صورة واضحة لمصطلح النزعة الإنسانية من خلال رصد نشأته وتطوره في أوساط الثقافة العربية. وعلى هذا فإنه يبدأ بتحديد معنى الحضارة العربية وما يدخل فيها، ثم يبيّن أساس نزعتها الإنسانية وجذورها وخصائصها وطبيعتها منبّهاً على اختلاف منشأ هذه النزعة بين الثقافتين الغربية والعربية، ومؤكداً وجودها على الرغم من إنكار بعض المستشرقين لها. ثم يعالج البحثُ المصطلحَ في الثقافة العربية خلال تتبّع دخوله في مجالات الفلسفة والتصوف والأدب، فيدرس خصائص النزعة وصفاتها في كل مجال على حدة مبيّناً طغيان تمجيد العقل في المجال الفلسفي، وتمجيد الروح في المجال الصوفي مع المحافظة على مركزية الإنسان ومحوريته دائماً. ويتضمن ذلك كله تتبّع المصطلح في بعض معاجم المصطلحات ما تيسّر منها. ويخلص البحث إلى غايته وهي تقديم صورة متكاملة للمصطلح في الثقافة العربية وتحديد طبيعته في الميادين التي ظهر فيها، وتقديم تعريف إجرائي له وللأدب الإنساني اعتماداً على المفهوم الثقافي العربي للمصطلح.

الكلمات الدالة:

النزعة الإنسانية، الثقافة العربية، التصوف، الفلسفة، الروح والعقل.

***
The humanism in Arab culture its nature and its Appearances

Abstract:

The research attempts to present a clear image of the term humanism by observing its emergence and development in Arab cultural circles. Based on this, he begins by defining the meaning of Arab civilization and what is included in it, then clarifies the basis of its human tendency, its roots, characteristics and nature, pointing out the difference in the origin of this tendency between the Western and Arab cultures, and confirming its existence despite the denial of it by some Orientalists. Then the research deals with the term in Arab culture by tracing its entry into the fields of philosophy, mysticism and literature, studying the characteristics of the trend and its qualities in each field separately, indicating the abundance of glorification of the mind in the philosophical field, and the glorification of the soul in the mystical field while preserving the centrality and centralization of man always. All this includes tracing the term in some dictionaries of terms as available. The research concludes with its goal, which is to present an integrated image of the term in Arab culture, to define its nature in the fields in which it appeared, and to provide a procedural definition of it and human literature based on the Arab cultural concept of the term.

Key words:

humanism, Arab culture, Sufism, philosophy, spirit and reason.

***

النص:

لعل فكرة تعدد الحضارات التي ازدهرت على هذه الأرض منذ نشأة الخليقة تقودنا إلى التفكير بإيجاد روابط مشتركة بينها، ويبدو أن الرابط الذي يجمعها على الرغم من تنازحها عن بعضها أحياناً هو التطور التاريخي التدريجي لها، لذا يمكن القول إنها مرت بمراحل متشابهة إلى حد ما، لكن هذا لا يعني الاشتراك بينها في الأسس والطبيعة. وإذا كانت النزعة الإنسانية في الغرب قد قامت على أركان حضارة مادية عريقة ثم امتزجت أسسها وصفاتها بطبيعة المجتمع الذي ولدت فيه دينياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، وإذا كانت كل حضارة لا تخلو من نزعة إنسانية، فما شكل النزعة الإنسانية العربية؟

إن هذا السؤال يدعو إلى التذكير بأن أحد المستشرقين(1) بعد دراسته النزعة الإنسانية في الغرب وتوصله إلى أنها نقطة تحول كبرى في تاريخه، قاده ذلك إلى التساؤل عن الحضارة العربية ونزعتها الإنسانية، ثم أنكر وجود تلك النزعة فيها لعدم توفر العوامل والمؤثرات التي أنجبت إنسانية الغرب، ولعدم وجود حضارة عريقة تنهض عليها هذه النزعة كالحضارة اليونانية، ومن ثم فلا وجود لنزعة إنسانية عربية لافتقادها لذلك كلّه. لكن الحضارتين الغربية والشرقية على خلاف بيّن في المقومات والأسس والروح، والنزعة الإنسانية لا تصدر إلا من رحم حضارتها، فإذا أنجب التراث اليوناني نزعة إنسانية نهضوية فهذا لا يعني أن عليه أن ينجب النزعة نفسها في كلّ حضارة، فلكل حضارة أسلوبها الخاص في إحياء نزعتها الإنسانية على الرغم من الاشتراك العام بين الحضارات في بعض الخصائص.

ويجدر بنا في هذا المقام الإشارة إلى أن الحضارة العربية هنا لا تنحصر في العرب فحسب، بل تشمل الشرق مقابل الغرب "فالحضارة العربية ليست هي الحضارة الإسلامية، بل هي كما عند اشبنجلر تلك الحضارة التي نشأت في تربة واسعة تُحدّ من الشمال بمنطقة تسودها مدينة الرها، ومن الجنوب بسوريا وفلسطين ومصر، وفيها تسود مدينة الإسكندرية، ومن الشرق بنهر سيحون، أي تشمل إيران كلها، ومن الغرب بالبحر الأبيض المتوسط، وفي أقصى الجنوب نَجْد بلاد العرب، وفي أقصى الشمال مدينة بيزنطة... وولدت في القرون الخمسة الأولى من ميلاد المسيح، وكانت هذه الفترة بمثابة الربيع بالنسبة إليها. وإن المدنية الإسلامية إنما تكوّن طوراً من أطوار الحضارة العربية والوحدة الجامعة في هذا الطور هي الإسلام أو اللغة أو كلاهما معاً، ولهذا لن نفهم العربي بمعنى عنصري أو ديني بل بمعنى لغوي خالص، أو بمعنى حضاري، فكل من ينتسب إلى هذه الوحدة الحضارية التي تسمى الحضارة العربية أو السحرية يدخل في هذا الباب أيض"(2). وقد ألّفت هذه الحضارة بين مدنها حتى صارت كلّاً متكاملاً إلى درجة أن كثيراً من الأعلام المذكورين عند العرب كانت أصولهم من مدن مثل بخارى، وخوارزم، وخراسان، وشيراز أو نيسابور، وفاراب، وتُسْتُر، وغيرها. وقد وُسم هؤلاء بميسم النزعة الإنسانية العربية، ونهلوا منها حتى صاروا أعلامها.

