الأشكال المسرحية في التراث العربي بين الطقس والقص

حميدة سليوة
جامعة سكيكدة، الجزائر

الملخص:

يتحدث المقال عن الأشكال المسرحية في التراث العربي ومدى اقترابها من الفن المسرحي، فكل شكل أدبي يملك جذورا تمتد عبر التاريخ وتغوص في أعماق النفس الإنسانية، وهذه هي حال المسرح كجنس من هذه الأجناس. فقد كانت بدايته تراثية طقسية بل أسطورية تلك الطقوس التي وجدت عند كل شعب بما في ذلك الشعب اليوناني الذي ولد المسرح على أرضه، والشعب العربي الذي يزخر بالأشكال التمثيلية الشبيهة بالمسرح. فما هي الأشكال المسرحية التي عرفها التراث العربي؟ وما هي القيمة الدرامية التي تملكها؟ وما مدى اقترابها من الفن المسرحي؟ تهدف هذه الدراسة إلى التعرف على الأشكال المسرحية في التراث العربي. والنظر في القيمة المسرحية التي حوتها ومدى اقترابها من فن التمثيل. والتعرف على خصائص الأشكال المسرحية العربية؛ سماتها المشتركة والاختلافات التي تميزها. والبحث في مدى مواكبة الأشكال الشبيهة بالمسرح في التراث العربي لظروف العصر ومتغيرات المجتمع في كل فترة من تاريخ وجودها.

الكلمات الدالة:

المسرحية، التراث العربي، الأجناس الأدبية، فن التمثيل، الأشكال.

***

النص:

تميز الإنسان البدائي بالبساطة والعفوية وهذا ما انعكس على عاداته وطقوسه؛ فقد اتصفت بالتلقائية كنتيجة لتفكيره البسيط الذي حاول أن يجد به تفسيرا لكل ما يحيط به، ما ولد ممارسات الإنسان الأول المرتبطة بالدين والاعتقادات، والأسطورة هي علم الإنسان الأول فليس غريبا أن يولد المسرح في كنف الدين وتكون أولى موضوعاته هي الأساطير الدينية.

يحاول هذا المقال البحث في الجذور التاريخية للظاهرة المسرحية، في التراث العربي على وجه التحديد من خلال التتبع التاريخي للأشكال المسرحية التي زخر بها بداية من "الطقوس القبلية" وحتى "خيال الظل" آخر هذه الأشكال وأقربها لفن التمثيل، فما هي الظواهر المسرحية التي عرفها العرب؟ وما هي الظروف التاريخية الاجتماعية التي شكلتها؟ إلى أي مدى تقترب من الفن المسرحي؟

وتبقى هذه التساؤلات رهينة خطة تبدأ بالبحث في بدايات المسرح التراثية وقضية الانتقال من الطقس إلى العرض، ثم التطرق للأشكال المسرحية التي وجدت في التراث العربي معتمدين في ذلك على المقاربة التاريخية بشكل رئيس، مع الاستعانة بالتحليل الاجتماعي، ونختم المقال بخاتمة لأهم النتائج.

1 - بدايات المسرح التراثية:

وجدت إرهاصات الأداء المسرحي في تلك الممارسات التي كان يقوم بها الإنسان الأول ضمن نظام القبائل، وما للنظام القبلي من طقوس، مرتبطة بالصيد لدى القبائل التي تمتهن الصيد والزراعة حتى الحرب والتكاثر، هذا ما يتفق عليه الكثير من المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا. أما أول منظر للمسرح فهو يرى أن الشعر نشأ لسببين: "كلاهما طبيعي فالمحاكاة غريزة في الإنسان... كما أن الناس يجدون لذة في المحاكاة"(1).

يذكر أرسطو طاليس (Aristote) أن الشعر محاكاة للطبيعة؛ ولا بد للإنسان أن يحاكي هذه الطبيعة في كل حالاته حتى في الفن والعبادة، تمد الطبيعة هذا الإنسان بمعارفه الأولى وتسمح له باستخدام حواسه.

يضيف أرسطو سببا آخرَ: "سبب آخر هو أن التعلم لذيذ لا للفلاسفة وحدهم، بل وأيضا لسائر الناس"(2)؛ تولد الطبيعة في الإنسان الفضول والشك، وتدفعه للتساؤل والمحاولة، محاولة كشف سر الطبيعة، السر الإلهي الغامض.

توصل كثير من المؤرخين إلى أن المسرح ولد نتيجة لـ: "تأثير الأسطورة على الإنسان والممارسات البدائية لطقوس الرقص والأداء الإيمائي والاحتفالات الشعائرية"(3).