إن اختلاف الحضارتين العربية والغربية في أصول النشأة والمقومات يضعهما على طرفي نقيض في أثناء الكشف عن النزعة الإنسانية عند كلّ منهما، فالتباين بين الأصول المادية للحضارة الغربية والأصول الروحية للحضارة العربية لا بدّ أن يترك أثره العميق في تكوين النزعة الإنسانية لديهما، فإذا كانت إنسانية الغرب قد نهضت على أركان حضارة مادية، فهذا يعني أن الحضارة العربية أنتجت نزعة إنسانية رضعت لبانها من الأديان الروحية القديمة والتعاليم الأخلاقية كالبراهمانية والزرادشتية والمانوية وغيرها، وشبّت على يد الدين الإسلامي مشكاة النزعة الإنسانية العربية. وعلى هذا فلعلّ الاختلاف سيبدو جلياً في جوهر النزعة الإنسانية، أي في القيم. فالإنسان في إنسانية الغرب له الحرية المطلقة في خلق قيمه، أما الإنسان في إنسانية الشرق فيستمد قيمه من العالم الروحي والتعاليم الأخلاقية الروحية، ويكون إنسانياً خالصاً حين يلتزمها في تعامله من أخيه الإنسان. وتبقى مركزية الإنسان في الإنسانية العربية كما في الغربية، ولكن مع فارق مهم، فالإنسان ممجّد ومركز الكون ولكن ليس لأنه الإله، بل لأنه خليفة الله في الأرض ليعمرها، ولأنه مظهر الصفات الروحية السامية دون الكائنات الأخرى، وهو بذلك جَرَم صغير ولكنْ فيه انطوى العالم الأكبر. فالإنسانية العربية لا توصل الإنسان إلى مرتبة الألوهية لأنها روحية بخلاف إنسانية الغرب.

ومثلما مجدّت النزعة الإنسانية الغربية العقل إلى حد العبادة فإن تلك السمة أيضاً برزت في الإنسانية العربية، لأن العقل الإنساني سبيل إلى التفكير في ماهية الإنسان وصفاته وأخلاقه ومشكلاته، وهو من ثم سبيل سعادته دون المغالاة في تمجيده وتقديسه، ودون تناقض بين الروح والعقل، ذلك أن صانع الروح والأخلاق هو ذاته واهب العقل للإنسان. ومن هنا اتخذت النزعة الإنسانية العربية صوراً عدة على فترات زمنية مختلفة، فمرةً ظهرت في الفلسفة والتفكير العقلي، ومرةً أعادت إلى الروح بهاءها، وإلى العاطفة جذوتها ولمعت في التصوف، وكثيراً ما جمعت الأمرين معاً وتبدّت في الأدب دون أن تغيب عن الميادين الأخرى.

1 - النزعة الإنسانية العربية والفلسفة:

بدت الفلسفة العربية ولداً باراً بالعقل الإنساني الذي أنتجها، فقد رصدت نفسها وموضوعاتها لخدمة الإنسان وطبيعته ومعرفة ما يواجهها على هذه الأرض، ولأنها وليدة العقل فهي تشيد به لأنه أداتها وسلاحها في التفكير، لكن هذا العقل سلاح ذو حدين فإن أحسن الإنسان تسخيره لخدمته فقد أصاب النجاح، وإن أساء فقد عاد على نفسه وعلى الإنسانية بالوبال، لذلك نرى أحياناً أن الفلسفة تترك زوايا التفكير بما وراء الإنسان لتضع نفسها في قلب قضايا الإنسان مباشرة إذا رأت الناس حادت عن التفكير. فرسائل إخوان الصفا في أوائل القرن الثالث الهجري مثلاً سعت إلى التوفيق بين العقائد والمذاهب والفرق الكلامية الإسلامية وغير الإسلامية، فكان تصنيف هذه الرسائل التي تجاوزت الخمسين في مختلف العلوم والفنون والموضوعات الإنسانية والأخلاقية والإلهية له غاية سامية، وهي توحيد كلمة البشر وإحياء الوفاء والوفاق بينهم وجمعهم في صف واحد بغض النظر عن الفوارق في الآراء والمعتقدات، وذلك في سبيل الوصول إلى تحقيق قيمة الإنسان والصورة الإنسانية. فالمتأمل "في حركة (إخوان الصفا وخلان الوفا أهل العدل وأبناء الحمد) يجد النزعة الإنسانية في مذهبهم واضحة جلية. فقد نشأت نتيجة لموقفهم من اختلاف الناس حولهم واصطراعهم في العمل والسلوك. كانت الحقيقة عندهم نتاج العقل والنقل، وثمرة التطور في الطبيعة والتاريخ. ومثال الحق عندهم اتحاد كلمة البشر من حيث صورتهم الإنسانية. وقد نادى إخوان الصفا بالوحدة بينهم لتحقيق المثل الأعلى في الأرض بتحقيق جوهر الإنسانية في الإنسان"(3).

إن العقل الإنساني هو من أنتج الفلسفة وهو هدية الله للإنسان، لكن العقل إذا غالى في تصوراته الجافة خرج بتشعبات فلسفية لا بد أن أكثرها بعيد عن الدين أي عن الله الذي وهبه العقل، لذلك كانت النزعة الإنسانية العربية لكونها نزعة روحية تمجد الإنسان وتكرمه وتعيده إلى صفته بأنه خليفة الله وليس الله، ومن هنا نرى نزعة الكندي الفيلسوف (ت 240هـ-873م) نزعة إنسانية تعيد الفلسفة إلى نصابها وتعيد معها مجد الإنسان وكرامته بعد أن غالى في فرقه الكلامية وتعالى على الفلسفة ونراه صاحب نزعة إنسانية جعلته يؤلف في الطب والتنجيم والموسيقى والتنغيم والأدوات والآلات ويؤلف في ماهية العقل والإنسان وفي الإلهيات، وكل ذلك خدمةً للإنسان في الحياة. ويمكن أن نستشعر ذلك في رسالته (الحيلة في دفع الأحزان) "يتعرض فيها الكندي لموضوع السعادة والشقاء في الحياة الدنيا وليس في الآخرة، ويبدأ رسالته بتوضيح نسبية ما هو محبوب وما هو مكروه لدى الإنسان، فالملذات تختلف من فرد إلى فرد وكذلك الحسرات والحكم على الحالة الروحية بالشقاء أو السعادة أمر مرتبط بالعادة وهو ما يعطي للعقل دوراً في إعادة تقييم الأمور... نلاحظ لأول وهلة أن موضوع رسالة الكندي هو الإنسان بوجه عام وهدفها هو تحقيق انسجامه مع الوجود (رفع معنوياته) وتقريبه من السعادة... إن النزعة الإنسانية في رسالة الكندي ترتد مسوح الحكمة العملية"(4). إن فيلسوف العرب صاحب نزعة إنسانية لا عربية فقط فهو يشيد بالإنسان أياً كان ويكتب له.

ولا تقف النزعة الإنسانية عند الكندي فقط، لكنها تتجلى عند فيلسوف من أصول تركية وهو الفارابي صاحب الثقافة الموسوعية كسابقه، فقد أحسن اللغة اليونانية مثله أيضاً واطلع على الفلسفات اليونانية مثله لأنه تبنى فكرة إصلاح المجتمع وتسديد خطاه عن طريق المزاوجة بين الفكر الفلسفي الإسلامي والفكر اليوناني. وانطلق من ذلك لتبيان رؤيته ذات النزعة الإنسانية للكون والإنسان والمجتمع، وغايته سعادة البشرية على الأرض، لذلك فكر في مؤلفاته بالعلاقات الإنسانية ووضع القواعد الأخلاقية التي تحكم الاجتماع البشري. وصنف في ذلك (تحصيل السعادة) و(آراء أهل المدينة الفاضلة) وغيرها من المؤلفات التي تنشد سعادة الإنسان. "إن الأمر الجديد في هذا المشروع المعرفي للفارابي هو هذه الثقة الكبيرة في العقل البشري الذي يستطيع أن يطرق كل هذه المجالات ويصل إلى كنهها وجوهرها. لقد تحوّل العقل إلى وسيلة موثوق بها لتزويد الإنسان بالمعارف الصحيحة عن الطبيعة وعن الله وعن الإنسان. هذا الإيمان بالعقل وهذه الثقة في المعرفة الإنسانية وهذا الأمل في السعادة هو الذي يشكل الأساس الذي قامت عليه النزعة الإنسانية عند الفارابي"(5). ولعل القول بأن الفارابي صاحب فكر ينطلق من نزعة إنسانية قول منقوص بل علينا الاعتراف بأنه المؤسس الحقيقي للنزعة الإنسانية العربية من الوجهة الفلسفية في الفكر العربي فإذا كان أرسطو (المعلم الأول)، فإن الفارابي هو المعلم الثاني في الفكر الإنساني، والمعلم الأول في الفكر العربي.

وغير بعيد عن الكندي والفارابي نجد أبا حيان التوحيدي (ت 400هـ) يُفلسف في تآليفه الأدبية موضوعات إنسانية عدة كانت كفيلة بوسمه سمة النزعة الإنسانية في أدبه الفلسفي. ووقد أفرد التوحيدي غير قليل من كتبه للتفكير بالإنسان وصفته وطبيعته، وذلك لأنه رأى أن معرفة النفس الإنسانية من أسمى ضروب المعرفة، لذلك نجده يتغلغل في الموضوعات النفسية والأخلاقية التي تربّي الإنسانية على أفضل الشيّم، وهو قبل ذلك يتأمل في تساؤلات مثل "ما النفس؟ وما كمالها؟ وما الذي استفادت من هذا المكان؟ وبأي شيء باينت الروح؟ وما الروح؟ وما صفته؟ وما منفعته؟... وما الإنسان؟ وما حدُّه؟ وهل الحد هو الحقيقة أم بينهما بون؟... وما العقل؟ وما أنحاؤه؟ وما صنيعه؟"(6). ثم خصص التوحيدي مؤلفاته أغلبها لرفع الطبيعة الإنسانية، فطرق باب المشكلات الأخلاقية محاولاً تهذيب الأخلاق وتطهيرها. وعالج موضوعات تخص الإنسان في حياته مع أبناء جنسه فتحدث في بطون كتبه عن العلم والعمل، والرجاء والخوف، والسخاء والبخل، والاعتدال والإغراق، والذكاء والبلادة والعقل، والثقة والارتياب، والإحسان والإساءة. ودخل في لب النزعة الإنسانية حين عالج موضوع الصداقة والصديق في مؤلفه، لأنه أدرك أن العلاقات الإنسانية أساس سعادة الإنسان، لذلك حض على سجية الحلم، والحرص على اكتساب الإنسان الصداقة، ودعا إلى التآلف مع الناس والعشرة الحسنة، فعلى ذلك تُبنى سعادة الإنسان. "إن مشكلة التوحيدي الكبرى هي مشكلة الإنسان، هذا العالم الأصغر الذي وسع كل مشاكل العلم الأكبر. وقد جعل الوجود البشري محور تساؤله ومدار تفلسفه"(7). والحق أن مؤلفات التوحيدي ورسائله في اغلبها اتسمت بهذه السمة وتبنّت هذا المنحى الإنساني العميق.

وعلى مثال ما صنعه الفلاسفة قدّم ابن سينا الشيخ الرئيس (370-428هـ) تآليفه المتنوعة في ضروب من العلم والطب والفلسفة، مسبغاً عليها لبوس النزعة الإنسانية حين يفكّر بالإنسان وطبيعته ويعلي من شأن عقله وينشد سعادته. ويتبعه ابن رشد (520-595هـ) الذي صاغ فلسفته الإسلامية عن العقل والإنسان، فقال بالعقل الفعّال الأبدي الذي يفيض من معقولاته على العقل الإنساني، ودعا الإنسان إلى أن يعمل على إسعاد المجموع، ووضع آراءه الأخلاقية وتصانيفه الموسوعية المختلفة في خدمة الإنسان وتحصيل سعادته.

تتلخّص روح النزعة الإنسانية التي أسسها فلاسفة الثقافة العربية في أنها تقوم على حق الإنسان في أن يكتشف بنفسه حقائق عالمه الدنيوي، وأن يربط هذا الاكتشاف بغايته في تحقيق حريته وسعادته في هذا العالم دون الانفكاك عن عالمه العلوي، الذي يمدّه بالقوة الروحية والقيم الأخلاقية والتكريم والاستخلاف في الأرض.

ولئن كانت النزعة الإنسانية في الفلسفة قد فكّرت بطبيعة الإنسان بطريق العقل دون التخلي عن الروح، فإن هناك من كوّن نزعته الإنسانية بطريق الاتصال بالعالم العلوي الروحي دون التخلي عن العقل وذلك حين رأى أن الإنسان أصله واحد، وموجِده واحد، وهو صورة موجِده، لذلك هو أكرم الخلق، إنها إنسانية الصوفيين.