تسود مجموعة من الطقوس في ظل النظام القبلي ترتبط بأساطير كل قبيلة، وتؤدي الطقوس من أداءات إيمائية رمزية وترانيم سحرية ورقص بشكل جماعي، هدفها السيطرة على مظهر من مظاهر الطبيعة أو التواصل مع الآلهة، معتمدة في هذا على المحاكاة.

وعن الجذور الأولى لفن التمثيل الإنساني يقول أحد الباحثين: "ظهرت البوادر في المجتمعات ذات النظام القبلي الطوطمي"(4).

فقد كانت تقام مواسم للتكاثر، هذا من أجل الانضمام للقبيلة وزيادة عدد الطوطم، يقوم فيها عدد من أفراد القبيلة بمجموعة من الطقوس في أماكن مخصصة، تعبيرا عن حاجة من حاجات الإنسان وهي العبادة، ثم رغبة في الحصول على الأمن وخوفا من المجهول، وهذا ما يجعل الإنسان يفسر الغيبيات بأسلوب ووسائل لا تبتعد عن واقعه، وعادة ما يكون الطوطم طائرا كالنسر أو البوم أو الغراب، وقد يكون حيوانا كالثعلب والأسد، الملاحظ أن الطوطم ظاهرة عالمية وليست خاصة بشعب دون آخر فكثير من القبائل العربية القديمة سمت نفسها باسم طوطمها.

وتقوم الطقوس أساسا على "التكرار النمطي المغلق وهذا سعيا لمعرفة سر النظام وأصله الذي يرتكز عليه الطوطم وكيفية استجلاب الأثر السحري"(5).

يعتمد الطقس بصفة عامة على المحاكاة؛ فقد يحاكي المؤدي حركة الرياح واِهتزاز الشجر، ويحاكي حركة الطوطم إذا كان حيوانا، ويهدف إلى تفريغ مكبوتات ذاتية وجماعية تخلصه من أحاسيس القلق والحيرة والشك التي تنتابه كلما تأمل ما حوله، كما توحد الطقوس بينه وبين أفراد قبيلته بطوطم واحد تحت اِعتقاد أنه يتحكم في المصائر، والتوحد به هو الذي يمنح الراحة والأمان، وقد حوت الاحتفالات الطقسية على كثير من عناصر التمثيل المسرحي كالغناء الجماعي والعزف والرقص والإيماء والأقنعة والملابس.

أدى الكاهن دورا مهما في الثقافات البدائية فقد كان يشرف على سيّر الشعائر والطقوس: "تقمص الكاهن دورا واحدا وأدوارا متعددة لأداء سلسلة الطقوس والأفعال الشعائرية لحماية القبيلة من الأعداء وسحر أعدائها أو لدعم الصيادين وتطوير قدراتهم للصيد وحمايتهم من أخطار الوحوش"(6). ظهر الكهنة استجابة للطقس الديني، وظهور النص المقدس؛ يجب الانتباه للشبه بين الكاهن ورئيس الجوقة، أما الأول فيقوم بطقس مقدس وديني، والآخر يقوم بدور في مسرحية، ثم إن الطقس أو الأداء يعتمد على العرض بالدرجة الأولى مع غياب النص المسرحي، الذي ينوب عنه النص المقدس، أما الثاني فهو نص أدبي؛ الكاهن يهدف إلى التأثير النفسي في مجموعة المعتقدين بعقيدة واحدة ثم الاتصال بقوى ما ورائية في حين أن رئيس الجوقة يوجه خطابه إلى جمهور بعينه، وارتبطت وظيفة الكاهن بتطور المجتمع وظهور طبقة حاكمة مما أنتج اِحتفالات ملكية خاصة بتتويج الملوك والفراعنة وأعياد ومناسبات؛ يبدو من خلال هذا أن الكاهن خارج النظام القبلي بدأ يفقد مهمته الدينية والمتمثلة في الوساطة بين المؤدي والإله، أما مع ظهور الدولة فقد خضعت الديانة إلى تقنين من طرف الحكام فأصبح الكاهن يد السلطة من خلال الدين؛ كان يشرف إلى جانب الأعياد الدينية على المناسبات الملكية يساعده في ذلك مجموعة من المؤدين، صحيح أن المعابد وساحات الاحتفال لم تكن مسارحا لكنها كانت مكانا للأداء؛ يقوم الكاهن في ذلك بدور الممثل بفعل أدائه الذي ينقل بواسطته أثرا غريبا للمتلقي مؤدياً الطقس الديني أو متفرجاً، فهو يقوم "بنقل المتفرج من واقع طبيعي روتيني إلى واقع آخر متخيل سحري"(7)؛ وعلى هذا فالكاهن يتقمص دورا هاما من خلال الأساطير والآلهة التي يصنعها ويفتعلها، ويصبح إلى جانب الأداء يقوم بدور الناص.