2 - النزعة الإنسانية العربية والتصوف:

يحوز التصوف على جزء ناصع من التراث الإنساني العربي، وقد استحق هذا الجزء - لِما له من سمات وبما فيه من أفكار - أن يشغل صفحات وكتبا عديدة، تبحث في ماهيته، ومدى روحانيته وقربه من العقل والتشريع الإسلامي الذي انبثق منه، وكانت الأفكار - تبعاً لذلك - متفاوتة في الموضوعية والإنصاف والتحليل والتعليل، حتى تعدّى أمر بعضهم إلى تكفير الصوفيين، واتهامهم بتُهمٍ عديدة تجرّح عقيدتهم. والحق إن التصوف مرآة الإسلام المصقولة، وهو الثورة الروحية في الإسلام، فقد كان للتصوف الباع الطويل في توجيه الناحية الروحية في الإسلام خلال ما جاد به من آراء وأفكار في العبادات والمعاملات، وصلة العبد بربه، وكلّ ذلك في فهم عميق لروح الإسلام، ممّا يحوج إلى تحليل عميق لآراء الصوفية لفهمها. ولعل ذلك التوجه الروحي نحو فهم الأفكار الإسلامية عند المتصوفة جاء تحت تأثير عوامل اجتماعية وسياسية عصفت بالمجتمع الإسلامي عامة، لكن منشأ هذا الفكر الصوفي دون شك هو القراءة الإسلامية العميقة لمعنى الزهد والتوحيد. وعلى الرغم من التصورات التي سادت بأن التصوف الإسلامي تأثر بالديانات الروحية الهندية والفارسية من زرادشتية ومانوية، وتأثر بالرهبنة المسيحية وبالفكر الغنوصي، إلا أن ذلك قد تمّ له بالشكل والأدوات دون الجوهر، لأن مصادر التصوف إنما هي المصادر الإسلامية القرآن الكريم والحديث الشريف. ومن هنا يبدو "التصوف نزعة إنسانية عالمية توجد في كل الديانات والمذاهب، وأن التشابه بين التصوف الإسلامي وما عداه لا يتصل أبداً بجوهر التصوف الإسلامي الذي استند إلى الآيات القرآنية وإلى سيرة الرسول(ص)، وإنما هي مؤثرات وفدت إلى التصوف بسبب اتساع رقعة العالم الإسلامي والاتصال بشعوب البلاد المفتوحة"(8).

ويبدو أن إنسانية الصوفيين حين فارقت إنسانية الفلسفة الإسلامية لم تفارقها من جهة اعتماد الروح ومناجاتها قبل اعتماد العقل - على الرغم من مكانته عندهم - ولكنها إنسانية قلبت المفاهيم الإسلامية الظاهرية، وأظهرت إنسانية الإسلام جليّةً ناصعة. فالصلاة مناجاةٌ قلبية وعشق إلهي قبل أن تكون عبادة تؤدَّى بحركات، والله تعالى هو معشوق إلى أتمّ درجات العشق قبل أن يكون معبوداً. وفي معاني ومفاهيم شبيهة بالمعاني الآنفة تمظهرت النزعة الإنسانية التصوفية، ودلّلت على عمق روحانيتها في معالجة تلك المعاني.

أما الإنسان فهو عند الصوفية - كما في النزعة الإنسانية التي داخلت الفلسفات والتيارات - صاحب مركزية وهو محور النزعة، لكن الإنسان في النَّفَس الروحي الصوفي صار صورة الحق على الأرض، ذلك لأنه مخلوق كرّمه الله تعالى واستخلفه الأرض فقال: "إنّي جاعلٌ في الأرض خليفة" (البقرة، 30)، وقال: "ولقد كرّمنا بني آدم"، (الإسراء، 70). والاستخلاف يعني تسخير ما في السماوات والأرض ليكون في خدمته وتحت سلطانه، ولقد كرّم الله تعالى الإنسان بأكثر من ذلك إذ نفخ فيه من روحه، قال تعالى: "الذي أحسنَ كلَّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسلَه من سلالة من ماء مهين، ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه"، (السجدة، 7-9). لهذا حازت صورة الإنسان على أعلى مرتبة في روحانية التصوف ذلك أن "أكمل صورة ظهر فيها الحق هي الصورة الإنسانية التي تجلى فيها الوجود بكل معانيه وكمالاته واختزن فيها الحق كامن أسراره، وهي التي استحق الإنسان من أجلها الخلافة عن الله في الأرض، ومن أجلها فُضِّل على سائر الخلق حتى الملائكة، لهذا كان الإنسان أحب المخلوقات إلى الله، وكان الله أكثر عناية به وحرصاً على بقائه، والذي يهدم النشأة الإنسانية إنما يهدم أكمل الصور الإلهية ويتحدّى الله نفسه ومن يراعيها فإنما يراعي الحق"(9). فلا غرابة بعد ذلك أن نجد تصورات الصوفية عن الإنسان أنه "الكلمة الجامعة، وهو المختصر الشريف... وأن الإنسان جزءٌ من الوجود من حيث بشريته، والوجود جزءٌ منه من حيث حقيقته"(10)، أي حقيقته الروحية الشريفة. والإنسان الكامل عندهم "هو الجامع لكل المراتب الإلهية الكونية... ولذلك صار خليفة الله"(11). ومدار فكر الصوفيين حول الإنسان على أنه صورة العالم الأكبر لذلك فهو الجرم الصغير الذي جمع واختزل العالم الأكبر فيه. لكن الإنسان بنظر الصوفيين ليس إلهاً كما عند التوجهات الفلسفية الغربية، إلا أنه صورة الإله التي تستحق التكريم في كل زمان ومكان، وبخاصة أن الإنسان على الأرض - أياً كان - إنما هو من (فيض الله)، وهنا يبتدئ المفهوم الإنساني الأجلى عند الصوفيين، فالناس عندهم على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وعباداتهم يصدرون عن مبدأ واحد وجوهر واحد هو الذات الإلهية، ومن ثَمّ فلا فرق بين جنس وآخر طالما كان الأصل واحداً(12). وتؤكد النزعة الإنسانية الصوفية نظرتها إلى المساواة بين الخلق على اختلافهم حين تنادى بمفهوم آخر هو (وحدة الوجود)، وفي هذا المفهوم الصوفي يرى الصوفيون أن الوجود واحد هو وجود الله تعالى وأن "الأشياء موجودة في الخارج غير أنها موجودة بوجود واحد هو الحق سبحانه، لا أنها موجودة بوجود زائد على وجود الحق سبحانه"(13). فالعالم الخارجي بموجوداته غير مستقل الوجود بنظر الصوفيين وإنما هو مظهر من مظاهر الذات الإلهية، وعلى هذا فالصوفيون يوحدون بين الله والعالم، ويجعلون الناس سواسية ضمن الوجود الإلهي. ومثل هذه المفهومات كثير، كالذات والواجب والفناء والبقاء والعطاء وغيرها. ولئن كانت هذه المفهومات صوفية بحتة إلا أنها ذات شحنة إنسانية قوية سارت بالصوفيين إلى محبة الإنسانية جمعاء.