كل هذه الممارسات هي وليدة العلم الوحيد للإنسان الأول وليدة الأسطورة والدين، لا فرق هنا بين قبيلة وأخرى وعرق وآخر إلا بخصوصيات الطبيعة التي يحاكيها الفرد المؤدي.

يقول أرسطو: "نشأت المأساة في الأصل ارتجالا (هي والملهاة) فالمأساة ترجع إلى مؤلفي الديثرمبوس، والملهاة ترجع إلى مؤلفي الأناشيد الأحليلية"(8). يصرح أرسطو بأن المسرحية ولدت ارتجالا أي دون نص مسرحي مسبق ما عدا النص المقدس والخاص بإلهين؟ الديثرمبوس أي الأناشيد التي تؤدى في أعياد باخوس وأناشيد إله التناسل، ففي هذه الأعياد كان الشعب كله يشارك في الأداء والرقص والغناء الديني، ومحاكاة آلهتهم المعبودة وأبطالهم التاريخيين.

هكذا تطورت طقوس عبادة ديونيزوس من طقس إلى عرض، والطقس أقدم بكثير من أي حضارة وأي مجتمع، منذ بدأ الإنسان يخلق الآلهة فقد "بات من المعروف اليوم أن طقوس ديونيزوس هي استمرار لطقوس أقدم كانت معروفة قبل الحضارة اليونانية"(9).

كان الانتقال من طقس أسطوري إلى عرض مسرحي يعتمد بالدرجة الأولى على الموضوعات الأسطورية، كما عبر عن ذلك محمد مندور: "الأسطورة المصدر الأساسي لموضوعات المسرحية وقد ظلت الفكرة السائدة عند اللاحقين لأرسطو"(10).

ليس سهلا تغيير الأفكار الموروثة حتى تمر عليها فترة من الزمن فالأساطير هي الماضي الحي.

جرت أول مسابقة للمأساة بأثينا، وتعتبر هذه المرحلة أول وأهم مراحل المسرح الإغريقي، اِعتمد الشعراء فيها على الأسطورة من محاكاتِها والإبداع منها، وللأسطورة قدرة فائقة على حمل أفكار وانشغالات الشاعر والفنان والفيلسوف أولا، ثم قدرتها على التطهير ثانيا وقد عبر عن هذا أرسطو بقوله: "مصير اللذة الحقيقي لنفس المشاهد للمأساة هي أجزاء الخرافة"(11).

ويعد الهدف الأساسي من الأسطورة، التأثير العاطفي في المتفرجين، لأن لها قيمة لدى الكبير والصغير، فهي المخزون الفكري الجماعي لهذا تمتلك قدرة خارقة على التطهير.

في القرن السادس قبل الميلاد ولدت الدراما الكلاسيكية في احتفالات الدولة الخاصة بالإله ديونيزوس (باخوس) وتضمنت عروضاً مسرحية تختتم بجائزة، ويظهر أن: "التغييرات التي طرأت على المجتمع اليوناني منذ القرن الثامن وحتى الخامس قبل الميلاد جعلتها تتحول من تعبير ديني إلى تعبير جمالي، ومن تصوير وتفسير العالم إلى طروحات اجتماعية"(12)؛ عجل الانتقال من المجتمع القبلي إلى المجتمع المدني بظهور المسرح اليوناني، فقد فرضت المدينة شروطها على الشعب بحيث أصبح الفرد هو الوحدة الأساسية في المجتمع بعد أن كانت القبيلة، تمثل جبرية الفرد أمام القدر، الفكرة التي كان يؤمن بها اليونانيون، الاعتقاد أن الإنسان لا يستطيع أن يفلت من قبضة القدر.

فقد كان ظهور الفكر الفلسفي باعثا هاما في نزع قدسية الأسطورة؛ التي صارت حاملة لهموم وطروحات سياسية واجتماعية. ولقد "اعترفت الحكومة اليونانية بفن التمثيل، لأنه الفن الذي أعجب به الشعب، وأقبل عليه إقبالا شديدا"(13).

يفسر هذا النظام الديمقراطي الذي كان يسود أثينا آنذاك، فقد عملت الدولة على إنشاء المسارح ودعم الشعراء والمؤدين، اِحتراما لما يريده الشعب.

لكن التطور من الطقس إلى العرض ليس ظاهرة يونانية محضة "فقد عرفت قبل في بلاد الهند وفي مصر الفرعونية وحضارة ما بين النهرين، حيث كانت الدراما الإثنية (Ethnodrame) عروضا لها طابع ديني تروي موت أحد الآلهة وبعثه"(14).

وكان الحظ بجانب الإغريق فقد تطورت طقوسهم الدينية إلى عروض مسرحية، أما طقوس باقي الأمم فظلت دينية على حالها إلى يومنا هذا، فملكة التمثيل غريزة موجودة عند كل البشر، لكنها لا تتطور وتنمو إلا في جو ديمقراطي.

2 - الأشكال المسرحية في التراث العربي:

يتفق الباحثون على أن للعرب طقوس دينية كسائر الأمم والشعوب لا تختلف كثيرا عن طقوس اليونان والفراعنة والهنود إلا في طبيعة الديانة وأسماء الآلهة، وحوت طقوس العرب كل ما في الطقس من عناصر درامية كالفعل المسرحي والأداء والرقص والغناء والإيقاع. تميز الطقس عندهم بأنه "يقدم في إطار حركي له طابع احتفالي جماهيري عام"(15).

احتوت هذه الطقوس على الحركة (الأداء)، ثم الأداء الاحتفالي المرتبط باِسترجاع حدث ما أو أسطورة يتأسس عليها الطقس؛ الشيء الذي يجعل المؤدي يتيه في عالم فنطازي، أما أهم ما في هذا الطقس فهو الأداء الجماعي الذي يوحد أفراد القبيلة ويجعلها تنسجم فيما بينها على شاكلة ما تقوم به الجوقة المسرحية بالمعنى الغربي، وتختلف قبيلة عن قبيلة في التلبية الخاصة بها، وما يجمع القبائل هو الطواف بالكعبة (وما للحج من عناصر درامية)، تميزت هذه الطقوس بأعمال أخرى مكملة لها مثل حلق الشعر وتقديم الأضاحي. ومن بين الطقوس المعروفة في بلاد العرب: "رقصة نساء بني دوس"(16)، وهي عبارة عن طقوس تعبدية تؤدى جماعيا وتحتوي على الكثير من عناصر العرض المسرحي، فهو طقس يعتمد بصفة أساسية على التكرار المتزامن بالغناء والترنيم والأداء الجماعي ومن ذلك ما يؤدى طلبا للاستسقاء وهو طقس كان يؤدى منذ الجاهلية حيث: "يظهر الاستعداد والاختيار أو الانتقاء للجماعة المطلوبة التي تأخذ ما يلزم للقيام بدورها"(17).

أما هذا الدور فهو استجلاب المطر عبر طقس جماعي يتضمن الطواف الذي تقوم به الجماعة ذاتها: "ثم تذهب إلى جيل ابن قبيس، وهناك يصبح لدينا ما يشبه الجوقة (كورس)"(18). يقود هذه المجموعة رجل دين ولنقل كاهن يقوم بمجموعة من الترانيم ترددها الجماعة بعده في جو اِحتفالي، قوامه الدعاء والتضرع، وهنا يكمن الفرق مع العرض المسرحي، هو إعادة تمثيل حدث مقدس في حين يكون العرض المسرحي نصا خياليا مدنسا.

كان أحد الباحثين قد أدرج مثل هذه المسيرات الطقوسية - التي ما زال البعض منها حتى الآن - ضمن ما أسماه العناصر شبه المسرحية (Eléments pré-théâtraux). يقول: "المسيرات الطقوسية بالمغرب العربي، في فترات الجفاف، حيث تخرج مجموعة من الفتيات في مسيرة تحملن قطعة كبيرة من الخشب"(19).

يتحدث الباحث عن هذه الظاهرة بشكل محلي إلا أنها تعمم على كامل القطر العربي وتأخذ أشكالا مميزة من بلد إلى آخر، واستمرار الطقس الجاهلي القديم دون تطورات كبيرة لهو دليل على مكوثه على حاله، رغم "القيمة الدرامية غير المنكرة"(20) التي لا يخلو منها أي طقس.

ومن هذا يتبين أن في العالم العربي، على غرار باقي الأمم التي تنسب ولادة المسرح لتاريخها، طقوس دينية غنية بالقيمة المسرحية؛ ووجد في التراث العربي نوع تمثيلي يعتمد أساسا على السرد هو: القصاص، الحكواتي، المداح، المقلد.