بيد أن هذه التصورات أثارت تساؤلات عن مدى فائدتها لإيغالها في التأملات الروحية، حتى سميت أحياناً (شطحات صوفية) ممّا أدى إلى الاعتراض عليها بأن "هذه الشطحات الصوفية لا قيمة لها من حيث التحقق الإنساني الواقعي، فلا صلة لها إذن بالكائن الإنساني الذي هو موضوع النزعة الإنسانية، وهذا الاعتراض صحيح إذا نظرنا إلى هذه الأقوال في نطاق النزعة الصوفية وحدها، وبمعزل عن نطاقها التنويري العام، أما إذا عرفنا أنها ما هي إلا المُناظِر الروحاني للأنظار الصنعوية والعلمية، إذن لتبدّت لنا في ضوء جديد يردُّ إليها كل قيمتها الإنسانية الواقعية، هنالك سنراها الصدى القوي للنزعة الصنعوية المتحرّقة إلى اكتناه أسرار الطبيعة، فيجب أن نفهم أن هذه الآراء الصوفية هي تعبير عن نفس النزعة الصنعوية إلى اكتناه أسرار الطبيعة ومعرفة العلل وكيفية نشوء الأشياء"(14).

ويضاف إلى ذلك أن هذه التأملات في الله والإنسان هذّبت روح الصوفيين، وصقلت أخلاقهم، وربّتهم على شيم إنسانية خالصة كالتي جاءت في موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي تحت عنوان: "أخلاق الصوفية: الحلم والتواضع والنصيحة والشفقة والاحتمال والموافقة والإحسان والمداراة والإيثار والخدمة والألفة والبشاشة والكرم والفتوة وبذل الجاه والمروءة والمودة والجود والتودّد والعفو والصفح والسخاء والوفاء والحياء والتلطف والبِشر والطلاقة والسكينة والوقار والدعاء والثناء وحسن الظن وتصغير النفس وتوقير الإخوان وتبجيل المشايخ والترحم على الصغير والكبير واستصغار ما منه واستعظام ما إليه"(15). إن هذه السمات الأخلاقية الآنفة لم تكن معاني مجردة وأفكار طوباوية بعيدة عن التحقق في العالم الصوفي وإنما تحلى بها كل صوفي انضم إلى قافلة المتصوفين ولبس جُبَّتَهم.

والناظر في سِيَر أعلام المتصوفين يجد فيها من تجليات النزعة الإنسانية ما يجعله يعتقد يقيناً أن التصوف كان وما زال ميداناً من ميادينها الواسعة. ومن النافل أن يحضر في هذا السياق الصوفي الجليل محيي الدين بن عربي (560 -638هـ) الذي فاضت إنسانيته على بني جنسه من البشر حين اعتقد بكرامة الإنسان والفيض الإلهي ووحدة الوجود مما قاده إلى الاعتقاد أن الأديان واحدة على اختلافها. إن ابن عربي يجمع عقائد الناس المختلفة ويضعها على درجة واحدة من الصحة دون أن يستهجن أيا منها. ويقوده ذلك إلى أن يعتقد العقائد جميعها، فما اختلاف الأديان وتباينها عنده إلا في الشكل فحسب، أما من جهة الحقيقة والجوهر فما هي إلا وسائل للتقرب إلى معبود واحد هو الله الواحد.

وقد وجّه التأملُ الإنساني الصوفيَ ابنَ عربي هذه الوجهة حتى صار يقبل كل اعتقاد لأنه ينظر إلى لبّه بروحانية عميقة، فيظهر له جوهر هذا المعتقد، وفي هذا المعنى يقول(16):

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورة فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرُهْبَانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائف وألواحُ توراة ومصحفُ قرآنِ
أُدينُ بِدِينِ الحبِّ أنّى توجّهَتْ ركائبُه فالحبُّ ديني وإيماني

إنه دين الحب حبُّ الله وحب الإنسانِ صورةِ الحق، إن هذا الدين الذي يدين به ابن عربي يؤمن بالإنسان وبفطرته التي توحد الله في كل معبوداتها لأنه الدين الذي جمع الإنسانية ووحد كلمتها.

ولا ينفرد ابن عربي في هذه النظرة البريئة المنفتحة على الأديان بل نجدها عند كثير من المتصوفة فابن الفارض (576-632هـ) مثلاً يتابع ابن عربي في هذه التصورات حول وحدة الأديان من جهة أن معناها الروحي واحد هو عبادة الله الواحد. ولا يخفى هذا في تائيته الكبرى المشهورة التي يقول فيها(17):

وإنْ نارَ بالتّنزيلِ مِحرابُ فما بارَ بالإنجيلِ هيكلُ بِيْعَةِ
وأسفارُ توراةِ الكَلِيمِ لقومِه يناجي بها الأحْبَارُ في كلِّ ليلة

إن ابن الفارض أيضاً يسعى إلى توحيد الإنسانية بطريق توحيد أديانها حين يدعو إلى الاعتقاد بأن الأديان جميعها لها نصيب من الصحة والفلاح عند الله. فالإنسان في أديانه المتتابعة يبحث عن الله.

والناظر في كلام سنائي الغزنوي (ت 545هـ)، وفريد الدين العطار، وهما من كبار المتصوفة، والناظر في كلام جلال الدين الرومي المولوي (604-672هـ) سيد الصوفية الأكبر لا بد أن يجد تلك المعاني الروحية الإنسانية العميقة، تلك المعاني الراقية والمثل العليا التي تربي الناس إن أخذوا بها على صفاء النفوس ونقاء القلوب والمشاعر وإحياء الأخوة الإنسانية بإزالة فوارق الدين والعرق مما يثمر التسامح والتآلف والسعادة الإنسانية. كل هذه المعاني السامية جمعها سنائي في صوفيته الأولى، والعطار في تآليفه الجمة، وجلال الدين الرومي في نايه المجروح الذي يدعو الإنسان إلى معرفة سر حياته من داخله، والذي قرر أنّ وحدة القلوب أفضل من وحدة الألسنة والأوطان.