وجد في التراث العربي أشكال تمثيلية تتشابه فيما بينها وتعتمد على الأداء المنفرد والمزج بين القص والتقمص والمحاكاة، أقدم صنف من هذه الأشكال هو "القص"، وقد وجد في البيئة العربية منذ فجر التاريخ وهو "أقرب إلى الممثل والخطيب والمحدث والراوي يعتمد على ثقافته وتحصيله وعلى لسانه وانفعالاته، وعلى إشاراته وحركاته، ويستعمل الكلمة المنطوقة بأسلوب أداء فني يتسم بالبراعة يعتمد عليها في التأثير والتشويق، ينهل من التاريخ والحياة ليصب في الواقع موظفا التاريخ والمعرفة توظيفا حياتيا"(21)، كان يحوز القصاص على الثقافة الواسعة والشجاعة الأدبية، ثم الموهبة في الأداء، التي تعتبر ثقافة درامية تؤهله لتقمص دور الناص والمخرج والمؤدي، ويظهر أن هذه الأدوار التي اِنفصلت بمفاهيم معاصرة كانت مهمة القاص الصعبة، ثم إن توظيفه للتاريخ والواقع لم يكن عفويا مما يؤكد وظائفية هذا القص على غرار المسرح الحديث.

وكأي نوع أدبي فقد بدأ بسيطا بساطة الناس والبيئة إلا أنه ساير حركة التاريخ؛ "في القرن الرابع الهجري (العاشر ميلادي) شهد هذا اللون من ألوان (الظاهرة المسرحية) القص والمحاكاة تطورا وتنوعا كبيرين"(22)، في انتقال المجتمع من القبلية إلى المدنية أثر على أساليب الحياة وظروف المعيشة وبالتالي أساليب الترفيه والتسلية ومن الطبيعي أن يؤثر تغير المجتمع على طرق أداء القصاصين، حتى أصبح القصاص في المدن شيئا لا غنى عنه، بل أصبح وسيلة تكسب.

ويضم محمد عزيزة هذا الشكل ضمن الظواهر شبه المسرحية (pré-théâtraux) ويذكر الباحث مجموعة من الأشكال المتشابهة أهمها المداح، المقلد، الحكواتي، أو الفداوي، "هذا النوع بدأ مع النوادر المنتشرة في ساحات التسوق الخاصة بالأسواق المغاربية"(23).

إن السوق هو المكان الذي يجتمع فيه الناس من كل الطبقات، فهو المكان الأنسب للقاص حتى يعرض قصصه أمام الجمهور.

تولدت عن القصاص أشكال هي "المقلد" أو المحاكي بعد أن أصبح القص مهنة تكسب ممزوجا بالتقليد، كثر هذا النوع أيام الخليفة المتوكل ووجد فيه الناس تسلية محببة حتى انتشر المحاكون بشكل كبير، "كان هناك كثير من المضحكين تفننوا في طرق الهزل، يخلطونه بتقليد النازلين ببغداد من الأعراب والخرسانيين"(24). اِتسعت رقعة الدولة الإسلامية مما أدى إلى اِختلاط الأجناس، فوجد في المجتمع مزيج غير متجانس من اللهجات والعادات، غدت مواضيع المقلد والمضحك، ونعزو كثرتهم إلى البذخ الذي وصلت إليه الدولة الإسلامية فأصبحوا يتفننون في فنون التسلية، حتى بلغوا من الانتشار أن اِمتد نشاطهم إلى المسجد، بعد أن وجدوا التشجيع من السلطة، التي وجدت فيها إلهاءً للعامة عما يحدث في غرف الحكام.

يقرأ أحد النقاد الجانب الدرامي في هذا الشكل التمثيلي رغم ندرة أخباره في كتب التاريخ فيرى أنه قريب من "كوميديا الممثل الواحد الذي يمثل بمفرده الأدوار كلها، ويتقمص في كل دور شخصية معينة"(25). تعد هذه الظاهرة مجرد نوادر، إن كان أصحابها يحاكون قصة ما قد تكون معروفة لدى الناس ويتقمصون شخوص القصة شخصية شخصية كما هو في كوميديا الفن، يقترب من هذا الشكل "الحكواتي"؛ لقد "كانوا يتصدون المجالس ويقرؤون سيرة بني هلال قراءة خاصة هي إلى الأداء المسرحي أقرب منها إلى السرد القصصي العادي"(26).