إن هذه المعاني الإنسانية العالية تفرعت عن المفاهيم التي تمحورت عليها التجربة الإنسانية الصوفية فالكلام على وحدة الأديان تجلٍّ من تجليات الإيمان بالفيض ووحدة الوجود وصورة الإنسان والإنسان الكامل. وهذه المفاهيم الأساسية التي قامت عليها إنسانية الصوفيين انبثقت بدورها من مفهوم وحيد هو الحبّ، ففي التجربة "تتحد الإرادة الإنسانية مع العاطفة في الرغبة الملحة التي تدفع بالنفس دفعاً إلى تجاوز عالم الحس والعقل إلى عالم تتصل فيه عن طريق الحب إلى محبوبها الأول الذي تدركه النفس في الذوق كما يقول الصوفية"(18). فقد بدأت التجربة الصوفية بالاتجاه نحو الذات الإلهية بالحب فكان الله معشوق الصوفيين - كما عند رابعة العدوية - وقد عشقه الصوفيون إلى حد الاتحاد به والتحلي بصفاته على الأرض حتى صار الإنسان صورة الحق عليها وصارت الإنسانية طابع الصوفية.

إن الدعوة الإنسانية الصوفية دعوة خالدة لا تبلى(19) أغنت النزعة الإنسانية بمعاني رفيعة ونظرت إلى الدين من زاوية إنسانية واسعة، وأفاضت على الأدب نثره وشعره من نظراتها وتأملاتها الإنسانية ما أدخل أفكارَه ومعانيه واتجاهاته في إرهاصات غرض جديد محوره الإنسان فقط يمكن أن يُسمى الأدب الإنساني.

3 - النزعة الإنسانية العربية والأدب:

يعد الأدب مرآة الحياة والثقافة في المجتمع، وفيه تتجلى فلسفته ودينه ونظراته وفكره وعاداته وأحداثه ولئن تمكنت النزعة الإنسانية من الفلسفة في الثقافة العربية وتداخلت مع القيم الصوفية حتى صبغتها بصبغتها فإنها لم تغادر الأدب من جهة أنه بدا في العصور المختلفة مرآة المجتمع، فظهرت فيه الفلسفة بإنسانيتها والدين بقيمه، كما ظهرت فيه شذرات النزعة الإنسانية التي تتملك هذا الأديب أو ذاك، وقد ظهرت النزعة الإنسانية غير مرة واضحةً جلية منظمة موجّهة في الأدب فكان هذا الأدب إنسانياً صرفاً.

ولئن كان الأدب في أصله يصدر للإنسان إلا أن المفهوم من الأدب الإنساني هو الأدب الذي ينذر نفسه لمعالجة القيم الروحية الإنسانية الأخلاقية بلغة أدبية، ولرصد معاناة الإنسان ومحاولة استعادة حقوقه المنهوبة في المجتمعات المادية، وبذلك يكون الإنسان محور الأدب الأوحد وموضوعه، ويظهر كأنه غرض من الأغراض الشعرية. ويبدو أنه من النافل بعد هذا أن نرصد بشيء من الاختصار الذي لا يخلّ بالفكرة والعبرة طبيعةَ النزعة الإنسانية في الأدب العربي خلال مراحل تطوره حتى العصر الحديث لأنه يمثل جزءاً من الثقافة العربية الكلية.

لم يكن الشعر الجاهلي بمنأى عن الأبعاد والقيم الإنسانية بين سطوره "فإذا نُظر فيما وصل إلينا من الشعر الجاهلي أُلفي فيه مادة وفيرة تنطوي تحت النزعة الإنسانية"(20). لكن هذه المادة منثورة هنا وهناك ولعل هذا عائد إلى طبيعة المعيشة والحِلّ والترحال، وكذلك نظام القصيدة الجاهلية التي تبدأ بالطلل وتنتهي بالغرض. ومع ذلك فإن هذه الومضات الإنسانية غير باهتة في هذا الشعر، فقد طرق الشعراء الجاهليون باب التساؤل عن الإنسان ووجوده وحياته وموته، وتحدثوا عن الخلود فلم يروا الخلود الحقيقي إلا فيما يُخلِّد الذكر من القيم الإنسانية الأخلاقية. فكان الحث على الشجاعة وقِرى الضيف وفعل المحامد وصدق القول من نزعتهم الإنسانية، فهي بنظرهم ناموس الخلود. وعلى هذا كانت معالجة الحرب بين عبس وذبيان في معلقة زهير بن أبي سلمى (ت 609م) معالجة إنسانية صِرفة، وقد مدح إنسانية الحارث بن عوف وهرم بن سنان لتحملهما ديات القتلى. ثم جاء الإسلام الحنيف بقيمه وتعاليمه "فاستمرت هذه النزعة في الأدب وتطورت واكتسبت إضافات جديدة من القيم والتعاليم الإسلامية، ومن التطور الحضاري الذي بدأ يظهر مع ظهور الدولة الإسلامية واستقراره"(21).

لكن ظهور النزعة الإنسانية في الأدب حمل أبعاداً جديدة ومنظمة في العصر العباسي مع ازدهار الفكر الفلسفي والمنطقي من جهة، وازدهار الفكر الزهدي والتصوف من جهة أخرى، وقد لمسنا كيف صرف بعض الفلاسفة فلسفتهم وأدبهم في طريق التفكير بالإنسان، وكذلك كيف وضع بعض المتصوفين نزعتهم الإنسانية في نثرهم وشعرهم، ويمكن أن نلمس النفحة الفلسفية في نزعة أبي العلاء المعري (363-449هـ) الإنسانية فهو كما قيل فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة، لكن فلسفته التشاؤمية جعلت نزعته الإنسانية في تفاوت بين القوة والضعف وخاصة حين يحتقر شأن الإنسان لكنه في مواضع أخرى يفكر في الموت والحياة والخلود والإنسان وقيمه، وتبرز نزعته الإنسانية البريئة الخالية من الفلسفة في مواضع جمة من مثل قوله(22):

ولو أني حبيت الخلد فردا لما أحببت في الخلد انفرادا
فلا هطلت عليّ ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلاد

ونزعة المعري الإنسانية هنا واضحة حين يأنف الجنة دون الناس ويأبى السقيا لأرضه إذا حُرم منها غيره. ومثلُ هذه النزعة عند المعري وعند غيره من الشعراء لا حصر لها.

وظلت الأفكار والقيم الإسلامية تنمّي النزعة الإنسانية العربية، ولا سيما الأفكار التي اتخذت طابعاً عقلياً كما في ميدان الفلسفة، والأفكار التي اتجهت نحو الروحية كما في التصوف، وهذا ما أكسب النزعة الإنسانية تنوعاً وغنى خلال تطورها التاريخي.