كانت مهنة الحكواتي تؤدي في الأماكن العامة حيث يجتمع الناس، يجمع فيها بين الحكاية والمحاكاة رواية الحدث وتقليد الشخوص مستخدما في ذلك نبرة الصوت وحركة الجسم، فهو يجمع بين الراوي والممثل، لهذا كان له أثر في المتفرجين فهو: "يلهب إحساس الجماهير بحكاويه المهتاجة التي كانت الإشارات وحركة الجسم تتخللها، وترتبط بالكلمات"(27).

يعتبر الإلقاء والتعبير الجسمي من مقومات فن التمثيل، لكن ليس من مقومات المسرح، لأن المسرح يجمع بين النص والأداء، ويجعل غياب النص يجعل تلك الأداءات اِرتجالية.

ويقترب منه شكل آخر هو "المداح" وهو نوع من الحكواتية تفرغوا للمديح، مديح الأنبياء والصالحين له أثر جيد في إيقاظ الضمائر خاصة في الفترات المظلمة من حياة الأمة.

وعرف بالمغرب العربي شكل مميز هو القوال والحلقة وهي "تجمع دائري في إحدى الساحات العامة يقف وسطه (الراوي) يقص قصص البطولات والأساطير والحكايات الخرافية بطريقة تمثيلية صرفة، تجمع بين التشخيص المباشر والإيحاء(28)، أما التجمع الدائري فيعود إلى طبيعة المكان (السوق) حيث يجلس القوال في وسطه ليستقطب أكبر عدد ممكن من الناس بهدف الِاسترزاق وهو يشبه كثيرا الجمهور المسرحي، وعلى القوال اِستخدام ذكائه في الإشارات والرمز ليكون العرض أكثر إيحاءً، أما الحوار فقد يكون منفردا (داخليا)، أو غيري (مع الجمهور).

أ - المقامات:

ظهرت المقامات في فترة متأخرة نوعا ما عن الأشكال السالفة الذكر، وهي نوع أدبي يتميز بالتركيز على شخصيتين هما البطل والراوي في أسلوب حواري يتناول فيه المؤلف (الهمذاني أو الحريري) مغامرات المكر والاحتيال الكدية، وكثيرا من مناحي الحياة، ويتضح أن المقامات تملك في ثناياها عناصر درامية كان من الممكن أن تكون نماذج مسرحيات أولى، لهذا يسميها الباحث محمد عزيزة بالأشكال المسرحية المجهضة (les formes avortées)(29)، أجهضها الواقع، فغياب تقليد مسرحي في الحياة العربية جعل هذا النوع الأدبي يبقى على حاله وفي عصره ويختفي تدريجيا، بل إن هناك من يرى أنها في الأصل "أدب تمثيلي"(30) لاحتوائها على الحوار والشخوص والنص حتى أن كتابها كانوا ذوي ثقافة أدبية عالية، نفس الباحث يدرجها ضمن "دراما الممثل الواحد أو المونودراما"(31)، على أساس أنها ترتكز على شخصية وحيدة تقوم بالدورين أما القيمة الأدبية فلا أحد ينكرها، إنها بعيدة عن المسرح رغم إمكانية مسرحة نصوصها التي وجدت لغاية تعليمية.

ب - طقس التعزية:

اختفت كثير من الطقوس الدينية، وفي المقابل ظهرت طقوس كطقس التعزية الشيعي وقد وجد منذ حوالي أربعة عشر قرنا أي منذ مجيء الإسلام تقريبا، بعد ظهور الصراع الطائفي وبداية الاقتتال على الخلافة بين أنصار علّي وأنصار معاوية رضي الله عنهما، ويتمثل الطقس في إعادة تمثيل معركة كربلاء والمصير المأساوي للحسين "وهكذا تشكلت تقنية مسرحية خاصة هي مزيج بين المبالغة والحقيقة بين المصطنع والواقعي، بعض المشاهد تعتمد على التأثير الفاجع"(32).

ظهرت هذه الطائفة في المجتمع المسلم فأوجدت معها عادات مختلفة وجديدة، كالاحتفال بذكرى عاشوراء حيث يعاد تجسيدها سنويا، بالاعتماد على الخيال فهو ما يعطي التجسيد أثره في المتلقي والمبالغة لابد منها في أي مأساة، أما إذا كانت المأساة حادثة واقعية فهي التي تنقل المتفرج إلى متفاعل ومؤمن ومصدق، إن القدرة على التجسيد هي التي تجعل هذا الطقس يختلف من عام إلى عام يقترب به من الجنس المسرحي.

جـ - خيال الظل:

وجد خيال الظل(33) في العالم العربي منذ الخلافة العباسية، لكنه لم يزدهر إلا على يد شمس الدين بن دانييل "الشهير بطيف الخيال بمصر تحت حكم بيبرس ما بين (1260 - 1277م)... قدمت بعض ملامح خيال الظل باسم ظل الخيال، خيال الظل، خيال الستار"(34).

يتدرج تواجد خيال الظل خلال الخلافة العباسية ضمن التأثيرات الأجنبية واختلاط الأجناس الذي ولد تأثيرات متعددة، فهو ليس فنا أصيلا، وإنما هو نتاج التأثيرات التركية، أما ابن دانييل فعلى يده اِكتمل هذا الفن "بفضل ابن دانييل توطدت الصلة بين خيال الظل والأدب"(35).

فشلت كل المحاولات التي سبقت اِبن دانييل، وكان له السبق في أن تحول خيال الظل من مجرد اِرتجالات إلى نصوص، لم تكن أقل أدبية من المقامات، لهذا ترى واحدة من الباحثين في تاريخ المسرح العربي بأن خيال الظل "قدم هذا التكتيك البسيط للمشخصين كل إمكانيات المسرح الحقيقي من فعل مسرحي ونص أدبي وحركة وشخصيات وموسيقى وغناء"(36).

إن حضور القصة المسرحية الحوارية يستلزم وجود حدث، ووجود شخصيات إلى جانبها يحتم وجود عقدة مسرحية، الأداء المستند على نص أدبي يقرب خيال الظل من فن المسرح، أما الموسيقى والغناء فهي ميزة الفرجة الشعبية عامة، ويحتمل أن ابن دانييل قد أكمل ما بُدأ به في المقامة "الواقع الذي لاشك فيه هو أن ابن دانييل قد أخذ ما تكون في حضن المقامة من دراما... وجعل منه مسرحا حقيقيا واضحا، وممارسة أوضح"(37). فإن كانت المقامة تحتوي على بعض العناصر الدرامية، فإن الباحث يبالغ حين يقول مسرح حقيقي فالمسرح وجد قبلا عند اليونان، لابد أن ابن دانييل اطلع على المقامات وأضاف إليها معرفته بالظليات فنتج نص البابة.

يعبر خيال الظل في التراث العربي عن تلاقح ثقافتين عربية وتركية، أما عن مواضيع الظليات فكانت "تقدم الأحداث التاريخية القديمة والخرافات والمواضيع الخيالية، ثم بدأت تدخل بعد ذلك القصص الشعبية وأساطير مختلف البلدان الشرقية والأقاصيص والتهريج الفارسي"(38).

الانزياح عن المواضيع الخيالية والخرافات دليل على تماشي هذا الفن مع تطور العقلية العربية التي قطعت شوطا مع الإسلام فأصبح القصص الشعبي والمستمد من الواقع أهم الموضوعات، عبر خيال الظل عن مشاعر الناس ومكبوتاتهم لهذا كان الهجاء أهم غرض له، وهذا دليل على ديمقراطيته.

ومن خلال ما تقدم يمكن أن نخلص إلى مجموعة من الملاحظات والنتائج نلخصها فيما يلي:
- وجدت الطقوس عند كل الشعوب والأمم واتخذت أشكالا مختلفة نظرا لاختلاف البيئات والديانات، لكن التطور من الطقس المقدس إلى العرض المسرحي كان ظاهرة يونانية.
- كان الانتقال من الطقس الديني إلى العرض التمثيلي استجابة لتطور المجتمع الذي انتقل من القبلية إلى المدنية، وعجل المناخ الديمقراطي السائد في أثينا بظهور المسرح وانتشاره.
- اعتمد الانتقال من الطقس إلى العرض على الموضوعات الأسطورية، لكن للتفكير الفلسفي أثر في توجيه الموضوعات من مجال القبيلة إلى اهتمامات الفرد.
- وجد الطقس في التراث العربي وغاب التقليد المسرحي؛ وهذا يفسر بالوضعية الفكرية للعرب آنذاك والبيئة التي كانت بدوية.
- لقد حملت الأشكال شبه المسرحية في التراث العربي قيمة درامية لا تنكر لكنها كانت نماذج قليلة جدا.
- اعتمدت الأشكال المسرحية العربية على القص (الملحمي) والإضحاك (الهزلي)، وقد طغا الجانب السردي على الجانب التمثيلي وهي أشكال بدائية ومرتجلة غاب عنها عنصر النظام والتدوين وهذا ما أدى إلى اندثارها.
- اقترب الحكواتي والمداح من فن المونودراما لكن هذه الأشكال أقرب إلى السرد الروائي التقليدي منه إلى العرض التمثيلي.
- يمثل خيال الظل أقرب هذه الأشكال إلى الفن المسرحي، وقد عبرت موضوعاته عن لاوعي الشعب العربي في معاناته من الاضطهاد وابتعاده عن الدين.
- لقد عكست الأشكال المسرحية العربية ملامح العصر الذي وجدت فيه، وعبرت عن هموم وآمال الناس، وكان للسلطة الحاكمة دور في انتشارها.