ومع الوصول إلى العصر الحديث اكتسبت "النزعة الإنسانية زخماً جديداً نتيجة لأمور كثيرة منها اتساع البعد الثقافي والمعرفي لدى الأدباء والشعراء، وزيادة التمازج الحضاري بين الشعوب، وتطور الدراسات الفكرية والفلسفية والاجتماعية"(23). وقد بدأ الأدباء عصرهم الحديث بتقليد المراحل الأدبية الغربية في تياراتهم وموضوعاتهم أحياناً مع مزجها بالطابع العربي والإنسانية العربية، فبعد أن انكب الأدباء على الترجمات من الآداب الغربية رجعوا كما رجع الكلاسيون الغربيون إلى القديم، فبدؤوا بمحاكاته في اللغة والشكل ولم يخرجوا عن أغراضه الشعرية إلا قليلاً، فتغزلوا ومدحوا وهجوا ووقفوا على الأطلال قبل الغرض، وهذا ما نجده عند محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وغيرهم، ولكن شعورهم الإنساني الصادق ظهر في أشعارهم الأخلاقية، فعلى الرغم من موضوعاتهم القديمة إلا أنهم "وجهوا الشعر وجهة تعليمية مؤثرين الظهور بمظهر الانفعال الإنساني المقدس للمروءة والصدق والأعمال المجيدة والقيم الخيرة... فمدحوا الأخلاق الفاضلة. ونبذوا الأخلاق الدنيئة في أكثر ما ينظمون"(24). والناظر في شعر معروف الرصافي (1877-1945م) يجد موضوعات الأخلاق والمرأة والقيم وغيرها.

إن عودة إنسانيي النهضة العربية إلى القديم كان آليةً لتحقيق نزعتهم الإنسانية في تمجيد الإنسان والعقل والدعوة إلى التمتع بملذات الحياة، لكن عودة إنسانيي الكلاسية العربية إلى الأدب القديم كان من باب الانتصار للتراث ومحاولة حفظه وإحيائه فحسب، لذلك بدت نزعتهم الإنسانية بريئة وصافية لأنها لم تكن العامل الأول والرئيس والعلة الوحيدة وراء إحياء التراث كما عند الغرب.

أما الرومانسيون العرب فقد تأثروا إلى حد بعيد بالرومانسية الغربية من جهة الموضوعات وطريقة المعالجة، فكانت نزعتهم الإنسانية نزعة إنسانية فردية تحتفل بالوجدان الفردي لا الجماعي وتمجد الألم والعواطف والطبيعة، وتبتعد عن القديم بكل صفاته. وهذا ما تجلى في الشعر المهجري لأن موضوعات الرومانسية بدت أكثر تألقاً فيه، فقد "وصف المهاجرون لوعة الهجرة، ووجد الشوق، الأحاسيس الإنسانية التي يحسها المفكر الحر... وصفوا الكون، والحياة بما في أسرارها من قوى زاخرة، وصفوا طبيعة الإنسان الحائر... الذي حاول التفلسف، وصفوا الجمال في روائع الطبيعة. فكانت نزعاتهم التجديدية بدء الانطلاق إلى فهم رسالة الأدب على حقيقتها. وقِفْ عند هذه الروائع التي كتبها جبران والريحاني ونعيمة والدرويش والحداد وعريضة وأبو ماضي وغيرهم ممن ضمتهم الرابطة القلمية، تجد المعاني الإنسانية السامية"(25).

ولعل ما عاناه المهجريون من اغتراب وظلم وفرقة وضيق المعيشة أدى بهم إلى التنبّه على مشاعر الإنسان وحياته وقيمته فبرز ميخائيل نعيمة في كتاباته الإنسانية، وجبران خليل جبران في تأملاته في بالكون والحياة والموت والخلود المطلق، وسعوا كما سعى كل الرومانسيون إلى نبذ الظلم والدعوة إلى العدل والمساواة والحرية الإنسانية. ومثلما بدت إنسانية الرومانسية الغربية تبدو هنا "الإنسانية بنظر أصحاب الاتجاه الرومانسي تضم كل المعاني المطلقة التي لا تحدها الحدود، فهي دعوة شمولية تستمد بذورها من الحياة المثالية الخيالية التي يطمح إليها البشر في أرق اللحظات وأصفاه"(26). إنها نزعة إنسانية نادت بكل المعاني الإنسانية السامية لكنها بدت رومانسية حالمة بعيدة عن معالجة الموضوعات الإنسانية بأسلوب جاد.

أما المدرسة الواقعية العربية في الأدب فقد تبنّت أفكار واقعية الغرب، لأنها نشأت - كنشأتها - كردة فعل على أفكار الرومانسية الحالمة، ورأت أن هذه الأفكار لن تُصلِح المجتمع ولن تحل مشاكله، فكانت تصف الواقع وتنقده وتحاول أن تجد الحلول بغية بناء الحياة الإنسانية وتحسينها، ويمكن أن نعدّ من موضوعاتها أنها صورت الهزيمة والمرض والفقر والخوف والانحراف والمفاسد الاجتماعية، وحاولت قدر الإمكان نقدها وتقديم أفكار تحدّ منها. وإلى جانب ذلك "يحتفل الواقعيون العرب بالمبادئ الوطنية والقومية والإنسانية، فيطالبون بتحرير الأوطان من المستعمر ووحدتها، وتحرير الشعوب من التخلف الحضاري المزري"(27)، فيتماهى بذلك عندهم الوطني بالإنساني وذلك لأن الظلم الذي وقع على أبناء الوطن المحتل ظلمٌ بحق الإنسان قبل أن يكون بحق أفراده، لذلك "تبدو النزعة الإنسانية واضحة جلية في أدب النكبة الفلسطينية وبدت فيه أشبه بجرح عميق يدمي جبين الإنسانية عامة وأهل فلسطين خاصة"(28).

وقد حاولت الواقعية في الأدب أن توجّه نزعتها الإنسانية وجهة عقلانية واضحة أكثر من وجهة الرومانسية الخيالية، وبدت هذه النزعة قادرة على فهم مشاكل الإنسان أينما كان، وحاولت إعادته إلى مركزيته في كل مجال، وكان شعارها في ذلك (الإنسان وقضاياه ولا شيء غير الإنسان).