الهوامش:
1 - أرسطو طاليس: فن الشعر، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، ص 12.
2 - نفسه.
3 - أحمد إبراهيم: الدراما والفرجة المسرحية، دار الوفاء للطباعة والنشر، ط1، الإسكندرية، مصر 2006، ص 27.
4 - عبد الناصر خلاف: فن المثل من أرسطو إلى ستانسلافسكي، منشورات السهل، الجزائر 2009، ص 23.
5 - المصدر نفسه، ص 24.
6 - أحمد إبراهيم: الدراما والفرجة المسرحية، ص 5.
7 - المرجع نفسه، ص 28.
8 - أرسطو طاليس: فن الشعر، ص 14.
9 - ماري إلياس وحنان قصاب حسن: المعجم المسرحي، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، بيروت 1997، ص 123.
10 - محمد مندور: الأدب وفنونه، نهضة مصر، 2002، ص 74.
11 - أرسطو طاليس: فن الشعر، ص 21.
12 - ماري إلياس وحنان قصاب حسن: المعجم المسرحي، ص 123.
13 - عيسى خليل محسن الحسني: المسرح نشأته وآدابه...، دار جرير للنشر والتوزيع، ط1، عمان، الأردن 2006، ص 47.
14 - ماري إلياس وحنان قصاب حسن: المعجم المسرحي، ص 123.
15 - علي عقلة عرسان: الظواهر المسرحية عند العرب (دراسة) منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1987، ص 17.
16 - المرجع نفسه، ص 22.
17 - المرجع نفسه، ص 26.
18 - نفسه.
19 - Mohamed Aziza : Le théâtre et l'Islam, SNED, Alger, p. 37.
يذكر الباحث أن هذه الدمية تسمى في تونس "أماطانقو"، وفي الجزائر "أماتاغنجا".
20 - Ibid, p. 37.
21 - علي عقلة عرسان: المرجع السابق، ص 58.
22 - المرجع نفسه، ص 62.
23 - Mohamed Aziza : op. cit., p. 35.
24 - علي الراعي: المسرح في العالم العربي، عالم المعرفة، رقم 25، الكويت 1990، ص 30.
25 - عواد علي: غواية المتخيل المسرحي، مقاربات لشعرية النص والعرض والنقد، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، المغرب - بيروت، لبنان 1997، ص 114.
26 - علي عقلة عرسان: الظواهر المسرحية عند العرب، ص 233.
27 - فاروق سعد: المسرح في التراث الشعبي، مجلة الآداب، بيروت، العدد 1 - 2، يناير - مارس 1987، ص 5.
28 - عواد علي: غواية المتخيل المسرحي، ص 11.
29 - Mohamed Aziza : Le théâtre et l'Islam, p. 39.
30 - عواد علي: غواية المتخيل المسرحي، ص 115.
31 - نفسه.
32 - تمارا ألكساندروفنا بوتينتسفا: ألف عام وعام على المسرح العربي، ترجمة توفيق المؤذن، دار الفارابي، ط2، بيروت 1990، ص 47.
33 - عرف في بلدان أوروبا وإفريقيا تحت اسم كركوز، ينظر:
Mohamed Aziza : Le théâtre et l'Islam, p. 40.
34 - Ibid.
35 - فاروق سعد: المسرح في التراث الشعبي، ص 15.
36 - نفسه.
37 - علي الراعي: المسرح في العالم العربي، ص 89.
38 - تمارا ألكساندروفنا بوتينتسفا: المرجع السابق، ص 85.
الإحالة إلى المقال:

* حميدة سليوة: الأشكال المسرحية في التراث العربي بين الطقس والقص، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الخامس عشر 2015. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

فلسفة الحب بين العذرية والمثالية حيزية والعقاب نموذجين
حوليات التراث، العدد 13، 2013.

تحميل المقال ar

ملخصات العدد الخامس عشر