وبعد أن فردنا الحديث عن النزعة الإنسانية في الثقافة العربية نرى أنها نزعة أخلاقية ترنو إلى تحقيق الأخلاق الروحية المستمدة من التعاليم الدينية القديمة والإسلامية، وتدعو الإنسان إلى تطبيق هذه الأخلاق خلال تعامله مع الإنسان دون أن يشوبها شيء من المادية الغربية التي بدت إنسانيتها إنسانية تأليه الإنسان ووضع كلّ خُلُق وقيمة رهن تصرفه وحكْمِ عقله، لذلك نرى كتب المصطلحات العربية عرّفت النزعة الإنسانية العربية بأنها "الميل إلى حب الإنسانية واعتبار الخير العام للإنسان الهدف الأسمى"(29). فالميل هو النزعة وحب الإنسانية يشبه دين الحب الصوفي الذي جمع عقائد الناس وأحبهم جميعاً، والخير العام للإنسانية يشمل نواحي حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية كلها، وهذا كله هو الغاية العليا في غايات النزعة الإنسانية في الثقافة العربية. أما أساس هذه النزعة فالقيم الروحية الدينية والأخلاقية لا القيم التي يملك الإنسان الحق المطلق في خلقها كما في الإنسانية الغربية.

وعلى هذا فالأدب الإنساني هو الأدب الذي يجعل قضايا الإنسان في مقدمة أغراضه الأدبية، لأنه يصدر عن أديب صاحب نزعة إلى حب الإنسانية واعتقاد قيمة الإنسان وكرامته، فيعالج قضاياه الروحية مفكراً بوجوده وحياته وموته وخلوده وعلاقته بالله، ويرصد مشاكله الدينية والدنيوية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فيبحث عن مشكلات العلم والظلم والمرأة والقيم والفقر والوطن، وينبه على احترام حقوقها، ويدعو إلى أن تسود القيم الروحية التي تعلي من شأن الإنسان أياً كان، والقيم الأخلاقية التي من شأنها أن تسمو بتعامل الإنسان مع الإنسان إلى أعلى مراتب الرحمة والمحبة والتعاطف والمساواة بعيداً عن العصبية الدينية والاجتماعية والتمييز العرقي. إنه الأدب الذي يتمحور في معانيه وأفكاره على الإنسان وقضاياه فيجعله في مركز اهتمامه، وينشد سعادة الإنسانية جمعاء. ولعل هذا التحديد للأدب الإنساني ينطبق على أدب الثقافة العربية فهو أدب غنائي إنساني بطبعه.

الهوامش:
1 - هو كارل هينرش بِكَر (1876-1933م)، ينظر ترجمته في، عبد الرحمن بدوي: موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين، ط3، بيروت 1993م، ص 113 وما بعدها. ويصفه بدوي بأنه "لم يبرع إلا في بحث المسائل الحضارية العامة، أو التيارات الروحية الرئيسية... وهو مثال فيلسوف الحضارة". وللتوسع في رأيه والرد عليه ينظر، عبد الرحمن بدوي: من تاريخ الإلحاد في الإسلام (دراسات)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، بيروت 1980، ص 12 وما بعدها.
2 - عبد الرحمن بدوي: الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، دار القلم، بيروت 1403هـ-1982م، ص 25-27.
3 - محمد علي العجيلي: النزعة الإنسانية في عصر التوحيدي (القرن الرابع الهجري)، منشورات وزارة الثقافة، ط1، دمشق 1427هـ-2006م، ص 17.
4 - عاطف أحمد وآخرون: دراسات في النزعة الإنسانية في الفكر العربي الوسيط، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة 1999م، ص 159.
5 - المصدر نفسه، ص 161.
6 - أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، تح. أحمد أمين وأحمد الزين، دار مكتبة الحياة، بيروت 1956م، ص 106-107.
7 - محمد علي العجيلي: النزعة الإنسانية في عصر التوحيدي، ص 16.
8 - ملكة علي التركي: مدخل إلى الأدب الصوفي الفارسي، دار النهضة العربية، ط2، القاهرة 1418هـ-1998م، ص 11.
9 - أبو العلا عفيفي: التصوف الثورة الروحية في الإسلام، دار المعارف، مصر 1963م، ص 240.
10 - رفيق العجم: موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، بيروت 1999م، ص 106.
11 - المصدر نفسه، ص 110.
12 - للتوسع في مفهوم الفيض ينظر، رفيق العجم: موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، ص 741، وجميل صليبا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1982م، ج2، ص 172.
13 - رفيق العجم: موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، ص 1034.
14 - عبد الرحمن بدوي: الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، ص 52.
15 - رفيق العجم: موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، ص 34.
16 - ينظر، محي الدين بن عربي: ذخائر الأعلاق، شرح ترجمان الأشواق، طبعه محمد سليم الأنسي، مطبعة الأنسية، بيروت 1312هـ، ص 39-40.
17 - للتوسع ينظر، محمد مصطفى حلمي: ابن الفارض والحب الإلهي، دار المعارف، ط2، القاهرة 1985، ص 382-385.
18 - أبو العلا عفيفي: التصوف، الثورة الروحية في الإسلام، ص 20.
19 - بخلاف ما جاء في الموسوعة الفلسفية لروزنتال ويودين: النزعة الصوفية الإنسانية "نظرية بالية صوفية وضرب من التصوف اللاهوتي"، م. روزنتال وب. يودين: الموسوعة الفلسفية، تر. سمير كرم، دار الطليعة، ط1، بيروت 1974، ص 523.
20 - هيئة الموسوعة العربية: الموسوعة العربية، ط1، دمشق 2008، ج20، ص 590.
21 - المصدر نفسه، ج20، ص 591.
22 - ينطر، أبو العلاء المعري: سقط الزند، دار بيروت ودار صادر، بيروت 1376هـ-1957م، ص 198.
23 - هيئة الموسوعة العربية: المصدر السابق، ج20، ص 593.
24 - نسيب نشاوي: مدخل إلى دراسة المدارس الأدبية في الشعر العربي المعاصر "الاتباعية - الرومانسية - الواقعية - الرمزية"، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984م، ص 39.
25 - المصدر نفسه، ص 180.
26 - مفيد محمد قميحة: الاتجاه الإنساني في الشعر العربي المعاصر، دار الآفاق الجديدة، ط1، بيروت 1401هـ-1981م، ص 46.
27 - نسيب نشاوي: المصدر السابق، ص 332.
28 - هيئة الموسوعة العربية: المصدر السابق، ج20، ص 594.
29 - مجدي وهبة وكامل المهندس: معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، ط2، بيروت 1984م، ص 405. وينظر، راميل يعقوب وآخرون: قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية، دار العلم للملايين، ط1، بيروت 1987م، ص 387، وجبور عبد النور: المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، ط2، بيروت 1984م، ص 38.
الإحالة إلى المقال:

* رائد سهيل الحلّاق: النزعة الإنسانية في الثّقافة العربية، طبيعتها ومظاهرها، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس عشر 2016. http://annales.univ-mosta.dz

***